لبنان بين الحرب والانهيار وغياب المحاسبة… أزمات بلا نهاية

لا يكمن النقص في محاولات اللبنانيين للخروج من أزماتهم المتلاحقة بقدر ما يكمن في غياب الشرط الأساسي لأي عملية نهوض حقيقية: المحاسبة! فمنذ عقود طويلة يعيش لبنان سلسلة متواصلة من الأزمات التي تتخذ أشكالاً مختلفة؛ فوضى أمنية، وعدم استقرار سياسي، واهتزازات اجتماعية وتربوية، وانهيارات اقتصادية متكررة. إلا أن النتيجة تكاد تكون واحدة في كل مرة، تراجع مستوى المعيشة، وتبديد ما راكمه اللبنانيون من جهد وثروة ونمو، والعودة إلى نقطة الصفر، أو إلى ما هو أدنى منها أحياناً، كما يحدث اليوم في ظل الحرب المدمرة الدائرة وتداعياتها الواسعة.
حتى إن توصيف اللبناني بأنه قادر على التكيف مع الأزمات تحوّل إلى ما يشبه السمة الوطنية. ويُنظر إلى هذه القدرة أحياناً بوصفها ميزة استثنائية مقارنة بشعوب أخرى. غير أن هذا التكيف لم يكن وليد ظروف طبيعية، بل نتاج تمرّس قاسٍ اكتسبه اللبنانيون بفعل تعاقب الحروب والأزمات والانهيارات. ففي حين تمر مجتمعات عديدة بتجارب مؤلمة ثم تبادر إلى مراجعة أسبابها ومحاسبة المسؤولين عنها لمنع تكرارها، يبدو أن التجربة اللبنانية تسير في اتجاه مختلف، حيث يصبح التكيف بديلاً من التغيير، والصبر بديلاً من الإصلاح.
شهد العالم نماذج عديدة لدول ومجتمعات خرجت من حروب أهلية أو أزمات اقتصادية وسياسية كبرى، لكن القاسم المشترك بينها كان وجود آليات واضحة للمساءلة والمراجعة. ففي عدد من الدول الأوروبية التي عانت من الحروب، كما في تجارب بلدان خرجت من أنظمة استبدادية أو من نزاعات داخلية دامية، جرى الربط بين إعادة البناء وبين محاسبة المسؤولين عن الأخطاء والسياسات التي قادت إلى الكوارث. أما في لبنان، فغالباً ما يتم القفز فوق هذه المرحلة وكأنها تفصيل ثانوي يمكن الاستغناء عنه.
تكمن خصوصية الأزمة اللبنانية في أن النقاش العام ينتقل بسرعة من تحديد المسؤوليات إلى البحث عن تسويات. فالأزمة الاقتصادية التي انفجرت منذ سنوات لم تصب فئة أو منطقة أو طائفة بعينها، بل أصابت الشعب اللبناني بأكمله. فقد تبخرت المدخرات، وتراجعت قيمة الأجور، وانهارت الخدمات العامة، وهاجر مئات الآلاف من الشباب والكفاءات. ومع ذلك، ورغم الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدتها مختلف المناطق اللبنانية احتجاجاً على السياسات التي أوصلت البلاد إلى هذا الانهيار، سرعان ما عادت الأمور إلى ما يشبه طبيعتها، وكأن شيئاً لم يكن.
الأكثر غرابة أن القوى والشخصيات التي كانت جزءاً من منظومة اتخاذ القرار، والتي تتحمل بدرجات متفاوتة مسؤولية ما آلت إليه البلاد، تعود لتقديم نفسها باعتبارها صاحبة الحلول والمنقذ المنتظر. وهنا تتحول القضايا الوطنية الكبرى إلى ما يشبه الخلافات المحلية التي تُعالج بمنطق “مشيخة الحي”، حيث تُستبدل المحاسبة الفعلية بالمصالحات الشكلية، ويُستعاض عن العدالة السياسية والإدارية بمنطق “تبويس اللحى” والتسويات المؤقتة.
المحاسبة ليست عملاً انتقامياً، بل هي شرط أساسي لمنع تكرار الأخطاء. وهي تعني، في أبسط تعريفاتها الديمقراطية، أن يتحمل المسؤول نتائج قراراته، وأن يُحرم من الاستمرار في إدارة الشأن العام عندما يثبت فشله أو تورطه في إلحاق الضرر بالمجتمع والدولة. أما أن يستمر المسؤول نفسه في إدارة الأزمة بعد أن كان شريكاً في صناعتها، فذلك لا يمكن أن يشكل وصفة للخروج من الانهيار، بل طريقاً مؤكداً لإعادة إنتاجه.
في الواقع، إن منطق الإدارة الذي ساد خلال العقود الماضية لا يصلح لإدارة حي صغير، فكيف بإدارة دولة كاملة تتطلب مؤسسات وقوانين وآليات رقابة ومحاسبة؟ وقد ساهمت عوامل عديدة في تكريس هذا النموذج، أبرزها تغليب الولاءات الأولية على مفهوم المواطنة، والتدخلات الخارجية التي كثيراً ما تعاملت مع لبنان كساحة نفوذ لا كدولة ذات سيادة ومؤسسات. وهكذا ترسخ تدريجياً تصور خطير مفاده أن العمل خارج الدستور والقانون هو القاعدة، بينما يصبح الالتزام بهما استثناءً.
وعلى الرغم من فترات الاستقرار النسبي التي عرفها لبنان خلال العقود الخمسة الماضية، فإن جزءاً كبيراً من هذا الاستقرار كان هشاً ومصطنعاً، لأنه لم يقم على إصلاحات حقيقية أو على بناء دولة مؤسسات، بل على تسويات مؤقتة وتأجيل للمشكلات وتوزيع للخسائر والأعباء دون معالجة أسبابها العميقة. ولذلك كانت كل أزمة تحمل في داخلها بذور الأزمة التالية.
اليوم، وبعد الحرب الإسرائيلية المدمرة التي أصابت لبنان بخسائر بشرية ومادية واقتصادية هائلة، يلوح في الأفق مشهد مألوف. فهناك من يستعد مجدداً لتولي إدارة مرحلة ما بعد الحرب، تحت عناوين تمثيل المتضررين أو الدفاع عن حقوقهم أو إدارة عملية التعويضات وإعادة الإعمار. لكن التجربة اللبنانية منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1975 وما تلاها من مراحل إعادة بناء أثبتت أن تحويل إعادة الإعمار إلى شأن تديره القوى والفئات السياسية عبر مؤسسات شبه رسمية ، انشأة خصيصا لهذه القوى بدلاً من مؤسسات الدولة ،يؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة إنتاج الاختلالات نفسها التي ساهمت في قيام الحروب ووقوع الأزمات.
إن إعادة بناء ما دمرته الحروب ليست مجرد عملية هندسية أو مالية، بل هي قبل كل شيء عملية سياسية ومؤسساتية. وعندما تُستبعد مؤسسات الدولة لصالح شبكات النفوذ والولاءات الفئوية، تصبح التعويضات أداة زبائنية، وتتحول إعادة الإعمار إلى فرصة جديدة لتكريس موازين القوى القائمة بدلاً من تصحيحها.
من هنا تبدو اللحظة الراهنة فرصة نادرة للخروج من الحلقة المفرغة التي حكمت التجربة اللبنانية لعقود. فإدارة آثار الحرب وإعادة الإعمار والتعويضات يجب أن تكون مسؤولية الدولة ومؤسساتها حصراً، لا مسؤولية القوى الفئوية مهما بلغت شرعيتها التمثيلية داخل المناطق المتضررة. فالدولة وحدها تملك القدرة على جمع اللبنانيين تحت مظلة قانون واحد ومعايير واحدة وحقوق متساوية.
إن استمرار الاعتماد على الفئات والجماعات والولاءات الأولية لحل المشكلات الوطنية سيبقى ينتج الأزمات نفسها بأشكال مختلفة. كما أن تجاهل المحاسبة سيظل يسمح بإعادة تدوير النخب والسياسات التي قادت إلى الانهيارات السابقة. فالدولة لا تُبنى بالعصبيات العائلية أو الطائفية، ولا تستقيم بالاستثناءات الدائمة على الدستور والقانون، بل تقوم على مبدأ بسيط وواضح: من يقرر باسم اللبنانيين يجب أن يكون مسؤولاً أمام اللبنانيين.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي لم يتعلمه لبنان بعد. فالأزمات والحروب لا تصبح قدراً محتوماً إلا عندما يتكرر الخطأ نفسه دون مراجعة أو مساءلة. أما حين تتحول المحاسبة إلى ثقافة عامة وإلى ممارسة مؤسساتية، فإن الخروج من الأزمات يصبح ممكناً، وتتحول التضحيات التي يدفعها اللبنانيون في كل مرة إلى بداية جديدة لا إلى محطة إضافية في مسلسل الانهيارات المتكررة.
لبنان بين الحرب والانهيار وغياب المحاسبة… أزمات بلا نهاية

لا يكمن النقص في محاولات اللبنانيين للخروج من أزماتهم المتلاحقة بقدر ما يكمن في غياب الشرط الأساسي لأي عملية نهوض حقيقية: المحاسبة! فمنذ عقود طويلة يعيش لبنان سلسلة متواصلة من الأزمات التي تتخذ أشكالاً مختلفة؛ فوضى أمنية، وعدم استقرار سياسي، واهتزازات اجتماعية وتربوية، وانهيارات اقتصادية متكررة. إلا أن النتيجة تكاد تكون واحدة في كل مرة، تراجع مستوى المعيشة، وتبديد ما راكمه اللبنانيون من جهد وثروة ونمو، والعودة إلى نقطة الصفر، أو إلى ما هو أدنى منها أحياناً، كما يحدث اليوم في ظل الحرب المدمرة الدائرة وتداعياتها الواسعة.
حتى إن توصيف اللبناني بأنه قادر على التكيف مع الأزمات تحوّل إلى ما يشبه السمة الوطنية. ويُنظر إلى هذه القدرة أحياناً بوصفها ميزة استثنائية مقارنة بشعوب أخرى. غير أن هذا التكيف لم يكن وليد ظروف طبيعية، بل نتاج تمرّس قاسٍ اكتسبه اللبنانيون بفعل تعاقب الحروب والأزمات والانهيارات. ففي حين تمر مجتمعات عديدة بتجارب مؤلمة ثم تبادر إلى مراجعة أسبابها ومحاسبة المسؤولين عنها لمنع تكرارها، يبدو أن التجربة اللبنانية تسير في اتجاه مختلف، حيث يصبح التكيف بديلاً من التغيير، والصبر بديلاً من الإصلاح.
شهد العالم نماذج عديدة لدول ومجتمعات خرجت من حروب أهلية أو أزمات اقتصادية وسياسية كبرى، لكن القاسم المشترك بينها كان وجود آليات واضحة للمساءلة والمراجعة. ففي عدد من الدول الأوروبية التي عانت من الحروب، كما في تجارب بلدان خرجت من أنظمة استبدادية أو من نزاعات داخلية دامية، جرى الربط بين إعادة البناء وبين محاسبة المسؤولين عن الأخطاء والسياسات التي قادت إلى الكوارث. أما في لبنان، فغالباً ما يتم القفز فوق هذه المرحلة وكأنها تفصيل ثانوي يمكن الاستغناء عنه.
تكمن خصوصية الأزمة اللبنانية في أن النقاش العام ينتقل بسرعة من تحديد المسؤوليات إلى البحث عن تسويات. فالأزمة الاقتصادية التي انفجرت منذ سنوات لم تصب فئة أو منطقة أو طائفة بعينها، بل أصابت الشعب اللبناني بأكمله. فقد تبخرت المدخرات، وتراجعت قيمة الأجور، وانهارت الخدمات العامة، وهاجر مئات الآلاف من الشباب والكفاءات. ومع ذلك، ورغم الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدتها مختلف المناطق اللبنانية احتجاجاً على السياسات التي أوصلت البلاد إلى هذا الانهيار، سرعان ما عادت الأمور إلى ما يشبه طبيعتها، وكأن شيئاً لم يكن.
الأكثر غرابة أن القوى والشخصيات التي كانت جزءاً من منظومة اتخاذ القرار، والتي تتحمل بدرجات متفاوتة مسؤولية ما آلت إليه البلاد، تعود لتقديم نفسها باعتبارها صاحبة الحلول والمنقذ المنتظر. وهنا تتحول القضايا الوطنية الكبرى إلى ما يشبه الخلافات المحلية التي تُعالج بمنطق “مشيخة الحي”، حيث تُستبدل المحاسبة الفعلية بالمصالحات الشكلية، ويُستعاض عن العدالة السياسية والإدارية بمنطق “تبويس اللحى” والتسويات المؤقتة.
المحاسبة ليست عملاً انتقامياً، بل هي شرط أساسي لمنع تكرار الأخطاء. وهي تعني، في أبسط تعريفاتها الديمقراطية، أن يتحمل المسؤول نتائج قراراته، وأن يُحرم من الاستمرار في إدارة الشأن العام عندما يثبت فشله أو تورطه في إلحاق الضرر بالمجتمع والدولة. أما أن يستمر المسؤول نفسه في إدارة الأزمة بعد أن كان شريكاً في صناعتها، فذلك لا يمكن أن يشكل وصفة للخروج من الانهيار، بل طريقاً مؤكداً لإعادة إنتاجه.
في الواقع، إن منطق الإدارة الذي ساد خلال العقود الماضية لا يصلح لإدارة حي صغير، فكيف بإدارة دولة كاملة تتطلب مؤسسات وقوانين وآليات رقابة ومحاسبة؟ وقد ساهمت عوامل عديدة في تكريس هذا النموذج، أبرزها تغليب الولاءات الأولية على مفهوم المواطنة، والتدخلات الخارجية التي كثيراً ما تعاملت مع لبنان كساحة نفوذ لا كدولة ذات سيادة ومؤسسات. وهكذا ترسخ تدريجياً تصور خطير مفاده أن العمل خارج الدستور والقانون هو القاعدة، بينما يصبح الالتزام بهما استثناءً.
وعلى الرغم من فترات الاستقرار النسبي التي عرفها لبنان خلال العقود الخمسة الماضية، فإن جزءاً كبيراً من هذا الاستقرار كان هشاً ومصطنعاً، لأنه لم يقم على إصلاحات حقيقية أو على بناء دولة مؤسسات، بل على تسويات مؤقتة وتأجيل للمشكلات وتوزيع للخسائر والأعباء دون معالجة أسبابها العميقة. ولذلك كانت كل أزمة تحمل في داخلها بذور الأزمة التالية.
اليوم، وبعد الحرب الإسرائيلية المدمرة التي أصابت لبنان بخسائر بشرية ومادية واقتصادية هائلة، يلوح في الأفق مشهد مألوف. فهناك من يستعد مجدداً لتولي إدارة مرحلة ما بعد الحرب، تحت عناوين تمثيل المتضررين أو الدفاع عن حقوقهم أو إدارة عملية التعويضات وإعادة الإعمار. لكن التجربة اللبنانية منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1975 وما تلاها من مراحل إعادة بناء أثبتت أن تحويل إعادة الإعمار إلى شأن تديره القوى والفئات السياسية عبر مؤسسات شبه رسمية ، انشأة خصيصا لهذه القوى بدلاً من مؤسسات الدولة ،يؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة إنتاج الاختلالات نفسها التي ساهمت في قيام الحروب ووقوع الأزمات.
إن إعادة بناء ما دمرته الحروب ليست مجرد عملية هندسية أو مالية، بل هي قبل كل شيء عملية سياسية ومؤسساتية. وعندما تُستبعد مؤسسات الدولة لصالح شبكات النفوذ والولاءات الفئوية، تصبح التعويضات أداة زبائنية، وتتحول إعادة الإعمار إلى فرصة جديدة لتكريس موازين القوى القائمة بدلاً من تصحيحها.
من هنا تبدو اللحظة الراهنة فرصة نادرة للخروج من الحلقة المفرغة التي حكمت التجربة اللبنانية لعقود. فإدارة آثار الحرب وإعادة الإعمار والتعويضات يجب أن تكون مسؤولية الدولة ومؤسساتها حصراً، لا مسؤولية القوى الفئوية مهما بلغت شرعيتها التمثيلية داخل المناطق المتضررة. فالدولة وحدها تملك القدرة على جمع اللبنانيين تحت مظلة قانون واحد ومعايير واحدة وحقوق متساوية.
إن استمرار الاعتماد على الفئات والجماعات والولاءات الأولية لحل المشكلات الوطنية سيبقى ينتج الأزمات نفسها بأشكال مختلفة. كما أن تجاهل المحاسبة سيظل يسمح بإعادة تدوير النخب والسياسات التي قادت إلى الانهيارات السابقة. فالدولة لا تُبنى بالعصبيات العائلية أو الطائفية، ولا تستقيم بالاستثناءات الدائمة على الدستور والقانون، بل تقوم على مبدأ بسيط وواضح: من يقرر باسم اللبنانيين يجب أن يكون مسؤولاً أمام اللبنانيين.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي لم يتعلمه لبنان بعد. فالأزمات والحروب لا تصبح قدراً محتوماً إلا عندما يتكرر الخطأ نفسه دون مراجعة أو مساءلة. أما حين تتحول المحاسبة إلى ثقافة عامة وإلى ممارسة مؤسساتية، فإن الخروج من الأزمات يصبح ممكناً، وتتحول التضحيات التي يدفعها اللبنانيون في كل مرة إلى بداية جديدة لا إلى محطة إضافية في مسلسل الانهيارات المتكررة.









