العقدة التاريخية… لماذا “لبنان الثمن”؟

الكاتب: نبيل بومنصف | المصدر: النهار
26 حزيران 2026

كان الأسبوع المنصرم مسرحاً لانفجار مهول ولو مكتوم لدى الغالبية، لإحدى أصعب العقد التاريخية الموضوعية لدى اللبنانيين المتمكنة من هواجسهم ومخاوفهم، إلى حدود التسبب بنوبات هلع وذعر غالباً ما تودي بالأفراد والجماعات إلى هجرات إضافية.

كل الموروث من تجارب وحقبات دفع لبنان فيها أكلاف وأثمان الصفقات الإقليمية والدولية، خصوصاً وتحديداً، في العقود التي بدأت مع الحرب اللبنانية الكبيرة في عام 1975 وما تلاها وتناسل منها، اقتحم ذاكرة اللبنانيين لدى استحضار النموذج الأحدث والأخطر، بلا شك، في إقحام لبنان عنوة وقسراً بالشكل الحاصل في مخرجات التفاهم الأميركي – الإيراني.

ولأنه قد يكون شاقاً على غير اللبنانيين، وحتى العرب أنفسهم، فهم عمق العقدة اللبنانية حيال أي تطورٍ مماثل لتداعيات التفاهم الأميركي – الإيراني، علماً أن معظم الدول الخليجية والعربية، بل جميعها، بدت وتبدو مرحبة به لدوافع كثيرة تحتاج إلى مقاربات خاصة بها، سيغدو ملحاً مراجعة الدوافع العميقة للحذر والخشية بل والتوجس المبرر لدى غالبية لبنانية واسعة، من “الثمن” الذي يرمز إلى التضحية ببلدهم الممزق تحت وطأة أعاصير المصالح و”النفوذات” الإقليمية بتغطية من الدول الكبرى النافذة.

اتفاق القاهرة و”فتح لاند”

النقطة الأشد إيلاماً في عقدة الثمن (وهي ليست مماثلة لمتلازمة استكهولم التي تصيب الرهينة بالالتصاق بخاطفه ومعذبه)،  ترقى أول ما ترقى إلى اتفاق القاهرة الأشهر من أن يعرف، الذي قوّض عملياً أفضل تجربة دولة عرفها لبنان منذ استقلاله وتثبيت كيانه الجغرافي والدستوري، إذ استسلمت سلطة ذاك الزمن في لبنان لتآمرٍ عربي ودولي مشبوه ومنحت المقاتلين الفلسطينيين حق قتال إسرائيل من منطقة “فتح لاند” في الجنوب.

ثم كانت التجربة التالية الأشدّ خطورة مع “هندسة” أميركية تحديداً لتشريع تدخل الجيش السوري في معارك لبنان، بدءاً برسم ما سميت الخطوط الحمر التي توقف زحف جيش حافظ الأسد عند خط الأولي جنوباً، لمنع أي صدام عسكري بينه وبين الجيش الإسرائيلي الذي اجتاح الجنوب وأقام الشريط الحدودي.

الخطوط الحمر تلك لم تبق العلامة القاتلة للسيادة اللبنانية وحدها بل تطورت إلى ما صار أخطر تسليم أميركي وغربي وعربي سواء بسواء، لنظام طاغية هو نظام حافظ الأسد بوصايته الاحتلالية على لبنان.

صحيح أن المظلة الدولية العربية عادت لتوقف حروب الداخل والخارج في لبنان مع إبرام اتفاق الطائف، غير أن الخنوع الدولي لإرهاب نظام الأسد الذي انبرى بعد فترة قصيرة قياسية من إبرام ذاك الاتفاق، إلى اغتيال الرئيس رينيه معوض لأنه رفض منحه إجازة القتل وارتكاب مجزرة اقتحام قصر بعبدا لاقتلاع سلطة ميشال عون، أعاد تمزيق واقع المظلة الدولية للطائف ومفهومها وترك لبنان طويلاً تحت وطأة طائفٍ مزيف سوري ظلامي.

الاستباحة كسلاح فعال

لم يمزق مفهوم الثمن القاتل أو لبنان الضحية الدائمة، واقعياً وتاريخياً، سوى اشتعال أعظم ثورة في تاريخ لبنان قاطبة، ثورة 14 آذار/مارس 2005 الاستقلالية التي تفجرت فوق دماء ضحايا نظام الأسد وإرهابه. وكان يقيض لها، بعد إرغام ذاك النظام على انسحابٍ مذلّ من لبنان، أن تقيم دولة قويةً تنهي للأبد الاستباحات الخارجية لسيادته وأرضه. غير أن الفريق اللبناني الوارث تبعية الولاء لنظام الأسد البائد وتوأمته مع نظام الملالي في إيران، بالإضافة إلى تبعية مذهبية وتمويلية وتسليحية وعقائدية بالكامل، هذا الفريق تمكن من إبقاء الاستباحة سلاحاً فعالاً قاتلاً عبر استدراج إسرائيل تكراراً إلى الاحتلالات والحروب فوق الساحة اللبنانية.

حين جرى “إبلاغ” لبنان قبل أيام “عضويته” في خليةٍ تضمه إلى أميركا وإيران لمراقبة وقف النار، كان هذا مؤشراً مشؤوماً لاستحضار عقدة تختصر أسوأ أقدار لبنان.

العقدة التاريخية… لماذا “لبنان الثمن”؟

الكاتب: نبيل بومنصف | المصدر: النهار
26 حزيران 2026

كان الأسبوع المنصرم مسرحاً لانفجار مهول ولو مكتوم لدى الغالبية، لإحدى أصعب العقد التاريخية الموضوعية لدى اللبنانيين المتمكنة من هواجسهم ومخاوفهم، إلى حدود التسبب بنوبات هلع وذعر غالباً ما تودي بالأفراد والجماعات إلى هجرات إضافية.

كل الموروث من تجارب وحقبات دفع لبنان فيها أكلاف وأثمان الصفقات الإقليمية والدولية، خصوصاً وتحديداً، في العقود التي بدأت مع الحرب اللبنانية الكبيرة في عام 1975 وما تلاها وتناسل منها، اقتحم ذاكرة اللبنانيين لدى استحضار النموذج الأحدث والأخطر، بلا شك، في إقحام لبنان عنوة وقسراً بالشكل الحاصل في مخرجات التفاهم الأميركي – الإيراني.

ولأنه قد يكون شاقاً على غير اللبنانيين، وحتى العرب أنفسهم، فهم عمق العقدة اللبنانية حيال أي تطورٍ مماثل لتداعيات التفاهم الأميركي – الإيراني، علماً أن معظم الدول الخليجية والعربية، بل جميعها، بدت وتبدو مرحبة به لدوافع كثيرة تحتاج إلى مقاربات خاصة بها، سيغدو ملحاً مراجعة الدوافع العميقة للحذر والخشية بل والتوجس المبرر لدى غالبية لبنانية واسعة، من “الثمن” الذي يرمز إلى التضحية ببلدهم الممزق تحت وطأة أعاصير المصالح و”النفوذات” الإقليمية بتغطية من الدول الكبرى النافذة.

اتفاق القاهرة و”فتح لاند”

النقطة الأشد إيلاماً في عقدة الثمن (وهي ليست مماثلة لمتلازمة استكهولم التي تصيب الرهينة بالالتصاق بخاطفه ومعذبه)،  ترقى أول ما ترقى إلى اتفاق القاهرة الأشهر من أن يعرف، الذي قوّض عملياً أفضل تجربة دولة عرفها لبنان منذ استقلاله وتثبيت كيانه الجغرافي والدستوري، إذ استسلمت سلطة ذاك الزمن في لبنان لتآمرٍ عربي ودولي مشبوه ومنحت المقاتلين الفلسطينيين حق قتال إسرائيل من منطقة “فتح لاند” في الجنوب.

ثم كانت التجربة التالية الأشدّ خطورة مع “هندسة” أميركية تحديداً لتشريع تدخل الجيش السوري في معارك لبنان، بدءاً برسم ما سميت الخطوط الحمر التي توقف زحف جيش حافظ الأسد عند خط الأولي جنوباً، لمنع أي صدام عسكري بينه وبين الجيش الإسرائيلي الذي اجتاح الجنوب وأقام الشريط الحدودي.

الخطوط الحمر تلك لم تبق العلامة القاتلة للسيادة اللبنانية وحدها بل تطورت إلى ما صار أخطر تسليم أميركي وغربي وعربي سواء بسواء، لنظام طاغية هو نظام حافظ الأسد بوصايته الاحتلالية على لبنان.

صحيح أن المظلة الدولية العربية عادت لتوقف حروب الداخل والخارج في لبنان مع إبرام اتفاق الطائف، غير أن الخنوع الدولي لإرهاب نظام الأسد الذي انبرى بعد فترة قصيرة قياسية من إبرام ذاك الاتفاق، إلى اغتيال الرئيس رينيه معوض لأنه رفض منحه إجازة القتل وارتكاب مجزرة اقتحام قصر بعبدا لاقتلاع سلطة ميشال عون، أعاد تمزيق واقع المظلة الدولية للطائف ومفهومها وترك لبنان طويلاً تحت وطأة طائفٍ مزيف سوري ظلامي.

الاستباحة كسلاح فعال

لم يمزق مفهوم الثمن القاتل أو لبنان الضحية الدائمة، واقعياً وتاريخياً، سوى اشتعال أعظم ثورة في تاريخ لبنان قاطبة، ثورة 14 آذار/مارس 2005 الاستقلالية التي تفجرت فوق دماء ضحايا نظام الأسد وإرهابه. وكان يقيض لها، بعد إرغام ذاك النظام على انسحابٍ مذلّ من لبنان، أن تقيم دولة قويةً تنهي للأبد الاستباحات الخارجية لسيادته وأرضه. غير أن الفريق اللبناني الوارث تبعية الولاء لنظام الأسد البائد وتوأمته مع نظام الملالي في إيران، بالإضافة إلى تبعية مذهبية وتمويلية وتسليحية وعقائدية بالكامل، هذا الفريق تمكن من إبقاء الاستباحة سلاحاً فعالاً قاتلاً عبر استدراج إسرائيل تكراراً إلى الاحتلالات والحروب فوق الساحة اللبنانية.

حين جرى “إبلاغ” لبنان قبل أيام “عضويته” في خليةٍ تضمه إلى أميركا وإيران لمراقبة وقف النار، كان هذا مؤشراً مشؤوماً لاستحضار عقدة تختصر أسوأ أقدار لبنان.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار