قنبلة تولسي غابارد.. هل خلقت أمريكا فيروس كورونا ونشرته للعالم؟

“قام الدكتور فاوتشي بتخصيص ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب لتمويل أبحاث اكتساب وظيفة خطيرة لتعزيز خصائص فيروسات كورونا”
بهذا الاتهام الصريح، اختارت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية السابقة تولسي غابارد أن تختم مسيرتها الوظيفية في الساعات الأخيرة لها في المنصب. ألقت غابارد قنبلة سياسية، في 18 يونيو/ حزيران الحالي، حين اتهمت أنتوني فاوتشي، بصفته مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية ، بتخصيص ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب لتمويل أبحاث “اكتساب وظيفة” (Gain-of-Function) خطيرة لتعزيز خصائص فيروسات كورونا في معهد ووهان لعلوم الفيروسات في الصين، وهي الأبحاث التي ينظر إليها الآن على نطاق واسع على أنها كانت مصدر جائحة “كوفيد-19″.
لم تكتف غابارد بذلك، وإنما اتهمت فاوتشي بـ”توجيه” تقييمات مجتمع الاستخبارات الأمريكي حول منشأ “كوفيد-19″، في إشارة ضمنية إلى التلاعب، والكذب أمام الكونغرس عام 2024 حين نفى علمه أو مشاركته في نقاشات مع مسؤولي استخبارات أمريكيين حول الأبحاث الفيروسية. وأكدت غابارد أن فاوتشي، ومجموعة من القيادات داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي، تعمدوا إخفاء الحقيقة، وضيقوا على الآراء المخالفة، ووجهوا السردية الإعلامية نحو المنشأ الطبيعي الحيواني للفيروس لإبعاد الأنظار عن الأصل المعملي المحتمل.
البيان أحال إلى أرشيف منشور يتضمن أجزاء من ملفات رُفعت عنها السرية، منها تقرير من مختبر لورنس ليفرمور الوطني يعود إلى مايو/أيار 2020 يتحدث عن شروط “تعديل مختبري” محتملة في معهد ووهان، وجدول اجتماع خبراء في فبراير/شباط 2020 حول البيانات المطلوبة لتقييم فيروس كورونا، ومقالات علمية عن تركيب تسلسلات الحمض النووي للفيروس، ورسائل إلكترونية حول توصيات فاوتشي، وقراءات موجزة لاجتماعات، ورسائل عن تقييمات الكونغرس، ومواد تتعلق بمناقشات أجهزة الاستخبارات حول أصول الوباء.
لكن حينما تظهر مشكلة سياسية، بتغطية شديدة الشحن إعلاميا، حول جائحة خطيرة قتلت الملايين حول العالم، من بينهم ربما شخص تعرفه أو أكثر، فلابد أن نبدأ بتقصي الحقائق بتمهل، كي لا نقع فريسة لمعركة إعلامية في دولة أخرى لا علاقة لنا باضطراباتها السياسية الداخلية. يحاول هذا التقرير الإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسية: ما هي أبحاث اكتساب الوظيفة، وهل هي خبيثة كما يبدو؟ وهل مولت الحكومة الأمريكية، عبر الوكالات التي كان يرأسها فاوتشي، هذه الأبحاث في ووهان بالفعل؟ والسؤال الأهم: هل تسبب أي من ذلك في ظهور “كوفيد-19″؟
أبحاث اكتساب الوظيفة
تعرف “أبحاث اكتساب الوظيفة” بأنها دراسات طبية وعلمية تُجري تعديلا جينيا على كائن حي أو مسبب مرضي لمنحه خصائص بيولوجية جديدة أو تعزيز بعض خصائصه الأصلية، مثل زيادة قدرته على الانتقال، أو تغيير نوع العائل الذي يمكنه إصابته، أو تعزيز فتك المرض. هذا النوع من الأبحاث لم يظهر مع “كوفيد-19″، ولكنه أقدم بكثير، فالعلماء لطالما عدلوا كائنات دقيقة كي يفهموا كيف تعمل الجينات، وكيف تتعرف الفيروسات إلى خلايا الإنسان أو الحيوان، وكيف تنشأ مقاومة الأدوية واللقاحات، يتضمن ذلك أيضا هندسة الخميرة لإنتاج الأنسولين، وصولا إلى تحفيز البكتيريا على إنتاج إنزيمات مفيدة، وغير ذلك من الأنشطة العلمية التي تحدث كل يوم.
“لطالما عدّل العلماء كائنات دقيقة كي يفهموا كيف تعمل الجينات، وكيف تتعرف الفيروسات إلى خلايا الإنسان أو الحيوان، وكيف تنشأ مقاومة الأدوية واللقاحات”
لكن نقطة الانفجار الجماهيري جاءت مع إنفلونزا الطيور في عامي 2011 و2012، عندما أثارت تجربتان شهيرتان بقيادة الدكتور رون فوشييه في مركز إيراسموس الطبي بهولندا، والدكتور يوشيهيرو كاواوكا في جامعة ويسكونسن الأمريكية، موجة قلق شديدة في الأوساط العلمية والسياسية على حد سواء، حيث اختبرا ما إذا كان فيروس الإنفلونزا “H5N1″، المعروف بفتكه الشديد وصعوبة انتقاله بين البشر، يمكن أن يكتسب طفرات تجعله ينتقل عبر الهواء بين الثدييات. استخدمت التجارب حيوانات النمس، وكانت النتيجة صادمة، حيث أمكن الحصول على فيروسات تنتقل بين حيوانات النمس عبر الرذاذ أو الهواء. نعم، لقد تحول فيروس ذو احتمال خطورة ضعيف إلى فيروس يمكن أن يتحول لجائحة في عوالم كائن النمس.
هذا بالضبط ما نعنيه بالإشارة إلى “أبحاث اكتساب الوظيفة”، أن يتمكن العلماء من إكساب عدد من الصفات للفيروسات، أخطرها الضراوة (القدرة على الفتك) والانتشار، لكن لاحظ أن الاصطلاح العلمي أوسع من ذلك بكثير، بل إن نسبة ضئيلة فقط من هذه الأبحاث تنطوي على قدر بالغ من الخطورة، أما البقية فمفيدة للبشرية. لكن المصطلح ارتبط في أذهان الناس بالعمل على الفيروسات الخطيرة بسبب تركيز وسائل الإعلام على هذا الشق.
الفكرة إذن بسيطة، لنفترض أن هناك فيروسا ما يصيب البشر ونسبة الوفاة بعد الإصابة به تقدر بـ 40%، لكن هناك ميزة أمان لنا، وهي أن هذا الفيروس ينتقل إلى البشر بصعوبة شديدة، عبر حدوث اتصال بلعاب أو بول أو براز الفئران المصابة، وهو أيضا لا ينتقل من البشر للبشر، إلا في حالات نادرة جدا، نتحدث هنا عن فيروس الهانتا الذي لفت الانتباه مؤخرا.
“تساعد أبحاث اكتساب الوظيفة في فهم الأوبئة الحالية والمستقبلية، ومساعدة العلماء على استباق الفيروسات المتوقع أن تتطور إلى نسح أكثر ضراوة”
فيروس الهانتا خطير جدا بالفعل، لكن آلية الإصابة تحد من نشاطه، لأن الاختلاط بالفئران ليس شائعا لدى البشر، بالتالي من غير الممكن أن نحاول مقارنته مع تفشي كورونا، الذي تسبب في جائحة عالمية. لكن ماذا لو أُحضر فيروس الهانتا للمعمل، وتم تعديله بحيث يمكن أن ينتشر من إنسان لإنسان؟
هنا يظهر خطر هذا النوع من الأبحاث، للوهلة الأولى قد يقال إنه يتعين منعها بالكامل وفورا، لكن على الجانب الآخر فإن هذه الأبحاث تمتلك قدرا من الأهمية، لأنه في علم الفيروسات عادة ما يتم استخدام هذه الأبحاث بهدف فهم الأوبئة الحالية والمستقبلية بشكل أفضل، ومساعدة العلماء على استباق الفيروسات المتوقع أن تتطور إلى نسخ أكثر ضراوة، وبالتالي القدرة على تطوير لقاح أو علاج في الوقت المناسب.
من وجهة نظر مؤيدي تجارب عام 2011، كان ما حدث إنذارا مبكرا، فالشيء نفسه يمكن أن يحدث في الطبيعة، ومن ثم فإن العلم استشرف الكارثة قبل تحدث، ويمكنه الآن للتنبؤ بالطفرات الخطرة تساعدنا على مراقبة الفيروسات في الطيور والخنازير والبشر، وتطوير لقاحات وإستراتيجيات استعداد. أما من وجهة نظر المعارضين، فقد كانت التجارب أقرب إلى صناعة وباء بأيدينا، مع احتمالين مرعبين، الأول أن يتسرب الفيروس بالخطأ من المختبر، أو أن تستخدم المعرفة المنشورة في غرض خبيث (لتطوير سلاح بيولوجي)، هنا ظهر اصطلاح “الأبحاث ذات الغرض المزدوج”، أي تلك الأبحاث، التي قد تكون غير عسكرية بالمرة، لكن يمكن عسكرة موضوعها بسهولة.
الخوف هنا ليس مجرد فكرة نظرية أو افتراضية، بل يستند إلى سجل تاريخي مقلق. على سبيل المثال، أحصت دراسة في دورية “إيبيديميولوجي آند إنفكشن” حوالي 70 حادثة تسربت فيها العدوى من المختبرات إلى عامة الناس، وسلطت الضوء على عدة حالات دُرست جيدا، من بينها ظهور سلالة إنفلونزا “H1N1” في الصين والاتحاد السوفيتي عام 1977، والتي كانت مُجمدة جينيا، وحادثة إطلاق بكتيريا الجمرة الخبيثة عام 1979 من منشأة عسكرية سوفيتية في سفيردلوفسك، وتفشي مرض الحمى القلاعية عام 2007 الذي تم تتبعه إلى مجمع أبحاث “بيربرايت” في إنجلترا.
“أحصت دراسة حوالي 70 حادثة تسربت فيها العدوى من المختبرات إلى عامة الناس، شملت الإنفلونزا والجمرة الخبيثة والحمى القلاعية”
أما فيروس السارس الأصلي نفسه، المسبب لوباء عام 2003، فقد تسرب من المختبرات في مناسبات عدة بعد احتواء التفشي، في سنغافورة، وفي تايوان. وفي عام 2004 مثلا أصيب باحثان بالفيروس المسبب للسارس في مختبر علم الفيروسات في بكين الذي درس المرض، وقاموا بنشر العدوى إلى سبعة آخرين قبل احتواء التفشي.
تحول الجدل من الإنفلونزا إلى فيروسات كورونا، في عام 2015، حين نشر رالف باريك من جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، وهو رائد في مجال الأدوات الجينية المستخدمة في بناء وتعديل فيروسات كورونا، دراسة في مجلة “نيتشر ميديسن” بالتعاون مع باحثين آخرين، من بينهم تشنغلي شي من معهد ووهان لعلوم الفيروسات. وباستخدام البيانات الجينية التي جمعتها شي لفيروس خفافيش مكتشف حديثا يُدعى “إس إتش سي 014” (SHC014) قام الفريق البحثي ببناء فيروس قادر على التكاثر في خلايا الجهاز التنفسي البشري.
حذرت الدراسة من المخاطر التي تشكلها فيروسات الخفافيش الشبيهة بفيروس سارس على البشر، بينما حذر منتقدوها من أن التجربة لم تكن سوى خلق مرض جديد في المختبر، يمكن أن يتفشى في أي لحظة، لينقل الخطر إلى العالم كله.
مشكلة فاوتشي
يعيدنا ما سبق إلى مشكلة فاوتشي. أصل الاتهام موثق بالفعل، فقد منحت المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة، من خلال المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية الذي كان يديره فاوتشي، منحة لمنظمة غير ربحية مقرها نيويورك، تدعى “تحالف الصحة البيئية” (إيكوهيلث)، لدراسة خطر انتقال فيروسات كورونا الموجودة في الخفافيش في الصين إلى البشر. أسندت شركة “إيكوهيلث” جزءا من ذلك العمل إلى معهد ووهان لعلوم الفيروسات، حيث خصصت ما يقارب 600 ألف دولار أمريكي لهذا المختبر خلال فترة المنحة الممتدة من 2014 إلى 2019.
ما سبق لا خلاف عليه، أما الخلاف الحقيقي فيتمحور حول ما إذا كان هذا العمل قد تجاوز حدود الخط الفاصل إلى فئة الخطر التي يتصورها الرأي العام. وجاء أوضح تصريح رسمي في أكتوبر/تشرين الأول 2021، عندما راسل لورانس تاباك، نائب مدير المعاهد الوطنية للصحة، الكونغرس واصفا تفاصيل “تجربة محدودة”، استخدم فيها الباحثون فيروس كورونا الخفافيش المسمى “WIV1″، واستبدلوا فيه بروتينات شوكية لصالح بروتينات من فيروسات خفافيش أخرى موجودة في الطبيعة، ثم أصابوا فئرانا معدلة وراثيا تحمل مستقبل “ACE2” البشري، وقد أصيبت بعض هذه الفئران بمرض أشد من الفئران المصابة بالفيروس غير المعدل. لكن تاباك نفسه أكد صراحة أن فيروسات كورونا الخفافيش التي درست في إطار المنحة مختلفة جينيا، بحيث لا يمكن أن تكون هي أصل فيروس كورونا المتسبب في جائحة “كوفيد-19”.
“لا خلاف حول التمويل الأمريكي لأبحاث معهد ووهان، الخلاف الحقيقي حول ما إذا كان هذا العمل يندرج تحت فئة الخطر التي يتصورها الرأي العام”
أما بالنسبة لبيان غابارد الأخير، فمن المهم أن نضعه في موضعه السليم. فهو عبارة عن مجموعة من الادعاءات حول الإجراءات والشفافية، وحول كيفية صياغة التقييم الاستخباراتي، ومن سمح له بالتأثير عليه، وما إذا كان فاوتشي صادقا تحت القسم. بمعنى أوضح، التقرير، والبيانات المسربة، تعكس مشكلة سياسية وإجرائية، لكنها لا تتضمن أي أدلة علمية جديدة حول مصدر الفيروس. أهمية هذه الوثائق لا تكمن في ذلك أصلا، بل في أنها تفتح ملف “إدارة الشك” داخل المؤسسات الأمريكية، فتسأل عمن امتلك حق التأثير في الرواية الرسمية، وتتهم فاوتشي ورفاقه بالتعامل مع “فرضية المختبر” باعتبارها خطرا سياسيا يجب احتواؤه، لا احتمالا ممكنا.
لاحظ أن هناك عدة أمور يجب مناقشتها في هذا الشأن، وهي لا تقل أهمية عن الادعاءات نفسها، فقد صدر البيان من مسؤولة سياسية على وشك مغادرة منصبها، في توقيت مدروس لتحقيق أقصى قدر من التأثير، ولم يتم التحقق من صحة الوثائق بشكل مستقل وكامل من قبل خبراء خارجيين أو هيئات تابعة للكونغرس. يأتي ذلك في سياق إنكار فاوتشي المتكرر لعلاقته بمشكلة فيروس كورونا المتسبب في الجائحة، وما بين ادعاءات الطرفين، هناك مساحة واسعة للجدل.
الجدل هنا لا يتحرك في فضاء علمي، بل في فضاء سياسي أمريكي مشحون، حيث تحولت جائحة “كوفيد-19” من كارثة صحية إلى ساحة تصفية حسابات بين مؤسسات الدولة نفسها، والفكرة أن السؤال عن أصل الفيروس هو ببساطة سؤال عمن اتخذ القرارات في أزمة “كوفيد-19″، وبالتبعية من المسؤول عن الوفيات، فاوتشي في هذا السياق كان وجها عاما للدولة الأمريكية في لحظة استثنائية، وصار بالنسبة لمؤيديه رمزا للعقلانية العلمية في مواجهة الشعبوية والإنكار، وبالنسبة لخصومه رمزا لتغول البيروقراطية الصحية واستعلائها على الرقابة.
“الجدل اليوم لا يدور في فضاء علمي، بل في فضاء سياسي أمريكي مشحون، حيث تحولت جائحة كوفيد-19 من كارثة صحية إلى ساحة تصفية حسابات بين مؤسسات الدولة نفسها”
في المقابل من هذا الجدل السياسي، فإن التقييمات الاستخباراتية الأمريكية المحدثة، حتى العام الماضي، لم تصل إلى حسم قاطع، وحتى حين رجحت وكالة الاستخبارات المركزية لاحقا سيناريو التسرب المختبري، فعلت ذلك بدرجة ثقة منخفضة، وبناء على إعادة قراءة للمعطيات المتاحة لا على دليل استخباراتي جديد وحاسم.
وهذا بالضبط ما يفرض التفريق بين مستويين مختلفين من النقاش في هذه القضية، يجب على القارئ التمييز بينهما: الأول هو مستوى سياسي وإجرائي يتعلق بالشفافية والرقابة وتضارب المصالح، وهذا هو موضع الجدل الحالي، والثاني مستوى علمي يتعلق بأصل الفيروس نفسه، فماذا يقول العلم حقا عن أصل كورونا؟
ما الذي يقوله العلم؟
علميا، توجد فرضيتان حول أصل الفيروس، الأولى هي “انتقال العدوى من الحيوان إلى الإنسان” عن طريق الاتصال الطبيعي، على الأرجح عبر تجارة الحياة البرية، بالطريقة المعتادة التي ظهر بها كل من فيروس سارس عام 2003 ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية “ميرس” عام 2012، أما الثانية فهي “حادثة متعلقة بالبحث العلمي”، والتي تقول إن الفيروس، سواء بعد أن حصل العلماء عليه من الطبيعة أو عولج في المختبر، قد تسرب عن طريق الخطأ، ويحتمل أن يكون ذلك في معهد ووهان لعلوم الفيروسات. ولم يتم إثبات صحة أي من الفرضيتين بشكل قاطع حتى الآن.
وراء هذا الخلاف توجد مساحة اتفاق واسعة. فالأصل البعيد للفيروس ليس موضع شك، وهو فيروس ساربيكوفيروس، ومستودعه الأساسي هو الخفافيش. وأقرب الفيروسات المعروفة له من الناحية الجينية هي فيروسات كورونا الموجودة في الخفافيش. لفترة من الزمن، كان أقرب الفيروسات هو “رات جي 13” (RaTG13) وهو فيروس تم أخذ عينة منه في يونان بالصين، ويشترك في حوالي 96.1% من جينومه مع فيروس كورونا، ثم في عام 2021، وصف باحثون من معهد باستور وجامعة لاوس ثلاثة فيروسات أقرب شبها وُجدت في خفافيش الكهوف في شمال لاوس، وهي منطقة جبلية وكهفية قريبة جغرافيا من مقاطعة يونان الصينية.

أحدها، ويسمى “بانال-52” (BANAL-52)، متطابق بنسبة 96.8% تقريبًا مع “كوفيد-19″، والأهم من ذلك، أن الجزء من هذا الفيروس الذي يرتبط بالخلايا البشرية يشبه نظيره في كورونا المتسبب في الجائحة بشكل كبير (16 من أصل 17 قطعة من قطع الاتصال الرئيسية متطابقة). في المختبر، استطاعت هذه الفيروسات الارتباط بمستقبلات “كوفيد-19” البشرية، ودخول الخلايا، بنفس كفاءة سلالات ووهان التي تسببت في الجائحة.
على الرغم من ذلك، لا يعد أي من هذه الفيروسات القريبة سلفا مباشرا لفيروس كورونا المتسبب في الجائحة، قد يبدو الجينوم المتشابه بنسبة أكبر من 96% متطابقا تقريبا، لكن في عالم الفيروسات ربما تحتاج مسيرة التطابق الكامل إلى عقود إضافية من الطفرات. حتى الآن، نحن لا نعرف على وجه اليقين أكثر من أن تركيبة الفيروس المتسبب في الجائحة تشبه بالفعل عدة فيروسات كورونا مختلفة موجودة في الخفافيش، وتنتشر في جنوب الصين وجنوب شرق آسيا، ولكن لم يعثر عليه حتى الآن في أي حيوان تم فحصه، كما لم يعثر في أي “مجمد مختبري” معروف على السلف المباشر له.
إلى جانب ما سبق هناك نقاش آخر لا يقل أهمية، حيث يحمل فيروس كورونا المتسبب في الجائحة ما يعرف باسم “موقع انقسام فورين” (Furin Cleavage Site)، وهو جزء قصير موجود في نقطة اتصال محددة لبروتين السنبلة البارز على سطح فيروس كورونا، ويستخدمه الفيروس للارتباط بخلايا الإنسان والدخول إليها، وهو غائب عن أقرب أقربائه المعروفين من فيروسات الخفافيش.
“يحمل فيروس الجائحة ما يعرف باسم موقع انقسام فورين، الذي يستخدمه للارتباط بخلايا الإنسان، وهو غائب عن أقرب أقربائه من الفيروسات التي تصيب الخفافيش”
بالنسبة لأنصار نظرية تسريب المختبرات، يعد هذا الأمر الأكثر إثارة للريبة بشأن الفيروس، أما بالنسبة لأنصار نظرية الأصل الطبيعي، فهو أمر غير معتاد ولكنه ليس غريبا، إذ توجد مواقع انقسام فورين وما شابهها في جميع أنواع فيروسات كورونا، بما في ذلك فيروسات كورونا المسببة لنزلات البرد الشائعة وفيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وفي فيروسات كورونا التي تصيب القطط، بنفس الشكل الجزيئي الموجود في كورونا المتسبب في الجائحة.
ظهرت الورقة البحثية الأساسية لفرضية الأصل الطبيعي للفيروس في مارس/آذار 2020، حيث نشر مجموعة من علماء الفيروسات البارزين، بقيادة كريستيان أندرسن، بحثًا بعنوان “الأصل القريب لفيروس سارس-كوف-2” في مجلة “نيتشر ميديسن”، مجادلين بأن خصائص الفيروس، وبشكل خاص قدرته المحسنة على الارتباط بمستقبلات الجسم البشري ومواقع انقسام فورين، تتوافق مع التطور الطبيعي ولا تحمل بصمات هندسة مُتعمَّدة.
كان للبحث تأثير بالغ، وعلى الرغم من أن هذه الورقة البحثية لاقت الكثير من الجدل بعد ذلك بسبب “اتهامات سياسية” للباحثين القائمين عليها، إلا أن أدلة أقوى دعمت منشأ السوق (الانتقال الطبيعي) في ورقتين بحثيتين نُشرتا عام 2022 في مجلة “ساينس”. في الورقة الأولى، أظهر الباحثون أن أقدم الحالات المعروفة للإصابة في ديسمبر/كانون الأول 2019 كانت متمركزة جغرافيا في سوق هونان، وبشكل خاص بالقرب من البائعين الذين يبيعون الحيوانات (الثدييات تحديدا)، وفي الورقة البحثية المصاحبة، قام الفريق بتحليل التنوع الجيني للحالات المبكرة، وجادلوا بأنه يعكس انتقالين منفصلين على الأقل للفيروس إلى البشر، ما يعد دليلا قويا على مصدر حيواني، لكن حتى هذه الأدلة التي تُرجح انتقال الفيروس من الحيوان إلى الإنسان لا تزال محل نقاش في الأوساط العلمية.
“رجحت الدراسات العلمية المبكرة بعد الجائحة فرضية الانتقال الطبيعي (عبر السوق) على فرضية التسريب المعملي”
أما أوضح دليل ملموس على وجود صلة بين الفيروس وحيوانات محددة، فكان من خلال مسحات بيئية أُخذت من السوق، فبعد أن نشر المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها بيانات التسلسل الجيني لعينات جُمعت من السوق في أوائل عام 2020، اكتشف فريق دولي بقيادة ألكسندر كريتس-كريستوف وفلورنس ديبار أن بعض العينات الإيجابية للفيروس تحتوي على مواد وراثية من حيوانات معرضة للإصابة، بما في ذلك كلاب الراكون والزباد. يعد هذا أقرب ما يكون إلى ارتباط مادي بين فيروس الجائحة وحيوان مضيف محتمل، ولكن من الضروري توخي الدقة في تفسير النتائج، إذ جُمعت العينات في 1 يناير/كانون الثاني 2020 أو بعده، أي بعد أكثر من شهر على الأرجح من ظهور أولى الإصابات البشرية.

أدلة المنشأ المعملي
في المقابل، تستند الأدلة على المنشأ المعملي للفيروس إلى حد كبير على الظروف المحيطة أكثر من الأدلة المادية القاطعة. وتتمثل أقوى عناصر هذا الدليل في قرب المختبر الرائد عالميا في دراسة فيروسات كورونا الخفافيش من بؤرة تفشي المرض الأولى، مع العلم بأن العمل الموثق الذي قام به معهد ووهان لعلوم الفيروسات كان على هذه العائلة من الفيروسات تحديدا.
بدأ الأمر في عام 2018، حين قدم تحالف إيكوهيلث مقترحا لوكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة (داربا) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، تحت اسم “ديفوس”، تضمن المقترح، من بين أمور أخرى، إدخال “مواقع انقسام فورين” إلى فيروسات كورونا الخفافيش بالتعاون مع مختبرات ووهان.
بالنسبة لأنصار نظرية تسريب المختبرات، فإن مجرد تداول مقترح لهندسة السمة نفسها التي ميزت لاحقا فيروس كورونا المتسبب في الجائحة، في أوساط مرتبطة بمدينة ووهان قبيل الجائحة، يعد دليلا قاطعا. مع ذلك، ثمة عدة نقاط يجب مناقشتها قبل الجزم بهذا الاستنتاج، حيث رفضت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة المقترح، ولم يمول قط، ولا يوجد دليل على تنفيذ العمل البحثي. كما جادل باحثون في مجال الأصول الطبيعية بأن العمل المقترح على موقع الانقسام لا يتطابق تماما مع “موقع فورين المحدد” الموجود في فيروس كورونا.
“المجتمع العلمي لا يزال يرجح الأصل الطبيعي للفيروس، لكنه لا ينكر الأصل المعملي تماما”
في النهاية، يمكننا أن نقول إن المجتمع العلمي لا يزال يرجح الأصل الطبيعي للفيروس، لكنه لا ينكر الأصل المعملي تماما. وفي يونيو/حزيران 2025 نشرت المجموعة الاستشارية العلمية التابعة لمنظمة الصحة العالمية والمعنية بأصول مسببات الأمراض الجديدة ، والمؤلفة من 27 خبيرا، تقريرها الذي خلص إلى أن الأدلة المتاحة تشير إلى انتقال العدوى من الحيوانات إلى الإنسان، إما مباشرة من الخفافيش أو عبر مضيف وسيط، مع التأكيد على أن معلومات بالغة الأهمية لا تزال غير متوفرة، وأن فرضية تسرب الفيروس من المختبر لا يمكن استبعادها ويجب أن تبقى مطروحة.
لم يكن التقرير محل إجماع كامل، إذ ذكرت تغطيات صحفية متطابقة أن عضوا واحدا استقال من اللجنة، وأن ثلاثة أعضاء آخرين طلبوا حذف أسمائهم من التقرير النهائي، وذكر مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية بجامعة مينيسوتا الأمريكية أن الأعضاء الثلاثة كانوا من روسيا والصين وكمبوديا.
“المشكلة حول أصل الفيروس، في صورتها المنتشرة إعلاميا، سياسية لا علمية”
في كل الأحوال، تظل المشكلة حول أصل الفيروس، في صورتها المنتشرة إعلاميا، سياسية لا علمية. فقبل عدة سنوات أشارت مراجعة نُشرت في دورية “بي إن إيه إس” إلى أن هناك عددا قليلا نسبيا من الدراسات التي تمت مراجعتها من قبل الأقران تدعم فكرة التسريب في المختبر من ناحية علمية، بينما أقوى تفسير متاح إلى الآن لنشأة الفيروس هو أنه ظهر عبر تجارة الحيوانات البرية الحية. وترى الدراسة أن فرضية التسرب من المختبر تم تطويرها من خلال مقالات الرأي والجدل السياسي بالأساس وليس الدراسات العلمية. الدراسة تشير أيضا إلى أنه على الرغم من ذلك، فالسؤال عن كيفية بدء الوباء لم تتم الإجابة عليه بشكل قاطع من ناحية علمية، ويظل احتمال الأصل المختبري قائما.

أبحاث خطيرة
جاء “كوفيد-19″، وترك بصمته الثقيلة على العالم بأكثر من 7 ملايين حالة وفاة مؤكدة، ولا يزال يضرب حتى الآن وإن بات أقل ضراوة. وبعيدا عن الجدل حول منشأ الفيروس، فإن هناك جدلا آخر لا يقل أهمية يتعلق بالأبحاث الخطيرة على الفيروسات بشكل عام.
