الحكومة والنواب في مواجهة إملاءات الصندوق

الحكومة مجلس النواب صندوق النقد مصرف لبنان
الكاتب: باتريسيا جلاد | المصدر: نداء الوطن
8 تموز 2026

ليس إقرار التعديلات على مشروع قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها رقم 23 الوارد في المرسوم رقم 3056 مسألةً محسومة في جلسة اليوم من لجنة المال والموازنة. فإذا تمّ إقرارها، تُحال إلى الهيئة العامة لمجلس النواب بهدف إلقاء النظرة الأخيرة عليها وتشريعها في جلسة الأسبوع المقبل، وإذا لم تُقرّ سيستغرق الانتهاء منها المزيد من الوقت.

الأخذ والردّ، بعد صدمة رفض صندوق النقد التعديلات على المادتين 3 و13 منه، واللتين تتعلّقان بصلاحية مصرف لبنان والهيئة المصرفية العليا، لا يزال قائمًا.

صندوق النقد “متشبّث” في رأيه الرافض للتعديلات التالية التي باتت معروفة: الاقتراح المتعلق بالمادة الثالثة، والذي قدّمه رئيس الحكومة نواف سلام وتمّ اعتماده ضمن التوافق الذي تحقق بين مختلف الأطراف، يقضي بإضافة إشارة صريحة إلى المادة 70 من قانون النقد والتسليف. كما أن الاقتراح المتعلق بالمادة 13، والقاضي باستبدال عبارة إصدار “التعاميم” بعبارة “تخوّل الهيئة المصرفية العليا، بأكثرية ثلثي أعضائها، أن تقترح على مصرف لبنان إصدار جميع الأوامر أو القرارات أو التدابير اللازمة لتنفيذ قراراتها”، تقدّم به وزير المال شخصيًا خلال الاجتماع الذي سبق جلسة لجنة المال والموازنة، وحظي بموافقة جميع المشاركين، ولم يكن بمبادرة خاصة من مصرف لبنان.

رفض حاسم

هذا الرفض الحاسم من صندوق النقد، الذي يثير التساؤلات حول أسبابه، يعود، كما يبرّره بعض المسؤولين، إلى مفهوم الحوكمة التي يركّز عليها الصندوق، وعدم حصر الصلاحيات في جهة واحدة، وتشجيع إشراك الدولة في كل القرارات.

فالمجلس الدستوري، يقول وزير الاقتصاد الأسبق والمصرفي رائد خوري لـ”نداء الوطن”، قبل في تشرين الأول 2025 الطعن المقدّم من 10 نواب، والذي يطالب بأن يسمح القانون للمصارف بالاعتراض على أي قرار قضائي في حقّها، ومن ضمنها قرار التصفية على سبيل المثال. وسأل: “هل يعقل أن تأتي القوانين مغايرة لتلك المعمول بها في كل دول العالم، والتي تسمح باستئناف أي قرار قضائي؟”

مع العلم هنا أن قبول الطعن لم يَحُل دون تنفيذ الحكم إلا إذا ارتأى القاضي ذلك صراحة، خلال فترة الاعتراض أو استئناف القرار القضائي من الجهة المتضرّرة.

صلاحيات “المركزي”

في هذا الصدد، يعتبر خوري أن “الخلاف بين صندوق النقد ومصرف لبنان والدولة اللبنانية يبيّن أن الصندوق يريد أن “يحذف” صلاحيات تعود لمصرف لبنان تحت غطاء الحوكمة التي يجب السير بها”. لكن هذا النهج غير منطقي، لأن حوكمة من هذا النوع، وفي نظامنا السياسي، تشتّت المساءلة والمحاسبة، فضلًا عن أنها تُقحم التدخلات السياسية في الشؤون النقدية. فإعطاء مصرف لبنان صلاحية البتّ بشؤونه النقدية والمصرفية يحميه ويحمي المصارف والودائع من التدخلات السياسية في شؤونه، والمطلوب إبقاء صلاحيات المركزي كما هي، وفي الوقت نفسه تعزيز الرقابة والمساءلة.

إقحام أعضاء في الهيئة المصرفية العليا، ممثّلين لوزارات العدل والاقتصاد والمال، لتوسيع دائرة اتخاذ القرار وشموله كافة الأفرقاء، برأي خوري، “هو تدبير خاطئ، لأنه لا يجوز إدخال الأحزاب والسياسة في صلاحيات واستقلالية مصرف لبنان. فالحوكمة تُطبّق ولكن ضمن إطار القوانين، إذ لا يمكن للدولة، على سبيل المثال، اتخاذ قرار بالاستدانة من مصرف لبنان من دون اتخاذ قرار بشأنها من الحكومة وصدور قانون عن مجلس النواب.”

من هنا، فإن عملية شدّ الحبال بين صندوق النقد والحكومة وإصرار الأخيرة ممثلة بالرئيس نواف سلام ووزير المالية، على صلاحيات حاكمية مصرف لبنان في المادتين 3 و13 من قانون إصلاح وضع المصارف، يقول خوري، “ليست مسألة تحدٍّ، وإنما مصلحة لبنان “بالدقّ”، والتي تقوم على عدم تشتيت المسؤوليات وتداخل الصلاحيات وفرملة القرارات”.

يضيف خوري: صندوق النقد، “لا يعلم بخصوصية لبنان السياسية، لذلك هو متشبّث برأيه، والمطلوب منه حلحلة هذا الموضوع”.

تدوير الزوايا

أما وزير المال والنواب الذين سيشاركون في جلسة اليوم، التي تُعقد عند الساعة الحادية عشرة، فهم سيناقشون المادتين 3 و13 اللتين رفض صندوق النقد التعديلات عليهما، ليتّخذوا الموقف المناسب الذي يدوّر الزوايا بينهم وبين المسار العام المحدّد من صندوق النقد. فالسلطة التشريعية، برأي النواب، يمكنها أن تقول كلمتها بعيدًا عن إملاءات صندوق النقد، ولكن ضمن الأطر الموضوعة منه. وسيحاول أعضاء اللجان، الذين يصوّتون بالأكثرية على القرارات، الخروج بالأفضل الممكن، لأنهم الأدرى بالنظام السياسي اللبناني الذي يجب فصله وعدم إقحامه في السياسات الاقتصادية والنقدية في البلاد.

أما مصرف لبنان، المصرّ على استقلاليته وعلى العودة إلى قانون النقد والتسليف اللبناني، فيحظى في المادتين 3 و13 بختم القاضي الدولي، رئيس الحكومة ووزير المال. فحاكم “المركزي” كريم سعيد أورد في الرسالة التي وجّهها إلى وزير المال، بعد رفض صندوق النقد للتعديلات، أن “إصرار صندوق النقد الدولي على رفض الصيغة التي جرى التوافق عليها بين الحكومة ومصرف لبنان، من دون إبداء أي تعليل قانوني أو تقني جدّي يبرّر هذا الرفض، يثير تحفظًا جوهريًا لناحية احترام الأصول المعتمدة في إعداد التشريعات الوطنية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بنصوص تنظّم صلاحيات وسلطات مؤسسات دستورية وإدارية لبنانية تخضع حصرًا لأحكام القانون اللبناني.”

إلى ذلك، أكد سعيد أن “مصرف لبنان يرى أن أي ملاحظات أو اقتراحات تصدر عن جهات خارجية يجب أن تبقى في إطار الرأي الاستشاري غير الملزم، ولا يمكن أن تتحوّل إلى مصدر لإملاء خيارات تشريعية تتعلق بتنظيم السلطات والصلاحيات المقرّرة بموجب قانون النقد والتسليف أو غيره من القوانين اللبنانية النافذة. فيما لم يقدّم صندوق النقد الدولي حتى تاريخه أي مبرر قانوني أو منطقي يفسّر رفضه الإشارة إلى المادة 70 من قانون النقد والتسليف، في حين أن المادة 3 تشير أصلًا إلى قانون النقد والتسليف بأكمله. كما لم يقدّم أي تبرير مقنع لرفض استبدال كلمة “التعاميم” بعبارات أشمل، مثل “الأوامر” أو “القرارات” أو “التدابير التنفيذية”.”

في ظلّ هذا الواقع، وإصرار الحكومة على أهمية التعديلات التي أجرتها، هل يقول النواب كلمتهم ويغرّدون خارج إرادة صندوق النقد، أم سيدوّرون الزوايا ويتوافقون على صيغة يعتبرون انها قد تُرضي صندوق النقد من دون ان تثير حفيظة مصرف لبنان، ، باعتبار أنه لا تعافٍ سريعًا من دون توقيع اتفاق مع الصندوق؟

الحكومة والنواب في مواجهة إملاءات الصندوق

الحكومة مجلس النواب صندوق النقد مصرف لبنان
الكاتب: باتريسيا جلاد | المصدر: نداء الوطن
8 تموز 2026

ليس إقرار التعديلات على مشروع قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها رقم 23 الوارد في المرسوم رقم 3056 مسألةً محسومة في جلسة اليوم من لجنة المال والموازنة. فإذا تمّ إقرارها، تُحال إلى الهيئة العامة لمجلس النواب بهدف إلقاء النظرة الأخيرة عليها وتشريعها في جلسة الأسبوع المقبل، وإذا لم تُقرّ سيستغرق الانتهاء منها المزيد من الوقت.

الأخذ والردّ، بعد صدمة رفض صندوق النقد التعديلات على المادتين 3 و13 منه، واللتين تتعلّقان بصلاحية مصرف لبنان والهيئة المصرفية العليا، لا يزال قائمًا.

صندوق النقد “متشبّث” في رأيه الرافض للتعديلات التالية التي باتت معروفة: الاقتراح المتعلق بالمادة الثالثة، والذي قدّمه رئيس الحكومة نواف سلام وتمّ اعتماده ضمن التوافق الذي تحقق بين مختلف الأطراف، يقضي بإضافة إشارة صريحة إلى المادة 70 من قانون النقد والتسليف. كما أن الاقتراح المتعلق بالمادة 13، والقاضي باستبدال عبارة إصدار “التعاميم” بعبارة “تخوّل الهيئة المصرفية العليا، بأكثرية ثلثي أعضائها، أن تقترح على مصرف لبنان إصدار جميع الأوامر أو القرارات أو التدابير اللازمة لتنفيذ قراراتها”، تقدّم به وزير المال شخصيًا خلال الاجتماع الذي سبق جلسة لجنة المال والموازنة، وحظي بموافقة جميع المشاركين، ولم يكن بمبادرة خاصة من مصرف لبنان.

رفض حاسم

هذا الرفض الحاسم من صندوق النقد، الذي يثير التساؤلات حول أسبابه، يعود، كما يبرّره بعض المسؤولين، إلى مفهوم الحوكمة التي يركّز عليها الصندوق، وعدم حصر الصلاحيات في جهة واحدة، وتشجيع إشراك الدولة في كل القرارات.

فالمجلس الدستوري، يقول وزير الاقتصاد الأسبق والمصرفي رائد خوري لـ”نداء الوطن”، قبل في تشرين الأول 2025 الطعن المقدّم من 10 نواب، والذي يطالب بأن يسمح القانون للمصارف بالاعتراض على أي قرار قضائي في حقّها، ومن ضمنها قرار التصفية على سبيل المثال. وسأل: “هل يعقل أن تأتي القوانين مغايرة لتلك المعمول بها في كل دول العالم، والتي تسمح باستئناف أي قرار قضائي؟”

مع العلم هنا أن قبول الطعن لم يَحُل دون تنفيذ الحكم إلا إذا ارتأى القاضي ذلك صراحة، خلال فترة الاعتراض أو استئناف القرار القضائي من الجهة المتضرّرة.

صلاحيات “المركزي”

في هذا الصدد، يعتبر خوري أن “الخلاف بين صندوق النقد ومصرف لبنان والدولة اللبنانية يبيّن أن الصندوق يريد أن “يحذف” صلاحيات تعود لمصرف لبنان تحت غطاء الحوكمة التي يجب السير بها”. لكن هذا النهج غير منطقي، لأن حوكمة من هذا النوع، وفي نظامنا السياسي، تشتّت المساءلة والمحاسبة، فضلًا عن أنها تُقحم التدخلات السياسية في الشؤون النقدية. فإعطاء مصرف لبنان صلاحية البتّ بشؤونه النقدية والمصرفية يحميه ويحمي المصارف والودائع من التدخلات السياسية في شؤونه، والمطلوب إبقاء صلاحيات المركزي كما هي، وفي الوقت نفسه تعزيز الرقابة والمساءلة.

إقحام أعضاء في الهيئة المصرفية العليا، ممثّلين لوزارات العدل والاقتصاد والمال، لتوسيع دائرة اتخاذ القرار وشموله كافة الأفرقاء، برأي خوري، “هو تدبير خاطئ، لأنه لا يجوز إدخال الأحزاب والسياسة في صلاحيات واستقلالية مصرف لبنان. فالحوكمة تُطبّق ولكن ضمن إطار القوانين، إذ لا يمكن للدولة، على سبيل المثال، اتخاذ قرار بالاستدانة من مصرف لبنان من دون اتخاذ قرار بشأنها من الحكومة وصدور قانون عن مجلس النواب.”

من هنا، فإن عملية شدّ الحبال بين صندوق النقد والحكومة وإصرار الأخيرة ممثلة بالرئيس نواف سلام ووزير المالية، على صلاحيات حاكمية مصرف لبنان في المادتين 3 و13 من قانون إصلاح وضع المصارف، يقول خوري، “ليست مسألة تحدٍّ، وإنما مصلحة لبنان “بالدقّ”، والتي تقوم على عدم تشتيت المسؤوليات وتداخل الصلاحيات وفرملة القرارات”.

يضيف خوري: صندوق النقد، “لا يعلم بخصوصية لبنان السياسية، لذلك هو متشبّث برأيه، والمطلوب منه حلحلة هذا الموضوع”.

تدوير الزوايا

أما وزير المال والنواب الذين سيشاركون في جلسة اليوم، التي تُعقد عند الساعة الحادية عشرة، فهم سيناقشون المادتين 3 و13 اللتين رفض صندوق النقد التعديلات عليهما، ليتّخذوا الموقف المناسب الذي يدوّر الزوايا بينهم وبين المسار العام المحدّد من صندوق النقد. فالسلطة التشريعية، برأي النواب، يمكنها أن تقول كلمتها بعيدًا عن إملاءات صندوق النقد، ولكن ضمن الأطر الموضوعة منه. وسيحاول أعضاء اللجان، الذين يصوّتون بالأكثرية على القرارات، الخروج بالأفضل الممكن، لأنهم الأدرى بالنظام السياسي اللبناني الذي يجب فصله وعدم إقحامه في السياسات الاقتصادية والنقدية في البلاد.

أما مصرف لبنان، المصرّ على استقلاليته وعلى العودة إلى قانون النقد والتسليف اللبناني، فيحظى في المادتين 3 و13 بختم القاضي الدولي، رئيس الحكومة ووزير المال. فحاكم “المركزي” كريم سعيد أورد في الرسالة التي وجّهها إلى وزير المال، بعد رفض صندوق النقد للتعديلات، أن “إصرار صندوق النقد الدولي على رفض الصيغة التي جرى التوافق عليها بين الحكومة ومصرف لبنان، من دون إبداء أي تعليل قانوني أو تقني جدّي يبرّر هذا الرفض، يثير تحفظًا جوهريًا لناحية احترام الأصول المعتمدة في إعداد التشريعات الوطنية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بنصوص تنظّم صلاحيات وسلطات مؤسسات دستورية وإدارية لبنانية تخضع حصرًا لأحكام القانون اللبناني.”

إلى ذلك، أكد سعيد أن “مصرف لبنان يرى أن أي ملاحظات أو اقتراحات تصدر عن جهات خارجية يجب أن تبقى في إطار الرأي الاستشاري غير الملزم، ولا يمكن أن تتحوّل إلى مصدر لإملاء خيارات تشريعية تتعلق بتنظيم السلطات والصلاحيات المقرّرة بموجب قانون النقد والتسليف أو غيره من القوانين اللبنانية النافذة. فيما لم يقدّم صندوق النقد الدولي حتى تاريخه أي مبرر قانوني أو منطقي يفسّر رفضه الإشارة إلى المادة 70 من قانون النقد والتسليف، في حين أن المادة 3 تشير أصلًا إلى قانون النقد والتسليف بأكمله. كما لم يقدّم أي تبرير مقنع لرفض استبدال كلمة “التعاميم” بعبارات أشمل، مثل “الأوامر” أو “القرارات” أو “التدابير التنفيذية”.”

في ظلّ هذا الواقع، وإصرار الحكومة على أهمية التعديلات التي أجرتها، هل يقول النواب كلمتهم ويغرّدون خارج إرادة صندوق النقد، أم سيدوّرون الزوايا ويتوافقون على صيغة يعتبرون انها قد تُرضي صندوق النقد من دون ان تثير حفيظة مصرف لبنان، ، باعتبار أنه لا تعافٍ سريعًا من دون توقيع اتفاق مع الصندوق؟

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار