مناطق تمركز العدو: خريطة الاحتلال وعودة الجنوبيين المستحيلة

الكاتب: حسن فقيه | المصدر: المدن
16 حزيران 2026

مرة جديدة كان الجنوب اللبناني على موعد مع مشهد العودة، عودة الأهالي إلى القرى التي بات يُعتقد أنها خارج نطاق الاحتلال الإسرائيلي المباشر، وذلك بعد الإعلان الرسمي عن الاتفاق الإيراني – الأميركي الذي شمل لبنان ضمن ترتيباته السياسية والأمنية. إلا أن مشهد العودة هذه المرة لم يشبه ما سبقه، فقد بدا أكثر حذراً وأقل اندفاعاً، بعدما اختبر الجنوبيون خلال الأشهر الماضية تبدلات ميدانية سريعة ووعوداً لم تتحقق بالكامل، ما دفع كثيرين إلى التريث قبل اتخاذ قرار العودة النهائية إلى قراهم.

في الساعات الأولى من الصباح، بدا المشهد عند جسر الشهيدين محمد سعد وخليل جرادي في منطقة القاسمية، البوابة الرئيسية المؤدية إلى قرى قضائي صور وبنت جبيل، هادئاً نسبياً مقارنة بالمشاهد التي شهدها الجنوب في محطات سابقة. لكن مع توالي التصريحات السياسية وصدور بيان رئيس مجلس النواب نبيه بري، حتى وإن لم يتضمن دعوة صريحة للعودة، بدأت حركة السير تتزايد تدريجياً، وعادت السيارات لتسلك الطرق المؤدية نحو القرى الجنوبية، في مشهد حمل الكثير من الأمل، لكنه حمل أيضاً الكثير من الأسئلة والقلق. فالسؤال الأساسي الذي يطرحه أبناء الجنوب اليوم لا يتعلق فقط بإمكانية العودة، بل بحدود هذه العودة نفسها. إلى أي قرى يمكن الوصول بأمان؟ وأي مناطق ما زالت خاضعة للاحتلال الإسرائيلي أو تقع ضمن نطاق الخطر العسكري؟ وهل عاد الجنوب فعلاً إلى ما كان عليه قبل الحرب، أم أن واقعاً جغرافياً وأمنياً جديداً فُرض على الأرض؟

ميدانياً، يمكن تقسيم المناطق الجنوبية الواقعة تحت الاحتلال أو ضمن دائرة الخطر إلى ثلاثة قطاعات رئيسية، علماً أن عدداً كبيراً من هذه القرى ما زالت العودة إليها ممنوعة أو شديدة الخطورة، فضلاً عن أن بعضها أصبح غير قابل للحياة أساساً نتيجة الدمار الهائل الذي لحق به.

القطاع الغربي… من الناقورة إلى أطراف صور

يمتد هذا القطاع من الناقورة وصولاً إلى أطراف قضاء صور، ويضم عدداً من القرى التي تعرضت لدمار واسع أو ما زالت تشهد وجوداً عسكرياً إسرائيلياً أو عمليات توغل متكررة. ومن أبرز هذه القرى: الناقورة، علما الشعب، الضهيرة، يارين، الجبين، شيحين، أم التوت، البستان، مروحين، الزلوطية، طير حرفا، شمع، البياضة، وصولاً إلى آخر النقاط المتقدمة عند مجدل زون.

كما تسيطر إسرائيل على عدد من التلال والنقاط المرتفعة المشرفة على الساحل والحدود، الأمر الذي يجعل أجزاء واسعة من هذه المنطقة ضمن نطاق المراقبة والاستهداف المباشر. وتُعد الطرق المؤدية إلى هذه القرى، إضافة إلى الأحراج والمساحات المفتوحة المحيطة بها، مناطق شديدة الخطورة بسبب احتمال وجود ذخائر غير منفجرة أو التعرض لاستهدافات مفاجئة.

ولهذا السبب فرض الجيش اللبناني إجراءات أمنية مشددة عند بلدة المنصوري، ومنع الدخول في الوقت الراهن إلى بعض المناطق التي تحولت فعلياً إلى خطوط تماس مباشرة مع الاحتلال. وحتى القرى التي يمكن الوصول إليها نظرياً، مثل الحنية والقليلة، ما زالت تفتقد إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، فضلاً عن استمرار التهديد الإسرائيلي المحيط بها.

أما بقية قرى القضاء، فتتراوح أوضاعها بين الدمار الكلي والجزئي، كما هو الحال في مدينة صور التي تعرضت لأضرار واسعة. ومع ذلك، تبقى العودة إلى عدد من البلدات ممكنة، ومنها طورا، معركة، برج رحال، معروب، صديقين، دير قانون النهر، بدياس وغيرها من القرى التي شهدت عودة تدريجية لسكانها.

القطاع الأوسط… قلب المواجهة وحدود الاحتلال

يُعد القطاع الأوسط الأكثر حساسية وتعقيداً نظراً لكثافة القرى الحدودية فيه وأهميته الاستراتيجية. وتشكل تلال مارون الرأس وتلال مسكاف عام والمواقع المرتفعة المحيطة بها نقاطاً استراتيجية تمنح الاحتلال قدرة كبيرة على الإشراف الناري والبصري على مساحات واسعة من جنوب لبنان.

في هذا القطاع، الذي يقع بمعظمه ضمن قضاء بنت جبيل، تنقسم الصورة الميدانية إلى قسمين: مناطق محتلة بشكل مباشر، وأخرى غير محتلة لكنها تقع ضمن دائرة الخطر الشديد أو تعرضت لدمار يجعل الحياة فيها شبه مستحيلة.

وتُعتبر قرى مارون الرأس، يارون، بنت جبيل، بيت ليف، عيتا الشعب، القوزح، عيناتا، دبل، حداثا، رشاف والطيري من القرى التي لا تزال العودة إليها مستحيلة أو شديدة الخطورة بفعل الواقع الميداني القائمأما بلدتا كفرا وياطر، فقد أقفل الجيش اللبناني بعض مداخلهما بهدف تنظيم العودة وتأمينها، نظراً إلى حجم المخاطر المحيطة بهما. وفي بلدة حاريص يقف الاحتلال عند أطرافها مباشرة، وقد رُصدت صباحاً دبابة إسرائيلية داخل نطاق البلدة، ما يجعل العودة إليها غير آمنة في الوقت الحاضر.

في المقابل، تُعد مناطق فرون، قلاوية وبرج قلاوية من القرى التي يمكن الوصول إليها، لكنها تكاد تكون غير صالحة للسكن نتيجة الدمار الواسع وانعدام الخدمات الأساسية. أما الغندورية، فما زالت تُصنف من المناطق الخطرة بعد أن وصلت إليها القوات الإسرائيلية خلال مراحل التوغل الأخيرة.

وتبقى تبنين من البلدات التي يمكن دخولها، إلا أنها تعرضت لدمار كبير جعل العودة الطبيعية إليها أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الراهنلذا فإن العودة في هذا القضاء كانت أقل من أقضية أخرى، لكنها وجدت ولم تنقطع بالكامل.

القطاع الشرقي وامتداد الخط الأصفر

يُعد القطاع الشرقي من أكثر المناطق التي شهدت توسعاً لما بات يُعرف بـ”الخط الأصفر” الإسرائيلي. ويمتد هذا الواقع من العديسة، مركبا، كفركلا، رب ثلاثين، الطيبة، دير سريان والقنطرة، وصولاً إلى حولا، ميس الجبل، بليدا، محيبيب، وعدشيت القصير.

كما يمتد تأثير هذا الواقع الجديد إلى عمق أكبر داخل محافظة النبطية، ليشمل الزوطر الشرقية، الزوطر الغربية، ميفدون، كفرتبنيت، أرنون، ويحمر الشقيف، فيما تبقى النبطية الفوقا محاطة بمصادر الخطر من جهاتها المختلفة.

ورغم ذلك، عاد أبناء النبطية إلى مدينتهم، في محاولة لاستئناف الحياة الطبيعية، ولو أن المدينة باتت عملياً على مسافة قريبة جداً من نطاق التهديد الإسرائيلي المباشر.

وفي الواقع، فإن هذه العودة لا يمكن وصفها بأنها عودة استقرار كاملة، بل هي أقرب إلى عملية استطلاع وتفقد للمنازل والممتلكات والأرزاق. فمعظم القرى، ولا سيما في قضاء النبطية، لا تزال غير صالحة للحياة حالياً، سواء بسبب التهديدات الأمنية أو بسبب انعدام المقومات الأساسية للحياة من كهرباء ومياه واتصالات وخدمات.

واقع سياسي جديد على الأرض

سياسياً، تكشف خريطة الانتشار الإسرائيلي الحالية أن ما كان يُعرف سابقاً بـ”الخط الأصفر” لم يعد يقتصر على الشريط الحدودي الضيق الذي نشأ بعد التحرير عام 2000، بل تمدد عملياً ليشمل عشرات القرى والتلال والمواقع الحاكمة داخل الأراضي اللبنانيةفإسرائيل لا تسعى بالضرورة إلى إعادة تجربة الاحتلال التقليدي الطويل الأمد، لكنها تعمل على فرض واقع أمني جديد يقوم على السيطرة النارية والمراقبة الميدانية والاحتفاظ بالنقاط الاستراتيجية التي تسمح لها بالتدخل متى تشاء وفرض معادلات جديدة على الأرض.

بين حق العودة وواقع الدمار

تبدو عودة الأهالي إلى الجنوب مرتبطة ليس فقط بالقرار السياسي أو بالتفاهمات الإقليمية، بل أيضاً بمدى نجاح أي اتفاق في إعادة رسم حدود السيطرة الميدانية وإنهاء الاحتلال الفعلي للقرى والتلال الجنوبيةفالجنوبيون الذين عادوا إلى أرضهم يحملون أملاً كبيراً باستعادة حياتهم الطبيعية، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن الجنوب لم يخرج بعد بالكامل من دائرة الخطر، وأن الطريق إلى عودة شاملة وآمنة لا تزال تحتاج إلى الكثير من الضمانات السياسية والميدانية.

وفوق كل ذلك، هناك معركة أخرى لا تقل أهمية عن المعركة الأمنية، وهي معركة إعادة تأمين أبسط مقومات الحياة. فبعض القرى لم يعد يشبه نفسه، وبعضها الآخر تحول إلى مساحات قاحلة اختفت منها الملامح والمعالم. لذلك، فإن من عادوا اليوم عادوا في معظمهم في زيارات تفقدية واستطلاعية، لا بقصد الإقامة الدائمة. فافتراش الركام هذه المرة أصعب بكثير من كل المرات السابقة، لأن حجم الدمار تجاوز حدود القدرة على التكيف، ولأن بعض القرى لم يعد فيها حتى ركام يمكن الاحتماء به أو الاتكاء عليه، بعدما تحولت أحياؤها وشوارعها إلى أرض بلا ملامح تنتظر حياة جديدة.

مناطق تمركز العدو: خريطة الاحتلال وعودة الجنوبيين المستحيلة

الكاتب: حسن فقيه | المصدر: المدن
16 حزيران 2026

مرة جديدة كان الجنوب اللبناني على موعد مع مشهد العودة، عودة الأهالي إلى القرى التي بات يُعتقد أنها خارج نطاق الاحتلال الإسرائيلي المباشر، وذلك بعد الإعلان الرسمي عن الاتفاق الإيراني – الأميركي الذي شمل لبنان ضمن ترتيباته السياسية والأمنية. إلا أن مشهد العودة هذه المرة لم يشبه ما سبقه، فقد بدا أكثر حذراً وأقل اندفاعاً، بعدما اختبر الجنوبيون خلال الأشهر الماضية تبدلات ميدانية سريعة ووعوداً لم تتحقق بالكامل، ما دفع كثيرين إلى التريث قبل اتخاذ قرار العودة النهائية إلى قراهم.

في الساعات الأولى من الصباح، بدا المشهد عند جسر الشهيدين محمد سعد وخليل جرادي في منطقة القاسمية، البوابة الرئيسية المؤدية إلى قرى قضائي صور وبنت جبيل، هادئاً نسبياً مقارنة بالمشاهد التي شهدها الجنوب في محطات سابقة. لكن مع توالي التصريحات السياسية وصدور بيان رئيس مجلس النواب نبيه بري، حتى وإن لم يتضمن دعوة صريحة للعودة، بدأت حركة السير تتزايد تدريجياً، وعادت السيارات لتسلك الطرق المؤدية نحو القرى الجنوبية، في مشهد حمل الكثير من الأمل، لكنه حمل أيضاً الكثير من الأسئلة والقلق. فالسؤال الأساسي الذي يطرحه أبناء الجنوب اليوم لا يتعلق فقط بإمكانية العودة، بل بحدود هذه العودة نفسها. إلى أي قرى يمكن الوصول بأمان؟ وأي مناطق ما زالت خاضعة للاحتلال الإسرائيلي أو تقع ضمن نطاق الخطر العسكري؟ وهل عاد الجنوب فعلاً إلى ما كان عليه قبل الحرب، أم أن واقعاً جغرافياً وأمنياً جديداً فُرض على الأرض؟

ميدانياً، يمكن تقسيم المناطق الجنوبية الواقعة تحت الاحتلال أو ضمن دائرة الخطر إلى ثلاثة قطاعات رئيسية، علماً أن عدداً كبيراً من هذه القرى ما زالت العودة إليها ممنوعة أو شديدة الخطورة، فضلاً عن أن بعضها أصبح غير قابل للحياة أساساً نتيجة الدمار الهائل الذي لحق به.

القطاع الغربي… من الناقورة إلى أطراف صور

يمتد هذا القطاع من الناقورة وصولاً إلى أطراف قضاء صور، ويضم عدداً من القرى التي تعرضت لدمار واسع أو ما زالت تشهد وجوداً عسكرياً إسرائيلياً أو عمليات توغل متكررة. ومن أبرز هذه القرى: الناقورة، علما الشعب، الضهيرة، يارين، الجبين، شيحين، أم التوت، البستان، مروحين، الزلوطية، طير حرفا، شمع، البياضة، وصولاً إلى آخر النقاط المتقدمة عند مجدل زون.

كما تسيطر إسرائيل على عدد من التلال والنقاط المرتفعة المشرفة على الساحل والحدود، الأمر الذي يجعل أجزاء واسعة من هذه المنطقة ضمن نطاق المراقبة والاستهداف المباشر. وتُعد الطرق المؤدية إلى هذه القرى، إضافة إلى الأحراج والمساحات المفتوحة المحيطة بها، مناطق شديدة الخطورة بسبب احتمال وجود ذخائر غير منفجرة أو التعرض لاستهدافات مفاجئة.

ولهذا السبب فرض الجيش اللبناني إجراءات أمنية مشددة عند بلدة المنصوري، ومنع الدخول في الوقت الراهن إلى بعض المناطق التي تحولت فعلياً إلى خطوط تماس مباشرة مع الاحتلال. وحتى القرى التي يمكن الوصول إليها نظرياً، مثل الحنية والقليلة، ما زالت تفتقد إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، فضلاً عن استمرار التهديد الإسرائيلي المحيط بها.

أما بقية قرى القضاء، فتتراوح أوضاعها بين الدمار الكلي والجزئي، كما هو الحال في مدينة صور التي تعرضت لأضرار واسعة. ومع ذلك، تبقى العودة إلى عدد من البلدات ممكنة، ومنها طورا، معركة، برج رحال، معروب، صديقين، دير قانون النهر، بدياس وغيرها من القرى التي شهدت عودة تدريجية لسكانها.

القطاع الأوسط… قلب المواجهة وحدود الاحتلال

يُعد القطاع الأوسط الأكثر حساسية وتعقيداً نظراً لكثافة القرى الحدودية فيه وأهميته الاستراتيجية. وتشكل تلال مارون الرأس وتلال مسكاف عام والمواقع المرتفعة المحيطة بها نقاطاً استراتيجية تمنح الاحتلال قدرة كبيرة على الإشراف الناري والبصري على مساحات واسعة من جنوب لبنان.

في هذا القطاع، الذي يقع بمعظمه ضمن قضاء بنت جبيل، تنقسم الصورة الميدانية إلى قسمين: مناطق محتلة بشكل مباشر، وأخرى غير محتلة لكنها تقع ضمن دائرة الخطر الشديد أو تعرضت لدمار يجعل الحياة فيها شبه مستحيلة.

وتُعتبر قرى مارون الرأس، يارون، بنت جبيل، بيت ليف، عيتا الشعب، القوزح، عيناتا، دبل، حداثا، رشاف والطيري من القرى التي لا تزال العودة إليها مستحيلة أو شديدة الخطورة بفعل الواقع الميداني القائمأما بلدتا كفرا وياطر، فقد أقفل الجيش اللبناني بعض مداخلهما بهدف تنظيم العودة وتأمينها، نظراً إلى حجم المخاطر المحيطة بهما. وفي بلدة حاريص يقف الاحتلال عند أطرافها مباشرة، وقد رُصدت صباحاً دبابة إسرائيلية داخل نطاق البلدة، ما يجعل العودة إليها غير آمنة في الوقت الحاضر.

في المقابل، تُعد مناطق فرون، قلاوية وبرج قلاوية من القرى التي يمكن الوصول إليها، لكنها تكاد تكون غير صالحة للسكن نتيجة الدمار الواسع وانعدام الخدمات الأساسية. أما الغندورية، فما زالت تُصنف من المناطق الخطرة بعد أن وصلت إليها القوات الإسرائيلية خلال مراحل التوغل الأخيرة.

