عون يواجه الاتهامات بجرأة القرار: لبنان لا يملك ترف الاستمرار في حرب مفتوحة

الكاتب: سعد الياس | المصدر: القدس العربي
14 حزيران 2026

كثّف الرئيس اللبناني العماد جوزف عون هذا الأسبوع من إطلالاته الإعلامية ومن مواقفه السياسية التي أكد من خلالها أن لبنان لن ينسحب من مسار المفاوضات على الرغم من كل الضغوط وسيكمل الطريق حتى بلوغ خواتيم لمصلحة وطننا، مستفيداً من الدعم العربي والأمريكي والأوروبي، وسائلاً عما حققه «حزب الله» من الحروب.

ولفت في آخر مواقف رئيس الجمهورية قوله «إن المراكز التي يصل إليها أي مسؤول ليست ترفاً بل مسؤولية، فإما ان يكون على قدر مسؤولياته وحجم قراراته أو فليبق في منزله.» وهذا يعني أن تولي أي منصب عام ليس امتيازاً أو وجاهة أو فرصة للحصول على النفوذ بل هو مسؤولية تتطلب اتخاذ قرارات حاسمة وتحمل نتائجها. وهذا يعني أيضاً أن المسؤول عليه امتلاك الجرأة على اتخاذ القرار وعدم الاختباء خلف أعذار أو حسابات شخصية.

وهذا ما يميّز الرئيس عون منذ اتخاذه قرار حصرية السلاح بيد الدولة والسير بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل وإصراره على إنهاء حالة العداء، رغم كل حملات الانتقاد والتخوين والتجريح التي يتعرّض لها والتي لم يتحرّك القضاء اللبناني لملاحقة من يقومون بها بسبب عدم موافقة رئيس الجمهورية على ملاحقتهم قانونياً رغم حجم الإساءات التي تطال مقام رئاسة الجمهورية من أن تستطيع النيل من هيبة الرئاسة التي تشعر بالتفاف شرائح واسعة من المجتمع اللبناني خلفها في الفترة الأخيرة، بعدما سئمت من مسؤولين في السلطة ترددوا في اتخاذ مواقف صارمة وارتأوا إدارة الأزمات بل الإقدام على حلها، ما أطال معاناة الشعب اللبناني.

أما الرئيس الحالي وبعدما أعطى فرصة طويلة للحوار مع «حزب الله» إلى درجة تشكيك البعض ممن انتخبوه بسلوكه، فهو حسم خياره في النهاية واختار التمسك بالدستور وتعزيز مؤسسات الدولة الشرعية وعدم التراجع أمام الضغوط، وهذا ما أزعج «الحزب» الذي كان يراهن على كسب الوقت وتضييع الفرص للاستمرار بسياساته التي تبيّن لا تخدم لبنان بل تخدم إيران وتوجهات الحرس الثوري الايراني الرافض فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، وكان السبّاق في رفض إعلان واشنطن الأخير قبل أن يطل أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم ثم رئيس مجلس النواب نبيه بري لإعلان رفض ما ورد في هذا الإعلان كل على طريقته.

وإذا كان «الحزب» يعلن رفضه المفاوضات المباشرة، فإن البعض يستغرب كيف يرتضي «حزب الله» أن تفاوض إيران مَن تعتبرها «الشيطان الأكبر» لوقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق ويرفض في المقابل أن تفاوض الدولة اللبنانية على وقف النار والتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب. أكثر من ذلك، فإن معلومات تتحدث عن أن القيادي في «الحزب» عبد الله صفي الدين وهو شقيق الأمين العام الراحل هاشم صفي الدين، يشارك إلى جانب الوفد الإيراني في المفاوضات الجارية في إسلام آباد مع الجانب الأمريكي، مع ما يعنيه ذلك من ازدواجية في خطاب «حزب الله» ومن أن اعتراضه ليس على المفاوضات بحد ذاتها بل على مَن يتولاها، إذ هو يريد أن تتم تحت المظلة الإيرانية بما يخدم مصلحة طهران واحتفاظه بسلاحه في الداخل اللبناني.

وقد سمع زوار رئيس الجمهورية منه «أن المفاوضات ليست سهلة، لكنها الخيار الوحيد المتاح بوجه آلة الدمار والتعدي والقتل، وأن التفاوض هو السبيل الوحيد لوقف الحرب ومنع المزيد من الدمار»، معتبراً «أن الحل العسكري لم يحقق أمناً دائماً لأي طرف، وأن لبنان لا يملك ترف الاستمرار في حرب مفتوحة».

وحدّد رئيس الجمهورية النقاط الأساسية للوفد اللبناني المفاوض وهي: وقف إطلاق النار، الإنسحاب الإسرائيلي، انتشار الجيش اللبناني في المناطق التجريبية، عودة النازحين والأسرى وإعادة الإعمار. وهذا في الأساس ما يطالب به الثنائي الشيعي. غير أن الرئيس عون يأمل في اتفاق أمني أو اتفاق عدم اعتداء يهدف إلى وقف الأعمال العسكرية المتبادلة، بينما يبقى موضوع السلام مرتبطاً بالموقف العربي.

ويستغرب الرئيس عون الاتهامات بأن «المفاوضات استسلام وتنازلات»، في نظر «حزب الله»، وآخر ما صدر في هذا الإطار، كلام عن عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسن فضل الله الذي بات مكلفاً بدلاً من رئيس كتلته النائب محمد رعد بالتواصل مع القصر الجمهوري، إذ تحدث عن «أن الخيارات المعروضة على بلدنا هي استسلام كامل وخضوع للعدو»، حاجباً ثقته عن «إدارة سياسية تقدم التنازل تلو الآخر على حساب البلد». لكنه تناسى مَن تخلى في مفاوضات الترسيم البحري عن الخط 29 لمصلحة الخط 23 ومَن تنازل عن حقل «كاريش» لإسرائيل.

أما الوفد اللبناني المفاوض برئاسة السفير السابق سيمون كرم وعضوية السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، فأوقف المفاوضات ولم يقبل استئنافها إلا بعد حصول الوفد اللبناني على ما حقق الحد الأدنى من مطالبه في ظروف صعبة للغاية نتيجة التفوّق الإسرائيلي العسكري والخلل في موازين القوى على الأرض وغياب قوة الردع التي لطالما نادى بها «حزب الله» بحيث لا يستطيع أي طرف تحصيل مكاسب تتجاوز ما توصل إليه الوفد المفاوض.

رغم هذه الوقائع، سيعمل «حزب الله» على تعطيل أي اتفاق لا يمر عبر طهران بدليل قول النائب فضل الله «السلطة تفاوض على ما لا تستطيع أن تطبقه، لأن ما تصل إليه من نتائج، لا يمكن أن يطبق ما لم توافق عليه المقاومة، وثنائي المقاومة». وهذا التصريح يُضعف موقف الوفد المفاوض الذي يتحضّر لجولة جديدة في 22 حزيران/يونيو الحالي في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية. فيما يتوقع أن تكون لأي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران انعكاسات على لبنان، على أن تثمر الاجتماعات التي عقدها الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان مع الرؤساء الثلاثة وخصوصاً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في تقريب وجهات النظر وفتح الباب للتجاوب مع خريطة الطريق الموضوعة للتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، علماً أنه سبق للرئيس بري أن أعلن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو وحده القادر على إبرام اتفاق وقف النار وإرغام إسرائيل على الالتزام به.

وسط ذلك، برزت خطوة سعودية هامة تمثلت برفع الحظر عن الصادرات اللبنانية إلى المملكة تعبيراً عن بداية قيام دولة فعلية في لبنان وتعبيراً عن دعمها للخطوات الإيجابية التي قامت بها الحكومة اللبنانية على طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة، وما أبداه الجانب اللبناني من تعاون أمني في مكافحة تهريب الكبتاغون بعد معاناة المملكة في المرحلة السابقة من غياب دولة قادرة في لبنان ما أدى إلى تحوّل البلد إلى منصة لتهريب كميات كبيرة وهائلة من حبوب الكبتاغون والمخدرات والممنوعات الأخرى إلى أراضيها.

ومن شأن القرار السعودي أن يشكل بارقة أمل للبنان وللقطاعات الإنتاجية للخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية التي ضربت البلد منذ عام 2019 ليشهد نهوضاً من تحت الرماد خصوصاً إذا التزم «حزب الله» بخيار الدولة وبحصرية السلاح.

عون يواجه الاتهامات بجرأة القرار: لبنان لا يملك ترف الاستمرار في حرب مفتوحة

الكاتب: سعد الياس | المصدر: القدس العربي
14 حزيران 2026

كثّف الرئيس اللبناني العماد جوزف عون هذا الأسبوع من إطلالاته الإعلامية ومن مواقفه السياسية التي أكد من خلالها أن لبنان لن ينسحب من مسار المفاوضات على الرغم من كل الضغوط وسيكمل الطريق حتى بلوغ خواتيم لمصلحة وطننا، مستفيداً من الدعم العربي والأمريكي والأوروبي، وسائلاً عما حققه «حزب الله» من الحروب.

ولفت في آخر مواقف رئيس الجمهورية قوله «إن المراكز التي يصل إليها أي مسؤول ليست ترفاً بل مسؤولية، فإما ان يكون على قدر مسؤولياته وحجم قراراته أو فليبق في منزله.» وهذا يعني أن تولي أي منصب عام ليس امتيازاً أو وجاهة أو فرصة للحصول على النفوذ بل هو مسؤولية تتطلب اتخاذ قرارات حاسمة وتحمل نتائجها. وهذا يعني أيضاً أن المسؤول عليه امتلاك الجرأة على اتخاذ القرار وعدم الاختباء خلف أعذار أو حسابات شخصية.

وهذا ما يميّز الرئيس عون منذ اتخاذه قرار حصرية السلاح بيد الدولة والسير بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل وإصراره على إنهاء حالة العداء، رغم كل حملات الانتقاد والتخوين والتجريح التي يتعرّض لها والتي لم يتحرّك القضاء اللبناني لملاحقة من يقومون بها بسبب عدم موافقة رئيس الجمهورية على ملاحقتهم قانونياً رغم حجم الإساءات التي تطال مقام رئاسة الجمهورية من أن تستطيع النيل من هيبة الرئاسة التي تشعر بالتفاف شرائح واسعة من المجتمع اللبناني خلفها في الفترة الأخيرة، بعدما سئمت من مسؤولين في السلطة ترددوا في اتخاذ مواقف صارمة وارتأوا إدارة الأزمات بل الإقدام على حلها، ما أطال معاناة الشعب اللبناني.

أما الرئيس الحالي وبعدما أعطى فرصة طويلة للحوار مع «حزب الله» إلى درجة تشكيك البعض ممن انتخبوه بسلوكه، فهو حسم خياره في النهاية واختار التمسك بالدستور وتعزيز مؤسسات الدولة الشرعية وعدم التراجع أمام الضغوط، وهذا ما أزعج «الحزب» الذي كان يراهن على كسب الوقت وتضييع الفرص للاستمرار بسياساته التي تبيّن لا تخدم لبنان بل تخدم إيران وتوجهات الحرس الثوري الايراني الرافض فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، وكان السبّاق في رفض إعلان واشنطن الأخير قبل أن يطل أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم ثم رئيس مجلس النواب نبيه بري لإعلان رفض ما ورد في هذا الإعلان كل على طريقته.

وإذا كان «الحزب» يعلن رفضه المفاوضات المباشرة، فإن البعض يستغرب كيف يرتضي «حزب الله» أن تفاوض إيران مَن تعتبرها «الشيطان الأكبر» لوقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق ويرفض في المقابل أن تفاوض الدولة اللبنانية على وقف النار والتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب. أكثر من ذلك، فإن معلومات تتحدث عن أن القيادي في «الحزب» عبد الله صفي الدين وهو شقيق الأمين العام الراحل هاشم صفي الدين، يشارك إلى جانب الوفد الإيراني في المفاوضات الجارية في إسلام آباد مع الجانب الأمريكي، مع ما يعنيه ذلك من ازدواجية في خطاب «حزب الله» ومن أن اعتراضه ليس على المفاوضات بحد ذاتها بل على مَن يتولاها، إذ هو يريد أن تتم تحت المظلة الإيرانية بما يخدم مصلحة طهران واحتفاظه بسلاحه في الداخل اللبناني.