يُجرى هذا النوع من الأبحاث -الذي يستهدف تعديل خصائص الفيروسات والبكتيريا شديدة الخطورة- داخل “مختبرات الاحتواء العالي” من المستويين الثالث والرابع. وينقسم نظام الأمان الحيوي تدريجيا من المستوى الأول وحتى الرابع؛ حيث يُمثّل المستويان الثالث (BSL-3) والرابع (BSL-4) أعلى درجات التحصين والاحتواء. وتُخصص هذه المختبرات للتعامل مع مسببات الأمراض الفتاكة التي قد لا تتوفر لها علاجات أو لقاحات فعالة، مثل فيروسات إيبولا وماربورغ، وغيرها من الفيروسات النزفية.
وفقا لخريطة “غلوبال بيولابس”، تتركز المختبرات من هذا النوع (وعددها 69 مختبرا) في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية. أوروبا تحديدا تضم أكبر كتلة من هذه المختبرات، تليها آسيا التي تشهد طفرة بناء واضحة بعد “كوفيد-19″، ثم أمريكا الشمالية، بينما توجد مختبرات أقل في أفريقيا وأمريكا الجنوبية.
القيود تختلف من بلد إلى آخر، ولا يوجد حتى الآن نظام عالمي واحد ملزم يحكم كل “أبحاث اكتساب الوظيفة”، منظمة الصحة العالمية تقدم إطارا عاما للسلامة الحيوية قائما على تقييم المخاطر حالة بحالة، بمعنى أن القرار لا يتوقف فقط على نوع المختبر، بل على طبيعة العامل الممرض، وطريقة التجربة، وحجم العينة، واحتمال العدوى، وطريقة الانتقال، ووجود علاج أو لقاح، وخبرة العاملين، وخطة التعامل مع الحوادث.
في الولايات المتحدة، ظهرت القيود الحديثة بعد الجدل الكبير حول تجارب إنفلونزا الطيور، حيث أوقفت الحكومة عام 2014 تمويل أنواع معينة من “أبحاث اكتساب الوظيفة” على فيروسات الإنفلونزا وسارس وميرس، ثم رفعت الوقف عام 2017 مع إنشاء إطار مراجعة خاص بأبحاث المُمرضات الوبائية المعززة. وفي كندا، يوجد نموذج أكثر مركزية عبر قانون ولوائح المُمرضات البشرية والسموم، أما في أوروبا، فإن الوضع أكثر تجزؤا. بعض الدول مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وهولندا تمتلك تقاليد رقابية قوية نسبيا، لكن مستوى الشفافية وتفاصيل المراجعة يختلفان من دولة إلى أخرى.
وفي دول أخرى، مثل الصين والهند واليابان وسنغافورة وأستراليا وجنوب أفريقيا، هناك مختبرات مماثلة تخضع لأطر وطنية مختلفة، تتشابه في أشياء وتختلف في أخرى مع أوروبا وأمريكا، لكن المعايير، بنظرة من الأعلى، تظل واحدة تقريبا.
“بعد كوفيد-19 سارعت دول كثيرة إلى بناء مختبرات احتواء جديدة بعد أن كانت متمركزة في مناطق محدودة حول العالم”
إلا أن ما يقلق خبراء السلامة الحيوية ليس ما سبق، بل حقيقة أن هناك فجوة بين التوسع السريع في مختبرات الاحتواء العالي وبين بطء تطور طرق الرقابة، فبعد “كوفيد-19” سارعت دول كثيرة إلى بناء مختبرات جديدة من هذا النوع بعد أن كانت متمركزة في مناطق محدودة حول العالم، لكن تقارير المتابعة تشير إلى أن الرقابة القانونية على الأبحاث مزدوجة الاستخدام لا تزال نادرة عالميا، وأن كثيرا من الدول التي تمتلك أو تخطط لامتلاك مختبرات من هذا النوع لا تملك بعد نظاما قويا ومعلنا لمراجعة الأبحاث التي قد تزيد خطورة المُمرضات.
هنا تحديدا تظهر مخاطر استخدام الفيروسات كسلاح بيولوجي، الخوف من هذا النوع من الأسلحة ليس وليد “كوفيد-19″، ففي عام 2001، نشرت مجموعة بحثية أسترالية تجربة على فيروس جدري الفئران. كان الهدف مكافحة القوارض، لكن النتيجة غير المتوقعة كانت أن تعديلا معينا جعل الفيروس أكثر فتكا في الفئران، حتى لدى فئران كان يفترض أنها مقاومة أو محصنة.
أثارت الدراسة ذعرا لأنها أظهرت أن تغييرا بيولوجيا صغيرا نسبيا قد يقلب مُمرضا بسيطا إلى قاتل فتاك. أما في عام 2002، فقد صُنع فيروس شلل الأطفال كيميائيا من معلومات تسلسل جيني متاحة، بحسب دراسة في دورية “نيتشر”. مرة أخرى، لم يكن الهدف عسكريا، بل كان إثبات قدرة علمية وفهم حدود البيولوجيا الجزيئية، لكن الرسالة الصحية كانت مرعبة، حيث لم يعد الحصول على فيروس يتطلب دائما عينة طبيعية من الفيروس نفسه، بل قد تكفي المعلومات والمواد والخبرة لتخليق فيروس قاتل من الصفر.
“”يمكن لتغيير بيولوجي صغير أن يحول مُمرضا بسيطا إلى قاتل فتاك”
وفي عام 2005، أعاد باحثون بناء فيروس “إنفلونزا 1918” (الإنفلونزا الإسبانية) أحد أكثر فيروسات القرن العشرين فتكا، ونشرت الدراسة في دورية “ساينس”. من وجهة نظر علمية، ساعدت التجربة على فهم سبب ضراوة ذلك الوباء وكيف تصرفت جينات الفيروس، لكن من وجهة نظر وبائية، بدا الأمر كما لو أن العلم أعاد إلى الحياة شبحا قاتلا دفن منذ قرن. ثم جاءت تجارب إنفلونزا الطيور (H5N1) في 2011 و2012، سالفة الذكر.

نظريا، فإن بعض المعرفة الناتجة عن هذه الأبحاث قد تنتج -بقصد أو بغير قصد- مسارات خطرة، لا يتوقف الأمر فقط على زيادة الانتشار أو الضراوة، بل يمكن نظريا تصميم فيروس ليقاوم اللقاحات أو حتى يتفادى التشخيص، لكن تحويل المعرفة إلى سلاح فعلي يظل مشكلة، حيث يتطلب حماية للفاعل نفسه، فإذا قمت بتصميم سلاح بيولوجي سهل الانتشار، فإنه حتما سيصل إلى شعبك، ضمن جائحة عالمية. لكن على الرغم من ذلك، فإن الاحتمالات تظل ممكنة، على الأقل في سياق الضربة النهائية، أي حينما تتعرض دولة ما لخطر السحق بسلاح نووي مثلا وترى أن عليها أن ترد بأي ثمن.
في السنوات الأخيرة، أضاف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة إلى نقاش الأمن الحيوي، فهو يضيف عقلا تنبؤيا فوق الجينوم الفيروسي. وفي دراسة منشورة في دورية “ساينس” استخدم باحثون نماذج لغوية حاسوبية للتعامل مع بروتينات فيروسات مثل الإنفلونزا والإيدز وكورونا، بحيث يمكن تقدير الطفرات التي قد تسمح للفيروس بالاحتفاظ بوظيفته، مع الهروب من التعرف المناعي.
“أضاف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة إلى نقاش الأمن الحيوي، فهو يضيف عقلا تنبؤيا فوق الجينوم الفيروسي”
هذا النوع من العمل مفيد جدا في مراقبة المتحورات وتصميم لقاحات وأجسام مضادة أفضل، لكنه يوضح في الوقت نفسه كيف يمكن للخوارزميات أن تضيء خريطة الطفرات الحساسة، وتعرف أي المواضع التي قد تغير سلوك الفيروس دون أن تدمر قدرته على العمل.
بسبب هذا التقدم المتسارع، بدأ فريق من العلماء يتعامل مع الذكاء الاصطناعي الحيوي بوصفه امتدادا جديدا لمشكلة الاستخدام المزدوج، ففي دراسة منشورة عام 2025 في مجلة “بلوس”، فرع الحوسبة الحيوية، ناقش باحثون من مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي ما سموه “قدرات مزدوجة الاستخدام مثيرة للقلق” في النماذج البيولوجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مؤكدين أن أدوات كهذه ينبغي تقييمها قبل نشرها، خصوصا إذا كانت قد تساعد، ولو بصورة غير مباشرة، على مخاطر عالية العواقب مثل إنتاج أوبئة قابلة للانتشار الواسع.
هذا تحديدا هو ما يثير القلق، ويستحق المتابعة والنقاش الواسع، نتحدث هنا ببساطة عن تطور مذهل، يمكن أن ينتج سلاحا أقوى من القنبلة النووية بمراحل، شيء لا قبل لأي دولة به، غير مرئي، يمر بسهولة عبر المطارات والموانئ والحدود، لا يوجد رادار يكشفه، ولا يمكن أن يُكتشف وجوده إلا بعد فوات الأوان. نتحدث عن مُمرض، لو كان قادرا على الانتشار مثل “كوفيد-19″، فتاكا مثل هانتا، مع تحويرات بسيطة تتطلب جهدا لاكتشافه عبر الأجهزة، فإنه يمكن أن يقتل أعدادا لا تحصى من البشر في غضون أسابيع قليلة. وهذا هو الرعب الحقيقي.
قنبلة تولسي غابارد.. هل خلقت أمريكا فيروس كورونا ونشرته للعالم؟

“قام الدكتور فاوتشي بتخصيص ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب لتمويل أبحاث اكتساب وظيفة خطيرة لتعزيز خصائص فيروسات كورونا”
بهذا الاتهام الصريح، اختارت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية السابقة تولسي غابارد أن تختم مسيرتها الوظيفية في الساعات الأخيرة لها في المنصب. ألقت غابارد قنبلة سياسية، في 18 يونيو/ حزيران الحالي، حين اتهمت أنتوني فاوتشي، بصفته مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية ، بتخصيص ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب لتمويل أبحاث “اكتساب وظيفة” (Gain-of-Function) خطيرة لتعزيز خصائص فيروسات كورونا في معهد ووهان لعلوم الفيروسات في الصين، وهي الأبحاث التي ينظر إليها الآن على نطاق واسع على أنها كانت مصدر جائحة “كوفيد-19″.
لم تكتف غابارد بذلك، وإنما اتهمت فاوتشي بـ”توجيه” تقييمات مجتمع الاستخبارات الأمريكي حول منشأ “كوفيد-19″، في إشارة ضمنية إلى التلاعب، والكذب أمام الكونغرس عام 2024 حين نفى علمه أو مشاركته في نقاشات مع مسؤولي استخبارات أمريكيين حول الأبحاث الفيروسية. وأكدت غابارد أن فاوتشي، ومجموعة من القيادات داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي، تعمدوا إخفاء الحقيقة، وضيقوا على الآراء المخالفة، ووجهوا السردية الإعلامية نحو المنشأ الطبيعي الحيواني للفيروس لإبعاد الأنظار عن الأصل المعملي المحتمل.
البيان أحال إلى أرشيف منشور يتضمن أجزاء من ملفات رُفعت عنها السرية، منها تقرير من مختبر لورنس ليفرمور الوطني يعود إلى مايو/أيار 2020 يتحدث عن شروط “تعديل مختبري” محتملة في معهد ووهان، وجدول اجتماع خبراء في فبراير/شباط 2020 حول البيانات المطلوبة لتقييم فيروس كورونا، ومقالات علمية عن تركيب تسلسلات الحمض النووي للفيروس، ورسائل إلكترونية حول توصيات فاوتشي، وقراءات موجزة لاجتماعات، ورسائل عن تقييمات الكونغرس، ومواد تتعلق بمناقشات أجهزة الاستخبارات حول أصول الوباء.
لكن حينما تظهر مشكلة سياسية، بتغطية شديدة الشحن إعلاميا، حول جائحة خطيرة قتلت الملايين حول العالم، من بينهم ربما شخص تعرفه أو أكثر، فلابد أن نبدأ بتقصي الحقائق بتمهل، كي لا نقع فريسة لمعركة إعلامية في دولة أخرى لا علاقة لنا باضطراباتها السياسية الداخلية. يحاول هذا التقرير الإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسية: ما هي أبحاث اكتساب الوظيفة، وهل هي خبيثة كما يبدو؟ وهل مولت الحكومة الأمريكية، عبر الوكالات التي كان يرأسها فاوتشي، هذه الأبحاث في ووهان بالفعل؟ والسؤال الأهم: هل تسبب أي من ذلك في ظهور “كوفيد-19″؟
أبحاث اكتساب الوظيفة
تعرف “أبحاث اكتساب الوظيفة” بأنها دراسات طبية وعلمية تُجري تعديلا جينيا على كائن حي أو مسبب مرضي لمنحه خصائص بيولوجية جديدة أو تعزيز بعض خصائصه الأصلية، مثل زيادة قدرته على الانتقال، أو تغيير نوع العائل الذي يمكنه إصابته، أو تعزيز فتك المرض. هذا النوع من الأبحاث لم يظهر مع “كوفيد-19″، ولكنه أقدم بكثير، فالعلماء لطالما عدلوا كائنات دقيقة كي يفهموا كيف تعمل الجينات، وكيف تتعرف الفيروسات إلى خلايا الإنسان أو الحيوان، وكيف تنشأ مقاومة الأدوية واللقاحات، يتضمن ذلك أيضا هندسة الخميرة لإنتاج الأنسولين، وصولا إلى تحفيز البكتيريا على إنتاج إنزيمات مفيدة، وغير ذلك من الأنشطة العلمية التي تحدث كل يوم.
“لطالما عدّل العلماء كائنات دقيقة كي يفهموا كيف تعمل الجينات، وكيف تتعرف الفيروسات إلى خلايا الإنسان أو الحيوان، وكيف تنشأ مقاومة الأدوية واللقاحات”
لكن نقطة الانفجار الجماهيري جاءت مع إنفلونزا الطيور في عامي 2011 و2012، عندما أثارت تجربتان شهيرتان بقيادة الدكتور رون فوشييه في مركز إيراسموس الطبي بهولندا، والدكتور يوشيهيرو كاواوكا في جامعة ويسكونسن الأمريكية، موجة قلق شديدة في الأوساط العلمية والسياسية على حد سواء، حيث اختبرا ما إذا كان فيروس الإنفلونزا “H5N1″، المعروف بفتكه الشديد وصعوبة انتقاله بين البشر، يمكن أن يكتسب طفرات تجعله ينتقل عبر الهواء بين الثدييات. استخدمت التجارب حيوانات النمس، وكانت النتيجة صادمة، حيث أمكن الحصول على فيروسات تنتقل بين حيوانات النمس عبر الرذاذ أو الهواء. نعم، لقد تحول فيروس ذو احتمال خطورة ضعيف إلى فيروس يمكن أن يتحول لجائحة في عوالم كائن النمس.
هذا بالضبط ما نعنيه بالإشارة إلى “أبحاث اكتساب الوظيفة”، أن يتمكن العلماء من إكساب عدد من الصفات للفيروسات، أخطرها الضراوة (القدرة على الفتك) والانتشار، لكن لاحظ أن الاصطلاح العلمي أوسع من ذلك بكثير، بل إن نسبة ضئيلة فقط من هذه الأبحاث تنطوي على قدر بالغ من الخطورة، أما البقية فمفيدة للبشرية. لكن المصطلح ارتبط في أذهان الناس بالعمل على الفيروسات الخطيرة بسبب تركيز وسائل الإعلام على هذا الشق.
الفكرة إذن بسيطة، لنفترض أن هناك فيروسا ما يصيب البشر ونسبة الوفاة بعد الإصابة به تقدر بـ 40%، لكن هناك ميزة أمان لنا، وهي أن هذا الفيروس ينتقل إلى البشر بصعوبة شديدة، عبر حدوث اتصال بلعاب أو بول أو براز الفئران المصابة، وهو أيضا لا ينتقل من البشر للبشر، إلا في حالات نادرة جدا، نتحدث هنا عن فيروس الهانتا الذي لفت الانتباه مؤخرا.
“تساعد أبحاث اكتساب الوظيفة في فهم الأوبئة الحالية والمستقبلية، ومساعدة العلماء على استباق الفيروسات المتوقع أن تتطور إلى نسح أكثر ضراوة”
فيروس الهانتا خطير جدا بالفعل، لكن آلية الإصابة تحد من نشاطه، لأن الاختلاط بالفئران ليس شائعا لدى البشر، بالتالي من غير الممكن أن نحاول مقارنته مع تفشي كورونا، الذي تسبب في جائحة عالمية. لكن ماذا لو أُحضر فيروس الهانتا للمعمل، وتم تعديله بحيث يمكن أن ينتشر من إنسان لإنسان؟
هنا يظهر خطر هذا النوع من الأبحاث، للوهلة الأولى قد يقال إنه يتعين منعها بالكامل وفورا، لكن على الجانب الآخر فإن هذه الأبحاث تمتلك قدرا من الأهمية، لأنه في علم الفيروسات عادة ما يتم استخدام هذه الأبحاث بهدف فهم الأوبئة الحالية والمستقبلية بشكل أفضل، ومساعدة العلماء على استباق الفيروسات المتوقع أن تتطور إلى نسخ أكثر ضراوة، وبالتالي القدرة على تطوير لقاح أو علاج في الوقت المناسب.
من وجهة نظر مؤيدي تجارب عام 2011، كان ما حدث إنذارا مبكرا، فالشيء نفسه يمكن أن يحدث في الطبيعة، ومن ثم فإن العلم استشرف الكارثة قبل تحدث، ويمكنه الآن للتنبؤ بالطفرات الخطرة تساعدنا على مراقبة الفيروسات في الطيور والخنازير والبشر، وتطوير لقاحات وإستراتيجيات استعداد. أما من وجهة نظر المعارضين، فقد كانت التجارب أقرب إلى صناعة وباء بأيدينا، مع احتمالين مرعبين، الأول أن يتسرب الفيروس بالخطأ من المختبر، أو أن تستخدم المعرفة المنشورة في غرض خبيث (لتطوير سلاح بيولوجي)، هنا ظهر اصطلاح “الأبحاث ذات الغرض المزدوج”، أي تلك الأبحاث، التي قد تكون غير عسكرية بالمرة، لكن يمكن عسكرة موضوعها بسهولة.
الخوف هنا ليس مجرد فكرة نظرية أو افتراضية، بل يستند إلى سجل تاريخي مقلق. على سبيل المثال، أحصت دراسة في دورية “إيبيديميولوجي آند إنفكشن” حوالي 70 حادثة تسربت فيها العدوى من المختبرات إلى عامة الناس، وسلطت الضوء على عدة حالات دُرست جيدا، من بينها ظهور سلالة إنفلونزا “H1N1” في الصين والاتحاد السوفيتي عام 1977، والتي كانت مُجمدة جينيا، وحادثة إطلاق بكتيريا الجمرة الخبيثة عام 1979 من منشأة عسكرية سوفيتية في سفيردلوفسك، وتفشي مرض الحمى القلاعية عام 2007 الذي تم تتبعه إلى مجمع أبحاث “بيربرايت” في إنجلترا.
“أحصت دراسة حوالي 70 حادثة تسربت فيها العدوى من المختبرات إلى عامة الناس، شملت الإنفلونزا والجمرة الخبيثة والحمى القلاعية”
أما فيروس السارس الأصلي نفسه، المسبب لوباء عام 2003، فقد تسرب من المختبرات في مناسبات عدة بعد احتواء التفشي، في سنغافورة، وفي تايوان. وفي عام 2004 مثلا أصيب باحثان بالفيروس المسبب للسارس في مختبر علم الفيروسات في بكين الذي درس المرض، وقاموا بنشر العدوى إلى سبعة آخرين قبل احتواء التفشي.
تحول الجدل من الإنفلونزا إلى فيروسات كورونا، في عام 2015، حين نشر رالف باريك من جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، وهو رائد في مجال الأدوات الجينية المستخدمة في بناء وتعديل فيروسات كورونا، دراسة في مجلة “نيتشر ميديسن” بالتعاون مع باحثين آخرين، من بينهم تشنغلي شي من معهد ووهان لعلوم الفيروسات. وباستخدام البيانات الجينية التي جمعتها شي لفيروس خفافيش مكتشف حديثا يُدعى “إس إتش سي 014” (SHC014) قام الفريق البحثي ببناء فيروس قادر على التكاثر في خلايا الجهاز التنفسي البشري.
حذرت الدراسة من المخاطر التي تشكلها فيروسات الخفافيش الشبيهة بفيروس سارس على البشر، بينما حذر منتقدوها من أن التجربة لم تكن سوى خلق مرض جديد في المختبر، يمكن أن يتفشى في أي لحظة، لينقل الخطر إلى العالم كله.
مشكلة فاوتشي
يعيدنا ما سبق إلى مشكلة فاوتشي. أصل الاتهام موثق بالفعل، فقد منحت المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة، من خلال المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية الذي كان يديره فاوتشي، منحة لمنظمة غير ربحية مقرها نيويورك، تدعى “تحالف الصحة البيئية” (إيكوهيلث)، لدراسة خطر انتقال فيروسات كورونا الموجودة في الخفافيش في الصين إلى البشر. أسندت شركة “إيكوهيلث” جزءا من ذلك العمل إلى معهد ووهان لعلوم الفيروسات، حيث خصصت ما يقارب 600 ألف دولار أمريكي لهذا المختبر خلال فترة المنحة الممتدة من 2014 إلى 2019.
ما سبق لا خلاف عليه، أما الخلاف الحقيقي فيتمحور حول ما إذا كان هذا العمل قد تجاوز حدود الخط الفاصل إلى فئة الخطر التي يتصورها الرأي العام. وجاء أوضح تصريح رسمي في أكتوبر/تشرين الأول 2021، عندما راسل لورانس تاباك، نائب مدير المعاهد الوطنية للصحة، الكونغرس واصفا تفاصيل “تجربة محدودة”، استخدم فيها الباحثون فيروس كورونا الخفافيش المسمى “WIV1″، واستبدلوا فيه بروتينات شوكية لصالح بروتينات من فيروسات خفافيش أخرى موجودة في الطبيعة، ثم أصابوا فئرانا معدلة وراثيا تحمل مستقبل “ACE2” البشري، وقد أصيبت بعض هذه الفئران بمرض أشد من الفئران المصابة بالفيروس غير المعدل. لكن تاباك نفسه أكد صراحة أن فيروسات كورونا الخفافيش التي درست في إطار المنحة مختلفة جينيا، بحيث لا يمكن أن تكون هي أصل فيروس كورونا المتسبب في جائحة “كوفيد-19”.
“لا خلاف حول التمويل الأمريكي لأبحاث معهد ووهان، الخلاف الحقيقي حول ما إذا كان هذا العمل يندرج تحت فئة الخطر التي يتصورها الرأي العام”
أما بالنسبة لبيان غابارد الأخير، فمن المهم أن نضعه في موضعه السليم. فهو عبارة عن مجموعة من الادعاءات حول الإجراءات والشفافية، وحول كيفية صياغة التقييم الاستخباراتي، ومن سمح له بالتأثير عليه، وما إذا كان فاوتشي صادقا تحت القسم. بمعنى أوضح، التقرير، والبيانات المسربة، تعكس مشكلة سياسية وإجرائية، لكنها لا تتضمن أي أدلة علمية جديدة حول مصدر الفيروس. أهمية هذه الوثائق لا تكمن في ذلك أصلا، بل في أنها تفتح ملف “إدارة الشك” داخل المؤسسات الأمريكية، فتسأل عمن امتلك حق التأثير في الرواية الرسمية، وتتهم فاوتشي ورفاقه بالتعامل مع “فرضية المختبر” باعتبارها خطرا سياسيا يجب احتواؤه، لا احتمالا ممكنا.
لاحظ أن هناك عدة أمور يجب مناقشتها في هذا الشأن، وهي لا تقل أهمية عن الادعاءات نفسها، فقد صدر البيان من مسؤولة سياسية على وشك مغادرة منصبها، في توقيت مدروس لتحقيق أقصى قدر من التأثير، ولم يتم التحقق من صحة الوثائق بشكل مستقل وكامل من قبل خبراء خارجيين أو هيئات تابعة للكونغرس. يأتي ذلك في سياق إنكار فاوتشي المتكرر لعلاقته بمشكلة فيروس كورونا المتسبب في الجائحة، وما بين ادعاءات الطرفين، هناك مساحة واسعة للجدل.
الجدل هنا لا يتحرك في فضاء علمي، بل في فضاء سياسي أمريكي مشحون، حيث تحولت جائحة “كوفيد-19” من كارثة صحية إلى ساحة تصفية حسابات بين مؤسسات الدولة نفسها، والفكرة أن السؤال عن أصل الفيروس هو ببساطة سؤال عمن اتخذ القرارات في أزمة “كوفيد-19″، وبالتبعية من المسؤول عن الوفيات، فاوتشي في هذا السياق كان وجها عاما للدولة الأمريكية في لحظة استثنائية، وصار بالنسبة لمؤيديه رمزا للعقلانية العلمية في مواجهة الشعبوية والإنكار، وبالنسبة لخصومه رمزا لتغول البيروقراطية الصحية واستعلائها على الرقابة.
“الجدل اليوم لا يدور في فضاء علمي، بل في فضاء سياسي أمريكي مشحون، حيث تحولت جائحة كوفيد-19 من كارثة صحية إلى ساحة تصفية حسابات بين مؤسسات الدولة نفسها”
في المقابل من هذا الجدل السياسي، فإن التقييمات الاستخباراتية الأمريكية المحدثة، حتى العام الماضي، لم تصل إلى حسم قاطع، وحتى حين رجحت وكالة الاستخبارات المركزية لاحقا سيناريو التسرب المختبري، فعلت ذلك بدرجة ثقة منخفضة، وبناء على إعادة قراءة للمعطيات المتاحة لا على دليل استخباراتي جديد وحاسم.
وهذا بالضبط ما يفرض التفريق بين مستويين مختلفين من النقاش في هذه القضية، يجب على القارئ التمييز بينهما: الأول هو مستوى سياسي وإجرائي يتعلق بالشفافية والرقابة وتضارب المصالح، وهذا هو موضع الجدل الحالي، والثاني مستوى علمي يتعلق بأصل الفيروس نفسه، فماذا يقول العلم حقا عن أصل كورونا؟
ما الذي يقوله العلم؟
علميا، توجد فرضيتان حول أصل الفيروس، الأولى هي “انتقال العدوى من الحيوان إلى الإنسان” عن طريق الاتصال الطبيعي، على الأرجح عبر تجارة الحياة البرية، بالطريقة المعتادة التي ظهر بها كل من فيروس سارس عام 2003 ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية “ميرس” عام 2012، أما الثانية فهي “حادثة متعلقة بالبحث العلمي”، والتي تقول إن الفيروس، سواء بعد أن حصل العلماء عليه من الطبيعة أو عولج في المختبر، قد تسرب عن طريق الخطأ، ويحتمل أن يكون ذلك في معهد ووهان لعلوم الفيروسات. ولم يتم إثبات صحة أي من الفرضيتين بشكل قاطع حتى الآن.
وراء هذا الخلاف توجد مساحة اتفاق واسعة. فالأصل البعيد للفيروس ليس موضع شك، وهو فيروس ساربيكوفيروس، ومستودعه الأساسي هو الخفافيش. وأقرب الفيروسات المعروفة له من الناحية الجينية هي فيروسات كورونا الموجودة في الخفافيش. لفترة من الزمن، كان أقرب الفيروسات هو “رات جي 13” (RaTG13) وهو فيروس تم أخذ عينة منه في يونان بالصين، ويشترك في حوالي 96.1% من جينومه مع فيروس كورونا، ثم في عام 2021، وصف باحثون من معهد باستور وجامعة لاوس ثلاثة فيروسات أقرب شبها وُجدت في خفافيش الكهوف في شمال لاوس، وهي منطقة جبلية وكهفية قريبة جغرافيا من مقاطعة يونان الصينية.

أحدها، ويسمى “بانال-52” (BANAL-52)، متطابق بنسبة 96.8% تقريبًا مع “كوفيد-19″، والأهم من ذلك، أن الجزء من هذا الفيروس الذي يرتبط بالخلايا البشرية يشبه نظيره في كورونا المتسبب في الجائحة بشكل كبير (16 من أصل 17 قطعة من قطع الاتصال الرئيسية متطابقة). في المختبر، استطاعت هذه الفيروسات الارتباط بمستقبلات “كوفيد-19” البشرية، ودخول الخلايا، بنفس كفاءة سلالات ووهان التي تسببت في الجائحة.
على الرغم من ذلك، لا يعد أي من هذه الفيروسات القريبة سلفا مباشرا لفيروس كورونا المتسبب في الجائحة، قد يبدو الجينوم المتشابه بنسبة أكبر من 96% متطابقا تقريبا، لكن في عالم الفيروسات ربما تحتاج مسيرة التطابق الكامل إلى عقود إضافية من الطفرات. حتى الآن، نحن لا نعرف على وجه اليقين أكثر من أن تركيبة الفيروس المتسبب في الجائحة تشبه بالفعل عدة فيروسات كورونا مختلفة موجودة في الخفافيش، وتنتشر في جنوب الصين وجنوب شرق آسيا، ولكن لم يعثر عليه حتى الآن في أي حيوان تم فحصه، كما لم يعثر في أي “مجمد مختبري” معروف على السلف المباشر له.
إلى جانب ما سبق هناك نقاش آخر لا يقل أهمية، حيث يحمل فيروس كورونا المتسبب في الجائحة ما يعرف باسم “موقع انقسام فورين” (Furin Cleavage Site)، وهو جزء قصير موجود في نقطة اتصال محددة لبروتين السنبلة البارز على سطح فيروس كورونا، ويستخدمه الفيروس للارتباط بخلايا الإنسان والدخول إليها، وهو غائب عن أقرب أقربائه المعروفين من فيروسات الخفافيش.
“يحمل فيروس الجائحة ما يعرف باسم موقع انقسام فورين، الذي يستخدمه للارتباط بخلايا الإنسان، وهو غائب عن أقرب أقربائه من الفيروسات التي تصيب الخفافيش”
بالنسبة لأنصار نظرية تسريب المختبرات، يعد هذا الأمر الأكثر إثارة للريبة بشأن الفيروس، أما بالنسبة لأنصار نظرية الأصل الطبيعي، فهو أمر غير معتاد ولكنه ليس غريبا، إذ توجد مواقع انقسام فورين وما شابهها في جميع أنواع فيروسات كورونا، بما في ذلك فيروسات كورونا المسببة لنزلات البرد الشائعة وفيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وفي فيروسات كورونا التي تصيب القطط، بنفس الشكل الجزيئي الموجود في كورونا المتسبب في الجائحة.
ظهرت الورقة البحثية الأساسية لفرضية الأصل الطبيعي للفيروس في مارس/آذار 2020، حيث نشر مجموعة من علماء الفيروسات البارزين، بقيادة كريستيان أندرسن، بحثًا بعنوان “الأصل القريب لفيروس سارس-كوف-2” في مجلة “نيتشر ميديسن”، مجادلين بأن خصائص الفيروس، وبشكل خاص قدرته المحسنة على الارتباط بمستقبلات الجسم البشري ومواقع انقسام فورين، تتوافق مع التطور الطبيعي ولا تحمل بصمات هندسة مُتعمَّدة.
كان للبحث تأثير بالغ، وعلى الرغم من أن هذه الورقة البحثية لاقت الكثير من الجدل بعد ذلك بسبب “اتهامات سياسية” للباحثين القائمين عليها، إلا أن أدلة أقوى دعمت منشأ السوق (الانتقال الطبيعي) في ورقتين بحثيتين نُشرتا عام 2022 في مجلة “ساينس”. في الورقة الأولى، أظهر الباحثون أن أقدم الحالات المعروفة للإصابة في ديسمبر/كانون الأول 2019 كانت متمركزة جغرافيا في سوق هونان، وبشكل خاص بالقرب من البائعين الذين يبيعون الحيوانات (الثدييات تحديدا)، وفي الورقة البحثية المصاحبة، قام الفريق بتحليل التنوع الجيني للحالات المبكرة، وجادلوا بأنه يعكس انتقالين منفصلين على الأقل للفيروس إلى البشر، ما يعد دليلا قويا على مصدر حيواني، لكن حتى هذه الأدلة التي تُرجح انتقال الفيروس من الحيوان إلى الإنسان لا تزال محل نقاش في الأوساط العلمية.
“رجحت الدراسات العلمية المبكرة بعد الجائحة فرضية الانتقال الطبيعي (عبر السوق) على فرضية التسريب المعملي”
أما أوضح دليل ملموس على وجود صلة بين الفيروس وحيوانات محددة، فكان من خلال مسحات بيئية أُخذت من السوق، فبعد أن نشر المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها بيانات التسلسل الجيني لعينات جُمعت من السوق في أوائل عام 2020، اكتشف فريق دولي بقيادة ألكسندر كريتس-كريستوف وفلورنس ديبار أن بعض العينات الإيجابية للفيروس تحتوي على مواد وراثية من حيوانات معرضة للإصابة، بما في ذلك كلاب الراكون والزباد. يعد هذا أقرب ما يكون إلى ارتباط مادي بين فيروس الجائحة وحيوان مضيف محتمل، ولكن من الضروري توخي الدقة في تفسير النتائج، إذ جُمعت العينات في 1 يناير/كانون الثاني 2020 أو بعده، أي بعد أكثر من شهر على الأرجح من ظهور أولى الإصابات البشرية.

أدلة المنشأ المعملي
في المقابل، تستند الأدلة على المنشأ المعملي للفيروس إلى حد كبير على الظروف المحيطة أكثر من الأدلة المادية القاطعة. وتتمثل أقوى عناصر هذا الدليل في قرب المختبر الرائد عالميا في دراسة فيروسات كورونا الخفافيش من بؤرة تفشي المرض الأولى، مع العلم بأن العمل الموثق الذي قام به معهد ووهان لعلوم الفيروسات كان على هذه العائلة من الفيروسات تحديدا.
بدأ الأمر في عام 2018، حين قدم تحالف إيكوهيلث مقترحا لوكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة (داربا) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، تحت اسم “ديفوس”، تضمن المقترح، من بين أمور أخرى، إدخال “مواقع انقسام فورين” إلى فيروسات كورونا الخفافيش بالتعاون مع مختبرات ووهان.
بالنسبة لأنصار نظرية تسريب المختبرات، فإن مجرد تداول مقترح لهندسة السمة نفسها التي ميزت لاحقا فيروس كورونا المتسبب في الجائحة، في أوساط مرتبطة بمدينة ووهان قبيل الجائحة، يعد دليلا قاطعا. مع ذلك، ثمة عدة نقاط يجب مناقشتها قبل الجزم بهذا الاستنتاج، حيث رفضت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة المقترح، ولم يمول قط، ولا يوجد دليل على تنفيذ العمل البحثي. كما جادل باحثون في مجال الأصول الطبيعية بأن العمل المقترح على موقع الانقسام لا يتطابق تماما مع “موقع فورين المحدد” الموجود في فيروس كورونا.
“المجتمع العلمي لا يزال يرجح الأصل الطبيعي للفيروس، لكنه لا ينكر الأصل المعملي تماما”
في النهاية، يمكننا أن نقول إن المجتمع العلمي لا يزال يرجح الأصل الطبيعي للفيروس، لكنه لا ينكر الأصل المعملي تماما. وفي يونيو/حزيران 2025 نشرت المجموعة الاستشارية العلمية التابعة لمنظمة الصحة العالمية والمعنية بأصول مسببات الأمراض الجديدة ، والمؤلفة من 27 خبيرا، تقريرها الذي خلص إلى أن الأدلة المتاحة تشير إلى انتقال العدوى من الحيوانات إلى الإنسان، إما مباشرة من الخفافيش أو عبر مضيف وسيط، مع التأكيد على أن معلومات بالغة الأهمية لا تزال غير متوفرة، وأن فرضية تسرب الفيروس من المختبر لا يمكن استبعادها ويجب أن تبقى مطروحة.
لم يكن التقرير محل إجماع كامل، إذ ذكرت تغطيات صحفية متطابقة أن عضوا واحدا استقال من اللجنة، وأن ثلاثة أعضاء آخرين طلبوا حذف أسمائهم من التقرير النهائي، وذكر مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية بجامعة مينيسوتا الأمريكية أن الأعضاء الثلاثة كانوا من روسيا والصين وكمبوديا.
“المشكلة حول أصل الفيروس، في صورتها المنتشرة إعلاميا، سياسية لا علمية”
في كل الأحوال، تظل المشكلة حول أصل الفيروس، في صورتها المنتشرة إعلاميا، سياسية لا علمية. فقبل عدة سنوات أشارت مراجعة نُشرت في دورية “بي إن إيه إس” إلى أن هناك عددا قليلا نسبيا من الدراسات التي تمت مراجعتها من قبل الأقران تدعم فكرة التسريب في المختبر من ناحية علمية، بينما أقوى تفسير متاح إلى الآن لنشأة الفيروس هو أنه ظهر عبر تجارة الحيوانات البرية الحية. وترى الدراسة أن فرضية التسرب من المختبر تم تطويرها من خلال مقالات الرأي والجدل السياسي بالأساس وليس الدراسات العلمية. الدراسة تشير أيضا إلى أنه على الرغم من ذلك، فالسؤال عن كيفية بدء الوباء لم تتم الإجابة عليه بشكل قاطع من ناحية علمية، ويظل احتمال الأصل المختبري قائما.

أبحاث خطيرة
جاء “كوفيد-19″، وترك بصمته الثقيلة على العالم بأكثر من 7 ملايين حالة وفاة مؤكدة، ولا يزال يضرب حتى الآن وإن بات أقل ضراوة. وبعيدا عن الجدل حول منشأ الفيروس، فإن هناك جدلا آخر لا يقل أهمية يتعلق بالأبحاث الخطيرة على الفيروسات بشكل عام.
يُجرى هذا النوع من الأبحاث -الذي يستهدف تعديل خصائص الفيروسات والبكتيريا شديدة الخطورة- داخل “مختبرات الاحتواء العالي” من المستويين الثالث والرابع. وينقسم نظام الأمان الحيوي تدريجيا من المستوى الأول وحتى الرابع؛ حيث يُمثّل المستويان الثالث (BSL-3) والرابع (BSL-4) أعلى درجات التحصين والاحتواء. وتُخصص هذه المختبرات للتعامل مع مسببات الأمراض الفتاكة التي قد لا تتوفر لها علاجات أو لقاحات فعالة، مثل فيروسات إيبولا وماربورغ، وغيرها من الفيروسات النزفية.
وفقا لخريطة “غلوبال بيولابس”، تتركز المختبرات من هذا النوع (وعددها 69 مختبرا) في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية. أوروبا تحديدا تضم أكبر كتلة من هذه المختبرات، تليها آسيا التي تشهد طفرة بناء واضحة بعد “كوفيد-19″، ثم أمريكا الشمالية، بينما توجد مختبرات أقل في أفريقيا وأمريكا الجنوبية.
القيود تختلف من بلد إلى آخر، ولا يوجد حتى الآن نظام عالمي واحد ملزم يحكم كل “أبحاث اكتساب الوظيفة”، منظمة الصحة العالمية تقدم إطارا عاما للسلامة الحيوية قائما على تقييم المخاطر حالة بحالة، بمعنى أن القرار لا يتوقف فقط على نوع المختبر، بل على طبيعة العامل الممرض، وطريقة التجربة، وحجم العينة، واحتمال العدوى، وطريقة الانتقال، ووجود علاج أو لقاح، وخبرة العاملين، وخطة التعامل مع الحوادث.
في الولايات المتحدة، ظهرت القيود الحديثة بعد الجدل الكبير حول تجارب إنفلونزا الطيور، حيث أوقفت الحكومة عام 2014 تمويل أنواع معينة من “أبحاث اكتساب الوظيفة” على فيروسات الإنفلونزا وسارس وميرس، ثم رفعت الوقف عام 2017 مع إنشاء إطار مراجعة خاص بأبحاث المُمرضات الوبائية المعززة. وفي كندا، يوجد نموذج أكثر مركزية عبر قانون ولوائح المُمرضات البشرية والسموم، أما في أوروبا، فإن الوضع أكثر تجزؤا. بعض الدول مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وهولندا تمتلك تقاليد رقابية قوية نسبيا، لكن مستوى الشفافية وتفاصيل المراجعة يختلفان من دولة إلى أخرى.
وفي دول أخرى، مثل الصين والهند واليابان وسنغافورة وأستراليا وجنوب أفريقيا، هناك مختبرات مماثلة تخضع لأطر وطنية مختلفة، تتشابه في أشياء وتختلف في أخرى مع أوروبا وأمريكا، لكن المعايير، بنظرة من الأعلى، تظل واحدة تقريبا.
“بعد كوفيد-19 سارعت دول كثيرة إلى بناء مختبرات احتواء جديدة بعد أن كانت متمركزة في مناطق محدودة حول العالم”
إلا أن ما يقلق خبراء السلامة الحيوية ليس ما سبق، بل حقيقة أن هناك فجوة بين التوسع السريع في مختبرات الاحتواء العالي وبين بطء تطور طرق الرقابة، فبعد “كوفيد-19” سارعت دول كثيرة إلى بناء مختبرات جديدة من هذا النوع بعد أن كانت متمركزة في مناطق محدودة حول العالم، لكن تقارير المتابعة تشير إلى أن الرقابة القانونية على الأبحاث مزدوجة الاستخدام لا تزال نادرة عالميا، وأن كثيرا من الدول التي تمتلك أو تخطط لامتلاك مختبرات من هذا النوع لا تملك بعد نظاما قويا ومعلنا لمراجعة الأبحاث التي قد تزيد خطورة المُمرضات.
هنا تحديدا تظهر مخاطر استخدام الفيروسات كسلاح بيولوجي، الخوف من هذا النوع من الأسلحة ليس وليد “كوفيد-19″، ففي عام 2001، نشرت مجموعة بحثية أسترالية تجربة على فيروس جدري الفئران. كان الهدف مكافحة القوارض، لكن النتيجة غير المتوقعة كانت أن تعديلا معينا جعل الفيروس أكثر فتكا في الفئران، حتى لدى فئران كان يفترض أنها مقاومة أو محصنة.
أثارت الدراسة ذعرا لأنها أظهرت أن تغييرا بيولوجيا صغيرا نسبيا قد يقلب مُمرضا بسيطا إلى قاتل فتاك. أما في عام 2002، فقد صُنع فيروس شلل الأطفال كيميائيا من معلومات تسلسل جيني متاحة، بحسب دراسة في دورية “نيتشر”. مرة أخرى، لم يكن الهدف عسكريا، بل كان إثبات قدرة علمية وفهم حدود البيولوجيا الجزيئية، لكن الرسالة الصحية كانت مرعبة، حيث لم يعد الحصول على فيروس يتطلب دائما عينة طبيعية من الفيروس نفسه، بل قد تكفي المعلومات والمواد والخبرة لتخليق فيروس قاتل من الصفر.
“”يمكن لتغيير بيولوجي صغير أن يحول مُمرضا بسيطا إلى قاتل فتاك”
وفي عام 2005، أعاد باحثون بناء فيروس “إنفلونزا 1918” (الإنفلونزا الإسبانية) أحد أكثر فيروسات القرن العشرين فتكا، ونشرت الدراسة في دورية “ساينس”. من وجهة نظر علمية، ساعدت التجربة على فهم سبب ضراوة ذلك الوباء وكيف تصرفت جينات الفيروس، لكن من وجهة نظر وبائية، بدا الأمر كما لو أن العلم أعاد إلى الحياة شبحا قاتلا دفن منذ قرن. ثم جاءت تجارب إنفلونزا الطيور (H5N1) في 2011 و2012، سالفة الذكر.

نظريا، فإن بعض المعرفة الناتجة عن هذه الأبحاث قد تنتج -بقصد أو بغير قصد- مسارات خطرة، لا يتوقف الأمر فقط على زيادة الانتشار أو الضراوة، بل يمكن نظريا تصميم فيروس ليقاوم اللقاحات أو حتى يتفادى التشخيص، لكن تحويل المعرفة إلى سلاح فعلي يظل مشكلة، حيث يتطلب حماية للفاعل نفسه، فإذا قمت بتصميم سلاح بيولوجي سهل الانتشار، فإنه حتما سيصل إلى شعبك، ضمن جائحة عالمية. لكن على الرغم من ذلك، فإن الاحتمالات تظل ممكنة، على الأقل في سياق الضربة النهائية، أي حينما تتعرض دولة ما لخطر السحق بسلاح نووي مثلا وترى أن عليها أن ترد بأي ثمن.
في السنوات الأخيرة، أضاف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة إلى نقاش الأمن الحيوي، فهو يضيف عقلا تنبؤيا فوق الجينوم الفيروسي. وفي دراسة منشورة في دورية “ساينس” استخدم باحثون نماذج لغوية حاسوبية للتعامل مع بروتينات فيروسات مثل الإنفلونزا والإيدز وكورونا، بحيث يمكن تقدير الطفرات التي قد تسمح للفيروس بالاحتفاظ بوظيفته، مع الهروب من التعرف المناعي.
“أضاف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة إلى نقاش الأمن الحيوي، فهو يضيف عقلا تنبؤيا فوق الجينوم الفيروسي”
هذا النوع من العمل مفيد جدا في مراقبة المتحورات وتصميم لقاحات وأجسام مضادة أفضل، لكنه يوضح في الوقت نفسه كيف يمكن للخوارزميات أن تضيء خريطة الطفرات الحساسة، وتعرف أي المواضع التي قد تغير سلوك الفيروس دون أن تدمر قدرته على العمل.
بسبب هذا التقدم المتسارع، بدأ فريق من العلماء يتعامل مع الذكاء الاصطناعي الحيوي بوصفه امتدادا جديدا لمشكلة الاستخدام المزدوج، ففي دراسة منشورة عام 2025 في مجلة “بلوس”، فرع الحوسبة الحيوية، ناقش باحثون من مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي ما سموه “قدرات مزدوجة الاستخدام مثيرة للقلق” في النماذج البيولوجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مؤكدين أن أدوات كهذه ينبغي تقييمها قبل نشرها، خصوصا إذا كانت قد تساعد، ولو بصورة غير مباشرة، على مخاطر عالية العواقب مثل إنتاج أوبئة قابلة للانتشار الواسع.
هذا تحديدا هو ما يثير القلق، ويستحق المتابعة والنقاش الواسع، نتحدث هنا ببساطة عن تطور مذهل، يمكن أن ينتج سلاحا أقوى من القنبلة النووية بمراحل، شيء لا قبل لأي دولة به، غير مرئي، يمر بسهولة عبر المطارات والموانئ والحدود، لا يوجد رادار يكشفه، ولا يمكن أن يُكتشف وجوده إلا بعد فوات الأوان. نتحدث عن مُمرض، لو كان قادرا على الانتشار مثل “كوفيد-19″، فتاكا مثل هانتا، مع تحويرات بسيطة تتطلب جهدا لاكتشافه عبر الأجهزة، فإنه يمكن أن يقتل أعدادا لا تحصى من البشر في غضون أسابيع قليلة. وهذا هو الرعب الحقيقي.








