كيف تقرأ إسرائيل مستقبل وجودها العسكري في جنوب لبنان؟

الكاتب: مرال قطينة | المصدر: النهار
24 حزيران 2026

من منظور عدد من المحللين الإسرائيليين، كشفت الحروب الأخيرة في غزة ولبنان وإيران حجم الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة التي تنظر إلى النزاعات من زاوية التوازنات والمنافسة الإقليمية والدولية.

يشهد الملف اللبناني تحولاً لافتاً في خضم المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، بعدما بات أحد عناصر الاختبار الأساسية لمذكرة التفاهم التي تنص على وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان.

وشددت طهران على أن “استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان يشكل إخلالاً بالتفاهمات التي جرى التوصل إليها مع واشنطن”، في إشارة إلى أن الساحة اللبنانية أصبحت جزءاً من آليات قياس نجاح التفاهم أو فشله.

وفي هذا السياق، أُعلن إنشاء “مجموعة عمل لتفادي التصعيد”، بهدف ضمان الالتزام بوقف إطلاق النار في لبنان ومنع تجدد المواجهات العسكرية، في مسار يشكل جزءاً أساسياً من الجهود الرامية إلى تثبيت التفاهمات الإقليمية الأوسع بعد الربط بين الجبهات.

لبنان يدخل مرحلة جديدة

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” ووسائل إعلام إسرائيلية، فُرضت قيود جديدة إلى حد كبير على نشاط الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، بالتزامن مع استمرار وقف إطلاق النار، رغم تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية لا تزال تتمتع بـ”حرية عمل كاملة” داخل الأراضي اللبنانية.

وبحسب التقرير، فُرضت قيود واسعة على النشاط العسكري الإسرائيلي، استناداً إلى تصريحات مسؤولين إسرائيليين أكدوا أن تنفيذ عمليات أوسع بات يتطلب مصادقة مباشرة من رئيس هيئة الأركان، كما حُظر تنفيذ عمليات نسف للمنازل أو البنى التحتية حتى داخل “المنطقة الأمنية”.

ومن منظور عدد من المحللين الإسرائيليين، كشفت الحروب الأخيرة في غزة ولبنان وإيران حجم الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة التي تنظر إلى النزاعات من زاوية التوازنات والمنافسة الإقليمية والدولية. في المقابل، وقعت إسرائيل أسيرة اعتبارات وجودية ومصيرية دفعتها إلى تبني استراتيجية تقوم على افتراض تطابق مصالحها مع المصالح الأميركية.

ويرى هؤلاء أن هذا الاعتماد المفرط على واشنطن قاد إلى تفضيل الحلول الموقتة لإدارة الصراع، والاعتقاد بإمكان إدارة الخصوم بدلاً من حسم المواجهة معهم.

الحزام الأمني… بين الضرورة والعبء

وفي هذا الإطار، أشار المحلل الأمني رونين بيرغمان في “يديعوت أحرونوت” إلى أن الإفراط في استخدام القوة في لبنان لا يأتي من فراغ، بل يحدث في وقت تشعر فيه إسرائيل بإحباط متزايد من التفاهم الأميركي – الإيراني، ما يحوّل بعض العمليات العسكرية إلى أداة للتنفيس السياسي أكثر منها استجابة لضرورات ميدانية.

ويرى أن ثمن هذه الديناميكية “باهظ جداً”، فإذا اقتنع دونالد ترامب بأن إسرائيل تعرّض إنجازه الشخصي للخطر، فقد يقدّم تنازلات إضافية لإنقاذه. وعندها ستدفع إسرائيل الثمن مرتين، “عبر تآكل قوة الردع في لبنان، والحصول على تفاهم أسوأ”، إضافة إلى الكلفة المتزايدة في غزة والضفة الغربية وملفي إمدادات الأسلحة وحرية العمل العسكري.

أما “الخط الأصفر”، بحسب بيرغمان، فقد أُعيد تغليفه هذه المرة بمصطلحات مثل “المجال الدفاعي” و”إزالة التهديدات” و”مراكز الثقل”. لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً: “هل تحتفظ إسرائيل بالأراضي لحماية مواطنيها أم لتبرير استمرار احتفاظها بهذه الأراضي؟”.

ويضيف أن المنطقة الأمنية “تبدأ دائماً بوعد إزالة التهديد، ثم تتحول تدريجاً إلى واقع جغرافي يفرض نفسه عندما يبدأ الجنود بحماية الخط أكثر مما يحمي الخط المدنيين، لتنتهي بعد سنوات من الاستنزاف والخسائر وطرح الأسئلة نفسها بعد فوات الأوان”.

وفي هذا السياق، رسم الجنود الإسرائيليون الذين التقتهم “يديعوت أحرونوت” ملامح المرحلة المقبلة، مؤكدين أن “الجيش يتجه نحو تنفيذ انسحابات والتمركز في خطوط دفاعية خلفية، بهدف إنشاء حيز دفاعي فعال وآمن”.

وأشاروا إلى أن المواقع التي يتمركز فيها الجيش الإسرائيلي حالياً “متقدمة ومتعمقة داخل الأراضي اللبنانية”، وأن مرحلة التوسع والسيطرة على مزيد من الأراضي “وصلت إلى حدها الأقصى”، فيما بات التركيز منصباً على “حماية القوات والمواقع الدفاعية”.

كذلك، أوضحوا أن التعامل مع شبكة الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر “جرى تجميده موقتاً بسبب اعتبارات عملياتية حساسة”، بينما تعمل وحدات “يهلوم” الهندسية وقوات الكوماندوز على تحليل الوضع وفهم امتداد الشبكة من دون دخول المنشآت حتى الآن.

بين الخسارة الإسرائيلية والصعود الإيراني

في المقابل، رأى إيال زيسر في “إسرائيل اليوم” أنه “لا ينبغي الخوف من الاعتراف بالفشل، لأنه الخطوة الأولى نحو الإصلاح”.

واعتبر أن إسرائيل باتت، في نظر كثيرين داخل المنطقة وخارجها، “الخاسر الأكبر من اتفاق استسلام ترامب للإيرانيين”.

وفي ما يتعلق بلبنان، أشار زيسر إلى أن إسرائيل عادت عملياً إلى واقع ما قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ تضرر “حزب الله” لكنه بقي قائماً ويعمل على إعادة ترميم قدراته العسكرية.

وأضاف أن إسرائيل لا تستطيع الاعتماد بالكامل على الولايات المتحدة، معتبراً أن واشنطن “لا تساعد إلا من يساعد نفسه”، ومشيراً إلى أن ترامب يتعامل مع نتنياهو بالطريقة نفسها التي تعامل بها رؤساء أميركيون سابقون مع حلفاء “فقدوا أهميتهم السياسية”.

وبرأيه، فإن “الفرصة ضاعت في لبنان”، كما أن الأهداف التي وضعتها إسرائيل لنفسها في إيران “كانت غير واقعية منذ البداية”، وهو ما يفسر اتساع الفجوة بين الطموحات والنتائج.

ومن جهته، اعتبر المحلل السياسي في “هآرتس” تسفي باريئيل أن طهران “نجحت في العودة إلى الساحة اللبنانية عبر القنوات الديبلوماسية”.

ولفت إلى أن “المحادثات بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني برعاية أميركية تتم ضمن إطار فرضته إيران بصورة غير مباشرة، فيما يُصاغ الترتيب الجديد في لبنان بلغة الضمانات والآليات والمفتشين والتنسيق، ولم تعد إسرائيل اللاعب الرئيسي فيه”.

ورأى باريئيل أنّ “تقدّم طهران نحو الاندماج في الترتيبات الأمنية الإقليمية، وخصوصاً في لبنان، يشكّل تحوّلاً تاريخياً ينقلها من هامش محور المقاومة إلى موقع أكثر مركزية في رسم التوازنات”.

وخلص إلى أن لبنان “لم يعد مجرد ساحة مواجهة غير مباشرة بين إسرائيل وإيران، بل تحول إلى ورقة تفاوض وأداة لتسوية النزاعات”، فيما تسعى طهران إلى تقديم نفسها ليس فقط كداعم لـ”حزب الله”،

بل كطرف قادر على “المساهمة في الاستقرار الإقليمي والتأثير في ملفات تتجاوز مضيق هرمز والبرنامج النووي  “.

كيف تقرأ إسرائيل مستقبل وجودها العسكري في جنوب لبنان؟

الكاتب: مرال قطينة | المصدر: النهار
24 حزيران 2026

من منظور عدد من المحللين الإسرائيليين، كشفت الحروب الأخيرة في غزة ولبنان وإيران حجم الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة التي تنظر إلى النزاعات من زاوية التوازنات والمنافسة الإقليمية والدولية.

يشهد الملف اللبناني تحولاً لافتاً في خضم المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، بعدما بات أحد عناصر الاختبار الأساسية لمذكرة التفاهم التي تنص على وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان.

وشددت طهران على أن “استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان يشكل إخلالاً بالتفاهمات التي جرى التوصل إليها مع واشنطن”، في إشارة إلى أن الساحة اللبنانية أصبحت جزءاً من آليات قياس نجاح التفاهم أو فشله.

وفي هذا السياق، أُعلن إنشاء “مجموعة عمل لتفادي التصعيد”، بهدف ضمان الالتزام بوقف إطلاق النار في لبنان ومنع تجدد المواجهات العسكرية، في مسار يشكل جزءاً أساسياً من الجهود الرامية إلى تثبيت التفاهمات الإقليمية الأوسع بعد الربط بين الجبهات.

لبنان يدخل مرحلة جديدة

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” ووسائل إعلام إسرائيلية، فُرضت قيود جديدة إلى حد كبير على نشاط الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، بالتزامن مع استمرار وقف إطلاق النار، رغم تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية لا تزال تتمتع بـ”حرية عمل كاملة” داخل الأراضي اللبنانية.

وبحسب التقرير، فُرضت قيود واسعة على النشاط العسكري الإسرائيلي، استناداً إلى تصريحات مسؤولين إسرائيليين أكدوا أن تنفيذ عمليات أوسع بات يتطلب مصادقة مباشرة من رئيس هيئة الأركان، كما حُظر تنفيذ عمليات نسف للمنازل أو البنى التحتية حتى داخل “المنطقة الأمنية”.

ومن منظور عدد من المحللين الإسرائيليين، كشفت الحروب الأخيرة في غزة ولبنان وإيران حجم الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة التي تنظر إلى النزاعات من زاوية التوازنات والمنافسة الإقليمية والدولية. في المقابل، وقعت إسرائيل أسيرة اعتبارات وجودية ومصيرية دفعتها إلى تبني استراتيجية تقوم على افتراض تطابق مصالحها مع المصالح الأميركية.

ويرى هؤلاء أن هذا الاعتماد المفرط على واشنطن قاد إلى تفضيل الحلول الموقتة لإدارة الصراع، والاعتقاد بإمكان إدارة الخصوم بدلاً من حسم المواجهة معهم.

الحزام الأمني… بين الضرورة والعبء

وفي هذا الإطار، أشار المحلل الأمني رونين بيرغمان في “يديعوت أحرونوت” إلى أن الإفراط في استخدام القوة في لبنان لا يأتي من فراغ، بل يحدث في وقت تشعر فيه إسرائيل بإحباط متزايد من التفاهم الأميركي – الإيراني، ما يحوّل بعض العمليات العسكرية إلى أداة للتنفيس السياسي أكثر منها استجابة لضرورات ميدانية.

ويرى أن ثمن هذه الديناميكية “باهظ جداً”، فإذا اقتنع دونالد ترامب بأن إسرائيل تعرّض إنجازه الشخصي للخطر، فقد يقدّم تنازلات إضافية لإنقاذه. وعندها ستدفع إسرائيل الثمن مرتين، “عبر تآكل قوة الردع في لبنان، والحصول على تفاهم أسوأ”، إضافة إلى الكلفة المتزايدة في غزة والضفة الغربية وملفي إمدادات الأسلحة وحرية العمل العسكري.

أما “الخط الأصفر”، بحسب بيرغمان، فقد أُعيد تغليفه هذه المرة بمصطلحات مثل “المجال الدفاعي” و”إزالة التهديدات” و”مراكز الثقل”. لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً: “هل تحتفظ إسرائيل بالأراضي لحماية مواطنيها أم لتبرير استمرار احتفاظها بهذه الأراضي؟”.

ويضيف أن المنطقة الأمنية “تبدأ دائماً بوعد إزالة التهديد، ثم تتحول تدريجاً إلى واقع جغرافي يفرض نفسه عندما يبدأ الجنود بحماية الخط أكثر مما يحمي الخط المدنيين، لتنتهي بعد سنوات من الاستنزاف والخسائر وطرح الأسئلة نفسها بعد فوات الأوان”.

وفي هذا السياق، رسم الجنود الإسرائيليون الذين التقتهم “يديعوت أحرونوت” ملامح المرحلة المقبلة، مؤكدين أن “الجيش يتجه نحو تنفيذ انسحابات والتمركز في خطوط دفاعية خلفية، بهدف إنشاء حيز دفاعي فعال وآمن”.

وأشاروا إلى أن المواقع التي يتمركز فيها الجيش الإسرائيلي حالياً “متقدمة ومتعمقة داخل الأراضي اللبنانية”، وأن مرحلة التوسع والسيطرة على مزيد من الأراضي “وصلت إلى حدها الأقصى”، فيما بات التركيز منصباً على “حماية القوات والمواقع الدفاعية”.

كذلك، أوضحوا أن التعامل مع شبكة الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر “جرى تجميده موقتاً بسبب اعتبارات عملياتية حساسة”، بينما تعمل وحدات “يهلوم” الهندسية وقوات الكوماندوز على تحليل الوضع وفهم امتداد الشبكة من دون دخول المنشآت حتى الآن.

بين الخسارة الإسرائيلية والصعود الإيراني

في المقابل، رأى إيال زيسر في “إسرائيل اليوم” أنه “لا ينبغي الخوف من الاعتراف بالفشل، لأنه الخطوة الأولى نحو الإصلاح”.

واعتبر أن إسرائيل باتت، في نظر كثيرين داخل المنطقة وخارجها، “الخاسر الأكبر من اتفاق استسلام ترامب للإيرانيين”.

وفي ما يتعلق بلبنان، أشار زيسر إلى أن إسرائيل عادت عملياً إلى واقع ما قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ تضرر “حزب الله” لكنه بقي قائماً ويعمل على إعادة ترميم قدراته العسكرية.

وأضاف أن إسرائيل لا تستطيع الاعتماد بالكامل على الولايات المتحدة، معتبراً أن واشنطن “لا تساعد إلا من يساعد نفسه”، ومشيراً إلى أن ترامب يتعامل مع نتنياهو بالطريقة نفسها التي تعامل بها رؤساء أميركيون سابقون مع حلفاء “فقدوا أهميتهم السياسية”.

وبرأيه، فإن “الفرصة ضاعت في لبنان”، كما أن الأهداف التي وضعتها إسرائيل لنفسها في إيران “كانت غير واقعية منذ البداية”، وهو ما يفسر اتساع الفجوة بين الطموحات والنتائج.

ومن جهته، اعتبر المحلل السياسي في “هآرتس” تسفي باريئيل أن طهران “نجحت في العودة إلى الساحة اللبنانية عبر القنوات الديبلوماسية”.

ولفت إلى أن “المحادثات بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني برعاية أميركية تتم ضمن إطار فرضته إيران بصورة غير مباشرة، فيما يُصاغ الترتيب الجديد في لبنان بلغة الضمانات والآليات والمفتشين والتنسيق، ولم تعد إسرائيل اللاعب الرئيسي فيه”.

ورأى باريئيل أنّ “تقدّم طهران نحو الاندماج في الترتيبات الأمنية الإقليمية، وخصوصاً في لبنان، يشكّل تحوّلاً تاريخياً ينقلها من هامش محور المقاومة إلى موقع أكثر مركزية في رسم التوازنات”.

وخلص إلى أن لبنان “لم يعد مجرد ساحة مواجهة غير مباشرة بين إسرائيل وإيران، بل تحول إلى ورقة تفاوض وأداة لتسوية النزاعات”، فيما تسعى طهران إلى تقديم نفسها ليس فقط كداعم لـ”حزب الله”،

بل كطرف قادر على “المساهمة في الاستقرار الإقليمي والتأثير في ملفات تتجاوز مضيق هرمز والبرنامج النووي  “.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار