الفصام السيادي: بين مقصلة طرد السفير ومأتم الوليّ

الكاتب: المحامي رفيق غريزي | المصدر: نداء الوطن
5 تموز 2026

لم يسبق للدولة اللبنانية، في أدبياتها الدبلوماسية الحديثة، أن مارست هذا القدر من “الفصام السيادي” كما تفعل اليوم. إن المشهد السريالي الذي يجمع بين قرار وزارة الخارجية اللبنانية الجريء بسحب اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني وإعلانه “شخصاً غير مرغوب فيه”، وبين طائرة وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى التي حطّت في طهران لتمثيل الجمهورية في تشييع المرشد، ليس مجرد أزمة تنسيق بين السرايا وقصر بعبدا؛ بل هو تعبير فجّ عن دولة بلا رأس، وهوية بلا بوصلة، وسيادة تُصنع بمقصّات الطوائف لا بمسامير الدستور.

لم تكن رحلة وزير الدفاع مجرد واجب بروتوكولي، بل كانت إعلاناً صريحاً عن خضوع “الدولة” اللبنانية لابتزاز التوازنات الأهلية وخوفها المزمن من فائض القوة. إن ظروف هذه المشاركة تعكس ذروة الانكشاف؛ فالقرار خلفها لم يصدر عن مؤسسات دستورية تعي مصلحتها الوطنية، بل جاء كـ”ترضية تسووية” محلية محكومة بـ”عقدة الخوف” ومحاولة بائسة لامتصاص غضب بيئة حزب الله الإقليمية والمحلية، بعد أن تجرأت السلطة التنفيذية على سحب اعتماد المندوب الإيراني.

دلالات هذه الخطوة قاتلة لمنطق السيادة؛ فبينما يصرخ العقل المؤسساتي اللبناني معلناً طرد المندوب السامي المتخفي بعباءة دبلوماسية، تطير “البزة العسكرية” الرسمية لتبكي في مآتم الوليّ. هذا التناقض البنيوي يؤكد خطيئة النظام التاريخية؛ فالدولة في لبنان ليست كياناً يملك رؤية استراتيجية، بل هي مجرد “تجمع بلدي” كبير يُقسّم الصلاحيات والواجبات الدبلوماسية وفقاً لـ”الهويات الصغرى”، فيتولى فريق طرد الخصوم ويتكفل فريق آخر بالتعزية بهم، ليثبت لبنان الرسمي للعالم أنه يقيل الذراع الدبلوماسي لإيران نهاراً، ويزكّي أيديولوجيتها السياسية والروحية ليلاً.

أما الموقف الحقيقي لرئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون من النظام الإيراني، فيمثل الفصل الأكثر جرأة وإثارة في هذه اللوحة المتشظية. جوزيف عون، القادم من عقيدة الجيش اللبناني المبنية على حصر السلاح والاحتكار الشرعي للقوة، لا يرى في طهران “حليفاً استراتيجياً” بل يراها علناً سلطة وصاية غير مقبولة تستخدم دماء اللبنانيين وبيوتهم المدمرة مجرد “ورقة مساومة” في مفاوضاتها الكبرى مع واشنطن وتل أبيب. وتتسم مواقفه تجاه إيران بالحدة والمكاشفة الدستورية التي لم نعهدها في بعبدا منذ عقود، حيث أطلق النار السياسية مباشرة على المشروع الإيراني رافضاً بوضوح تفويض طهران للتحدث باسم لبنان من على المنابر الدولية.

لقد أعلن عون أن بيروت وحدها سيدة قرارها وأن مسارها التفاوضي مستقل تماماً، مسدداً ضربة بروتوكولية قاسية لوزارة الخارجية الإيرانية حين أكد بجرأة أن السفير الإيراني محمد رضا شيباني “ليس سفيراً أصلاً” لأنه لم يقدم أوراق اعتماده الرسمية ويقيم في مقر سفارته بلا أي صفة قانونية.

ولم يتوقف رئيس الجمهورية عند حدود المناورة الدبلوماسية، بل وجّه خطاباً نادِراً ومباشراً إلى قيادة الحرس الثوري الإيراني قائلاً بلهجة حاسمة: “هذا ليس بلدكم، إنه بلدنا، وارفعوا أيديكم عن شؤوننا”. إن عون يرى في الاستراتيجية الإيرانية تدميراً ممنهجاً للمجتمع اللبناني عبر زجه في حروب المحاور الإقليمية التي لا تخدم أي مصلحة وطنية.

ولكن، رغم هذا توجه ميشال منسى إلى إيران للمشاركة في حدث قد يكون له رمزية خطيرة على لبنان؟ وهل حصل ذلك بمباركة من جوزاف عون؟

لا يمكن قراءة هذا الشرخ الدبلوماسي بمعزل عن الارتدادات الزلزالية التي أحدثها داخل حارة حريك، حيث يرى حزب الله في تمرّد بعبدا السيادي انقلاباً بنيوياً خطيراً على معادلات القوة التي فرضها بالدم والسلاح طوال العقود الماضية. إن قيادة الحزب، التي اعتادت على رؤساء يحجون إلى الضاحية أو يستجدون الرضا من طهران، تعيش اليوم حالة من الذهول والغضب العارم أمام جرأة رئيس الجمهورية؛ فالرئيس لا يكتفي بمخالفة رغبات الحزب، بل يطلق الرصاص السياسي المباشر على عمقه الاستراتيجي عبر تجريد المندوب الإيراني من صفته وسحب الغطاء الشرعي عن تدخلات الحرس الثوري في الشأن اللبناني.

بالنسبة لحزب الله، فإن هذا الأداء الرئاسي يمثل محاولة جدية لـ”قص أجنحة” نفوذه الإقليمي في لحظة حرجة من الصراع، وتحويله من شريك مضارب في حكم الجمهورية إلى فصيل معزول محاصر بالدستور والقانون الدولي والمؤسسة العسكرية. ومن هنا، جاء الضغط الهائل والابتزاز الطائفي الذي مارسه الحزب لفرض مشاركة وزير الدفاع في جنازة طهران، كخطوة انتقامية دفاعية تهدف إلى كسر هيبة العهد السيادي، وإرسال رسالة مفادها أن الحزب، وإن عجز عن لجم لسان الرئيس، فإنه ما زال يملك القدرة على تحريك أقدام وزرائه لتقديم فروض الطاعة في عاصمة الوليّ.

على المقلب الآخر، يقف المجتمع الدولي والعربي مذهولاً أمام هذه المسرحية الهزلية، لتتلقى ثقة العواصم الخارجية في استقلالية القرار اللبناني ضربة قاضية سيتطلب الشفاء منها عقوداً. إن الدول العربية والأجنبية، التي بدأت تتلمس بارقة أمل في مواقف جوزيف عون الجريئة والصلبة لتأسيس “جمهورية ثالثة” متحررة من الوصاية، صُدمت برؤية وزير الدفاع اللبناني وهو يواسي قادة النظام الإيراني في ذات اللحظة التي يُطرد فيها سفيرهم من بيروت.

هذا التناقض القاتل يرسخ الانطباع السائد في أروقة القرار الدولي بأن لبنان “دولة ساقطة أهلياً”، ومجرد كيان رمادي فاقد للأهلية الدبلوماسية، حيث لا يمكن لأي عاصمة عربية أو غربية أن تبني اتفاقاً استراتيجياً أو تقدم دعماً مالياً وعسكرياً لدولة تتحدث بلسانين وتتصرف بعقلين.

إن البناء النقدي يقتضي منا الاعتراف بأن سيادة لبنان لن تتحقق ما دام القرار الخارجي يخضع للمقايضة والمحاصصة والابتزاز الداخلي. لا يمكن للبنان أن يستمر كـ”نصف دولة”؛ نصفٌ يطرد ونصفٌ يعزي. دبلوماسية الجنائز والمقايضات التي فرضتها البيئة الحاضنة للحزب لم تنجح في تبييض صفحة إيران، بل نجحت فقط في تعرية الدولة اللبنانية، وتحويل مواقفها السيادية التأسيسية إلى مجرد “مفرقعات صوتية” لا يثق بها صديق ولا يخشاها عدو. إن مصلحة لبنان الحقيقية تكمن في الخروج من هذه الدهاليز الضيقة، وصياغة سياسة خارجية موحدة، شجاعة وثابتة، تضع حداً للتَدخّلات الخارجية، وتوقف هذه المسرحية الهزلية التي تجعل من الدولة اللبنانية أضحوكة في المحافل الدبلوماسية، لتنهي عهد العيش في جلباب المحاور وتعلن أخيراً ولادة الدولة الحقيقية.

الفصام السيادي: بين مقصلة طرد السفير ومأتم الوليّ

الكاتب: المحامي رفيق غريزي | المصدر: نداء الوطن
5 تموز 2026

لم يسبق للدولة اللبنانية، في أدبياتها الدبلوماسية الحديثة، أن مارست هذا القدر من “الفصام السيادي” كما تفعل اليوم. إن المشهد السريالي الذي يجمع بين قرار وزارة الخارجية اللبنانية الجريء بسحب اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني وإعلانه “شخصاً غير مرغوب فيه”، وبين طائرة وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى التي حطّت في طهران لتمثيل الجمهورية في تشييع المرشد، ليس مجرد أزمة تنسيق بين السرايا وقصر بعبدا؛ بل هو تعبير فجّ عن دولة بلا رأس، وهوية بلا بوصلة، وسيادة تُصنع بمقصّات الطوائف لا بمسامير الدستور.

لم تكن رحلة وزير الدفاع مجرد واجب بروتوكولي، بل كانت إعلاناً صريحاً عن خضوع “الدولة” اللبنانية لابتزاز التوازنات الأهلية وخوفها المزمن من فائض القوة. إن ظروف هذه المشاركة تعكس ذروة الانكشاف؛ فالقرار خلفها لم يصدر عن مؤسسات دستورية تعي مصلحتها الوطنية، بل جاء كـ”ترضية تسووية” محلية محكومة بـ”عقدة الخوف” ومحاولة بائسة لامتصاص غضب بيئة حزب الله الإقليمية والمحلية، بعد أن تجرأت السلطة التنفيذية على سحب اعتماد المندوب الإيراني.

دلالات هذه الخطوة قاتلة لمنطق السيادة؛ فبينما يصرخ العقل المؤسساتي اللبناني معلناً طرد المندوب السامي المتخفي بعباءة دبلوماسية، تطير “البزة العسكرية” الرسمية لتبكي في مآتم الوليّ. هذا التناقض البنيوي يؤكد خطيئة النظام التاريخية؛ فالدولة في لبنان ليست كياناً يملك رؤية استراتيجية، بل هي مجرد “تجمع بلدي” كبير يُقسّم الصلاحيات والواجبات الدبلوماسية وفقاً لـ”الهويات الصغرى”، فيتولى فريق طرد الخصوم ويتكفل فريق آخر بالتعزية بهم، ليثبت لبنان الرسمي للعالم أنه يقيل الذراع الدبلوماسي لإيران نهاراً، ويزكّي أيديولوجيتها السياسية والروحية ليلاً.

أما الموقف الحقيقي لرئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون من النظام الإيراني، فيمثل الفصل الأكثر جرأة وإثارة في هذه اللوحة المتشظية. جوزيف عون، القادم من عقيدة الجيش اللبناني المبنية على حصر السلاح والاحتكار الشرعي للقوة، لا يرى في طهران “حليفاً استراتيجياً” بل يراها علناً سلطة وصاية غير مقبولة تستخدم دماء اللبنانيين وبيوتهم المدمرة مجرد “ورقة مساومة” في مفاوضاتها الكبرى مع واشنطن وتل أبيب. وتتسم مواقفه تجاه إيران بالحدة والمكاشفة الدستورية التي لم نعهدها في بعبدا منذ عقود، حيث أطلق النار السياسية مباشرة على المشروع الإيراني رافضاً بوضوح تفويض طهران للتحدث باسم لبنان من على المنابر الدولية.

لقد أعلن عون أن بيروت وحدها سيدة قرارها وأن مسارها التفاوضي مستقل تماماً، مسدداً ضربة بروتوكولية قاسية لوزارة الخارجية الإيرانية حين أكد بجرأة أن السفير الإيراني محمد رضا شيباني “ليس سفيراً أصلاً” لأنه لم يقدم أوراق اعتماده الرسمية ويقيم في مقر سفارته بلا أي صفة قانونية.

ولم يتوقف رئيس الجمهورية عند حدود المناورة الدبلوماسية، بل وجّه خطاباً نادِراً ومباشراً إلى قيادة الحرس الثوري الإيراني قائلاً بلهجة حاسمة: “هذا ليس بلدكم، إنه بلدنا، وارفعوا أيديكم عن شؤوننا”. إن عون يرى في الاستراتيجية الإيرانية تدميراً ممنهجاً للمجتمع اللبناني عبر زجه في حروب المحاور الإقليمية التي لا تخدم أي مصلحة وطنية.

ولكن، رغم هذا توجه ميشال منسى إلى إيران للمشاركة في حدث قد يكون له رمزية خطيرة على لبنان؟ وهل حصل ذلك بمباركة من جوزاف عون؟

لا يمكن قراءة هذا الشرخ الدبلوماسي بمعزل عن الارتدادات الزلزالية التي أحدثها داخل حارة حريك، حيث يرى حزب الله في تمرّد بعبدا السيادي انقلاباً بنيوياً خطيراً على معادلات القوة التي فرضها بالدم والسلاح طوال العقود الماضية. إن قيادة الحزب، التي اعتادت على رؤساء يحجون إلى الضاحية أو يستجدون الرضا من طهران، تعيش اليوم حالة من الذهول والغضب العارم أمام جرأة رئيس الجمهورية؛ فالرئيس لا يكتفي بمخالفة رغبات الحزب، بل يطلق الرصاص السياسي المباشر على عمقه الاستراتيجي عبر تجريد المندوب الإيراني من صفته وسحب الغطاء الشرعي عن تدخلات الحرس الثوري في الشأن اللبناني.

بالنسبة لحزب الله، فإن هذا الأداء الرئاسي يمثل محاولة جدية لـ”قص أجنحة” نفوذه الإقليمي في لحظة حرجة من الصراع، وتحويله من شريك مضارب في حكم الجمهورية إلى فصيل معزول محاصر بالدستور والقانون الدولي والمؤسسة العسكرية. ومن هنا، جاء الضغط الهائل والابتزاز الطائفي الذي مارسه الحزب لفرض مشاركة وزير الدفاع في جنازة طهران، كخطوة انتقامية دفاعية تهدف إلى كسر هيبة العهد السيادي، وإرسال رسالة مفادها أن الحزب، وإن عجز عن لجم لسان الرئيس، فإنه ما زال يملك القدرة على تحريك أقدام وزرائه لتقديم فروض الطاعة في عاصمة الوليّ.

على المقلب الآخر، يقف المجتمع الدولي والعربي مذهولاً أمام هذه المسرحية الهزلية، لتتلقى ثقة العواصم الخارجية في استقلالية القرار اللبناني ضربة قاضية سيتطلب الشفاء منها عقوداً. إن الدول العربية والأجنبية، التي بدأت تتلمس بارقة أمل في مواقف جوزيف عون الجريئة والصلبة لتأسيس “جمهورية ثالثة” متحررة من الوصاية، صُدمت برؤية وزير الدفاع اللبناني وهو يواسي قادة النظام الإيراني في ذات اللحظة التي يُطرد فيها سفيرهم من بيروت.

هذا التناقض القاتل يرسخ الانطباع السائد في أروقة القرار الدولي بأن لبنان “دولة ساقطة أهلياً”، ومجرد كيان رمادي فاقد للأهلية الدبلوماسية، حيث لا يمكن لأي عاصمة عربية أو غربية أن تبني اتفاقاً استراتيجياً أو تقدم دعماً مالياً وعسكرياً لدولة تتحدث بلسانين وتتصرف بعقلين.

إن البناء النقدي يقتضي منا الاعتراف بأن سيادة لبنان لن تتحقق ما دام القرار الخارجي يخضع للمقايضة والمحاصصة والابتزاز الداخلي. لا يمكن للبنان أن يستمر كـ”نصف دولة”؛ نصفٌ يطرد ونصفٌ يعزي. دبلوماسية الجنائز والمقايضات التي فرضتها البيئة الحاضنة للحزب لم تنجح في تبييض صفحة إيران، بل نجحت فقط في تعرية الدولة اللبنانية، وتحويل مواقفها السيادية التأسيسية إلى مجرد “مفرقعات صوتية” لا يثق بها صديق ولا يخشاها عدو. إن مصلحة لبنان الحقيقية تكمن في الخروج من هذه الدهاليز الضيقة، وصياغة سياسة خارجية موحدة، شجاعة وثابتة، تضع حداً للتَدخّلات الخارجية، وتوقف هذه المسرحية الهزلية التي تجعل من الدولة اللبنانية أضحوكة في المحافل الدبلوماسية، لتنهي عهد العيش في جلباب المحاور وتعلن أخيراً ولادة الدولة الحقيقية.

مزيد من الأخبار