وقد سمع زوار رئيس الجمهورية منه «أن المفاوضات ليست سهلة، لكنها الخيار الوحيد المتاح بوجه آلة الدمار والتعدي والقتل، وأن التفاوض هو السبيل الوحيد لوقف الحرب ومنع المزيد من الدمار»، معتبراً «أن الحل العسكري لم يحقق أمناً دائماً لأي طرف، وأن لبنان لا يملك ترف الاستمرار في حرب مفتوحة».

وحدّد رئيس الجمهورية النقاط الأساسية للوفد اللبناني المفاوض وهي: وقف إطلاق النار، الإنسحاب الإسرائيلي، انتشار الجيش اللبناني في المناطق التجريبية، عودة النازحين والأسرى وإعادة الإعمار. وهذا في الأساس ما يطالب به الثنائي الشيعي. غير أن الرئيس عون يأمل في اتفاق أمني أو اتفاق عدم اعتداء يهدف إلى وقف الأعمال العسكرية المتبادلة، بينما يبقى موضوع السلام مرتبطاً بالموقف العربي.

ويستغرب الرئيس عون الاتهامات بأن «المفاوضات استسلام وتنازلات»، في نظر «حزب الله»، وآخر ما صدر في هذا الإطار، كلام عن عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسن فضل الله الذي بات مكلفاً بدلاً من رئيس كتلته النائب محمد رعد بالتواصل مع القصر الجمهوري، إذ تحدث عن «أن الخيارات المعروضة على بلدنا هي استسلام كامل وخضوع للعدو»، حاجباً ثقته عن «إدارة سياسية تقدم التنازل تلو الآخر على حساب البلد». لكنه تناسى مَن تخلى في مفاوضات الترسيم البحري عن الخط 29 لمصلحة الخط 23 ومَن تنازل عن حقل «كاريش» لإسرائيل.

أما الوفد اللبناني المفاوض برئاسة السفير السابق سيمون كرم وعضوية السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، فأوقف المفاوضات ولم يقبل استئنافها إلا بعد حصول الوفد اللبناني على ما حقق الحد الأدنى من مطالبه في ظروف صعبة للغاية نتيجة التفوّق الإسرائيلي العسكري والخلل في موازين القوى على الأرض وغياب قوة الردع التي لطالما نادى بها «حزب الله» بحيث لا يستطيع أي طرف تحصيل مكاسب تتجاوز ما توصل إليه الوفد المفاوض.

رغم هذه الوقائع، سيعمل «حزب الله» على تعطيل أي اتفاق لا يمر عبر طهران بدليل قول النائب فضل الله «السلطة تفاوض على ما لا تستطيع أن تطبقه، لأن ما تصل إليه من نتائج، لا يمكن أن يطبق ما لم توافق عليه المقاومة، وثنائي المقاومة». وهذا التصريح يُضعف موقف الوفد المفاوض الذي يتحضّر لجولة جديدة في 22 حزيران/يونيو الحالي في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية. فيما يتوقع أن تكون لأي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران انعكاسات على لبنان، على أن تثمر الاجتماعات التي عقدها الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان مع الرؤساء الثلاثة وخصوصاً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في تقريب وجهات النظر وفتح الباب للتجاوب مع خريطة الطريق الموضوعة للتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، علماً أنه سبق للرئيس بري أن أعلن أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو وحده القادر على إبرام اتفاق وقف النار وإرغام إسرائيل على الالتزام به.

وسط ذلك، برزت خطوة سعودية هامة تمثلت برفع الحظر عن الصادرات اللبنانية إلى المملكة تعبيراً عن بداية قيام دولة فعلية في لبنان وتعبيراً عن دعمها للخطوات الإيجابية التي قامت بها الحكومة اللبنانية على طريق إعادة بناء مؤسسات الدولة، وما أبداه الجانب اللبناني من تعاون أمني في مكافحة تهريب الكبتاغون بعد معاناة المملكة في المرحلة السابقة من غياب دولة قادرة في لبنان ما أدى إلى تحوّل البلد إلى منصة لتهريب كميات كبيرة وهائلة من حبوب الكبتاغون والمخدرات والممنوعات الأخرى إلى أراضيها.

ومن شأن القرار السعودي أن يشكل بارقة أمل للبنان وللقطاعات الإنتاجية للخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية التي ضربت البلد منذ عام 2019 ليشهد نهوضاً من تحت الرماد خصوصاً إذا التزم «حزب الله» بخيار الدولة وبحصرية السلاح.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار