اتفاق ترامب – إيران: هل أُنجزت التسوية الكبرى على حساب حزب الله؟

أي تراجع في الاهتمام الأميركي المباشر بالملف اللبناني قد يفتح الباب أمام المزيد من التجاذبات والانقسامات، خصوصًا في ظلّ استمرار الخلاف حول دور السلاح ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية والقوى المسلحة خارج إطارها.
في تطوّر يُعدّ من أبرز التحوّلات السياسية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع إيران بعد أشهر من التصعيد العسكري والسياسي الذي أوصل الطرفين إلى حافة مواجهة واسعة كانت تهدّد بجرّ المنطقة إلى حرب مفتوحة. وجاء الإعلان بالتزامن مع انعقاد قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا على نجاح الجهود الدبلوماسية في تجنب الانفجار الكبير، ولو بصورة مؤقتة.
وأكد ترامب أن الاتفاق سيؤدّي إلى إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، مُشدّدًا على أنّ أي تخفيف للعقوبات لن يتم قبل التزام إيران بالشروط المطلوبة منها. وفي المقابل، تحدّثت تسريبات أوليّة عن تفاهمات تتعلّق بحرّية الملاحة في المضيق، وآليّات رفع تدريجي للعقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مُجمّدة مقابل خطوات إيرانية قابلة للتحقّق في عدد من الملفّات الحساسة.
لكن على الرغم من الإعلان عن الاتفاق، لا تزال تفاصيله الفعلية غير واضحة، فيما تترقّب العواصم الإقليمية والدوليّة نشر النص الكامل للتفاهم، وسط تساؤلات واسعة حول طبيعة التنازلات المتبادلة وحجم انعكاساتها على ملفات المنطقة، وفي مقدمها لبنان.
تسوية بين مأزومين
في قراءته للاتفاق، يرى الصحافي والكاتب السياسي نبيل بو منصف أنّ ما جرى لا يعكس تحولًا استراتيجيًا كبيرًا بقدر ما يمثّل “تسوية بين مأزومين”، فرضتها ظروف الطرفين وحساباتهما الداخلية والخارجية.
ويعتبر بو منصف أنّ الإدارة الأميركية بدت في موقع الباحث عن الخروج من دائرة التصعيد والحرب بعد مرحلة مكلفة سياسيًا وأمنيًّا، فيما كانت إيران تواجه ضغوطًا اقتصاديةً خانقةً وتداعيات ثقيلة للصراع المستمر في المنطقة.
ويضيف أنّ دول الخليج ودولًا إقليمية أخرى لم تعد قادرة على تحمّل استمرار التوتّرات الأمنية والعسكرية، ما ساهم في تهيئة الظروف للوصول إلى تفاهم أولي.
وعلى الرغم من ذلك، لا يبدي بو منصف تفاؤلًا كبيرًا حيال مستقبل الاتفاق، معتبرًا أنّ المؤشّرات الحالية لا توحي بأنّه يُشكّل نقطة تحوّل حقيقية بقدر ما يمثّل هدنة فرضتها الضرورة. فالاتفاق النهائي، بحسب رأيه، لا يزال بعيدًا، والطريق إليه مليء بالعقبات والتجاذبات.
الملف النووي… الاختبار الأصعب
ويُشير بو منصف إلى أنّ التفاهم المبدئي يختلف جذريًّا عن الوصول إلى اتفاق شامل ونهائي بشأن الملف النووي الإيراني، لافتًا إلى أنّ المفاوضات المقبلة ستكون أكثر تعقيدًا وحساسية. فكلّ طرف يسعى إلى تقديم أي اتفاق باعتباره انتصارًا سياسيًّا أمام جمهوره وحلفائه، ما يجعل التوصّل إلى حلول وسط أمرًا بالغ الصعوبة. كما تبرز ملفّات رفع العقوبات والتعويضات المالية وآليات التحقق من التزامات إيران كعُقدٍ أساسية قد تُعرقل التقدم في المفاوضات.
ويشدّد على أنّ واشنطن تبدو متمسكةً بربط أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأموال المُجمّدة بتنفيذ خطوات إيرانية واضحة وقابلة للتحقق، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام جولات جديدة من الشدّ والجذب خلال المرحلة المقبلة.
لبنان بين الترقّب والقلق
على الساحة اللبنانية، يرى بو منصف أنّ الحكم على الاتفاق لا يزال سابقًا لأوانه، خصوصًا أن النصوص النهائية لم تُنشر بعد، كما لم تتّضح حقيقة البنود المتعلقة بالدور الإقليمي الإيراني.
ويعتبر أنّ السؤال المركزي يتمثّل في ما إذا كانت طهران ستلتزم فعليًّا بتقليص دعمها وتمويلها لحلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم حزب الله، أم أنّ الاتفاق سيقتصر على الملف النووي من دون التطرّق بجدّية إلى النفوذ الإقليمي الإيراني.
ويؤكّد أن الاختبار الحقيقي للسياسة الأميركية لن يكون فقط في علاقتها مع إيران، بل في كيفيّة تعاملها مع الملفات اللبنانية المباشرة، ولا سيما المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية ومستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود الجنوبية.
اتفاق فرضه الاستنزاف المتبادل
من جهته، يقدّم الكاتب السياسي يوسف قاسم قراءةً مختلفةً في بعض تفاصيل المشهد، وإنْ كانت تتقاطع مع قراءة بو منصف لناحية اعتبار الاتفاق نتيجة لحالةٍ من الاستنزاف المتبادل بين واشنطن وطهران.
ويقول قاسم إنّ الإدارة الأميركية دخلت المواجهة على أساس قناعة بأن الضربات العسكرية واستهداف البُنية القيادية والعسكرية الإيرانية سيؤدّيان إلى إحداث تحوّل سريع في الداخل الإيراني، إلّا أنّ التطورات الميدانية أثبتت أن هذا الرهان لم يتحقّق بالشكل المتوقع.
ويُضيف أن إيران، على الرّغم من الضربات القاسية التي تعرّضت لها، تمكّنت من الحفاظ على قدر من التماسك السياسي والعسكري والاقتصادي، ما دفع الطرفين في نهاية المطاف إلى الاقتناع بأنّ البديل عن التسوية قد يكون حربًا طويلة ومكلفة لا يرغب أي منهما في خوضها.
ويعتقد قاسم أن ترامب كان يسعى إلى تحقيق اتفاق يتجاوز في رمزيته الاتفاق النووي الذي وقّعته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2015، بما يسمح له بتسجيل إنجاز سياسي كبير في واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في السياسة الخارجية الأميركية.
خلافات داخلية في طهران
ويلفت قاسم إلى أن القرار الإيراني بالمضي نحو التسوية لم يكن سهلًا، بل جاء بعد نقاشات وخلافات داخلية بين أجنحة مختلفة في النظام الإيراني.
فبينما فضّلت بعض الدوائر المرتبطة بالمؤسسة العسكرية مواصلة سياسة التشدّد والمواجهة، دفعت قوى أخرى باتجاه تبنّي مقاربة سياسية تسمح بتخفيف الضغوط الاقتصادية والأمنية المتراكمة. وفي نهاية المطاف، حُسم القرار لمصلحة خيار التفاوض والتسوية.
هل عاد لبنان إلى قلب المفاوضات؟
ويُثير قاسم نقطةً يعتبرها أساسيّةً في قراءة الاتفاق، تتمثّل في احتمال عودة الربط بين الملف اللبناني والملف الإيراني بعد سنوات من الحديث عن ضرورة فصل المسارات.
فبحسب رؤيته، فإنّ طهران لا تزال تنظر إلى حزب الله باعتباره ركنًا أساسيًّا من منظومة نفوذها الإقليمي، وهو ما يجعل أي تفاهم واسع مع الولايات المتحدة مؤثرًا بصورة أو بأخرى في الوضع اللبناني.
ويضيف أنّ المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي جرت خلال الفترة الماضية كانت تستند إلى فكرة الفصل بين الملفّات، إلّا أنّ الاتفاق الجديد قد يُعيد إدخال لبنان ضمن الحسابات الإقليمية الأوسع، وهو ما يُثير قلق العديد من الأوساط السياسية اللبنانية.
مخاوف من مرحلة أكثر تعقيدًا
وفي تقييمه للانعكاسات الداخلية، يُحذّر قاسم من أن بعض القوى اللبنانية قد تنظر إلى الاتفاق باعتباره تثبيتًا لموازين القوى الحالية، الأمر الذي قد ينعكس على طبيعة الصراع السياسي الداخلي خلال المرحلة المقبلة.
كما يلفت إلى أنّ أي تراجع في الاهتمام الأميركي المباشر بالملف اللبناني قد يفتح الباب أمام المزيد من التجاذبات والانقسامات، خصوصًا في ظلّ استمرار الخلاف حول دور السلاح ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية والقوى المسلحة خارج إطارها.
وفي المقابل، يشدّد على أنّ الاتفاق لا يعني بالضرورة نهاية المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، خصوصًا أن المواقف الإسرائيلية المُعلنة لا توحي بوجود استعداد لتقديم تنازلات كبيرة في هذه المرحلة.
بين التفاؤل والحذر
وبين قراءة نبيل بو منصف التي ترى في الاتفاق تسوية فرضتها أزمات الطرفين، وقراءة يوسف قاسم التي تعتبره نتيجة مباشرة لحالةٍ من الاستنزاف المتبادل أعادت رسم حسابات واشنطن وطهران، يبرز عامل مشترك يتمثّل في أن الاتفاق لا يزال في بداياته، وأنّ الحكم على نتائجه الفعلية يبقى رهنًا بما ستكشفه المفاوضات المقبلة من تفاصيل والتزامات متبادلة.
وفي انتظار نشر النّص الكامل للتفاهم، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة عنوانها إدارة الصراع أكثر من حسمه. أمّا لبنان، فيبقى واحدًا من أكثر الملفّات حساسيّةً وتأثّرًا بأي تحوّل في العلاقة الأميركية – الإيرانية، ما يجعله في موقع المُراقب الحذر لما ستؤول إليه التطورات خلال الأشهر المقبلة، وسط أسئلة مفتوحة حول مستقبل الاستقرار الداخلي، ودور حزب الله، ومصير التوازنات الإقليمية التي طالما انعكست مباشرةً على واقعه السياسي والأمني.
اتفاق ترامب – إيران: هل أُنجزت التسوية الكبرى على حساب حزب الله؟

أي تراجع في الاهتمام الأميركي المباشر بالملف اللبناني قد يفتح الباب أمام المزيد من التجاذبات والانقسامات، خصوصًا في ظلّ استمرار الخلاف حول دور السلاح ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية والقوى المسلحة خارج إطارها.
في تطوّر يُعدّ من أبرز التحوّلات السياسية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع إيران بعد أشهر من التصعيد العسكري والسياسي الذي أوصل الطرفين إلى حافة مواجهة واسعة كانت تهدّد بجرّ المنطقة إلى حرب مفتوحة. وجاء الإعلان بالتزامن مع انعقاد قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا على نجاح الجهود الدبلوماسية في تجنب الانفجار الكبير، ولو بصورة مؤقتة.
وأكد ترامب أن الاتفاق سيؤدّي إلى إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، مُشدّدًا على أنّ أي تخفيف للعقوبات لن يتم قبل التزام إيران بالشروط المطلوبة منها. وفي المقابل، تحدّثت تسريبات أوليّة عن تفاهمات تتعلّق بحرّية الملاحة في المضيق، وآليّات رفع تدريجي للعقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مُجمّدة مقابل خطوات إيرانية قابلة للتحقّق في عدد من الملفّات الحساسة.
لكن على الرغم من الإعلان عن الاتفاق، لا تزال تفاصيله الفعلية غير واضحة، فيما تترقّب العواصم الإقليمية والدوليّة نشر النص الكامل للتفاهم، وسط تساؤلات واسعة حول طبيعة التنازلات المتبادلة وحجم انعكاساتها على ملفات المنطقة، وفي مقدمها لبنان.
تسوية بين مأزومين
في قراءته للاتفاق، يرى الصحافي والكاتب السياسي نبيل بو منصف أنّ ما جرى لا يعكس تحولًا استراتيجيًا كبيرًا بقدر ما يمثّل “تسوية بين مأزومين”، فرضتها ظروف الطرفين وحساباتهما الداخلية والخارجية.
ويعتبر بو منصف أنّ الإدارة الأميركية بدت في موقع الباحث عن الخروج من دائرة التصعيد والحرب بعد مرحلة مكلفة سياسيًا وأمنيًّا، فيما كانت إيران تواجه ضغوطًا اقتصاديةً خانقةً وتداعيات ثقيلة للصراع المستمر في المنطقة.
ويضيف أنّ دول الخليج ودولًا إقليمية أخرى لم تعد قادرة على تحمّل استمرار التوتّرات الأمنية والعسكرية، ما ساهم في تهيئة الظروف للوصول إلى تفاهم أولي.
وعلى الرغم من ذلك، لا يبدي بو منصف تفاؤلًا كبيرًا حيال مستقبل الاتفاق، معتبرًا أنّ المؤشّرات الحالية لا توحي بأنّه يُشكّل نقطة تحوّل حقيقية بقدر ما يمثّل هدنة فرضتها الضرورة. فالاتفاق النهائي، بحسب رأيه، لا يزال بعيدًا، والطريق إليه مليء بالعقبات والتجاذبات.
الملف النووي… الاختبار الأصعب
ويُشير بو منصف إلى أنّ التفاهم المبدئي يختلف جذريًّا عن الوصول إلى اتفاق شامل ونهائي بشأن الملف النووي الإيراني، لافتًا إلى أنّ المفاوضات المقبلة ستكون أكثر تعقيدًا وحساسية. فكلّ طرف يسعى إلى تقديم أي اتفاق باعتباره انتصارًا سياسيًّا أمام جمهوره وحلفائه، ما يجعل التوصّل إلى حلول وسط أمرًا بالغ الصعوبة. كما تبرز ملفّات رفع العقوبات والتعويضات المالية وآليات التحقق من التزامات إيران كعُقدٍ أساسية قد تُعرقل التقدم في المفاوضات.
ويشدّد على أنّ واشنطن تبدو متمسكةً بربط أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأموال المُجمّدة بتنفيذ خطوات إيرانية واضحة وقابلة للتحقق، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام جولات جديدة من الشدّ والجذب خلال المرحلة المقبلة.
لبنان بين الترقّب والقلق
على الساحة اللبنانية، يرى بو منصف أنّ الحكم على الاتفاق لا يزال سابقًا لأوانه، خصوصًا أن النصوص النهائية لم تُنشر بعد، كما لم تتّضح حقيقة البنود المتعلقة بالدور الإقليمي الإيراني.
ويعتبر أنّ السؤال المركزي يتمثّل في ما إذا كانت طهران ستلتزم فعليًّا بتقليص دعمها وتمويلها لحلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم حزب الله، أم أنّ الاتفاق سيقتصر على الملف النووي من دون التطرّق بجدّية إلى النفوذ الإقليمي الإيراني.
ويؤكّد أن الاختبار الحقيقي للسياسة الأميركية لن يكون فقط في علاقتها مع إيران، بل في كيفيّة تعاملها مع الملفات اللبنانية المباشرة، ولا سيما المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية ومستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود الجنوبية.
اتفاق فرضه الاستنزاف المتبادل
من جهته، يقدّم الكاتب السياسي يوسف قاسم قراءةً مختلفةً في بعض تفاصيل المشهد، وإنْ كانت تتقاطع مع قراءة بو منصف لناحية اعتبار الاتفاق نتيجة لحالةٍ من الاستنزاف المتبادل بين واشنطن وطهران.
ويقول قاسم إنّ الإدارة الأميركية دخلت المواجهة على أساس قناعة بأن الضربات العسكرية واستهداف البُنية القيادية والعسكرية الإيرانية سيؤدّيان إلى إحداث تحوّل سريع في الداخل الإيراني، إلّا أنّ التطورات الميدانية أثبتت أن هذا الرهان لم يتحقّق بالشكل المتوقع.
ويُضيف أن إيران، على الرّغم من الضربات القاسية التي تعرّضت لها، تمكّنت من الحفاظ على قدر من التماسك السياسي والعسكري والاقتصادي، ما دفع الطرفين في نهاية المطاف إلى الاقتناع بأنّ البديل عن التسوية قد يكون حربًا طويلة ومكلفة لا يرغب أي منهما في خوضها.
