التفاهم الأميركي – الإيراني زلزال سياسي يؤرق إسرائيل

الكاتب: نايف عازار | المصدر: نداء الوطن
16 حزيران 2026

عندما وطأت قدما مؤسّس الجمهورية الإسلامية الإيرانية روح الله الخميني مطار مهرآباد الدولي في طهران في 1 شباط عام 1979، آتيًا من منفاه الفرنسي، سأله أحد الصحافيين وقتذاك: ما هو مشروع الجمهورية الإسلامية؟ فكان جواب الخميني ما حرفيته: إزالة إسرائيل عن خريطة العالم. مذّاك تعزّز الحقد التاريخي، لا بل الوجودي بين نظام الملالي والدولة العبرية.

وبعد مضي 47 عامًا على حكم ثيوقراطي في طهران بُنيت عقيدته على مقارعة الدولة اليهودية بالمباشر أو بالواسطة، يصبح توجّس صنّاع القرار في تل أبيب من الاتفاق الأميركي – الإيراني مفهومًا، لا بل تحصيلا حاصلا، طالما أن هذا الاتفاق يبقي نظام الملالي العليل على قيد الحياة، رغم الندوب العميقة التي خلّفتها في جسده السقيم الحرب الأميركية – الإسرائيلية الأخيرة.

لا يقتصر ارتياب صنّاع القرار في الدولة العبرية من برنامج طهران النووي فحسب، الذي شكّل أحد عناوين مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، إنما يتعدّاه إلى صواريخ إيران الباليستية، وأذرعها المتجذّرة في المنطقة منذ سنين خلت. فالاتفاق الطري العود بين العدوتين اللدودتين واشنطن وطهران يركّز على فتح المضائق والموانئ البحرية في بادئ الأمر، تمهيدًا لبدء البحث في سبل تفكيك البرنامج النووي الإيراني، ولا يلحظ صراحة أي ذكر للصواريخ الباليستية أو الأذرع.

بالنسبة إلى تل أبيب، الصراع مع ملالي طهران ليس مجرّد خلاف تكتيكي وتقني مرتبط بتخصيب اليورانيوم فقط، بل برؤية استراتيجية أشمل، تعتبر أن نظام الملالي يمثل التهديد الأخطر على الأمن القومي الإسرائيلي في المديين المتوسط والبعيد. لذلك، تضع إسرائيل الاتفاق الأميركي – الإيراني في خانة زلزال سياسي استراتيجي، سيعيد خلط أوراق المنطقة وتوازناتها لا محالة، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على تموضعها الأمني والسياسي في منطقة الشرق الأوسط، التي يُعاد رسمها بالحديد والنار منذ 7 تشرين الأول 2023. بناءً على ذلك، تتخوّف تل أبيب من أن تعزّز الاتفاقات الديبلوماسية الإيرانية مع قائد سفينة “العمّ سام” مكانة طهران الإقليمية، وأن تحدّ من حرّية الحركة العسكرية الإسرائيلية التي تفلّتت من أي ضوابط، منذ هجمات “طوفان الأقصى”.

تتعزّز قناعة لدى حكّام الدولة اليهودية بأن الاتفاق الأميركي – الإيراني سيرفع العقوبات تدريجيًا عن طهران، وسيفكّ أسر المليارات الإيرانية المجمّدة، ما يعني تنفُّس الاقتصاد الإيراني المترنّح الصعداء، تمهيدًا لإعادة ضخّه الأموال “الطاهرة” في شرايين أذرع إيران في المنطقة، خصوصًا منها “درّة تاجها”، “حزب الله” في لبنان. لذلك، يصرّ اليمين الإسرائيلي الحاكم على عدم الفصل بين برنامج طهران النووي وسياسات إيران الإقليمية، في حين ينصب تركيز الإدارة الأميركية على البرنامج النووي، الذي تعتبره الأولوية المطلقة التي تتقدّم على أي ورقة قوّة أخرى يمسك بها نظام آيات الله في طهران.

تكمن خشية إسرائيل الكبيرة أيضًا في أن يقوّض الاتفاق حرّية حركتها العسكرية فوق الأجواء الإيرانية، وأن يضع بذلك قاطن البيت الأبيض بموجب الاتفاق قيودًا عسكرية صارمة على آلتها العسكرية، إذ يُمكن أن تمسي المنشآت النووية الإيرانية تحت مظلة حماية أميركية ودولية، تقيها أي ضربات إسرائيلية مستقبلية، وعندها سيفقد أي هجوم إسرائيلي على إيران شرعيته الدولية، لا بل سيواجه معارضة دولية عارمة.

في المحصّلة، الامتعاض الإسرائيلي من الاتفاق لم يكن وليد ساعته وليس مفاجئًا. فمنذ لحظة إدارة محرّكات المقاتلات الأميركية والإسرائيلية التي تولّت دكّ بنوك الأهداف في إيران، كان هدف “العم سام” ترويض النظام الإيراني وتطويعه، بينما كان هدف الدولة العبرية إسقاط هذا النظام الذي يبدو أن الاتفاق أبقاه على قيد الحياة، وإن كان في غرفة العناية الفائقة، وبذلك تكون “رياح” ترامب جرت بما لا تشتهي “سفن” نتنياهو.

التفاهم الأميركي – الإيراني زلزال سياسي يؤرق إسرائيل

الكاتب: نايف عازار | المصدر: نداء الوطن
16 حزيران 2026

عندما وطأت قدما مؤسّس الجمهورية الإسلامية الإيرانية روح الله الخميني مطار مهرآباد الدولي في طهران في 1 شباط عام 1979، آتيًا من منفاه الفرنسي، سأله أحد الصحافيين وقتذاك: ما هو مشروع الجمهورية الإسلامية؟ فكان جواب الخميني ما حرفيته: إزالة إسرائيل عن خريطة العالم. مذّاك تعزّز الحقد التاريخي، لا بل الوجودي بين نظام الملالي والدولة العبرية.

وبعد مضي 47 عامًا على حكم ثيوقراطي في طهران بُنيت عقيدته على مقارعة الدولة اليهودية بالمباشر أو بالواسطة، يصبح توجّس صنّاع القرار في تل أبيب من الاتفاق الأميركي – الإيراني مفهومًا، لا بل تحصيلا حاصلا، طالما أن هذا الاتفاق يبقي نظام الملالي العليل على قيد الحياة، رغم الندوب العميقة التي خلّفتها في جسده السقيم الحرب الأميركية – الإسرائيلية الأخيرة.

لا يقتصر ارتياب صنّاع القرار في الدولة العبرية من برنامج طهران النووي فحسب، الذي شكّل أحد عناوين مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، إنما يتعدّاه إلى صواريخ إيران الباليستية، وأذرعها المتجذّرة في المنطقة منذ سنين خلت. فالاتفاق الطري العود بين العدوتين اللدودتين واشنطن وطهران يركّز على فتح المضائق والموانئ البحرية في بادئ الأمر، تمهيدًا لبدء البحث في سبل تفكيك البرنامج النووي الإيراني، ولا يلحظ صراحة أي ذكر للصواريخ الباليستية أو الأذرع.

بالنسبة إلى تل أبيب، الصراع مع ملالي طهران ليس مجرّد خلاف تكتيكي وتقني مرتبط بتخصيب اليورانيوم فقط، بل برؤية استراتيجية أشمل، تعتبر أن نظام الملالي يمثل التهديد الأخطر على الأمن القومي الإسرائيلي في المديين المتوسط والبعيد. لذلك، تضع إسرائيل الاتفاق الأميركي – الإيراني في خانة زلزال سياسي استراتيجي، سيعيد خلط أوراق المنطقة وتوازناتها لا محالة، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على تموضعها الأمني والسياسي في منطقة الشرق الأوسط، التي يُعاد رسمها بالحديد والنار منذ 7 تشرين الأول 2023. بناءً على ذلك، تتخوّف تل أبيب من أن تعزّز الاتفاقات الديبلوماسية الإيرانية مع قائد سفينة “العمّ سام” مكانة طهران الإقليمية، وأن تحدّ من حرّية الحركة العسكرية الإسرائيلية التي تفلّتت من أي ضوابط، منذ هجمات “طوفان الأقصى”.

تتعزّز قناعة لدى حكّام الدولة اليهودية بأن الاتفاق الأميركي – الإيراني سيرفع العقوبات تدريجيًا عن طهران، وسيفكّ أسر المليارات الإيرانية المجمّدة، ما يعني تنفُّس الاقتصاد الإيراني المترنّح الصعداء، تمهيدًا لإعادة ضخّه الأموال “الطاهرة” في شرايين أذرع إيران في المنطقة، خصوصًا منها “درّة تاجها”، “حزب الله” في لبنان. لذلك، يصرّ اليمين الإسرائيلي الحاكم على عدم الفصل بين برنامج طهران النووي وسياسات إيران الإقليمية، في حين ينصب تركيز الإدارة الأميركية على البرنامج النووي، الذي تعتبره الأولوية المطلقة التي تتقدّم على أي ورقة قوّة أخرى يمسك بها نظام آيات الله في طهران.

تكمن خشية إسرائيل الكبيرة أيضًا في أن يقوّض الاتفاق حرّية حركتها العسكرية فوق الأجواء الإيرانية، وأن يضع بذلك قاطن البيت الأبيض بموجب الاتفاق قيودًا عسكرية صارمة على آلتها العسكرية، إذ يُمكن أن تمسي المنشآت النووية الإيرانية تحت مظلة حماية أميركية ودولية، تقيها أي ضربات إسرائيلية مستقبلية، وعندها سيفقد أي هجوم إسرائيلي على إيران شرعيته الدولية، لا بل سيواجه معارضة دولية عارمة.

في المحصّلة، الامتعاض الإسرائيلي من الاتفاق لم يكن وليد ساعته وليس مفاجئًا. فمنذ لحظة إدارة محرّكات المقاتلات الأميركية والإسرائيلية التي تولّت دكّ بنوك الأهداف في إيران، كان هدف “العم سام” ترويض النظام الإيراني وتطويعه، بينما كان هدف الدولة العبرية إسقاط هذا النظام الذي يبدو أن الاتفاق أبقاه على قيد الحياة، وإن كان في غرفة العناية الفائقة، وبذلك تكون “رياح” ترامب جرت بما لا تشتهي “سفن” نتنياهو.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار