الفيدرالية تعود إلى الواجهة… هل تغيّر شكل الدولة في لبنان؟

الكاتب: ابراهيم الرز | المصدر: المدن
5 تموز 2026

م يعد الحديث عن الفيدرالية في لبنان يقتصر على الندوات الأكاديمية أو المجموعات السياسية التي دأبت منذ سنوات على الترويج لهذا الطرح، بل انتقل إلى جزءٍ من المشهد بعدما بدأ يُطرح بشكل أوضح في بعض الأوساط السياسية، من دون أن يكون هناك توجه رسمي معلن حتى الآن، وهذا ما فتح الباب أمام نقاش أوسع حول شكل الدولة اللبنانية ومستقبل نظامها السياسي.

ولا يمكن فصل هذا الطرح عن التحوّلات التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة. فالانهيار المالي، والشلل الذي أصاب المؤسسات، والحروب المتكررة، دفعت شريحة من اللبنانيين إلى إعادة طرح السؤال حول ما إذا كانت الأزمة تكمن في أداء السلطة السياسية، أم في النظام الذي يحكم لبنان منذ اتفاق الطائف. 

يرى مؤيدو الفيدرالية أنّ لبنان لم يعد يعاني من خلل في الإدارة فحسب، بل من أزمة بنيوية في مفهوم الدولة، بعدما أصبح القرار السيادي موزّعًا بين أكثر من جهة، فيما يعتبر معارضوها أنَّ أيَّ انتقال إليها قد يكرّس الانقسام بدل معالجته.

لكن قبل البحث في إمكان تطبيقها في لبنان، لا بدَّّ من الإجابة عن سؤال أساسي: ما هي الفيدرالية؟

الفيدرالية ليست مرادفًا للتقسيم، ولا مجرد تطوير للامركزية الإدارية، بل هي نظام دستوري يقوم على توزيع السلطة بين حكومة اتحادية وحكومات إقليمية، لكل منها صلاحيات دستورية مستقلة. وتحتفظ الحكومة الاتحادية عادة بملفات السيادة، كالجيش والدفاع والسياسة الخارجية والعملة والجنسية وإدارة الحدود، فيما تتولى الأقاليم إدارة قطاعات التعليم، والصحة، والتنمية، والإدارة المحلية، والنقل، وجزءًا من النظامين المالي والضريبي.

وهنا يكمن الفرق بينها وبين اللامركزية الإدارية الموسعة التي نصَّ عليها اتفاق الطائف ولم تُطبق بعد، إذ تُبقي الأخيرة القرار النهائي بيد الدولة المركزية، بينما تمنح الفيدرالية الأقاليم صلاحيات دستورية ثابتة لا يمكن سحبها بقرار سياسي. كما تختلف عن الكونفيدرالية التي تقوم على اتحاد دول مستقلة تحتفظ بسيادتها الكاملة، فيما تبقى الدولة الفيدرالية دولة واحدة بجيش واحد وسيادة واحدة.

وقد نشأ هذا النموذج أساسًا لإدارة التنوع داخل الدولة الواحدة، كما في سويسرا وألمانيا وبلجيكا. أما في الحالة اللبنانية، فنظرة البعض للفيدرالية ضيقة لدرجة ربطها بعاملين متداخلين: إدارة التعدد الطائفي والسياسي من جهة، وقرار السلم والحرب في ظل وجود سلاح خارج سلطة الدولة من جهة أخرى.

فالدستور اللبناني بعد اتفاق الطائف يؤكد وحدةالدولة  ويرفض التجزئة، كما نصّ على اعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة باعتبارها المدخل إلى إصلاح الإدارة. لذلك، فإن أي انتقال إلى الفيدرالية يتطلب تعديلًا دستوريًا شاملًا يعيد توزيع السلطة بين المركز والأقاليم، ولا يقتصر على توسيع صلاحيات البلديات أو المحافظات.

وفي هذا السياق، أوضح النائب غياث يزبك لـ”المدن”، “إنَّ ما أُثير أخيرًا بشأن بحث القوات اللبنانية في الفيدرالية لا يعني أنّ الحزب اتخذ قرارًا باعتماد هذا النظام، بل يندرج في إطار نقاش فكري وأكاديمي يجري داخل الحزب حول مستقبل النظام السياسي في لبنان.”  وقال “إنّ هذا النقاش انطلق من قناعة بأنَّ الصيغة الحالية لم تعد قادرة، وفق رؤية الحزب، على ضمان الاستقرار، بعدما أدّت هيمنة السلاح الخارج عن سلطة الدولة إلى استباحة قرار السلم والحرب وجرّ لبنان إلى أزمات متكررة”. 

وأشار يزبك إلى “أنّ الفيدرالية تُعد من بين الصيغ التي تخضع للدراسة، إلى جانب خيارات أخرى، باعتبارها نظامًا يتيح إدارة التنوع اللبناني ضمن دولة اتحادية، ويمنح المكونات المختلفة صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها، مستندًا إلى تجارب مطبقة في عدد من الدول”.

وشدد على “أنَّ البحث في هذه الخيارات لم يُحسم بعد، ولم يتحول إلى مشروع سياسي معتمد داخل الحزب، بل لا يزال في مرحلة الدراسة والنقاش مع الحلفاء ومختلف المكونات اللبنانية، تمهيدًا لطرح رؤية متكاملة حول مستقبل النظام السياسي بعد انقضاء المرحلة الراهنة”.

ورفض يزبك اعتبار طرح الفيدرالية مجرد وسيلة للضغط على حزب الله، مؤكدًا أنَّ “النقاش يستند إلى تجربة طويلة من الحروب والأزمات”. وأضاف أنّ “تطبيق اتفاق الطائف، ولا سيما حصر السلاح بيد الدولة، قد يغيّر طبيعة هذا النقاش”، لكنّه شدد على أنّ “المطلوب لا يقتصر على تسليم السلاح، بل يشمل ضمانات تحول دون تكرار التجربة السابقة وعودة لبنان إلى دوامة الصراعات، في ظل استمرار ارتباط حزب الله بإيران”.

الاقتصاد… الاختبار الأصعب

إذا كان النقاش السياسي يتمحور حول توزيع السلطة، فإنّ الاختبار الحقيقي لأي نظام فيدرالي يبقى اقتصاديًا. فالفيدرالية لا تعني أن يحتفظ كل إقليم بموارده بمعزل عن الدولة، بل تقوم على توازن بين الاستقلال المالي والتضامن الوطني.

في معظم الدول الفيدرالية، تموّل الحكومة الاتحادية الجيش والقضاء والبنى التحتية الوطنية من الضرائب السيادية، بينما تحصل الأقاليم على صلاحيات لجباية ضرائب ورسوم محلية، مع وجود صناديق لإعادة توزيع الثروة بين المناطق.

لكنَّ تطبيق هذا النموذج في لبنان يطرح أسئلة معقدة. فمن سيدير الدين العام؟ وكيف ستوزع عائدات المطار، ومرفأ بيروت، والجمارك، والاتصالات، والنفط والغاز؟ وهل تبقى الضرائب موحّدة على مستوى الدولة، أم يصبح لكل إقليم نظامه المالي؟

وتزداد هذه الإشكاليات مع التفاوت الكبير في القدرات الاقتصادية بين المناطق. فبيروت وجبل لبنان يستحوذان على الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي، فيما تعاني مناطق كعكار والبقاع وبعلبك – الهرمل مستويات أعلى من الفقر وضعف الخدمات، وهي فجوات ازدادت بعد حربي 2024 و2026. لذلك، فإنّ أيّ نظام فيدرالي لا يتضمّن آلية واضحة لإعادة توزيع الموارد قد يؤدي إلى قيام أقاليم غنية وأخرى عاجزة عن تمويل خدماتها الأساسية.

العقبة الأمنية

يبقى التحدي الأكبر أمام الفيدرالية أمنيًا وسياديًا. فجميع الدول الفيدرالية الناجحة تقوم على وجود جيش وطني واحد يحتكر استخدام القوة، وحكومة اتحادية تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم.

وفي لبنان، يربط بعض مؤيدي الفيدرالية طرحهم بأزمة السيادة واستمرار وجود ما يوصف بالقرار العسكري خارج مؤسسات الدولة، فيما يرى المعارضون أنّ أي نظام اتحادي لا يمكن أن ينجح قبل حسم هذه المسألة، لأنّ تعدد السلطات الإدارية لا يعني تعدد المرجعيات الأمنية.

هل تصلح للبنان؟

غالبًا ما يُستشهد بسويسرا وألمانيا وبلجيكا كنماذج ناجحة، إلا أنّ نجاحها لم يكن نتيجة الفيدرالية وحدها، بل جاء نتيجة توافق سياسي، واحتكار الدولة للسلاح، ووجود أنظمة فعالة لإعادة توزيع الموارد بين المناطق.

في المقابل، يرى عدد من الخبراء أنّ لبنان لم يُطبق أصلًا الإصلاحات التي نصَّ عليها اتفاق الطائف، وفي مقدمها اللامركزية الإدارية الموسعة وإنشاء مجلس الشيوخ، ما يطرح سؤالًا حول جدوى الانتقال إلى نظام أكثر تعقيدًا قبل استكمال الإصلاحات الدستورية القائمة.

في المحصلة، تبدو الفيدرالية اليوم أقرب إلى عنوان لنقاش حول مستقبل الدولة اللبنانية منها إلى مشروع جاهز للتنفيذ. فهي تطرح أسئلة تتعلق بشكل النظام، لكنّها تطرح أيضًا أسئلة أعمق حول السيادة، وتوزيع الثروة، وإدارة التنوع، ومستقبل العقد الوطني. وحتى الآن، لا تزال هذه الأسئلة مفتوحة، لكنَّ عودة الفيدرالية إلى الواجهة تعكس بوضوح حجم الأزمة التي يعيشها النظام اللبناني، وتؤشر إلى أنّ النقاش حول شكل الدولة مرشح لأن يحتل مساحة متقدمة في الحياة السياسية خلال المرحلة المقبلة.

الفيدرالية تعود إلى الواجهة… هل تغيّر شكل الدولة في لبنان؟

الكاتب: ابراهيم الرز | المصدر: المدن
5 تموز 2026

م يعد الحديث عن الفيدرالية في لبنان يقتصر على الندوات الأكاديمية أو المجموعات السياسية التي دأبت منذ سنوات على الترويج لهذا الطرح، بل انتقل إلى جزءٍ من المشهد بعدما بدأ يُطرح بشكل أوضح في بعض الأوساط السياسية، من دون أن يكون هناك توجه رسمي معلن حتى الآن، وهذا ما فتح الباب أمام نقاش أوسع حول شكل الدولة اللبنانية ومستقبل نظامها السياسي.

ولا يمكن فصل هذا الطرح عن التحوّلات التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة. فالانهيار المالي، والشلل الذي أصاب المؤسسات، والحروب المتكررة، دفعت شريحة من اللبنانيين إلى إعادة طرح السؤال حول ما إذا كانت الأزمة تكمن في أداء السلطة السياسية، أم في النظام الذي يحكم لبنان منذ اتفاق الطائف. 

يرى مؤيدو الفيدرالية أنّ لبنان لم يعد يعاني من خلل في الإدارة فحسب، بل من أزمة بنيوية في مفهوم الدولة، بعدما أصبح القرار السيادي موزّعًا بين أكثر من جهة، فيما يعتبر معارضوها أنَّ أيَّ انتقال إليها قد يكرّس الانقسام بدل معالجته.

لكن قبل البحث في إمكان تطبيقها في لبنان، لا بدَّّ من الإجابة عن سؤال أساسي: ما هي الفيدرالية؟

الفيدرالية ليست مرادفًا للتقسيم، ولا مجرد تطوير للامركزية الإدارية، بل هي نظام دستوري يقوم على توزيع السلطة بين حكومة اتحادية وحكومات إقليمية، لكل منها صلاحيات دستورية مستقلة. وتحتفظ الحكومة الاتحادية عادة بملفات السيادة، كالجيش والدفاع والسياسة الخارجية والعملة والجنسية وإدارة الحدود، فيما تتولى الأقاليم إدارة قطاعات التعليم، والصحة، والتنمية، والإدارة المحلية، والنقل، وجزءًا من النظامين المالي والضريبي.

وهنا يكمن الفرق بينها وبين اللامركزية الإدارية الموسعة التي نصَّ عليها اتفاق الطائف ولم تُطبق بعد، إذ تُبقي الأخيرة القرار النهائي بيد الدولة المركزية، بينما تمنح الفيدرالية الأقاليم صلاحيات دستورية ثابتة لا يمكن سحبها بقرار سياسي. كما تختلف عن الكونفيدرالية التي تقوم على اتحاد دول مستقلة تحتفظ بسيادتها الكاملة، فيما تبقى الدولة الفيدرالية دولة واحدة بجيش واحد وسيادة واحدة.

وقد نشأ هذا النموذج أساسًا لإدارة التنوع داخل الدولة الواحدة، كما في سويسرا وألمانيا وبلجيكا. أما في الحالة اللبنانية، فنظرة البعض للفيدرالية ضيقة لدرجة ربطها بعاملين متداخلين: إدارة التعدد الطائفي والسياسي من جهة، وقرار السلم والحرب في ظل وجود سلاح خارج سلطة الدولة من جهة أخرى.

فالدستور اللبناني بعد اتفاق الطائف يؤكد وحدةالدولة  ويرفض التجزئة، كما نصّ على اعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة باعتبارها المدخل إلى إصلاح الإدارة. لذلك، فإن أي انتقال إلى الفيدرالية يتطلب تعديلًا دستوريًا شاملًا يعيد توزيع السلطة بين المركز والأقاليم، ولا يقتصر على توسيع صلاحيات البلديات أو المحافظات.

وفي هذا السياق، أوضح النائب غياث يزبك لـ”المدن”، “إنَّ ما أُثير أخيرًا بشأن بحث القوات اللبنانية في الفيدرالية لا يعني أنّ الحزب اتخذ قرارًا باعتماد هذا النظام، بل يندرج في إطار نقاش فكري وأكاديمي يجري داخل الحزب حول مستقبل النظام السياسي في لبنان.”  وقال “إنّ هذا النقاش انطلق من قناعة بأنَّ الصيغة الحالية لم تعد قادرة، وفق رؤية الحزب، على ضمان الاستقرار، بعدما أدّت هيمنة السلاح الخارج عن سلطة الدولة إلى استباحة قرار السلم والحرب وجرّ لبنان إلى أزمات متكررة”. 

وأشار يزبك إلى “أنّ الفيدرالية تُعد من بين الصيغ التي تخضع للدراسة، إلى جانب خيارات أخرى، باعتبارها نظامًا يتيح إدارة التنوع اللبناني ضمن دولة اتحادية، ويمنح المكونات المختلفة صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها، مستندًا إلى تجارب مطبقة في عدد من الدول”.

وشدد على “أنَّ البحث في هذه الخيارات لم يُحسم بعد، ولم يتحول إلى مشروع سياسي معتمد داخل الحزب، بل لا يزال في مرحلة الدراسة والنقاش مع الحلفاء ومختلف المكونات اللبنانية، تمهيدًا لطرح رؤية متكاملة حول مستقبل النظام السياسي بعد انقضاء المرحلة الراهنة”.

ورفض يزبك اعتبار طرح الفيدرالية مجرد وسيلة للضغط على حزب الله، مؤكدًا أنَّ “النقاش يستند إلى تجربة طويلة من الحروب والأزمات”. وأضاف أنّ “تطبيق اتفاق الطائف، ولا سيما حصر السلاح بيد الدولة، قد يغيّر طبيعة هذا النقاش”، لكنّه شدد على أنّ “المطلوب لا يقتصر على تسليم السلاح، بل يشمل ضمانات تحول دون تكرار التجربة السابقة وعودة لبنان إلى دوامة الصراعات، في ظل استمرار ارتباط حزب الله بإيران”.

الاقتصاد… الاختبار الأصعب

إذا كان النقاش السياسي يتمحور حول توزيع السلطة، فإنّ الاختبار الحقيقي لأي نظام فيدرالي يبقى اقتصاديًا. فالفيدرالية لا تعني أن يحتفظ كل إقليم بموارده بمعزل عن الدولة، بل تقوم على توازن بين الاستقلال المالي والتضامن الوطني.

في معظم الدول الفيدرالية، تموّل الحكومة الاتحادية الجيش والقضاء والبنى التحتية الوطنية من الضرائب السيادية، بينما تحصل الأقاليم على صلاحيات لجباية ضرائب ورسوم محلية، مع وجود صناديق لإعادة توزيع الثروة بين المناطق.

لكنَّ تطبيق هذا النموذج في لبنان يطرح أسئلة معقدة. فمن سيدير الدين العام؟ وكيف ستوزع عائدات المطار، ومرفأ بيروت، والجمارك، والاتصالات، والنفط والغاز؟ وهل تبقى الضرائب موحّدة على مستوى الدولة، أم يصبح لكل إقليم نظامه المالي؟

وتزداد هذه الإشكاليات مع التفاوت الكبير في القدرات الاقتصادية بين المناطق. فبيروت وجبل لبنان يستحوذان على الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي، فيما تعاني مناطق كعكار والبقاع وبعلبك – الهرمل مستويات أعلى من الفقر وضعف الخدمات، وهي فجوات ازدادت بعد حربي 2024 و2026. لذلك، فإنّ أيّ نظام فيدرالي لا يتضمّن آلية واضحة لإعادة توزيع الموارد قد يؤدي إلى قيام أقاليم غنية وأخرى عاجزة عن تمويل خدماتها الأساسية.

العقبة الأمنية

يبقى التحدي الأكبر أمام الفيدرالية أمنيًا وسياديًا. فجميع الدول الفيدرالية الناجحة تقوم على وجود جيش وطني واحد يحتكر استخدام القوة، وحكومة اتحادية تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم.

وفي لبنان، يربط بعض مؤيدي الفيدرالية طرحهم بأزمة السيادة واستمرار وجود ما يوصف بالقرار العسكري خارج مؤسسات الدولة، فيما يرى المعارضون أنّ أي نظام اتحادي لا يمكن أن ينجح قبل حسم هذه المسألة، لأنّ تعدد السلطات الإدارية لا يعني تعدد المرجعيات الأمنية.

هل تصلح للبنان؟

غالبًا ما يُستشهد بسويسرا وألمانيا وبلجيكا كنماذج ناجحة، إلا أنّ نجاحها لم يكن نتيجة الفيدرالية وحدها، بل جاء نتيجة توافق سياسي، واحتكار الدولة للسلاح، ووجود أنظمة فعالة لإعادة توزيع الموارد بين المناطق.

في المقابل، يرى عدد من الخبراء أنّ لبنان لم يُطبق أصلًا الإصلاحات التي نصَّ عليها اتفاق الطائف، وفي مقدمها اللامركزية الإدارية الموسعة وإنشاء مجلس الشيوخ، ما يطرح سؤالًا حول جدوى الانتقال إلى نظام أكثر تعقيدًا قبل استكمال الإصلاحات الدستورية القائمة.

في المحصلة، تبدو الفيدرالية اليوم أقرب إلى عنوان لنقاش حول مستقبل الدولة اللبنانية منها إلى مشروع جاهز للتنفيذ. فهي تطرح أسئلة تتعلق بشكل النظام، لكنّها تطرح أيضًا أسئلة أعمق حول السيادة، وتوزيع الثروة، وإدارة التنوع، ومستقبل العقد الوطني. وحتى الآن، لا تزال هذه الأسئلة مفتوحة، لكنَّ عودة الفيدرالية إلى الواجهة تعكس بوضوح حجم الأزمة التي يعيشها النظام اللبناني، وتؤشر إلى أنّ النقاش حول شكل الدولة مرشح لأن يحتل مساحة متقدمة في الحياة السياسية خلال المرحلة المقبلة.

مزيد من الأخبار