ويعتقد قاسم أن ترامب كان يسعى إلى تحقيق اتفاق يتجاوز في رمزيته الاتفاق النووي الذي وقّعته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2015، بما يسمح له بتسجيل إنجاز سياسي كبير في واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في السياسة الخارجية الأميركية.
خلافات داخلية في طهران
ويلفت قاسم إلى أن القرار الإيراني بالمضي نحو التسوية لم يكن سهلًا، بل جاء بعد نقاشات وخلافات داخلية بين أجنحة مختلفة في النظام الإيراني.
فبينما فضّلت بعض الدوائر المرتبطة بالمؤسسة العسكرية مواصلة سياسة التشدّد والمواجهة، دفعت قوى أخرى باتجاه تبنّي مقاربة سياسية تسمح بتخفيف الضغوط الاقتصادية والأمنية المتراكمة. وفي نهاية المطاف، حُسم القرار لمصلحة خيار التفاوض والتسوية.
هل عاد لبنان إلى قلب المفاوضات؟
ويُثير قاسم نقطةً يعتبرها أساسيّةً في قراءة الاتفاق، تتمثّل في احتمال عودة الربط بين الملف اللبناني والملف الإيراني بعد سنوات من الحديث عن ضرورة فصل المسارات.
فبحسب رؤيته، فإنّ طهران لا تزال تنظر إلى حزب الله باعتباره ركنًا أساسيًّا من منظومة نفوذها الإقليمي، وهو ما يجعل أي تفاهم واسع مع الولايات المتحدة مؤثرًا بصورة أو بأخرى في الوضع اللبناني.
ويضيف أنّ المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي جرت خلال الفترة الماضية كانت تستند إلى فكرة الفصل بين الملفّات، إلّا أنّ الاتفاق الجديد قد يُعيد إدخال لبنان ضمن الحسابات الإقليمية الأوسع، وهو ما يُثير قلق العديد من الأوساط السياسية اللبنانية.
مخاوف من مرحلة أكثر تعقيدًا
وفي تقييمه للانعكاسات الداخلية، يُحذّر قاسم من أن بعض القوى اللبنانية قد تنظر إلى الاتفاق باعتباره تثبيتًا لموازين القوى الحالية، الأمر الذي قد ينعكس على طبيعة الصراع السياسي الداخلي خلال المرحلة المقبلة.
كما يلفت إلى أنّ أي تراجع في الاهتمام الأميركي المباشر بالملف اللبناني قد يفتح الباب أمام المزيد من التجاذبات والانقسامات، خصوصًا في ظلّ استمرار الخلاف حول دور السلاح ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية والقوى المسلحة خارج إطارها.
وفي المقابل، يشدّد على أنّ الاتفاق لا يعني بالضرورة نهاية المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، خصوصًا أن المواقف الإسرائيلية المُعلنة لا توحي بوجود استعداد لتقديم تنازلات كبيرة في هذه المرحلة.
بين التفاؤل والحذر
وبين قراءة نبيل بو منصف التي ترى في الاتفاق تسوية فرضتها أزمات الطرفين، وقراءة يوسف قاسم التي تعتبره نتيجة مباشرة لحالةٍ من الاستنزاف المتبادل أعادت رسم حسابات واشنطن وطهران، يبرز عامل مشترك يتمثّل في أن الاتفاق لا يزال في بداياته، وأنّ الحكم على نتائجه الفعلية يبقى رهنًا بما ستكشفه المفاوضات المقبلة من تفاصيل والتزامات متبادلة.
وفي انتظار نشر النّص الكامل للتفاهم، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة عنوانها إدارة الصراع أكثر من حسمه. أمّا لبنان، فيبقى واحدًا من أكثر الملفّات حساسيّةً وتأثّرًا بأي تحوّل في العلاقة الأميركية – الإيرانية، ما يجعله في موقع المُراقب الحذر لما ستؤول إليه التطورات خلال الأشهر المقبلة، وسط أسئلة مفتوحة حول مستقبل الاستقرار الداخلي، ودور حزب الله، ومصير التوازنات الإقليمية التي طالما انعكست مباشرةً على واقعه السياسي والأمني.












