المعادلة اللبنانية: تعادل رابح بين إيران وإسرائيل

خلال مؤتمر “اتحاد المجالس الإسلامية” في أذربيجان، أبدى رئيس “مجلس الشورى” الإيراني، محمد باقر قاليباف، استعداد بلاده لتوسيع التعاون مع الدول الإسلامية على أساس “مبادئ الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية،وحسن الجوار، والمصالح المشتركة”.وأردف ذلك بالدعوة إلى تعزيز التعاون الإقليمي بدلاً من سياسات الإقصاء والحوار.
ما سبق يمكن اعتباره مفتاحًا لفهم كيف يتأرجح “البندول” السياسي الإيراني راهنًا. فالمبادئ التي تحدث عنها تنطبق على ما تبحث عنه بلادنا المعذبة. لكنه كان يقصد الدول الإقليمية فقط، حيث تحدث عن لبنان في موضع آخر بصيغة الربط الكامل بما يتناقض مع ما سلف ويكرّس منطق الوصاية وساحة النفوذ. ومع ذلك فهو بوصفه “حامل القلم” لدى نظام الملالي لا يبحث عن تجديد الصراع في لبنان وحوله، بل عن “كوة” يلوذ بها لتوفير مخرج آمن يحفظ ماء الوجه، بموازاة استغلال الهوامش التي ما تزال ضبابية قبل إنجاز الترتيبات النهائية للقيام بمناورات سياسية ترمي لتحصيل مكتسبات لحزبه تحت عنوان “ضمانات لحقوق الشيعة”.
لذلك يندفع “حزب الله” بقوة وعبر مسارات عدة لممارسة ضغوط هائلة على الدولة، إلى جانب تقديم طروحات وأفكار في الأروقة السياسية وأمام الفاعلين الإقليميين من أجل اقتناص انتصارات معنوية يمكنه تسويقها، حيث راح يطرح عناوين مثل “الدوحة 2” للوصول إلى تطوير “الطائف” لتثبيت مكتسبات شيعية معينة، فضلًا عن استبدال الحكومة بأخرى لإدارة المرحلة تكون أقل قسوة عليه من ناحية رئيسها وتوازناتها. النقطة الأبرز التي يعمل “الحزب” على استثمارها هي التركيز على بعض التفاصيل التي قد تتراخى فيها أميركا وبعض القوى الفاعلة ضمن المشهدية الكبرى.
هنا بالضبط يبرز دور السعودية كدولة إقليمية من أبرز الفاعلين في إعادة صياغة النظام في المنطقة، إلى جانب احتضانها ودعمها مشروع استنهاض الدولة في لبنان،وحمايتها من فوضى إيرانية منظمة،مع الحفاظ على “الطائف” كإطار ناظم للحياة السياسية، وتطبيق ما لم يسع تطبيقه في الماضي،فضلًا عن تفكيك منظومة “حزب الله” بسياسة احتواء متدرجة.
منذ بداية الصراع تبنت المملكة مقاربة ركيزتها ثلاثة لاءات: لا انتصار لنتنياهو، لا انتصار لإيران، لا انهيار لنظام الملالي يعقبه فوضى. بمعنى آخر صيغة تعادلية غير متكافئة لا تمنح الانتصار الحاسم لأي طرف وقريبة من عنوان محض لبناني أطلقه الرئيس الراحل صائب سلام “لا غالب ولا مغلوب”.
بالاستناد إلى هذه اللاءات التي تتشاركها مع أميركا وتركيا، وبدبلوماسيتها الصامتة والبعيدة من ضجيج الممانعة، صاغت السعودية معادلة مركبة تعتمد المزج بين مسارات مترابطة ومنسجمة، تقود في نهاية المطاف إلى تثبيت مشروع الدولة وتعزيز حضور المؤسسات. إلى جانب حمايتها العاصمة من ثنائية استهدافات إسرائيل و “الحزب”، وموقفها الذي أسبغ مظلة دعم حاسمة للمفاوضات المباشرة بين لبنان والدولة العبرية للوصول إلى اتفاقية أمنية توقعها الشرعية فقط، تدعم السعودية نشوء “خلية منع الاحتكاك” كبديل عن “الميكانيزم”، على أن تكون ممثلة فيها بمقعدين غير مباشرين: قطري وباكستاني، إلى جانب لبنان.
وعضوية هذه “الخلية” ليس مكسبًا استراتيجيًا كما تروّج الآلة الدعائية الممانعة، حيث لن تسمح المملكة بالإطاحة بالمفاوضات بين لبنان وإسرائيل لحساب مخرجات تفاهمات إسلام آباد، بل تعمل على جعلها مسارًا مكملا لتكون “كوّة” الخروج الآمن لنظام الملالي لأنها ستلزمه، وخصوصًا حرسه الثوري، بالتوقيع على خارطة طريق متدرجة لآليات تنفيذية تضمن انسحاب إسرائيل، بموازاة تفكيك سلاح “الحزب” على قاعدة “خطوة – خطوة”.
لا ريب أن هذه العملية المركبة ستكون محفوفة بالكثير من المراوغات الإيرانية المعتادة ومحاولات استهلاك الوقت، لكن السعودية ستكون الضمانة إزائها، لقدرتها على توظيف شراكتها مع أميركا، وحاجة إيران إليها للخروج من قوقعتها ضمن المبادئ المشار إليها آنفًا. والمناورات، أو الضمانات التي قد يطلبها نظام الملالي ستكون مرفقة بالضغوط السياسية الخشنة. وهذه الطريق هي عمليًا الأقل تكلفة على الدولة واللبنانيين، ليكون التعادل بين إيران وإسرائيل رابحًا ليس لطرفيه بل لمنطق الدولة.
المعادلة اللبنانية: تعادل رابح بين إيران وإسرائيل

خلال مؤتمر “اتحاد المجالس الإسلامية” في أذربيجان، أبدى رئيس “مجلس الشورى” الإيراني، محمد باقر قاليباف، استعداد بلاده لتوسيع التعاون مع الدول الإسلامية على أساس “مبادئ الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية،وحسن الجوار، والمصالح المشتركة”.وأردف ذلك بالدعوة إلى تعزيز التعاون الإقليمي بدلاً من سياسات الإقصاء والحوار.
ما سبق يمكن اعتباره مفتاحًا لفهم كيف يتأرجح “البندول” السياسي الإيراني راهنًا. فالمبادئ التي تحدث عنها تنطبق على ما تبحث عنه بلادنا المعذبة. لكنه كان يقصد الدول الإقليمية فقط، حيث تحدث عن لبنان في موضع آخر بصيغة الربط الكامل بما يتناقض مع ما سلف ويكرّس منطق الوصاية وساحة النفوذ. ومع ذلك فهو بوصفه “حامل القلم” لدى نظام الملالي لا يبحث عن تجديد الصراع في لبنان وحوله، بل عن “كوة” يلوذ بها لتوفير مخرج آمن يحفظ ماء الوجه، بموازاة استغلال الهوامش التي ما تزال ضبابية قبل إنجاز الترتيبات النهائية للقيام بمناورات سياسية ترمي لتحصيل مكتسبات لحزبه تحت عنوان “ضمانات لحقوق الشيعة”.
لذلك يندفع “حزب الله” بقوة وعبر مسارات عدة لممارسة ضغوط هائلة على الدولة، إلى جانب تقديم طروحات وأفكار في الأروقة السياسية وأمام الفاعلين الإقليميين من أجل اقتناص انتصارات معنوية يمكنه تسويقها، حيث راح يطرح عناوين مثل “الدوحة 2” للوصول إلى تطوير “الطائف” لتثبيت مكتسبات شيعية معينة، فضلًا عن استبدال الحكومة بأخرى لإدارة المرحلة تكون أقل قسوة عليه من ناحية رئيسها وتوازناتها. النقطة الأبرز التي يعمل “الحزب” على استثمارها هي التركيز على بعض التفاصيل التي قد تتراخى فيها أميركا وبعض القوى الفاعلة ضمن المشهدية الكبرى.
هنا بالضبط يبرز دور السعودية كدولة إقليمية من أبرز الفاعلين في إعادة صياغة النظام في المنطقة، إلى جانب احتضانها ودعمها مشروع استنهاض الدولة في لبنان،وحمايتها من فوضى إيرانية منظمة،مع الحفاظ على “الطائف” كإطار ناظم للحياة السياسية، وتطبيق ما لم يسع تطبيقه في الماضي،فضلًا عن تفكيك منظومة “حزب الله” بسياسة احتواء متدرجة.
منذ بداية الصراع تبنت المملكة مقاربة ركيزتها ثلاثة لاءات: لا انتصار لنتنياهو، لا انتصار لإيران، لا انهيار لنظام الملالي يعقبه فوضى. بمعنى آخر صيغة تعادلية غير متكافئة لا تمنح الانتصار الحاسم لأي طرف وقريبة من عنوان محض لبناني أطلقه الرئيس الراحل صائب سلام “لا غالب ولا مغلوب”.
بالاستناد إلى هذه اللاءات التي تتشاركها مع أميركا وتركيا، وبدبلوماسيتها الصامتة والبعيدة من ضجيج الممانعة، صاغت السعودية معادلة مركبة تعتمد المزج بين مسارات مترابطة ومنسجمة، تقود في نهاية المطاف إلى تثبيت مشروع الدولة وتعزيز حضور المؤسسات. إلى جانب حمايتها العاصمة من ثنائية استهدافات إسرائيل و “الحزب”، وموقفها الذي أسبغ مظلة دعم حاسمة للمفاوضات المباشرة بين لبنان والدولة العبرية للوصول إلى اتفاقية أمنية توقعها الشرعية فقط، تدعم السعودية نشوء “خلية منع الاحتكاك” كبديل عن “الميكانيزم”، على أن تكون ممثلة فيها بمقعدين غير مباشرين: قطري وباكستاني، إلى جانب لبنان.
وعضوية هذه “الخلية” ليس مكسبًا استراتيجيًا كما تروّج الآلة الدعائية الممانعة، حيث لن تسمح المملكة بالإطاحة بالمفاوضات بين لبنان وإسرائيل لحساب مخرجات تفاهمات إسلام آباد، بل تعمل على جعلها مسارًا مكملا لتكون “كوّة” الخروج الآمن لنظام الملالي لأنها ستلزمه، وخصوصًا حرسه الثوري، بالتوقيع على خارطة طريق متدرجة لآليات تنفيذية تضمن انسحاب إسرائيل، بموازاة تفكيك سلاح “الحزب” على قاعدة “خطوة – خطوة”.
لا ريب أن هذه العملية المركبة ستكون محفوفة بالكثير من المراوغات الإيرانية المعتادة ومحاولات استهلاك الوقت، لكن السعودية ستكون الضمانة إزائها، لقدرتها على توظيف شراكتها مع أميركا، وحاجة إيران إليها للخروج من قوقعتها ضمن المبادئ المشار إليها آنفًا. والمناورات، أو الضمانات التي قد يطلبها نظام الملالي ستكون مرفقة بالضغوط السياسية الخشنة. وهذه الطريق هي عمليًا الأقل تكلفة على الدولة واللبنانيين، ليكون التعادل بين إيران وإسرائيل رابحًا ليس لطرفيه بل لمنطق الدولة.