وتبقى تبنين من البلدات التي يمكن دخولها، إلا أنها تعرضت لدمار كبير جعل العودة الطبيعية إليها أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الراهنلذا فإن العودة في هذا القضاء كانت أقل من أقضية أخرى، لكنها وجدت ولم تنقطع بالكامل.

القطاع الشرقي وامتداد الخط الأصفر

يُعد القطاع الشرقي من أكثر المناطق التي شهدت توسعاً لما بات يُعرف بـ”الخط الأصفر” الإسرائيلي. ويمتد هذا الواقع من العديسة، مركبا، كفركلا، رب ثلاثين، الطيبة، دير سريان والقنطرة، وصولاً إلى حولا، ميس الجبل، بليدا، محيبيب، وعدشيت القصير.

كما يمتد تأثير هذا الواقع الجديد إلى عمق أكبر داخل محافظة النبطية، ليشمل الزوطر الشرقية، الزوطر الغربية، ميفدون، كفرتبنيت، أرنون، ويحمر الشقيف، فيما تبقى النبطية الفوقا محاطة بمصادر الخطر من جهاتها المختلفة.

ورغم ذلك، عاد أبناء النبطية إلى مدينتهم، في محاولة لاستئناف الحياة الطبيعية، ولو أن المدينة باتت عملياً على مسافة قريبة جداً من نطاق التهديد الإسرائيلي المباشر.

وفي الواقع، فإن هذه العودة لا يمكن وصفها بأنها عودة استقرار كاملة، بل هي أقرب إلى عملية استطلاع وتفقد للمنازل والممتلكات والأرزاق. فمعظم القرى، ولا سيما في قضاء النبطية، لا تزال غير صالحة للحياة حالياً، سواء بسبب التهديدات الأمنية أو بسبب انعدام المقومات الأساسية للحياة من كهرباء ومياه واتصالات وخدمات.

واقع سياسي جديد على الأرض

سياسياً، تكشف خريطة الانتشار الإسرائيلي الحالية أن ما كان يُعرف سابقاً بـ”الخط الأصفر” لم يعد يقتصر على الشريط الحدودي الضيق الذي نشأ بعد التحرير عام 2000، بل تمدد عملياً ليشمل عشرات القرى والتلال والمواقع الحاكمة داخل الأراضي اللبنانيةفإسرائيل لا تسعى بالضرورة إلى إعادة تجربة الاحتلال التقليدي الطويل الأمد، لكنها تعمل على فرض واقع أمني جديد يقوم على السيطرة النارية والمراقبة الميدانية والاحتفاظ بالنقاط الاستراتيجية التي تسمح لها بالتدخل متى تشاء وفرض معادلات جديدة على الأرض.

بين حق العودة وواقع الدمار

تبدو عودة الأهالي إلى الجنوب مرتبطة ليس فقط بالقرار السياسي أو بالتفاهمات الإقليمية، بل أيضاً بمدى نجاح أي اتفاق في إعادة رسم حدود السيطرة الميدانية وإنهاء الاحتلال الفعلي للقرى والتلال الجنوبيةفالجنوبيون الذين عادوا إلى أرضهم يحملون أملاً كبيراً باستعادة حياتهم الطبيعية، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن الجنوب لم يخرج بعد بالكامل من دائرة الخطر، وأن الطريق إلى عودة شاملة وآمنة لا تزال تحتاج إلى الكثير من الضمانات السياسية والميدانية.

وفوق كل ذلك، هناك معركة أخرى لا تقل أهمية عن المعركة الأمنية، وهي معركة إعادة تأمين أبسط مقومات الحياة. فبعض القرى لم يعد يشبه نفسه، وبعضها الآخر تحول إلى مساحات قاحلة اختفت منها الملامح والمعالم. لذلك، فإن من عادوا اليوم عادوا في معظمهم في زيارات تفقدية واستطلاعية، لا بقصد الإقامة الدائمة. فافتراش الركام هذه المرة أصعب بكثير من كل المرات السابقة، لأن حجم الدمار تجاوز حدود القدرة على التكيف، ولأن بعض القرى لم يعد فيها حتى ركام يمكن الاحتماء به أو الاتكاء عليه، بعدما تحولت أحياؤها وشوارعها إلى أرض بلا ملامح تنتظر حياة جديدة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار