بالفيديو- من التحريض على المسيحيين إلى تمجيد التبعية لإيران: عندما يتحول المشايخ الحزبيون إلى أدوات تعبئة

المصدر: جنوبية
20 حزيران 2026

بعد الخسائر الهائلة التي خلّفتها الحرب الأخيرة في جنوب لبنان، وما رافقها من دمار واسع طال مئات البلدات والقرى وسقوط آلاف القتلى والجرحى، يبدو أن بعض الأصوات المحسوبة على “حزب الله” بدأت تتجه نحو معركة إعادة صياغة الرواية الداخلية وتحميل الآخرين مسؤولية نتائج الخيارات التي قادت إلى هذه الحرب المدمرة.

في هذا السياق، برزت مواقف وخطابات لرجال دين يدورون في فلك الحزب، اتسمت بنبرة تحريضية وتعبوية، ليس تجاه إسرائيل التي شنت الحرب، بل تجاه مكونات لبنانية أخرى، وفي مقدمها المسيحيون ومرجعياتهم الدينية، وصولاً إلى الفاتيكان نفسه. وهي مواقف تعكس محاولة واضحة لإعادة إنتاج الانقسام الداخلي وإقناع البيئة الحاضنة للحزب بأن الآخرين نالوا الحماية والرعاية فيما تُركت القرى الشيعية وحدها لمواجهة المصير الذي فرضته الحرب.

سامي خضرا والتحريض على مسيحيي الجنوب

في مقطع فيديو أثار جدلاً واسعاً، هاجم السيد سامي خضرا الدولة اللبنانية والمرجعيات المسيحية، متهماً إياها بالاهتمام بالقرى والبلدات المسيحية الجنوبية على حساب القرى الشيعية، كما وجّه انتقادات إلى الفاتيكان بسبب دعمه للمسيحيين الصامدين في الجنوب ومتابعته أوضاعهم الإنسانية والأمنية عبر السفارة البابوية.

غير أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أساسية تتمثل في أن أهالي القرى المسيحية الحدودية، كما سكان الأحياء المسيحية في مدينة صور، طالبوا منذ بداية الحرب بحماية الدولة اللبنانية والجيش اللبناني حصراً، ورفضوا تحويل مناطقهم إلى ساحات مواجهة أو منصات إطلاق صواريخ أو جزء من أي “جبهة إسناد”.

ولعل هذا الموقف بالتحديد هو ما يثير غضب بعض أوساط الحزب، لأنه يتعارض مع السردية التي سعت إلى تعميمها منذ اندلاع الحرب، والقائمة على اعتبار أن جميع اللبنانيين شركاء في خياراته العسكرية.

البطريرك الراعي والنأي بالنفس الذي أنقذ الجنوب المسيحي

منذ بداية التصعيد، كان موقف البطريرك الماروني الكاردينال الياس الراعي واضحاً في الدعوة إلى حياد لبنان وعدم الزج به في حروب المحاور والصراعات الإقليمية.

وعندما طالب بحماية الأحياء المسيحية في مدينة صور والقرى الجنوبية، لم يكن يطالب بامتيازات خاصة لطائفة دون أخرى، بل كان يمارس دوره الطبيعي في الدفاع عن أبناء كنيسته كما يفعل أي مرجع ديني أو سياسي تجاه جمهوره.

واللافت أن “حارة المسيحيين” في صور، التي حاول خضرا تصويرها كأنها منطقة محمية أو مميزة، كانت طوال الحرب ملاذاً لعائلات لبنانية من مختلف الطوائف والمناطق، حيث لجأ إليها المسلمون والمسيحيون على حد سواء خلال الغارات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت المدينة.

من يشكر الكنائس التي استقبلت النازحين؟

خلال أشهر الحرب، فتحت الكنائس والأديرة والمؤسسات المسيحية أبوابها أمام آلاف النازحين من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، من دون سؤال عن انتماءاتهم السياسية أو الطائفية.

وقدمت مساعدات إنسانية وإيوائية واسعة في وقت كانت البلاد تواجه واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي في تاريخها الحديث.

لكن بدلاً من الاعتراف بهذا الدور الإنساني، اختار بعض المحسوبين على الحزب توجيه الاتهامات والتحريض ضد البيئة نفسها التي استقبلت النازحين وتقاسمت معهم المأوى والموارد المحدودة.

محمد سبيتي: من جمهور لبناني إلى “جالية إيرانية”

إذا كان خطاب سامي خضرا قد استهدف المسيحيين، فإن خطاب الشيخ محمد سبيتي كشف جانباً آخر من الأزمة الفكرية والسياسية التي يعيشها الحزب.

فسبيتي تحدث أمام جمهور “حزب الله” بلغة بدت وكأنها تخاطب جماعة تدين بالولاء لدولة أجنبية أكثر مما تنتمي إلى وطنها، عندما اعتبر أن آلاف القتلى سقطوا “من أجل بقاء الجمهورية الإسلامية”، متسائلاً كيف يمكن للناس أن يعيشوا أو يأكلوا أو يشربوا من دون إيران.

هذا الخطاب لا يكتفي بربط مصير جمهور الحزب بطهران، بل يقدّم إيران باعتبارها المصدر الوحيد للحماية والعيش والسلاح والكرامة، فيما تُصوَّر الدولة اللبنانية ومؤسساتها وكأنها كيانات عاجزة أو بلا قيمة.

والأخطر من ذلك أن هذا الكلام يأتي في لحظة يحاول فيها اللبنانيون استعادة مفهوم الدولة والسيادة بعد سنوات من الانهيار والحروب، ليعيد تكريس فكرة أن الولاء النهائي ليس للبنان، بل لمشروع إقليمي عابر للحدود.

بين التحريض والتبعية

تكشف مواقف سامي خضرا ومحمد سبيتي عن وجهين لخطاب واحد.

  • الوجه الأول يقوم على التحريض ضد مكونات لبنانية أخرى وتحميلها مسؤولية النجاة من حرب لم تشارك في قرارها أصلاً.
  • أما الوجه الثاني فيقوم على تمجيد التبعية السياسية والعسكرية والاقتصادية لإيران، إلى درجة تصويرها كأنها الراعي الوحيد لجمهور الحزب ومصدر بقائه.

وفي الحالتين، يغيب السؤال الأساسي: من اتخذ قرار فتح الجبهة ووضع القرى الجنوبية في قلب المواجهة؟ ومن حوّل لبنان مرة جديدة إلى ساحة لحروب الآخرين؟

فبدلاً من مراجعة الخيارات التي قادت إلى الدمار، يبدو أن بعض حزب الله اختار الهروب إلى الأمام، عبر صناعة خصوم داخليين جدد وتكريس مزيد من الانقسام بين اللبنانيين في وقت يحتاج فيه البلد إلى مصالحة وطنية حقيقية وإلى إعادة الاعتبار للدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة لجميع أبنائها.

بالفيديو- من التحريض على المسيحيين إلى تمجيد التبعية لإيران: عندما يتحول المشايخ الحزبيون إلى أدوات تعبئة

المصدر: جنوبية
20 حزيران 2026

بعد الخسائر الهائلة التي خلّفتها الحرب الأخيرة في جنوب لبنان، وما رافقها من دمار واسع طال مئات البلدات والقرى وسقوط آلاف القتلى والجرحى، يبدو أن بعض الأصوات المحسوبة على “حزب الله” بدأت تتجه نحو معركة إعادة صياغة الرواية الداخلية وتحميل الآخرين مسؤولية نتائج الخيارات التي قادت إلى هذه الحرب المدمرة.

في هذا السياق، برزت مواقف وخطابات لرجال دين يدورون في فلك الحزب، اتسمت بنبرة تحريضية وتعبوية، ليس تجاه إسرائيل التي شنت الحرب، بل تجاه مكونات لبنانية أخرى، وفي مقدمها المسيحيون ومرجعياتهم الدينية، وصولاً إلى الفاتيكان نفسه. وهي مواقف تعكس محاولة واضحة لإعادة إنتاج الانقسام الداخلي وإقناع البيئة الحاضنة للحزب بأن الآخرين نالوا الحماية والرعاية فيما تُركت القرى الشيعية وحدها لمواجهة المصير الذي فرضته الحرب.

سامي خضرا والتحريض على مسيحيي الجنوب

في مقطع فيديو أثار جدلاً واسعاً، هاجم السيد سامي خضرا الدولة اللبنانية والمرجعيات المسيحية، متهماً إياها بالاهتمام بالقرى والبلدات المسيحية الجنوبية على حساب القرى الشيعية، كما وجّه انتقادات إلى الفاتيكان بسبب دعمه للمسيحيين الصامدين في الجنوب ومتابعته أوضاعهم الإنسانية والأمنية عبر السفارة البابوية.

غير أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أساسية تتمثل في أن أهالي القرى المسيحية الحدودية، كما سكان الأحياء المسيحية في مدينة صور، طالبوا منذ بداية الحرب بحماية الدولة اللبنانية والجيش اللبناني حصراً، ورفضوا تحويل مناطقهم إلى ساحات مواجهة أو منصات إطلاق صواريخ أو جزء من أي “جبهة إسناد”.

ولعل هذا الموقف بالتحديد هو ما يثير غضب بعض أوساط الحزب، لأنه يتعارض مع السردية التي سعت إلى تعميمها منذ اندلاع الحرب، والقائمة على اعتبار أن جميع اللبنانيين شركاء في خياراته العسكرية.

البطريرك الراعي والنأي بالنفس الذي أنقذ الجنوب المسيحي

منذ بداية التصعيد، كان موقف البطريرك الماروني الكاردينال الياس الراعي واضحاً في الدعوة إلى حياد لبنان وعدم الزج به في حروب المحاور والصراعات الإقليمية.

وعندما طالب بحماية الأحياء المسيحية في مدينة صور والقرى الجنوبية، لم يكن يطالب بامتيازات خاصة لطائفة دون أخرى، بل كان يمارس دوره الطبيعي في الدفاع عن أبناء كنيسته كما يفعل أي مرجع ديني أو سياسي تجاه جمهوره.

واللافت أن “حارة المسيحيين” في صور، التي حاول خضرا تصويرها كأنها منطقة محمية أو مميزة، كانت طوال الحرب ملاذاً لعائلات لبنانية من مختلف الطوائف والمناطق، حيث لجأ إليها المسلمون والمسيحيون على حد سواء خلال الغارات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت المدينة.

من يشكر الكنائس التي استقبلت النازحين؟

خلال أشهر الحرب، فتحت الكنائس والأديرة والمؤسسات المسيحية أبوابها أمام آلاف النازحين من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، من دون سؤال عن انتماءاتهم السياسية أو الطائفية.

وقدمت مساعدات إنسانية وإيوائية واسعة في وقت كانت البلاد تواجه واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي في تاريخها الحديث.

لكن بدلاً من الاعتراف بهذا الدور الإنساني، اختار بعض المحسوبين على الحزب توجيه الاتهامات والتحريض ضد البيئة نفسها التي استقبلت النازحين وتقاسمت معهم المأوى والموارد المحدودة.

محمد سبيتي: من جمهور لبناني إلى “جالية إيرانية”

إذا كان خطاب سامي خضرا قد استهدف المسيحيين، فإن خطاب الشيخ محمد سبيتي كشف جانباً آخر من الأزمة الفكرية والسياسية التي يعيشها الحزب.

فسبيتي تحدث أمام جمهور “حزب الله” بلغة بدت وكأنها تخاطب جماعة تدين بالولاء لدولة أجنبية أكثر مما تنتمي إلى وطنها، عندما اعتبر أن آلاف القتلى سقطوا “من أجل بقاء الجمهورية الإسلامية”، متسائلاً كيف يمكن للناس أن يعيشوا أو يأكلوا أو يشربوا من دون إيران.

هذا الخطاب لا يكتفي بربط مصير جمهور الحزب بطهران، بل يقدّم إيران باعتبارها المصدر الوحيد للحماية والعيش والسلاح والكرامة، فيما تُصوَّر الدولة اللبنانية ومؤسساتها وكأنها كيانات عاجزة أو بلا قيمة.

والأخطر من ذلك أن هذا الكلام يأتي في لحظة يحاول فيها اللبنانيون استعادة مفهوم الدولة والسيادة بعد سنوات من الانهيار والحروب، ليعيد تكريس فكرة أن الولاء النهائي ليس للبنان، بل لمشروع إقليمي عابر للحدود.

بين التحريض والتبعية

تكشف مواقف سامي خضرا ومحمد سبيتي عن وجهين لخطاب واحد.

  • الوجه الأول يقوم على التحريض ضد مكونات لبنانية أخرى وتحميلها مسؤولية النجاة من حرب لم تشارك في قرارها أصلاً.
  • أما الوجه الثاني فيقوم على تمجيد التبعية السياسية والعسكرية والاقتصادية لإيران، إلى درجة تصويرها كأنها الراعي الوحيد لجمهور الحزب ومصدر بقائه.

وفي الحالتين، يغيب السؤال الأساسي: من اتخذ قرار فتح الجبهة ووضع القرى الجنوبية في قلب المواجهة؟ ومن حوّل لبنان مرة جديدة إلى ساحة لحروب الآخرين؟

فبدلاً من مراجعة الخيارات التي قادت إلى الدمار، يبدو أن بعض حزب الله اختار الهروب إلى الأمام، عبر صناعة خصوم داخليين جدد وتكريس مزيد من الانقسام بين اللبنانيين في وقت يحتاج فيه البلد إلى مصالحة وطنية حقيقية وإلى إعادة الاعتبار للدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة لجميع أبنائها.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار