القرى المسيحية الجنوبية: متطرّفة في لبنانيتها حتى آخر الحدود

الكاتب: طوني عطية | المصدر: نداء الوطن
7 تموز 2026

لا تحتاج القرى المسيحية في الجنوب إلى شهادة حسن سلوك وطني، ولا إلى امتحان في الانتماء، ولا إلى من يختبر لبنانيتها كلما حاول الداخل أو الخارج توظيفها في حساباته. فرغم أنها عاشت على تماس دائم مع القلق والحروب والتحولات الكبرى، لم تبحث يومًا عن بديل من الدولة، حتى حين قصّرت الأخيرة في حمايتها. وكما رفضت في السابق الالتحاق بحكومة فيصل عام 1920، والاستسلام لمشروع الوطن البديل حين سيطرت الفصائل الفلسطينية على الجنوب والانصهار في مشاريع “الممانعة”، فإنها ترفض اليوم، حتمًا وحكمًا، أي حديث عن انضمام إلى إسرائيل. هي قرى متطرّفة في لبنانيتها حتى آخر الحدود، ومتمسكة بالدولة وحدها خيارًا وحمايةً ومصيرًا.

في هذا السياق، يضع رئيس بلدية عين إبل، أيوب خريش، الأمور في نصابها، مؤكدًا أن العتب ليس على الخارج بقدر ما هو على بعض أصوات الداخل التي لا تنفكّ عن رمي أبناء هذه القرى بتهم الخيانة والعمالة، فقط لأنهم اختاروا الصمود في أرضهم، ورفضوا الحرب، وتمسّكوا بحضور الدولة اللبنانية. ويذكّر خريش بأن الأهالي، حين طُلب من القوى الأمنية والعسكرية إعادة الانتشار أو مغادرة البلدات، نزلوا إلى الطرقات لمنع مغادرة الجيش، لأن خيارهم كان واضحًا: لا حماية خارج الدولة، ولا أمن خارج الشرعية، ولا قبول بأن تُترك القرى الحدودية لمصيرها.

أما عضو بلدية دبل، مارون ناصيف، فيؤكد أن القرى والبلدات المسيحية الجنوبية كانت في صلب تثبيت حدود لبنان، لأن هويتها راسخة في الإيمان والتاريخ والوطنية. ويعتبر أن ما تردّد في بعض وسائل الإعلام عن تواصل بعض القرى المسيحية مع الإسرائيليين بهدف الانضمام إلى إسرائيل، كلام يثير الشفقة والسخرية في آن واحد، ولا يمتّ إلى الواقع بصلة. ويشدّد على أن اتكال الأهالي طوال فترة الصمود والبقاء كان على كنيستهم، وعلى التنسيق والتواصل مع الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل”. أما الذين يروّجون لهذه الروايات، فلا يفعلون سوى اختراع أوهام من صنيعة خيالهم.

وكلام خريش وناصيف هو نفسه يتردّد في القليعة وعلما الشعب والقوزح ودبل ورميش وعين إبل ويارون ودير ميماس وبرج الملوك وسردا وجديدة مرجعيون وإبل السقي وكوكبا والبويضة وراشيا الفخار وأبو قمحة والماري، كما في كل قرية مسيحية أو مختلطة مع سائر الطوائف. فهذه البلدات، على تنوّعها الأهلي والاجتماعي والسياسي، تقف متراصّة الصفوف كما في كل الحقبات، بقلب واحد ونبض واحد، وقد زادتها حروب الإسناد تلاحمًا وتمسّكًا بأرضها وخيارها اللبناني.

توازيًا، جاء موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري ليؤكد هذا الاتجاه، إذ أشاد بـ”مضمون البيانات والمواقف التي صدرت عن رؤساء المجالس البلدية والفعاليات الروحية في القرى والبلدات الحدودية، خصوصًا المسيحية منها، في قضاءي مرجعيون وبنت جبيل”. وأكد بري أن “مواقف أبناء وفعاليات تلك القرى، وصمودهم فيها وتمسّكهم بأرضهم وهويتهم، تعكس أصالة انتمائهم الوطني، الذي لن يساوموا عليه تحت أي ظرف من الظروف”.

وفي قراءة لكلام بنيامين نتنياهو، أشارت مصادر دبلوماسية مطلعة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يكن يتوجّه في مقابلته مع “فوكس نيوز” إلى الداخل اللبناني أو إلى القرى المسيحية الجنوبية، بقدر ما كان يخاطب الأميركيين، وتحديدًا “الجمهوريين”. فنتنياهو، وفق هذه القراءة، يدرك حساسية الخطاب المتصل بحماية المسيحيين في الشرق، ويحاول توظيفه في لحظة سياسية يحتاج فيها إلى ترميم صورته أمام الرأي العام الأميركي، وإعادة تقديم إسرائيل بوصفها قوة تحمي الأقليات أو الجماعات المضطهدة في مواجهة “التطرف”.

وتلفت المصادر إلى أن هذا الخطاب ليس جديدًا، غير أن استعادته اليوم تحمل دلالات إضافية، خصوصًا في ظل تصاعد أصوات داخل الولايات المتحدة، ومن بينها أوساط اليمين المسيحي، تولي أهمية خاصة لوضع المسيحيين في لبنان والمنطقة. ومن هنا، يحاول نتنياهو مخاطبة هذه الفئات باللغة التي تفهمها، عبر التشديد على أن إسرائيل لا تخوض حربًا أمنية فحسب، بل تؤدي أيضًا دورًا “حمائيًّا” تجاه المسيحيين.

وفي هذا الإطار، توضح المصادر نفسها أن الاعتداءات الأخيرة التي ارتكبها عناصر من الجيش الإسرائيلي في الجنوب، وطالت رموزًا دينية مسيحية، تركت أثرًا سلبيًا في الأوساط الأميركية المهتمة بالملف المسيحي في الشرق، وهي شرائح واسعة وآخذة في التمدد في الولايات المتحدة و”عصبها قويّ”. لذلك، جاء قوله في المقابلة إن “بعض القرى المسيحية في لبنان طلبت في الواقع ضمّها إلى إسرائيل، لأننا نحمي سكانها من حزب الله، من متطرفي حزب الله الذين يريدون قتلهم، ونحن نفعل الشيء نفسه مع المسيحيين في كل مكان”، مع تشديده على عبارة “في كل مكان”.

في الخلاصة، يبقى الرد الحقيقي على كلام نتنياهو، من جهة، وعلى حملات التخوين التي يشنّها محور “الممانعة”، من جهة أخرى، في إعادة تثبيت الدولة اللبنانية، وبسط سيادتها، وفتح الطريق أمام السلام والاستقرار الدائمين، بما يحمي الجنوبيين جميعًا، مسيحيين ومسلمين، تحت سقف الشرعية اللبنانية.

القرى المسيحية الجنوبية: متطرّفة في لبنانيتها حتى آخر الحدود

الكاتب: طوني عطية | المصدر: نداء الوطن
7 تموز 2026

لا تحتاج القرى المسيحية في الجنوب إلى شهادة حسن سلوك وطني، ولا إلى امتحان في الانتماء، ولا إلى من يختبر لبنانيتها كلما حاول الداخل أو الخارج توظيفها في حساباته. فرغم أنها عاشت على تماس دائم مع القلق والحروب والتحولات الكبرى، لم تبحث يومًا عن بديل من الدولة، حتى حين قصّرت الأخيرة في حمايتها. وكما رفضت في السابق الالتحاق بحكومة فيصل عام 1920، والاستسلام لمشروع الوطن البديل حين سيطرت الفصائل الفلسطينية على الجنوب والانصهار في مشاريع “الممانعة”، فإنها ترفض اليوم، حتمًا وحكمًا، أي حديث عن انضمام إلى إسرائيل. هي قرى متطرّفة في لبنانيتها حتى آخر الحدود، ومتمسكة بالدولة وحدها خيارًا وحمايةً ومصيرًا.

في هذا السياق، يضع رئيس بلدية عين إبل، أيوب خريش، الأمور في نصابها، مؤكدًا أن العتب ليس على الخارج بقدر ما هو على بعض أصوات الداخل التي لا تنفكّ عن رمي أبناء هذه القرى بتهم الخيانة والعمالة، فقط لأنهم اختاروا الصمود في أرضهم، ورفضوا الحرب، وتمسّكوا بحضور الدولة اللبنانية. ويذكّر خريش بأن الأهالي، حين طُلب من القوى الأمنية والعسكرية إعادة الانتشار أو مغادرة البلدات، نزلوا إلى الطرقات لمنع مغادرة الجيش، لأن خيارهم كان واضحًا: لا حماية خارج الدولة، ولا أمن خارج الشرعية، ولا قبول بأن تُترك القرى الحدودية لمصيرها.

أما عضو بلدية دبل، مارون ناصيف، فيؤكد أن القرى والبلدات المسيحية الجنوبية كانت في صلب تثبيت حدود لبنان، لأن هويتها راسخة في الإيمان والتاريخ والوطنية. ويعتبر أن ما تردّد في بعض وسائل الإعلام عن تواصل بعض القرى المسيحية مع الإسرائيليين بهدف الانضمام إلى إسرائيل، كلام يثير الشفقة والسخرية في آن واحد، ولا يمتّ إلى الواقع بصلة. ويشدّد على أن اتكال الأهالي طوال فترة الصمود والبقاء كان على كنيستهم، وعلى التنسيق والتواصل مع الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل”. أما الذين يروّجون لهذه الروايات، فلا يفعلون سوى اختراع أوهام من صنيعة خيالهم.

وكلام خريش وناصيف هو نفسه يتردّد في القليعة وعلما الشعب والقوزح ودبل ورميش وعين إبل ويارون ودير ميماس وبرج الملوك وسردا وجديدة مرجعيون وإبل السقي وكوكبا والبويضة وراشيا الفخار وأبو قمحة والماري، كما في كل قرية مسيحية أو مختلطة مع سائر الطوائف. فهذه البلدات، على تنوّعها الأهلي والاجتماعي والسياسي، تقف متراصّة الصفوف كما في كل الحقبات، بقلب واحد ونبض واحد، وقد زادتها حروب الإسناد تلاحمًا وتمسّكًا بأرضها وخيارها اللبناني.

توازيًا، جاء موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري ليؤكد هذا الاتجاه، إذ أشاد بـ”مضمون البيانات والمواقف التي صدرت عن رؤساء المجالس البلدية والفعاليات الروحية في القرى والبلدات الحدودية، خصوصًا المسيحية منها، في قضاءي مرجعيون وبنت جبيل”. وأكد بري أن “مواقف أبناء وفعاليات تلك القرى، وصمودهم فيها وتمسّكهم بأرضهم وهويتهم، تعكس أصالة انتمائهم الوطني، الذي لن يساوموا عليه تحت أي ظرف من الظروف”.

وفي قراءة لكلام بنيامين نتنياهو، أشارت مصادر دبلوماسية مطلعة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يكن يتوجّه في مقابلته مع “فوكس نيوز” إلى الداخل اللبناني أو إلى القرى المسيحية الجنوبية، بقدر ما كان يخاطب الأميركيين، وتحديدًا “الجمهوريين”. فنتنياهو، وفق هذه القراءة، يدرك حساسية الخطاب المتصل بحماية المسيحيين في الشرق، ويحاول توظيفه في لحظة سياسية يحتاج فيها إلى ترميم صورته أمام الرأي العام الأميركي، وإعادة تقديم إسرائيل بوصفها قوة تحمي الأقليات أو الجماعات المضطهدة في مواجهة “التطرف”.

وتلفت المصادر إلى أن هذا الخطاب ليس جديدًا، غير أن استعادته اليوم تحمل دلالات إضافية، خصوصًا في ظل تصاعد أصوات داخل الولايات المتحدة، ومن بينها أوساط اليمين المسيحي، تولي أهمية خاصة لوضع المسيحيين في لبنان والمنطقة. ومن هنا، يحاول نتنياهو مخاطبة هذه الفئات باللغة التي تفهمها، عبر التشديد على أن إسرائيل لا تخوض حربًا أمنية فحسب، بل تؤدي أيضًا دورًا “حمائيًّا” تجاه المسيحيين.

وفي هذا الإطار، توضح المصادر نفسها أن الاعتداءات الأخيرة التي ارتكبها عناصر من الجيش الإسرائيلي في الجنوب، وطالت رموزًا دينية مسيحية، تركت أثرًا سلبيًا في الأوساط الأميركية المهتمة بالملف المسيحي في الشرق، وهي شرائح واسعة وآخذة في التمدد في الولايات المتحدة و”عصبها قويّ”. لذلك، جاء قوله في المقابلة إن “بعض القرى المسيحية في لبنان طلبت في الواقع ضمّها إلى إسرائيل، لأننا نحمي سكانها من حزب الله، من متطرفي حزب الله الذين يريدون قتلهم، ونحن نفعل الشيء نفسه مع المسيحيين في كل مكان”، مع تشديده على عبارة “في كل مكان”.

في الخلاصة، يبقى الرد الحقيقي على كلام نتنياهو، من جهة، وعلى حملات التخوين التي يشنّها محور “الممانعة”، من جهة أخرى، في إعادة تثبيت الدولة اللبنانية، وبسط سيادتها، وفتح الطريق أمام السلام والاستقرار الدائمين، بما يحمي الجنوبيين جميعًا، مسيحيين ومسلمين، تحت سقف الشرعية اللبنانية.

مزيد من الأخبار