ما هو طرح «حزب الله» لوقف مسار الخراب؟

«نِصف تسليم لنِصف سلاح في نِصف دولة في نِصف جنوب… ولا انسحاب أبداً». لا يمكن لأحد أن يكابر وينفي. لبنان في مأزق كبير وخطِر، ولا أحد يستطيع القيام بعمل فعّال للخروج منه، إلّا «حزب الله». «الحزب»، الذي هو نفسه افتتح حروب السنوات الأخيرة مع إسرائيل، ورَفَض كل النداءات لتجنّبها، مع علمه باختلال القوة الهائل مع إسرائيل، ولا يريد وقفها اليوم، مع يقينه بأنّ المسار الذي يسلكه سيأخذه إلى ما لا نهاية في طريق التقهقر، حرباً بعد أخرى.
نظرة مقارنة سريعة بين ما كان قبل 2023 وما هو حاصل اليوم. حينذاك، لم تكن إسرائيل تحتل أي بقعة من لبنان (باستثناء مزارع شبعا التي يُقال إنّها كانت مجرد عنوان يستخدمه الحزب للاحتفاظ بالسلاح). ومع نهاية تلك الحرب التي أطلقها الحزب بملء إرادته، وبإصرار وبمخالفة لمطالب غالبية اللبنانيين، دخلت إسرائيل برّاً إلى الجنوب، وقرّرت الاحتفاظ بـ5 نقاط قريبة من الحدود، صارت 8 لاحقاً.
اعتبر «الحزب» أنّ اتفاق تشرين الثاني 2024 مجحف. بالفعل هو أُرغم على قبوله، بعدما بدأت إسرائيل عملية هدم منهجية للضاحية الجنوبية لبيروت. وفي التطبيق أراد التنصل من بند نزع السلاح، فتذرّعت اسرائيل بذلك وتقدّمت إلى الليطاني. بعد ذلك، خاض الحزب حرب الصواريخ الستة انتقاماً لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، فكانت فرصة اسرائيل لتجاوز الليطاني الى الزهراني، وتحويل جزء واسع من الجنوب أرضاً محروقة.
اليوم، يرفض «الحزب» الاتفاق الإطار، ويعتبره مجحفاً جداً. وهو يطالب اليوم بالعودة إلى اتفاق تشرين الثاني 2024، لأنّه أفضل. لكن إسرائيل باتت تعتبر أنّ ذلك الاتفاق صار من الماضي، وصارت تطمح إلى ما هو أفضل لضمان مصالحها وطموحاتها التوسعية. وهكذا، إذا اختار الحزب مسار الحرب مجدداً، فالنتيجة المتوقعة محتومة: ستتمدّد إسرائيل من قرى الزهراني لتدخل أعماق إقليم التفاح والاتجاه غرباً في اتجاه صيدا. عملياً، هذا هو الخطر المقبل: عودة إسرائيل إلى المناطق التي كانت تحتلها قبل العام 2000، مباشرة أو من خلال «جيش لبنان الجنوبي»، أي حتى خط الأوّلي، وإذا قررت أن تفعل اليوم، فمن سيمنعها؟
دائماً، مطلب أركان الدولة من «حزب الله» هو نفسه: سلّمونا السلاح وقرار الحرب والسلم، لعلّنا ننزع ذريعة إسرائيل التي تستخدمها للتوسع والقضم حتى باتت تحتل جزءاً كبيراً من الجنوب. وفي منطق الدولة: إذا كانت لإسرائيل أطماع بأرض لبنان، تنفيذاً لمشروع إسرائيل الكبرى، فما على «الحزب» إلّا أن ينزع الذريعة التي تستخدمها، فيسلّم سلاحه والقرار إلى الدولة. ربما حينذاك تستطيع أن تتصدّى لإسرائيل بقوة الديبلوماسية. وفي الواقع، لو كانت لدى لبنان، بجيشه وبـ«الحزب»، قدرة على مواجهة إسرائيل عسكرياً ودحرها، لكان الأمر لا يحتاج إلى تفكير. نستخدم القوة فوراً، ولا نفاوض إلّا لكي نفرض شروطنا على إسرائيل. حينذاك، يكون منطق المقاومة سليماً ويجب الاحتكام له. وأما في وضعية الهزائم المتسلسلة إلى ما لا نهاية، فإنّ اختيار طريق الحرب هو انتحار محتوم، فيما التفاوض هو السبيل الوحيد، على الأقل لوقف الهزائم والحدّ من الخسائر، إذا كان متعذّراً تحقيق الأرباح فعلاً.
ثمة من يرى أنّ على «حزب الله» أن يقول اليوم تماماً، بصراحة وبصوت عالٍ، أمام بيئته أولاً واللبنانيين تالياً: ما رؤيته للخروج من هذه الدوامة الجهنمية. إذا كان مصرّاً على الحرب، فليواصل هذه الحرب ولا يوقفها ولو أوقفتها إسرائيل، لا يطلب وقف النار ولو أراد الأميركيون فرضه.
وأما إذا كان خياره الأفضل هو تسليم زمام التفاوض لإيران، لكي تقرّر مصيره ومصير بيئته والجنوب والبقاع ولبنان بأسره، فليقل ذلك صراحة، وليس بالمداورة. ولكن عليه أن يتحمّل المسؤولية التاريخية عن مصير الشيعة كشريحة لبنانية أصيلة، وعن أرضهم التاريخية في الجنوب والبقاع، وليتذكّر أنّ أي ثمن سيتكبّده هؤلاء في هذه الحال سيكون هو نفسه مسؤولاً عنه. ولكن، على «الحزب» أن يعرف أنّ الغالبية الساحقة من اللبنانيين، بمن فيهم الشيعة، يرفضون هذا الخيار، بعدما جرّبوا حتى اليوم ما أوصلتهم إليه حروب المساندة ضمن محور طهران.
وأما إذا كان خيار «الحزب» طبيعياً وسليماً، أي الاقتناع بتسليم زمام الأمور إلى الدولة فعلاً، ومنحها هامش الحركة لكي تفاوض وتفعل ما يمكن لإنقاذ ما تبقّى، فليقلها أيضاً بوضوح، وليسلّم القرار والسلاح إلى هذه الدولة فعلاً وبجدّية لا بالمناورة، وليلتزم بالحلول التي تتوصل إليها.
في أي حال، الكلام الملتبس يجب أن يكون قد انتهى إلى غير رجعة: «نِصف تسليم لنِصف سلاح في نِصف دولة في نِصف جنوب… ولا انسحاب أبداً». حان وقت الكلام الواضح. فالوضعيات الملتبسة هي الوصفة المثالية للانزلاق الدائم في مسارات الخراب، إلى ما لا نهاية. ألن يتعلّم اللبنانيون من الدروس؟
ما هو طرح «حزب الله» لوقف مسار الخراب؟

«نِصف تسليم لنِصف سلاح في نِصف دولة في نِصف جنوب… ولا انسحاب أبداً». لا يمكن لأحد أن يكابر وينفي. لبنان في مأزق كبير وخطِر، ولا أحد يستطيع القيام بعمل فعّال للخروج منه، إلّا «حزب الله». «الحزب»، الذي هو نفسه افتتح حروب السنوات الأخيرة مع إسرائيل، ورَفَض كل النداءات لتجنّبها، مع علمه باختلال القوة الهائل مع إسرائيل، ولا يريد وقفها اليوم، مع يقينه بأنّ المسار الذي يسلكه سيأخذه إلى ما لا نهاية في طريق التقهقر، حرباً بعد أخرى.
نظرة مقارنة سريعة بين ما كان قبل 2023 وما هو حاصل اليوم. حينذاك، لم تكن إسرائيل تحتل أي بقعة من لبنان (باستثناء مزارع شبعا التي يُقال إنّها كانت مجرد عنوان يستخدمه الحزب للاحتفاظ بالسلاح). ومع نهاية تلك الحرب التي أطلقها الحزب بملء إرادته، وبإصرار وبمخالفة لمطالب غالبية اللبنانيين، دخلت إسرائيل برّاً إلى الجنوب، وقرّرت الاحتفاظ بـ5 نقاط قريبة من الحدود، صارت 8 لاحقاً.
اعتبر «الحزب» أنّ اتفاق تشرين الثاني 2024 مجحف. بالفعل هو أُرغم على قبوله، بعدما بدأت إسرائيل عملية هدم منهجية للضاحية الجنوبية لبيروت. وفي التطبيق أراد التنصل من بند نزع السلاح، فتذرّعت اسرائيل بذلك وتقدّمت إلى الليطاني. بعد ذلك، خاض الحزب حرب الصواريخ الستة انتقاماً لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، فكانت فرصة اسرائيل لتجاوز الليطاني الى الزهراني، وتحويل جزء واسع من الجنوب أرضاً محروقة.
اليوم، يرفض «الحزب» الاتفاق الإطار، ويعتبره مجحفاً جداً. وهو يطالب اليوم بالعودة إلى اتفاق تشرين الثاني 2024، لأنّه أفضل. لكن إسرائيل باتت تعتبر أنّ ذلك الاتفاق صار من الماضي، وصارت تطمح إلى ما هو أفضل لضمان مصالحها وطموحاتها التوسعية. وهكذا، إذا اختار الحزب مسار الحرب مجدداً، فالنتيجة المتوقعة محتومة: ستتمدّد إسرائيل من قرى الزهراني لتدخل أعماق إقليم التفاح والاتجاه غرباً في اتجاه صيدا. عملياً، هذا هو الخطر المقبل: عودة إسرائيل إلى المناطق التي كانت تحتلها قبل العام 2000، مباشرة أو من خلال «جيش لبنان الجنوبي»، أي حتى خط الأوّلي، وإذا قررت أن تفعل اليوم، فمن سيمنعها؟
دائماً، مطلب أركان الدولة من «حزب الله» هو نفسه: سلّمونا السلاح وقرار الحرب والسلم، لعلّنا ننزع ذريعة إسرائيل التي تستخدمها للتوسع والقضم حتى باتت تحتل جزءاً كبيراً من الجنوب. وفي منطق الدولة: إذا كانت لإسرائيل أطماع بأرض لبنان، تنفيذاً لمشروع إسرائيل الكبرى، فما على «الحزب» إلّا أن ينزع الذريعة التي تستخدمها، فيسلّم سلاحه والقرار إلى الدولة. ربما حينذاك تستطيع أن تتصدّى لإسرائيل بقوة الديبلوماسية. وفي الواقع، لو كانت لدى لبنان، بجيشه وبـ«الحزب»، قدرة على مواجهة إسرائيل عسكرياً ودحرها، لكان الأمر لا يحتاج إلى تفكير. نستخدم القوة فوراً، ولا نفاوض إلّا لكي نفرض شروطنا على إسرائيل. حينذاك، يكون منطق المقاومة سليماً ويجب الاحتكام له. وأما في وضعية الهزائم المتسلسلة إلى ما لا نهاية، فإنّ اختيار طريق الحرب هو انتحار محتوم، فيما التفاوض هو السبيل الوحيد، على الأقل لوقف الهزائم والحدّ من الخسائر، إذا كان متعذّراً تحقيق الأرباح فعلاً.
ثمة من يرى أنّ على «حزب الله» أن يقول اليوم تماماً، بصراحة وبصوت عالٍ، أمام بيئته أولاً واللبنانيين تالياً: ما رؤيته للخروج من هذه الدوامة الجهنمية. إذا كان مصرّاً على الحرب، فليواصل هذه الحرب ولا يوقفها ولو أوقفتها إسرائيل، لا يطلب وقف النار ولو أراد الأميركيون فرضه.
وأما إذا كان خياره الأفضل هو تسليم زمام التفاوض لإيران، لكي تقرّر مصيره ومصير بيئته والجنوب والبقاع ولبنان بأسره، فليقل ذلك صراحة، وليس بالمداورة. ولكن عليه أن يتحمّل المسؤولية التاريخية عن مصير الشيعة كشريحة لبنانية أصيلة، وعن أرضهم التاريخية في الجنوب والبقاع، وليتذكّر أنّ أي ثمن سيتكبّده هؤلاء في هذه الحال سيكون هو نفسه مسؤولاً عنه. ولكن، على «الحزب» أن يعرف أنّ الغالبية الساحقة من اللبنانيين، بمن فيهم الشيعة، يرفضون هذا الخيار، بعدما جرّبوا حتى اليوم ما أوصلتهم إليه حروب المساندة ضمن محور طهران.
وأما إذا كان خيار «الحزب» طبيعياً وسليماً، أي الاقتناع بتسليم زمام الأمور إلى الدولة فعلاً، ومنحها هامش الحركة لكي تفاوض وتفعل ما يمكن لإنقاذ ما تبقّى، فليقلها أيضاً بوضوح، وليسلّم القرار والسلاح إلى هذه الدولة فعلاً وبجدّية لا بالمناورة، وليلتزم بالحلول التي تتوصل إليها.
في أي حال، الكلام الملتبس يجب أن يكون قد انتهى إلى غير رجعة: «نِصف تسليم لنِصف سلاح في نِصف دولة في نِصف جنوب… ولا انسحاب أبداً». حان وقت الكلام الواضح. فالوضعيات الملتبسة هي الوصفة المثالية للانزلاق الدائم في مسارات الخراب، إلى ما لا نهاية. ألن يتعلّم اللبنانيون من الدروس؟





