قراءة قانونية للإتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل الموقع في واشنطن 2026

الكاتب: المحامي إميل عون | المصدر: نداء الوطن
5 تموز 2026

يشكل الإتفاق الإطاري الموقع بين الجمهورية اللبنانية ودولة إسرائيل في واشنطن سنة 2026 حدثاً قانونياً وسياسياً بالغ الأهمية، ليس فقط بالنظر إلى مضمونه المباشر، وإنما أيضاً بسبب السياق التاريخي والقانوني الذي جاء فيه. فمنذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، لم تعرف العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية إستقراراً قانونياً دائماً، بل تعاقبت عليها حالات الحرب والهدنة والإحتلال والإنسحاب وقرارات مجلس الأمن والوساطات الدولية، الأمر الذي أوجد وضعاً قانونياً معقداً يصعب إخضاعه للتصنيفات التقليدية المعروفة في القانون الدولي العام. وتكتسب دراسة هذا الاتفاق أهمية خاصة لأنه لا يندرج بصورة واضحة ضمن فئة معاهدات السلام التقليدية، ولا ضمن الإتفاقات العسكرية البحتة، بل يبدو أقرب إلى ما يسميه الفقه الدولي الحديث بـ Framework Agreements أو الإتفاقات الإطارية، التي تهدف إلى إنشاء آليات قانونية ومؤسساتية لإدارة النزاعات وتسويتها تدريجياً دون الوصول فوراً إلى تسوية نهائية شاملة(1). وتتمثل الإشكالية الرئيسية لهذه القراءة في تحديد الطبيعة القانونية للإتفاق الإطاري، ومدى تأثيره على المركز القانوني للعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية، وما إذا كان يشكل مجرد آلية لتنفيذ إلتزامات قائمة بموجب قرارات مجلس الأمن، أم أنه يمثل مرحلة قانونية جديدة تتجاوز الإطار التقليدي لوقف الأعمال العدائية. من هنا، نعالج بإختصار مسألتي الخلفية التاريخية والقانونية للعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية والطبيعة القانونية للإتفاق الإطاري (وفي جزء ثان ينشر لاحقًا نتطرق الى تحليل المضمون بحد ذاته).

أولًا، الخلفية التاريخية والقانونية للعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية

بالنسبة لنشوء الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين، لا بد من العودة إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى لحسن فهم الإطار القانوني للعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية، فلقد خضعت أراضي لبنان للإنتداب الفرنسي، في حين خضعت فلسطين للإنتداب البريطاني بموجب نظام الإنتداب الذي أقرته عصبة الأمم سنة 1922 (2). وفي هذا السياق، جرى تحديد الحدود بين منطقتي الانتداب بموجب اتفاق بوليه-نيوكومب لعام 1923، الذي رسم الحدود بين لبنان وفلسطين بصورة أصبحت لاحقاً الأساس القانوني للحدود الدولية المعترف بها بين لبنان وإسرائيل(3). وتكمن أهمية هذا الإتفاق في أنه يجسد مبدأ إستمرارية الحدود الموروثة عن الإستعمار، المعروف في الفقه الدولي بمبدأ uti possidetis juris، والذي يقضي بتحول الحدود الإدارية القائمة عند الاستقلال إلى حدود دولية نهائية بين الدول الجديدة (4). وقد أكدت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في قضية بوركينا فاسو ومالي سنة 1986، معتبرة أن إستقرار الحدود يمثل أحد الشروط الأساسية لإستقرار العلاقات الدولية (5). وعليه، فإن الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل لا تستند في أصلها القانوني إلى إتفاق لاحق بين الدولتين، وإنما إلى ترتيبات دولية سبقت قيام إسرائيل نفسها. بما يتعلق بحرب 1948 وانعكاساتها القانونية، أدى إعلان قيام إسرائيل في 14 أيار 1948 إلى اندلاع الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى، التي شارك فيها لبنان إلى جانب عدد من الدول العربية الأخرى (6). ومن الناحية القانونية، ترتب على هذه الحرب نشوء حالة نزاع مسلح دولي بين لبنان وإسرائيل، وهي الحالة التي شكلت الإطار القانوني للعلاقة بين الدولتين خلال العقود اللاحقة. وقد أفضت الحرب إلى تدخل الأمم المتحدة وإعتماد مجموعة من الآليات القانونية الهادفة إلى وقف القتال وتنظيم العلاقات العسكرية بين الأطراف المتحاربة (7). أما بالنسبة لإتفاق الهدنة لعام 1949، يشكل إتفاق الهدنة اللبناني-الإسرائيلي الموقع في رأس الناقورة بتاريخ 23 آذار 1949 إحدى أهم الوثائق القانونية في تاريخ العلاقات بين الطرفين (8)، ويتميز هذا الإتفاق بأنه لم يكن معاهدة سلام (اتفاقية لاحرب كما يسميها الكاتب)، بل إتفاقاً عسكرياً يهدف إلى وقف العمليات القتالية وتنظيم خطوط التماس بين القوات المسلحة. وقد نص الإتفاق صراحة على أن خط الهدنة لا يشكل حدوداً سياسية أو إقليمية نهائية، وأنه لا يمس بالمطالب القانونية لأي من الطرفين (9). ويكتسب هذا النص أهمية كبيرة، لأن الفقه الدولي يميز بصورة واضحة بين اتفاق الهدنة (Armistice Agreement) ووقف إطلاق النار (Ceasefire) ومعاهدة السلام (Peace Treaty)، ففي حين تنهي معاهدة السلام حالة الحرب قانوناً، لا تؤدي الهدنة بالضرورة إلى هذه النتيجة (10). وقد أكد الفقيه البريطاني الشهير أنطوني أوست أن إتفاقات الهدنة لا تنشئ في الأصل علاقات سلمية كاملة بين الأطراف، بل تقتصر على تنظيم وقف الأعمال العسكرية (11). بين 1949 و1978 ورغم إتفاق الهدنة، لم تشهد الحدود اللبنانية-الإسرائيلية إستقراراً كاملاً، وللأسف إبتداءً من أواخر ستينيات القرن العشرين، أصبحت الأراضي اللبنانية مسرحاً لعمليات عسكرية متبادلة بين إسرائيل والمنظمات الفلسطينية المسلحة، ولا سيما بعد إنتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان إثر أحداث أيلول الأسود في الأردن سنة 1970(12). وقد أدى ذلك إلى تعقيد الوضع القانوني للنزاع، إذ لم يعد محصوراً بعلاقة بين دولتين، بل أصبح يتداخل مع نشاط جهات مسلحة غير حكومية. ومنذ ذلك الحين، بدأ يبرز في القانون الدولي نقاش واسع حول مسؤولية الدولة عن أعمال الجماعات المسلحة الموجودة على أراضيها، وهو نقاش لا يزال مستمراً حتى اليوم (13). في آذار 1978 نفذت إسرائيل عملية عسكرية واسعة داخل الأراضي اللبنانية، وقد دفع ذلك مجلس الأمن إلى إعتماد القرار 425 لسنة 1978، الذي طالب إسرائيل بالإنسحاب الفوري من الأراضي اللبنانية وأكد احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه وإستقلاله السياسي (14). كما أنشأ القرار قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لمراقبة الإنسحاب والمساعدة في إستعادة الأمن والإستقرار في الجنوب اللبناني (15). ويعد القرار 425 من أهم الأسس القانونية الدولية التي إستند إليها لبنان طوال العقود التالية في المطالبة بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي وإستمر الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من جنوب لبنان لسنوات طويلة، سواء بصورة مباشرة أو عبر ما عرف بـالشريط الحدودي، وفي أيار 2000 أعلنت إسرائيل إنسحابها من جنوب لبنان، فقامت الأمم المتحدة بالتحقق من الإنسحاب ورسم ما عرف بالخط الأزرق (16). ومن المهم قانوناً التمييز بين الخط الأزرق والحدود الدولية، فالخط الأزرق لم يُنشأ كحدود دولية جديدة، وإنما كخط تقني إعتمدته الأمم المتحدة للتحقق من تنفيذ الإنسحاب الإسرائيلي تطبيقاً للقرار 425 (17)، ولذلك فإن أي خلاف حول الخط الأزرق لا يؤدي تلقائياً إلى تعديل الحدود الدولية القائمة بين الدولتين. وهنا نصل الى حرب تموز 2006 والقرار 1701 وقد أدت حرب تموز 2006 إلى إعتماد القرار 1701 عن مجلس الأمن، وهو القرار الذي لا يزال حتى اليوم يشكل المرجعية القانونية الأساسية للوضع القائم في جنوب لبنان (18)، وأكد القرار على إحترام الخط الأزرق، وقف الأعمال العدائية، تعزيز انتشار الجيش اللبناني، دعم دور اليونيفيل، ومنع وجود أسلحة أو قوات غير حكومية خارج إطار الدولة اللبنانية في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني (19). من الناحية القانونية، يمثل القرار 1701 إطاراً دولياً ملزماً للطرفين بموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، وقد أصبح المرجع الرئيسي لأي ترتيبات أمنية لاحقة على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية. من هنا، يتبين من هذا العرض الموجز أن العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية لم تتطور ضمن مسار تقليدي للعلاقات الدولية، وإنما تشكلت من خلال سلسلة متعاقبة من الحروب والهدنات والإحتلالات والقرارات الدولية. ومن ثم، فإن الإتفاق الإطاري الموقع في واشنطن لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا الإرث القانوني المعقد، بل ينبغي النظر إليه بوصفه الحلقة الأحدث في مسار بدأ بإتفاق الهدنة سنة 1949، مروراً بالقرارين 425 و1701، ووصولاً إلى المحاولات الراهنة لإنشاء إطار تفاوضي أكثر استقراراً.

ثانيًا، الطبيعة القانونية للإتفاق الإطاري في ضوء القانون الدولي العام

يثير الإتفاق الإطاري الموقع في واشنطن سنة 2026 بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة كما وصلنا في الاعلام (20)، إشكالية قانونية تتجاوز مجرد تحليل أحكامه الموضوعية، لتطال تحديد طبيعته القانونية، فقبل البحث في الإلتزامات التي يرتبها الإتفاق، يتعين تحديد موقعه ضمن تصنيف الإتفاقات الدولية، وما إذا كان يشكل معاهدة دولية بالمعنى المقصود في القانون الدولي، أو مجرد إتفاق سياسي، أو إتفاقاً إطارياً (Framework Agreement) يمهد لمعاهدة نهائية. ولا تقتصر أهمية هذا التكييف على الجانب النظري، بل تمتد إلى آثار عملية تتعلق بقواعد تفسير الإتفاق، ومدى إلزاميته، وآليات تنفيذه، والنتائج المترتبة على الإخلال بأحكامه، ولا تتضمن إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تعريفاً لمفهوم الإتفاق الإطاري (Framework Agreement)، إذ إكتفت بتعريف “المعاهدة” بأنها إتفاق دولي مكتوب بين دول يخضع للقانون الدولي، بصرف النظر عن تسميته أو شكله (21). ويترتب على ذلك أن وصف الاتفاق بأنه “إطاري” لا ينفي عنه بالضرورة صفته كمعاهدة دولية إذا توافرت عناصرها الموضوعية، وهي وجود إرادة متبادلة للدول وخضوع الاتفاق للقانون الدولي وإنشاء حقوق والتزامات قانونية والتعبير عن هذه الإرادة في وثيقة مكتوبة. ويذهب الفقيه أنطوني أوست إلى أن تسمية الوثيقة ليست هي المعيار الحاسم، بل مضمونها والنية المشتركة للأطراف في ترتيب آثار قانونية (22)، ويؤيد جايمس كراوفورد هذا الاتجاه، معتبراً أن القانون الدولي ينظر إلى “جوهر الالتزام” لا إلى عنوان الوثيقة (23). ومن ثم، فإن إطلاق وصف Framework Agreement لا يحول دون إعتبار الوثيقة معاهدة إذا أنشأت التزامات قانونية متبادلة. بالنسبة الى خصائص الاتفاقات الإطارية، إستقر الفقه الدولي على أن الاتفاقات الإطارية تتميز بعدد من الخصائص، أولها أنها لا تسعى إلى تسوية جميع المسائل دفعة واحدة، وإنما تؤسس إطاراً قانونياً عاماً يسمح بإستكمال التسويات اللاحقة عبر لجان أو بروتوكولات أو إتفاقات تنفيذية، وثانيها، أنها تنشئ إلتزاماً قانونياً بمواصلة التعاون والتفاوض بحسن نية، دون أن تتضمن بالضرورة جميع التفاصيل الفنية منذ البداية. وثالثها، أنها تعتمد التنفيذ المرحلي أو المتدرج (Sequenced Implementation)، بحيث يرتبط تنفيذ كل إلتزام بتنفيذ الإلتزام المقابل من الطرف الآخر. ويلاحظ أن النص المنشور للإتفاق اللبناني-الإسرائيلي يتبنى هذا النموذج بصورة واضحة، إذ يربط إعادة الانتشار الإسرائيلي بإستعادة الدولة اللبنانية سلطتها الأمنية بصورة متدرجة، مع إنشاء مجموعة تنسيق عسكرية ثلاثية لمتابعة التنفيذ. من الناحية القانونية، لا يجوز الخلط بين الإتفاق الإطاري ومعاهدة السلام، فمعاهدة السلام تنهي، كقاعدة عامة، حالة الحرب بصورة نهائية، وتنظم العلاقات الدبلوماسية والسياسية والإقتصادية بين الدول، كما حدث في معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية ومعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية. أما الاتفاق الإطاري، فهو في الأصل وثيقة إنتقالية تؤسس لمسار تفاوضي وقانوني، دون أن تتضمن جميع عناصر التسوية النهائية. ومن هذه الزاوية، يبدو أن الاتفاق الموقع في واشنطن أقرب إلى الإتفاقات الانتقالية منه إلى معاهدة سلام نهائية، رغم أن النص المنشور يتحدث عن نية إنهاء حالة الحرب بصورة رسمية، الأمر الذي قد يثير نقاشاً حول مدى تحقق هذا الأثر فور التوقيع أم بقوة الإتفاق النهائي الذي يُفترض أن يعقبه. لا بد من الاشارة الى أن الاتفاق الإطاري يختلف كذلك عن مذكرة التفاهم (Memorandum of Understanding)، فمذكرة التفاهم قد تكون ملزمة أو غير ملزمة، بحسب صياغتها والنية المشتركة للأطراف. أما الاتفاق الإطاري، فإذا تضمن التزامات قانونية واضحة وصيغ بعبارات إلزامية مثل shall أو undertake، فإنه يقترب كثيراً من مفهوم المعاهدة الدولية. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية Qatar v. Bahrain أن العبرة ليست لعنوان الوثيقة، وإنما لما إذا كانت تعكس إرادة قانونية ملزمة بين الأطراف (24). من المهم أن لا ننسى أن مبدأ حسن النية (Good Faith) يشكل الركيزة الأساسية لتنفيذ الاتفاقات الدولية، وقد كرسته المادة 26 من اتفاقية فيينا التي تنص على أن كل معاهدة نافذة تلزم أطرافها ويجب تنفيذها بحسن نية، ويترتب على ذلك أن إنشاء لجان مشتركة أو إعتماد تنفيذ متدرج لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل تنفيذ الإتفاق أو الالتفاف عليه. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية North Sea Continental Shelf أن الإلتزام بالتفاوض بحسن نية يفرض على الدول الدخول في مفاوضات جدية وعدم إفراغها من مضمونها (25).

كخلاصة، يمكن تأكيد النتائج التالية، بأنه لا تحول تسمية الوثيقة بأنها “اتفاق إطاري” دون اعتبارها معاهدة دولية إذا توافرت عناصر المادة الثانية من اتفاقية فيينا. كما يبدو أن الاتفاق، وفق النصوص المنشورة، يجمع بين خصائص الاتفاق الإطاري والمعاهدة الدولية، إذ يقرر مبادئ عامة وينشئ في الوقت نفسه التزامات قانونية وآليات تنفيذ. نضيف أنه لا يجوز تفسير الاتفاق بمعزل عن قواعد تفسير المعاهدات الواردة في المواد (31–33) من إتفاقية فيينا، ولا سيما مبدأ التفسير بحسن النية وفي ضوء موضوع الإتفاق وغايته، فإن الوصف الأدق للإتفاق برأينا، في المرحلة الراهنة، هو أنه اتفاق إطاري ذو طبيعة تعاقدية دولية (Contractual Framework Agreement)، يمهد لتسوية أشمل، دون أن يفقد صفته الملزمة بالنسبة للإلتزامات التي أنشأها منذ دخوله حيز النفاذ.

قراءة قانونية للإتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل الموقع في واشنطن 2026

الكاتب: المحامي إميل عون | المصدر: نداء الوطن
5 تموز 2026

يشكل الإتفاق الإطاري الموقع بين الجمهورية اللبنانية ودولة إسرائيل في واشنطن سنة 2026 حدثاً قانونياً وسياسياً بالغ الأهمية، ليس فقط بالنظر إلى مضمونه المباشر، وإنما أيضاً بسبب السياق التاريخي والقانوني الذي جاء فيه. فمنذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، لم تعرف العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية إستقراراً قانونياً دائماً، بل تعاقبت عليها حالات الحرب والهدنة والإحتلال والإنسحاب وقرارات مجلس الأمن والوساطات الدولية، الأمر الذي أوجد وضعاً قانونياً معقداً يصعب إخضاعه للتصنيفات التقليدية المعروفة في القانون الدولي العام. وتكتسب دراسة هذا الاتفاق أهمية خاصة لأنه لا يندرج بصورة واضحة ضمن فئة معاهدات السلام التقليدية، ولا ضمن الإتفاقات العسكرية البحتة، بل يبدو أقرب إلى ما يسميه الفقه الدولي الحديث بـ Framework Agreements أو الإتفاقات الإطارية، التي تهدف إلى إنشاء آليات قانونية ومؤسساتية لإدارة النزاعات وتسويتها تدريجياً دون الوصول فوراً إلى تسوية نهائية شاملة(1). وتتمثل الإشكالية الرئيسية لهذه القراءة في تحديد الطبيعة القانونية للإتفاق الإطاري، ومدى تأثيره على المركز القانوني للعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية، وما إذا كان يشكل مجرد آلية لتنفيذ إلتزامات قائمة بموجب قرارات مجلس الأمن، أم أنه يمثل مرحلة قانونية جديدة تتجاوز الإطار التقليدي لوقف الأعمال العدائية. من هنا، نعالج بإختصار مسألتي الخلفية التاريخية والقانونية للعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية والطبيعة القانونية للإتفاق الإطاري (وفي جزء ثان ينشر لاحقًا نتطرق الى تحليل المضمون بحد ذاته).

أولًا، الخلفية التاريخية والقانونية للعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية

بالنسبة لنشوء الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين، لا بد من العودة إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى لحسن فهم الإطار القانوني للعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية، فلقد خضعت أراضي لبنان للإنتداب الفرنسي، في حين خضعت فلسطين للإنتداب البريطاني بموجب نظام الإنتداب الذي أقرته عصبة الأمم سنة 1922 (2). وفي هذا السياق، جرى تحديد الحدود بين منطقتي الانتداب بموجب اتفاق بوليه-نيوكومب لعام 1923، الذي رسم الحدود بين لبنان وفلسطين بصورة أصبحت لاحقاً الأساس القانوني للحدود الدولية المعترف بها بين لبنان وإسرائيل(3). وتكمن أهمية هذا الإتفاق في أنه يجسد مبدأ إستمرارية الحدود الموروثة عن الإستعمار، المعروف في الفقه الدولي بمبدأ uti possidetis juris، والذي يقضي بتحول الحدود الإدارية القائمة عند الاستقلال إلى حدود دولية نهائية بين الدول الجديدة (4). وقد أكدت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في قضية بوركينا فاسو ومالي سنة 1986، معتبرة أن إستقرار الحدود يمثل أحد الشروط الأساسية لإستقرار العلاقات الدولية (5). وعليه، فإن الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل لا تستند في أصلها القانوني إلى إتفاق لاحق بين الدولتين، وإنما إلى ترتيبات دولية سبقت قيام إسرائيل نفسها. بما يتعلق بحرب 1948 وانعكاساتها القانونية، أدى إعلان قيام إسرائيل في 14 أيار 1948 إلى اندلاع الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى، التي شارك فيها لبنان إلى جانب عدد من الدول العربية الأخرى (6). ومن الناحية القانونية، ترتب على هذه الحرب نشوء حالة نزاع مسلح دولي بين لبنان وإسرائيل، وهي الحالة التي شكلت الإطار القانوني للعلاقة بين الدولتين خلال العقود اللاحقة. وقد أفضت الحرب إلى تدخل الأمم المتحدة وإعتماد مجموعة من الآليات القانونية الهادفة إلى وقف القتال وتنظيم العلاقات العسكرية بين الأطراف المتحاربة (7). أما بالنسبة لإتفاق الهدنة لعام 1949، يشكل إتفاق الهدنة اللبناني-الإسرائيلي الموقع في رأس الناقورة بتاريخ 23 آذار 1949 إحدى أهم الوثائق القانونية في تاريخ العلاقات بين الطرفين (8)، ويتميز هذا الإتفاق بأنه لم يكن معاهدة سلام (اتفاقية لاحرب كما يسميها الكاتب)، بل إتفاقاً عسكرياً يهدف إلى وقف العمليات القتالية وتنظيم خطوط التماس بين القوات المسلحة. وقد نص الإتفاق صراحة على أن خط الهدنة لا يشكل حدوداً سياسية أو إقليمية نهائية، وأنه لا يمس بالمطالب القانونية لأي من الطرفين (9). ويكتسب هذا النص أهمية كبيرة، لأن الفقه الدولي يميز بصورة واضحة بين اتفاق الهدنة (Armistice Agreement) ووقف إطلاق النار (Ceasefire) ومعاهدة السلام (Peace Treaty)، ففي حين تنهي معاهدة السلام حالة الحرب قانوناً، لا تؤدي الهدنة بالضرورة إلى هذه النتيجة (10). وقد أكد الفقيه البريطاني الشهير أنطوني أوست أن إتفاقات الهدنة لا تنشئ في الأصل علاقات سلمية كاملة بين الأطراف، بل تقتصر على تنظيم وقف الأعمال العسكرية (11). بين 1949 و1978 ورغم إتفاق الهدنة، لم تشهد الحدود اللبنانية-الإسرائيلية إستقراراً كاملاً، وللأسف إبتداءً من أواخر ستينيات القرن العشرين، أصبحت الأراضي اللبنانية مسرحاً لعمليات عسكرية متبادلة بين إسرائيل والمنظمات الفلسطينية المسلحة، ولا سيما بعد إنتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان إثر أحداث أيلول الأسود في الأردن سنة 1970(12). وقد أدى ذلك إلى تعقيد الوضع القانوني للنزاع، إذ لم يعد محصوراً بعلاقة بين دولتين، بل أصبح يتداخل مع نشاط جهات مسلحة غير حكومية. ومنذ ذلك الحين، بدأ يبرز في القانون الدولي نقاش واسع حول مسؤولية الدولة عن أعمال الجماعات المسلحة الموجودة على أراضيها، وهو نقاش لا يزال مستمراً حتى اليوم (13). في آذار 1978 نفذت إسرائيل عملية عسكرية واسعة داخل الأراضي اللبنانية، وقد دفع ذلك مجلس الأمن إلى إعتماد القرار 425 لسنة 1978، الذي طالب إسرائيل بالإنسحاب الفوري من الأراضي اللبنانية وأكد احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه وإستقلاله السياسي (14). كما أنشأ القرار قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لمراقبة الإنسحاب والمساعدة في إستعادة الأمن والإستقرار في الجنوب اللبناني (15). ويعد القرار 425 من أهم الأسس القانونية الدولية التي إستند إليها لبنان طوال العقود التالية في المطالبة بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي وإستمر الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من جنوب لبنان لسنوات طويلة، سواء بصورة مباشرة أو عبر ما عرف بـالشريط الحدودي، وفي أيار 2000 أعلنت إسرائيل إنسحابها من جنوب لبنان، فقامت الأمم المتحدة بالتحقق من الإنسحاب ورسم ما عرف بالخط الأزرق (16). ومن المهم قانوناً التمييز بين الخط الأزرق والحدود الدولية، فالخط الأزرق لم يُنشأ كحدود دولية جديدة، وإنما كخط تقني إعتمدته الأمم المتحدة للتحقق من تنفيذ الإنسحاب الإسرائيلي تطبيقاً للقرار 425 (17)، ولذلك فإن أي خلاف حول الخط الأزرق لا يؤدي تلقائياً إلى تعديل الحدود الدولية القائمة بين الدولتين. وهنا نصل الى حرب تموز 2006 والقرار 1701 وقد أدت حرب تموز 2006 إلى إعتماد القرار 1701 عن مجلس الأمن، وهو القرار الذي لا يزال حتى اليوم يشكل المرجعية القانونية الأساسية للوضع القائم في جنوب لبنان (18)، وأكد القرار على إحترام الخط الأزرق، وقف الأعمال العدائية، تعزيز انتشار الجيش اللبناني، دعم دور اليونيفيل، ومنع وجود أسلحة أو قوات غير حكومية خارج إطار الدولة اللبنانية في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني (19). من الناحية القانونية، يمثل القرار 1701 إطاراً دولياً ملزماً للطرفين بموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، وقد أصبح المرجع الرئيسي لأي ترتيبات أمنية لاحقة على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية. من هنا، يتبين من هذا العرض الموجز أن العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية لم تتطور ضمن مسار تقليدي للعلاقات الدولية، وإنما تشكلت من خلال سلسلة متعاقبة من الحروب والهدنات والإحتلالات والقرارات الدولية. ومن ثم، فإن الإتفاق الإطاري الموقع في واشنطن لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا الإرث القانوني المعقد، بل ينبغي النظر إليه بوصفه الحلقة الأحدث في مسار بدأ بإتفاق الهدنة سنة 1949، مروراً بالقرارين 425 و1701، ووصولاً إلى المحاولات الراهنة لإنشاء إطار تفاوضي أكثر استقراراً.

ثانيًا، الطبيعة القانونية للإتفاق الإطاري في ضوء القانون الدولي العام

يثير الإتفاق الإطاري الموقع في واشنطن سنة 2026 بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة كما وصلنا في الاعلام (20)، إشكالية قانونية تتجاوز مجرد تحليل أحكامه الموضوعية، لتطال تحديد طبيعته القانونية، فقبل البحث في الإلتزامات التي يرتبها الإتفاق، يتعين تحديد موقعه ضمن تصنيف الإتفاقات الدولية، وما إذا كان يشكل معاهدة دولية بالمعنى المقصود في القانون الدولي، أو مجرد إتفاق سياسي، أو إتفاقاً إطارياً (Framework Agreement) يمهد لمعاهدة نهائية. ولا تقتصر أهمية هذا التكييف على الجانب النظري، بل تمتد إلى آثار عملية تتعلق بقواعد تفسير الإتفاق، ومدى إلزاميته، وآليات تنفيذه، والنتائج المترتبة على الإخلال بأحكامه، ولا تتضمن إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تعريفاً لمفهوم الإتفاق الإطاري (Framework Agreement)، إذ إكتفت بتعريف “المعاهدة” بأنها إتفاق دولي مكتوب بين دول يخضع للقانون الدولي، بصرف النظر عن تسميته أو شكله (21). ويترتب على ذلك أن وصف الاتفاق بأنه “إطاري” لا ينفي عنه بالضرورة صفته كمعاهدة دولية إذا توافرت عناصرها الموضوعية، وهي وجود إرادة متبادلة للدول وخضوع الاتفاق للقانون الدولي وإنشاء حقوق والتزامات قانونية والتعبير عن هذه الإرادة في وثيقة مكتوبة. ويذهب الفقيه أنطوني أوست إلى أن تسمية الوثيقة ليست هي المعيار الحاسم، بل مضمونها والنية المشتركة للأطراف في ترتيب آثار قانونية (22)، ويؤيد جايمس كراوفورد هذا الاتجاه، معتبراً أن القانون الدولي ينظر إلى “جوهر الالتزام” لا إلى عنوان الوثيقة (23). ومن ثم، فإن إطلاق وصف Framework Agreement لا يحول دون إعتبار الوثيقة معاهدة إذا أنشأت التزامات قانونية متبادلة. بالنسبة الى خصائص الاتفاقات الإطارية، إستقر الفقه الدولي على أن الاتفاقات الإطارية تتميز بعدد من الخصائص، أولها أنها لا تسعى إلى تسوية جميع المسائل دفعة واحدة، وإنما تؤسس إطاراً قانونياً عاماً يسمح بإستكمال التسويات اللاحقة عبر لجان أو بروتوكولات أو إتفاقات تنفيذية، وثانيها، أنها تنشئ إلتزاماً قانونياً بمواصلة التعاون والتفاوض بحسن نية، دون أن تتضمن بالضرورة جميع التفاصيل الفنية منذ البداية. وثالثها، أنها تعتمد التنفيذ المرحلي أو المتدرج (Sequenced Implementation)، بحيث يرتبط تنفيذ كل إلتزام بتنفيذ الإلتزام المقابل من الطرف الآخر. ويلاحظ أن النص المنشور للإتفاق اللبناني-الإسرائيلي يتبنى هذا النموذج بصورة واضحة، إذ يربط إعادة الانتشار الإسرائيلي بإستعادة الدولة اللبنانية سلطتها الأمنية بصورة متدرجة، مع إنشاء مجموعة تنسيق عسكرية ثلاثية لمتابعة التنفيذ. من الناحية القانونية، لا يجوز الخلط بين الإتفاق الإطاري ومعاهدة السلام، فمعاهدة السلام تنهي، كقاعدة عامة، حالة الحرب بصورة نهائية، وتنظم العلاقات الدبلوماسية والسياسية والإقتصادية بين الدول، كما حدث في معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية ومعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية. أما الاتفاق الإطاري، فهو في الأصل وثيقة إنتقالية تؤسس لمسار تفاوضي وقانوني، دون أن تتضمن جميع عناصر التسوية النهائية. ومن هذه الزاوية، يبدو أن الاتفاق الموقع في واشنطن أقرب إلى الإتفاقات الانتقالية منه إلى معاهدة سلام نهائية، رغم أن النص المنشور يتحدث عن نية إنهاء حالة الحرب بصورة رسمية، الأمر الذي قد يثير نقاشاً حول مدى تحقق هذا الأثر فور التوقيع أم بقوة الإتفاق النهائي الذي يُفترض أن يعقبه. لا بد من الاشارة الى أن الاتفاق الإطاري يختلف كذلك عن مذكرة التفاهم (Memorandum of Understanding)، فمذكرة التفاهم قد تكون ملزمة أو غير ملزمة، بحسب صياغتها والنية المشتركة للأطراف. أما الاتفاق الإطاري، فإذا تضمن التزامات قانونية واضحة وصيغ بعبارات إلزامية مثل shall أو undertake، فإنه يقترب كثيراً من مفهوم المعاهدة الدولية. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية Qatar v. Bahrain أن العبرة ليست لعنوان الوثيقة، وإنما لما إذا كانت تعكس إرادة قانونية ملزمة بين الأطراف (24). من المهم أن لا ننسى أن مبدأ حسن النية (Good Faith) يشكل الركيزة الأساسية لتنفيذ الاتفاقات الدولية، وقد كرسته المادة 26 من اتفاقية فيينا التي تنص على أن كل معاهدة نافذة تلزم أطرافها ويجب تنفيذها بحسن نية، ويترتب على ذلك أن إنشاء لجان مشتركة أو إعتماد تنفيذ متدرج لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لتعطيل تنفيذ الإتفاق أو الالتفاف عليه. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية North Sea Continental Shelf أن الإلتزام بالتفاوض بحسن نية يفرض على الدول الدخول في مفاوضات جدية وعدم إفراغها من مضمونها (25).

كخلاصة، يمكن تأكيد النتائج التالية، بأنه لا تحول تسمية الوثيقة بأنها “اتفاق إطاري” دون اعتبارها معاهدة دولية إذا توافرت عناصر المادة الثانية من اتفاقية فيينا. كما يبدو أن الاتفاق، وفق النصوص المنشورة، يجمع بين خصائص الاتفاق الإطاري والمعاهدة الدولية، إذ يقرر مبادئ عامة وينشئ في الوقت نفسه التزامات قانونية وآليات تنفيذ. نضيف أنه لا يجوز تفسير الاتفاق بمعزل عن قواعد تفسير المعاهدات الواردة في المواد (31–33) من إتفاقية فيينا، ولا سيما مبدأ التفسير بحسن النية وفي ضوء موضوع الإتفاق وغايته، فإن الوصف الأدق للإتفاق برأينا، في المرحلة الراهنة، هو أنه اتفاق إطاري ذو طبيعة تعاقدية دولية (Contractual Framework Agreement)، يمهد لتسوية أشمل، دون أن يفقد صفته الملزمة بالنسبة للإلتزامات التي أنشأها منذ دخوله حيز النفاذ.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار