ما الذي تطلبه الولايات المتحدة من الجيش لسحب سلاح حزب الله؟

توصّلت دوائر القرار الأميركية إلى ما يشبه القناعة الراسخة بأن الجيش اللبناني هو المؤسسة الوحيدة المخوّلة نزع سلاح “حزب الله”، إذا رغبت السلطات اللبنانية في ذلك، ولا سيما بعد الحرب الأخيرة بين إسرائيل و”الحزب” والتوصّل إلى اتفاق إطار بين بيروت وتل أبيب برعاية واشنطن.
وتعتبر المعلومات التي حصلت عليها “المدن” من العاصمة الأميركية أن خلية عمل أميركية أُنشئت لدرس قدرة الجيش اللبناني على إنجاز هذه المهمة. ولا يقتصر البحث على الاتفاق الإطار الذي ينصّ على معادلة “المناطق التجريبية”، بل يتجاوز ذلك إلى التحقق من قدرة الجيش على تنفيذ المهمة في جنوب الليطاني وشماله.
واللافت أن الأميركيين يتابعون أداء الجيش بدقة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، وقد توصّلوا إلى استنتاج مفاده أنه يعاني من نقاط ضعف على أكثر من صعيد، وأن الانقسامات السياسية تؤثّر فيه، ولو حاول قادته وبعض المسؤولين إظهار عكس ذلك.
وتتجه الإدارة الأميركية، وفق المعلومات، إلى اتخاذ قرار مصيري بشأن تغيير طريقة التعامل مع الجيش. وما يُطرح حالياً هو إما تكثيف دعمه على نحو نوعي، أو الامتناع عن دعمه نهائياً. أما الاستمرار في مستوى الدعم الحالي، الذي لا يغني ولا يسمن من جوع، فلم يعد خياراً وارداً.
ولا شك في أن الاجتماعات الأمنية التي عُقدت في البنتاغون بين مسؤولين عسكريين لبنانيين وأميركيين كشفت حقيقةً مزعجة للإدارة الأميركية، مفادها أن الجيش اللبناني، بإمكاناته الحالية، غير قادر على نزع سلاح “الحزب”، أو حتى مواجهته عسكرياً إذا اقتضى الأمر في بعض المناطق التجريبية، وهو ما تسبّب بإحراج للإدارة الأميركية أمام المفاوضين الإسرائيليين.
ولا تخفي المعلومات المتوافرة أن الاتفاق الإطار يقوم على مدى قبول الجيش اللبناني واقتناعه بتولّي المسؤولية الأمنية الكاملة، تدريجياً، عن المناطق التي وافقت إسرائيل على الانسحاب منها. وأي تقاعس، إذا حصل، سيؤدي إلى انهيار الاتفاق. كما تتخوّف واشنطن من أن يعمد “الحزب” إلى عرقلة مهمة الجيش، وقد بدأ بذلك عبر رفضه تسليم مرتفعات علي الطاهر إليه، الأمر الذي قد يعني استئناف الحرب بين إسرائيل و”الحزب“.
ويكشف مراقبون مطّلعون على الجهود الأميركية في هذا المجال أن الكونغرس يعتبر المساعدات المقدّمة إلى الجيش اللبناني غير فعّالة، ولا تكفي لدفعه إلى تنفيذ مهمة نزع السلاح.
وانطلاقاً من هذه الشكوك، اقترح السيناتور الجمهوري جيم ريش والسيناتورة الديمقراطية جين شاهين، رئيسا لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إعادة النظر في المساعدات العسكرية الأميركية المقدّمة إلى بيروت، إذا لم يبذل الجيش اللبناني مزيداً من الجهود لنزع سلاح “الحزب”. وحذّر ريش قائلاً: “يجب أن ينتهي عهد التراخي والإنقاذ غير المشروط”.
كما حثّ السيناتور الجمهوري روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، الكونغرس على “عدم دعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح “الحزب” بشكل كامل وفوري”. كذلك أعرب السيناتور ليندسي غراهام، رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ، علناً عن خيبة أمله من أداء الجيش اللبناني خلال زيارة قام بها للبنان عام 2025، وخصّ بالذكر قائده العماد رودولف هيكل، متشككاً في استعداده “لتحمّل مسؤولية نزع السلاح”.
وتلفت مصادر مطّلعة على خفايا المقاربة الأميركية إلى أن الإدارة الأميركية بلغت مرحلة الحسم، وباتت تجد نفسها أمام خيارين فقط: إما وقف دعمها للجيش اللبناني بالكامل، لعدم ثقتها بقدرته على نزع السلاح، أو إعادة النظر جذرياً في طبيعة هذا الدعم، بما يمنحه فرصة حقيقية لتنفيذ هذه المهمة. وتشير المصادر إلى أنه لا وجود لحلّ وسط، إذ إن مستوى الدعم الأميركي الحالي يكفي للحفاظ على الجيش كمؤسسة قائمة، لكنه لا يكفي، بأي حال، لتمكينه من نزع سلاح “الحزب”.
لم تتغيّر المساعدات الأمنية الأميركية المقدّمة إلى لبنان على مدى العقدين الماضيين. فعاماً بعد عام، ظلّت حزمة المساعدات شبه ثابتة، كماً ونوعاً. وتدرك الإدارة الأميركية، وفق المصادر، أن المطلوب من الجيش اللبناني اليوم هو تنفيذ مهمة لم يسبق له أن اضطلع بها، ولكن بالأدوات والإمكانات نفسها التي امتلكها طوال السنوات الماضية. وباتت مقتنعة بأن هذا الأمر غير واقعي. فالمهمة الجديدة، التي وصفها قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر بأنها “مهمة صعبة”، تتطلّب أساليب وإمكانات جديدة.
وترى المصادر أنه لا يمكن حصر هذه الأساليب في تحسين المعدات وزيادة التمويل، على الرغم من أهمية الدعم المالي، بل إن ما يحتاج إليه الجيش يتجاوز ذلك إلى تطوير قدراته في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، فضلاً عن تعزيز قدراته على تنفيذ الضربات الجوية الهجومية. كما ينبغي للقيادة المركزية الأميركية أن تزوّد الجيش بالتدريب والمشورة المناسبين، على غرار ما فعلته مع جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، الذي تحوّل إلى قوة نخبة داخل الجيش العراقي قادرة على مواجهة تنظيم داعش.
وتكشف المصادر المطلعة المزيد عن طبيعة المناقشات الجارية داخل الخلية الأميركية المكلّفة بدراسة خيارات دعم الجيش، إذ اتفق جميع الباحثين فيها على أن النتائج كانت إيجابية كلما مُنحت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) صلاحيات أوسع لزيادة دعمها الاستشاري للجيش اللبناني. ولعلّ خير مثال على ذلك معركة “فجر الجرود” عام 2017، حين تمكّن الجيش اللبناني، بكفاءة عالية، من طرد مقاتلي تنظيم داعش من الجرود اللبنانية، بفضل الدعم العقائدي والتقني الذي قدّمته القوات الخاصة الأميركية. إلا أن الباحثين يشدّدون على أن “الحزب” ليس تنظيم داعش، ولذلك تحديداً فإن مستوى المساعدة الأميركية يجب أن يرتفع بصورة كبيرة لمواجهة هذا التحدّي الأكثر تعقيداً.
أما هواجس الكونغرس، وفق المصادر الأميركية، فتتمثل في رفع مستوى المساعدات العسكرية للجيش اللبناني، في وقت قد تبقى فيه الحكومة اللبنانية والجيش غير راغبين في تنفيذ مهمة نزع سلاح “الحزب”. ولذلك، جرى الاتفاق على اعتماد نهج تدريجي في تقديم الدعم، بحيث لا يكون هناك تسرّع في زيادة المساعدات، بل تُختبر أولاً نيات الجيش اللبناني واستعداده لتنفيذ المهمة الموكلة إليه.
ويبدو أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يقف خلف هذا النهج، إذ يعتبره الأكثر واقعية، قائلاً: “نعمل على إنشاء نظام فعّال، تمتلك بموجبه وحدات معتمدة داخل الجيش اللبناني التدريب والمعدات والقدرة على ملاحقة عناصر “الحزب” وتفكيكها، حتى لا تضطر إسرائيل إلى القيام بذلك”.
وتقاطعت مواقف روبيو مع مواقف كوبر، إذ أكّدا أن زيادة الدعم يجب أن تكون موجّهة إلى مهام أو وحدات محدّدة، واقترحا توفير التمويل اللازم لتمكين الجيش اللبناني من القيام بالمزيد.
إنها، إذن، مسألة ثقة بالنسبة إلى الأميركيين. فهم يشكّكون في قدرة الجيش اللبناني، كمؤسسة، على تولّي مهمة نزع سلاح “الحزب”، ويربطون نجاح هذه المهمة بوحدات محدّدة داخله، تُعدّ الأكثر كفاءة وتدريباً. وهذا ما سيتيح للإدارة الأميركية التأكّد من جدية الجيش اللبناني وقدرته على تنفيذ المهمة. وثمة مؤشرات عديدة إلى أن النهج السابق في ما يتعلق بالدعم الأميركي للجيش لن يستمر.
وتفيد المصادر المطلعة بأن البنتاغون، استجابةً لتوصية روبيو وكوبر، يدرس خيارات لتوسيع الدعم المقدَّم إلى الجيش اللبناني بصورة كبيرة، بحيث يشمل المعدات والتدريب والخدمات الاستشارية. ولا يزال الكونغرس مطالباً بالموافقة على أي من هذه المقترحات، باعتباره الجهة صاحبة القرار في ما يتعلق بالتمويل.
ولا تخفي المصادر المطلعة وجود هواجس أميركية من احتمال انسحاب عدد من الجنود الشيعة من الجيش اللبناني في حال نفّذ الجيش قرار نزع السلاح. ورغم أن هذا الاحتمال وارد، إلا أنه لا يُعدّ بالضرورة مشكلة بالنسبة إلى واشنطن، إذ توضح المصادر أنه إذا حدث ذلك، فستتمكن الإدارة الأميركية من التمييز بين من ينتمي فعلاً إلى الجيش اللبناني ومستعد لتنفيذ أوامر الحكومة، وبين من يوجد في المؤسسة العسكرية لمجرد الحصول على راتب مع احتفاظه بولائه لـ”الحزب”.
ويتجه الأميركيون إلى تبنّي نهج جديد في التعامل مع الجيش اللبناني، يقوم على أهداف محدّدة، ويرتكز إلى معادلة واضحة: “ابحث عن الوحدات الأكثر فعالية، ثم سلّحها ومكّنها”. ويعني ذلك أن الولايات المتحدة لم تعد مجرد راعٍ للاتفاق، بل أصبحت الجهة الرئيسة المشرفة على تنفيذه، فهي تشارك في التحقق من عملية نزع سلاح “الحزب”، وتقود فريق التنسيق العسكري، وتشرف على آليات الدعمين المالي والعسكري، كما تربط المساعدات الاقتصادية بتقييمها الخاص لمستوى تنفيذ الاتفاق.
وستشكّل هذه العملية الفرصة الأخيرة أمام الدولة اللبنانية لإثبات انتقالها من حيّز الالتزامات النظرية إلى حيّز التنفيذ العملي. أما إذا أخفقت في ذلك، فستترك لإسرائيل مهمة القضاء على سلاح “الحزب”، مع ما سيترتب على لبنان من كلفة باهظة.
ما الذي تطلبه الولايات المتحدة من الجيش لسحب سلاح حزب الله؟

توصّلت دوائر القرار الأميركية إلى ما يشبه القناعة الراسخة بأن الجيش اللبناني هو المؤسسة الوحيدة المخوّلة نزع سلاح “حزب الله”، إذا رغبت السلطات اللبنانية في ذلك، ولا سيما بعد الحرب الأخيرة بين إسرائيل و”الحزب” والتوصّل إلى اتفاق إطار بين بيروت وتل أبيب برعاية واشنطن.
وتعتبر المعلومات التي حصلت عليها “المدن” من العاصمة الأميركية أن خلية عمل أميركية أُنشئت لدرس قدرة الجيش اللبناني على إنجاز هذه المهمة. ولا يقتصر البحث على الاتفاق الإطار الذي ينصّ على معادلة “المناطق التجريبية”، بل يتجاوز ذلك إلى التحقق من قدرة الجيش على تنفيذ المهمة في جنوب الليطاني وشماله.
واللافت أن الأميركيين يتابعون أداء الجيش بدقة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، وقد توصّلوا إلى استنتاج مفاده أنه يعاني من نقاط ضعف على أكثر من صعيد، وأن الانقسامات السياسية تؤثّر فيه، ولو حاول قادته وبعض المسؤولين إظهار عكس ذلك.
وتتجه الإدارة الأميركية، وفق المعلومات، إلى اتخاذ قرار مصيري بشأن تغيير طريقة التعامل مع الجيش. وما يُطرح حالياً هو إما تكثيف دعمه على نحو نوعي، أو الامتناع عن دعمه نهائياً. أما الاستمرار في مستوى الدعم الحالي، الذي لا يغني ولا يسمن من جوع، فلم يعد خياراً وارداً.
ولا شك في أن الاجتماعات الأمنية التي عُقدت في البنتاغون بين مسؤولين عسكريين لبنانيين وأميركيين كشفت حقيقةً مزعجة للإدارة الأميركية، مفادها أن الجيش اللبناني، بإمكاناته الحالية، غير قادر على نزع سلاح “الحزب”، أو حتى مواجهته عسكرياً إذا اقتضى الأمر في بعض المناطق التجريبية، وهو ما تسبّب بإحراج للإدارة الأميركية أمام المفاوضين الإسرائيليين.
ولا تخفي المعلومات المتوافرة أن الاتفاق الإطار يقوم على مدى قبول الجيش اللبناني واقتناعه بتولّي المسؤولية الأمنية الكاملة، تدريجياً، عن المناطق التي وافقت إسرائيل على الانسحاب منها. وأي تقاعس، إذا حصل، سيؤدي إلى انهيار الاتفاق. كما تتخوّف واشنطن من أن يعمد “الحزب” إلى عرقلة مهمة الجيش، وقد بدأ بذلك عبر رفضه تسليم مرتفعات علي الطاهر إليه، الأمر الذي قد يعني استئناف الحرب بين إسرائيل و”الحزب“.
ويكشف مراقبون مطّلعون على الجهود الأميركية في هذا المجال أن الكونغرس يعتبر المساعدات المقدّمة إلى الجيش اللبناني غير فعّالة، ولا تكفي لدفعه إلى تنفيذ مهمة نزع السلاح.
وانطلاقاً من هذه الشكوك، اقترح السيناتور الجمهوري جيم ريش والسيناتورة الديمقراطية جين شاهين، رئيسا لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إعادة النظر في المساعدات العسكرية الأميركية المقدّمة إلى بيروت، إذا لم يبذل الجيش اللبناني مزيداً من الجهود لنزع سلاح “الحزب”. وحذّر ريش قائلاً: “يجب أن ينتهي عهد التراخي والإنقاذ غير المشروط”.
كما حثّ السيناتور الجمهوري روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، الكونغرس على “عدم دعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح “الحزب” بشكل كامل وفوري”. كذلك أعرب السيناتور ليندسي غراهام، رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ، علناً عن خيبة أمله من أداء الجيش اللبناني خلال زيارة قام بها للبنان عام 2025، وخصّ بالذكر قائده العماد رودولف هيكل، متشككاً في استعداده “لتحمّل مسؤولية نزع السلاح”.
وتلفت مصادر مطّلعة على خفايا المقاربة الأميركية إلى أن الإدارة الأميركية بلغت مرحلة الحسم، وباتت تجد نفسها أمام خيارين فقط: إما وقف دعمها للجيش اللبناني بالكامل، لعدم ثقتها بقدرته على نزع السلاح، أو إعادة النظر جذرياً في طبيعة هذا الدعم، بما يمنحه فرصة حقيقية لتنفيذ هذه المهمة. وتشير المصادر إلى أنه لا وجود لحلّ وسط، إذ إن مستوى الدعم الأميركي الحالي يكفي للحفاظ على الجيش كمؤسسة قائمة، لكنه لا يكفي، بأي حال، لتمكينه من نزع سلاح “الحزب”.
لم تتغيّر المساعدات الأمنية الأميركية المقدّمة إلى لبنان على مدى العقدين الماضيين. فعاماً بعد عام، ظلّت حزمة المساعدات شبه ثابتة، كماً ونوعاً. وتدرك الإدارة الأميركية، وفق المصادر، أن المطلوب من الجيش اللبناني اليوم هو تنفيذ مهمة لم يسبق له أن اضطلع بها، ولكن بالأدوات والإمكانات نفسها التي امتلكها طوال السنوات الماضية. وباتت مقتنعة بأن هذا الأمر غير واقعي. فالمهمة الجديدة، التي وصفها قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر بأنها “مهمة صعبة”، تتطلّب أساليب وإمكانات جديدة.
وترى المصادر أنه لا يمكن حصر هذه الأساليب في تحسين المعدات وزيادة التمويل، على الرغم من أهمية الدعم المالي، بل إن ما يحتاج إليه الجيش يتجاوز ذلك إلى تطوير قدراته في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، فضلاً عن تعزيز قدراته على تنفيذ الضربات الجوية الهجومية. كما ينبغي للقيادة المركزية الأميركية أن تزوّد الجيش بالتدريب والمشورة المناسبين، على غرار ما فعلته مع جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، الذي تحوّل إلى قوة نخبة داخل الجيش العراقي قادرة على مواجهة تنظيم داعش.
وتكشف المصادر المطلعة المزيد عن طبيعة المناقشات الجارية داخل الخلية الأميركية المكلّفة بدراسة خيارات دعم الجيش، إذ اتفق جميع الباحثين فيها على أن النتائج كانت إيجابية كلما مُنحت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) صلاحيات أوسع لزيادة دعمها الاستشاري للجيش اللبناني. ولعلّ خير مثال على ذلك معركة “فجر الجرود” عام 2017، حين تمكّن الجيش اللبناني، بكفاءة عالية، من طرد مقاتلي تنظيم داعش من الجرود اللبنانية، بفضل الدعم العقائدي والتقني الذي قدّمته القوات الخاصة الأميركية. إلا أن الباحثين يشدّدون على أن “الحزب” ليس تنظيم داعش، ولذلك تحديداً فإن مستوى المساعدة الأميركية يجب أن يرتفع بصورة كبيرة لمواجهة هذا التحدّي الأكثر تعقيداً.
أما هواجس الكونغرس، وفق المصادر الأميركية، فتتمثل في رفع مستوى المساعدات العسكرية للجيش اللبناني، في وقت قد تبقى فيه الحكومة اللبنانية والجيش غير راغبين في تنفيذ مهمة نزع سلاح “الحزب”. ولذلك، جرى الاتفاق على اعتماد نهج تدريجي في تقديم الدعم، بحيث لا يكون هناك تسرّع في زيادة المساعدات، بل تُختبر أولاً نيات الجيش اللبناني واستعداده لتنفيذ المهمة الموكلة إليه.
ويبدو أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يقف خلف هذا النهج، إذ يعتبره الأكثر واقعية، قائلاً: “نعمل على إنشاء نظام فعّال، تمتلك بموجبه وحدات معتمدة داخل الجيش اللبناني التدريب والمعدات والقدرة على ملاحقة عناصر “الحزب” وتفكيكها، حتى لا تضطر إسرائيل إلى القيام بذلك”.
وتقاطعت مواقف روبيو مع مواقف كوبر، إذ أكّدا أن زيادة الدعم يجب أن تكون موجّهة إلى مهام أو وحدات محدّدة، واقترحا توفير التمويل اللازم لتمكين الجيش اللبناني من القيام بالمزيد.
إنها، إذن، مسألة ثقة بالنسبة إلى الأميركيين. فهم يشكّكون في قدرة الجيش اللبناني، كمؤسسة، على تولّي مهمة نزع سلاح “الحزب”، ويربطون نجاح هذه المهمة بوحدات محدّدة داخله، تُعدّ الأكثر كفاءة وتدريباً. وهذا ما سيتيح للإدارة الأميركية التأكّد من جدية الجيش اللبناني وقدرته على تنفيذ المهمة. وثمة مؤشرات عديدة إلى أن النهج السابق في ما يتعلق بالدعم الأميركي للجيش لن يستمر.
وتفيد المصادر المطلعة بأن البنتاغون، استجابةً لتوصية روبيو وكوبر، يدرس خيارات لتوسيع الدعم المقدَّم إلى الجيش اللبناني بصورة كبيرة، بحيث يشمل المعدات والتدريب والخدمات الاستشارية. ولا يزال الكونغرس مطالباً بالموافقة على أي من هذه المقترحات، باعتباره الجهة صاحبة القرار في ما يتعلق بالتمويل.
ولا تخفي المصادر المطلعة وجود هواجس أميركية من احتمال انسحاب عدد من الجنود الشيعة من الجيش اللبناني في حال نفّذ الجيش قرار نزع السلاح. ورغم أن هذا الاحتمال وارد، إلا أنه لا يُعدّ بالضرورة مشكلة بالنسبة إلى واشنطن، إذ توضح المصادر أنه إذا حدث ذلك، فستتمكن الإدارة الأميركية من التمييز بين من ينتمي فعلاً إلى الجيش اللبناني ومستعد لتنفيذ أوامر الحكومة، وبين من يوجد في المؤسسة العسكرية لمجرد الحصول على راتب مع احتفاظه بولائه لـ”الحزب”.
ويتجه الأميركيون إلى تبنّي نهج جديد في التعامل مع الجيش اللبناني، يقوم على أهداف محدّدة، ويرتكز إلى معادلة واضحة: “ابحث عن الوحدات الأكثر فعالية، ثم سلّحها ومكّنها”. ويعني ذلك أن الولايات المتحدة لم تعد مجرد راعٍ للاتفاق، بل أصبحت الجهة الرئيسة المشرفة على تنفيذه، فهي تشارك في التحقق من عملية نزع سلاح “الحزب”، وتقود فريق التنسيق العسكري، وتشرف على آليات الدعمين المالي والعسكري، كما تربط المساعدات الاقتصادية بتقييمها الخاص لمستوى تنفيذ الاتفاق.
وستشكّل هذه العملية الفرصة الأخيرة أمام الدولة اللبنانية لإثبات انتقالها من حيّز الالتزامات النظرية إلى حيّز التنفيذ العملي. أما إذا أخفقت في ذلك، فستترك لإسرائيل مهمة القضاء على سلاح “الحزب”، مع ما سيترتب على لبنان من كلفة باهظة.








