اجتماعات روما سياسية وعون يريد ضمانات أميركية لدفع المفاوضات

في وقت تتشابك فيه الملفات الإقليمية وتزداد خطوط التفاوض تعقيداً، يبدو لبنان وكأنه يحاول رسم مسار مستقل عن المسار الإيراني، ولو نظرياً، في واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار. فبين الدوحة وروما وواشنطن، تتحرك الدبلوماسية اللبنانية على أكثر من خط، فيما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة حول قدرة الدولة على فرض خياراتها السياسية في ظل واقع إقليمي لا تزال فيه الكلمة الفصل للقوى الكبرى وللصراع الأميركي – الإيراني المستمر.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر دبلوماسية عربية لـ”المدن” أن مستشار رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، جان عزيز، زار قطر خلال الأيام الماضية حاملاً رسالة سياسية واضحة إلى المسؤولين القطريين. فحوى الرسالة أن لبنان لا يرغب بأن يكون جزءاً من اللجنة الأميركية – الإيرانية المشتركة التي جرى تشكيلها في سويسرا لمتابعة تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، وأنه يفضّل أن تبقى المفاوضات المتعلقة بلبنان ضمن إطارها اللبناني – الإسرائيلي وبرعاية أميركية مباشرة. وتعتبر أوساط مطلعة أن هذه الخطوة تأتي في إطار محاولة رسمية لبنانية للفصل بين المسارين اللبناني والإيراني، وإرسال إشارات إلى واشنطن والمجتمع الدولي بأن السلطة اللبنانية لا تريد أن يُنظر إليها كجزء من التفاهمات الإقليمية التي تُدار بين الولايات المتحدة وإيران.
لكن هذا التوجه اللبناني لا يلقى بالضرورة القراءة نفسها لدى العواصم المعنية بالملف. مصادر دبلوماسية عربية تقول لـ”المدن” إن لبنان، سواء أراد ذلك أم لا، لا يزال جزءاً من المشهد التفاوضي الأوسع بين واشنطن وطهران. فوجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية مؤثرة داخل لبنان يجعل أي تفاهم يتعلق بالحدود الجنوبية أو بوقف إطلاق النار أو بترتيبات الأمن الإقليمي مرتبطاً بشكل أو بآخر بالموقف الإيراني.
وترى هذه المصادر أن إيران لا تزال متمسكة بدعم حزب الله، وتريد تثبيت دورها في لبنان وأن أي تفاهمات نهائية في لبنان لن تكون بعيدة عن حساباتها. أما المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الجارية حالياً، فتندرج، وفق هذا المنطق، في إطار بناء الثقة وإظهار وجود رغبة لدى الطرفين بالسير نحو ترتيبات طويلة الأمد، أكثر مما هي مفاوضات قادرة وحدها على إنتاج حلول نهائية.
روما بدلاً من واشنطن
تستعد روما لاستضافة الجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية يومي الخامس عشر والسادس عشر من تموز، بعدما أبلغ الجانب الأميركي المسؤولين اللبنانيين قرار نقل الاجتماعات من واشنطن إلى العاصمة الإيطالية. في البداية، لم يبدِ لبنان حماسة لهذه الخطوة. فالمعلومات تشير إلى أن دوائر الرئاسة اللبنانية أبدت تحفظات على تغيير مكان المفاوضات، ليس بسبب الموقع الجغرافي بحد ذاته، بل خشية أن يشكل ذلك تحولاً في طبيعة الاجتماعات أو أن يؤدي إلى تراجع مستوى الرعاية الأميركية المباشرة.
وكانت الهواجس اللبنانية تتمحور حول احتمال أن تتحول الاجتماعات إلى لقاءات ثنائية أو أن تُخفَّف المظلة الأميركية التي اعتبرتها بيروت الضمانة الأساسية لاستمرار المسار التفاوضي. إلا أن الاتصالات اللاحقة مع واشنطن أكدت أن الرعاية الأميركية ستبقى كاملة وأن الحضور الأميركي سيكون أساسياً في الاجتماعات، ما دفع لبنان إلى الموافقة على الانتقال إلى روما.
وتشير المعطيات إلى أن الاجتماعات قد تُعقد داخل السفارة الأميركية في العاصمة الإيطالية، في مشهد يعكس رغبة واشنطن في إبقاء الملف تحت إشرافها المباشر.
أما أسباب نقل المفاوضات، فتتعدد الروايات بشأنها. غير أن مصادر مطلعة ترجح أن يكون الطلب قد جاء من الجانب الإسرائيلي، الذي يسعى إلى تخفيف الضغوط السياسية والإعلامية المتزايدة عليه داخل الولايات المتحدة، وإلى تجنب مزيد من الضغوط الأميركية المرتبطة بتطورات المنطقة والحرب المستمرة في أكثر من جبهة.
جولة سياسية بلا عسكريين
وإذا كانت الجولات السابقة قد شهدت حضوراً لوجستياً وأمنياً أوسع، فإن جولة روما ستتخذ طابعاً سياسياً بحتاً. فبحسب المعلومات، سيرأس الوفد اللبناني السفير سيمون كرم، بمشاركة السفيرة ندى معوض، فيما يغيب التمثيل العسكري عن الاجتماعات المرتقبة. وهذا الأمر يعكس انتقال المفاوضات من مرحلة النقاشات التقنية والأمنية إلى مرحلة تثبيت التفاهمات السياسية ومتابعة تنفيذ ما سبق الاتفاق عليه.
وتهدف الاجتماعات إلى استكمال البحث في الإجراءات العملية المرتبطة بتطبيق اتفاق الاطار الذي وقّع في واشنطن عبر تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الاسرائيلي، ومتابعة الترتيبات التي يجري العمل عليها بين لبنان وإسرائيل، إضافة إلى معالجة النقاط العالقة التي لم تُحسم بعد.
وفي موازاة ذلك، يواصل لبنان الضغط عبر القنوات الأميركية لدفع إسرائيل إلى تنفيذ الانسحاب من المنطقتين التجريبيتين اللتين تم الاتفاق عليهما خلال جولات واشنطن السابقة، باعتبار أن أي تقدم ميداني في هذا الملف يمكن أن يشكل اختباراً حقيقياً لجدية إسرائيل في الالتزام بالتفاهمات.
المفاوضات تتنقل… لكن القرار ليس لبنانياً بالكامل
ورغم الحركة الدبلوماسية الكثيفة، لا تبدو الأوساط السياسية المتابعة متفائلة بإمكان تحقيق اختراقات كبرى خلال الفترة القريبة.
فالمفاوضات قد تنتقل من واشنطن إلى روما، وربما لاحقاً إلى قبرص أو فرنسا أو أي عاصمة أخرى، لكن المشكلة الأساسية لا تزال قائمة. فالمسار اللبناني – الإسرائيلي يبقى مرتبطاً إلى حد بعيد بالمشهد الإقليمي الأوسع، وتحديداً بمستقبل العلاقة الأميركية – الإيرانية.
وتعتبر مصادر سياسية مطلعة أن أي محاولة لفصل المسارين تبقى نظرية إلى حد كبير، لأن لبنان لا يملك وحده قرار الحرب والسلم.
فحزب الله لا يزال لاعباً أساسياً في المعادلة اللبنانية، كما أن ارتباطه السياسي والاستراتيجي بإيران يجعل من الصعب تجاوز تأثير طهران على أي تسوية مستقبلية. وفي المقابل، تؤكد أوساط حزب الله لـ”المدن” أنها تراقب التطورات بدقة، سواء على مستوى المفاوضات أو على مستوى الخروقات الإسرائيلية المستمرة، مشيرة إلى أن الحزب يعمل على إعادة تنظيم قدراته واستعادة جهوزيته في مواجهة أي تطور ميداني محتمل.
تفاهم بين عون وسلام… وتوتر مع بري
داخلياً، يبدو أن هناك انسجاماً واضحاً بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في إدارة ملف المفاوضات. مصادر مطلعة على علاقة عون-سلام تؤكد أن التنسيق بين الرجلين يتم على أعلى المستويات، وأن هناك توافقاً كاملاً حول أهداف المفاوضات وآلية إدارتها والنتائج المرجوة منها.
لكن الصورة تختلف عندما يتعلق الأمر برئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لا يزال يعتبر أن اتفاق الإطار والمسار التفاوضي الحالي لا ينسجمان مع مقاربته للملف. وتتحدث المعلومات عن فتور كبير في العلاقة بين بري وعون، وصل إلى حد انقطاع التواصل المباشر بينهما، فيما يسود جفاء واضح حتى على مستوى المستشارين. وتؤكد المصادر أن رئيس الجمهورية متمسك بخياراته السياسية وغير مستعد للتراجع عنها، وأنه مصمم على متابعة المسار التفاوضي الحالي مهما كانت الاعتراضات. أما العلاقة مع حزب الله، فتبدو أكثر برودة. فالتواصل السياسي شبه غائب، فيما تعتبر أوساط الحزب أن ما يقوم به رئيس الجمهورية ليس مفاجئاً بالنسبة إليها، وتختصر موقفها بالقول: “لا نتوقع منه إلا هذا المسار”.
واشنطن… المحطة الأهم
وسط كل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة للرئيس جوزاف عون إلى الولايات المتحدة في الحادي والعشرين من تموز. وتشير مصادر دبلوماسية أميركية لـ”المدن” إلى أن السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى لعب دوراً أساسياً في ترتيب هذه الزيارة، وعمل خلال الفترة الماضية على تأمين ظروف نجاحها بالتنسيق مع الإدارة الأميركية. ومن المتوقع أن يزور الرئيس عون ويبلغه بشكل رسمي بالزيارة وأجوائها. وتكتسب الزيارة أهمية استثنائية لأنها تأتي في لحظة سياسية دقيقة للغاية، حيث تتقاطع المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية مع التفاهمات الأميركية – الإيرانية، ومع النقاشات المتعلقة بمستقبل الجنوب اللبناني ودور الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة.
ومن المتوقع أن تشكل زيارة واشنطن فرصة لبحث الملفات كافة، من تثبيت وقف إطلاق النار، إلى مستقبل المفاوضات، وصولاً إلى الدعم الأميركي للمؤسسات اللبنانية.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل يحمل الرئيس اللبناني من واشنطن ضمانات حقيقية قادرة على دفع المسار التفاوضي إلى الأمام؟ أم أن لبنان سيبقى، كما كان دائماً، ينتظر نتائج التفاهمات الإقليمية الكبرى قبل أن تتضح معالم مستقبله السياسي والأمني؟ حتى الآن، تبدو الإجابة مؤجلة، فيما تستمر المفاوضات بالتنقل بين العواصم، ويبقى لبنان عالقاً بين مسارين: مسار يحاول أن يبدو لبنانياً مستقلاً، ومسار آخر تفرضه توازنات المنطقة وحسابات اللاعبين الكبار.
اجتماعات روما سياسية وعون يريد ضمانات أميركية لدفع المفاوضات

في وقت تتشابك فيه الملفات الإقليمية وتزداد خطوط التفاوض تعقيداً، يبدو لبنان وكأنه يحاول رسم مسار مستقل عن المسار الإيراني، ولو نظرياً، في واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار. فبين الدوحة وروما وواشنطن، تتحرك الدبلوماسية اللبنانية على أكثر من خط، فيما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة حول قدرة الدولة على فرض خياراتها السياسية في ظل واقع إقليمي لا تزال فيه الكلمة الفصل للقوى الكبرى وللصراع الأميركي – الإيراني المستمر.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر دبلوماسية عربية لـ”المدن” أن مستشار رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، جان عزيز، زار قطر خلال الأيام الماضية حاملاً رسالة سياسية واضحة إلى المسؤولين القطريين. فحوى الرسالة أن لبنان لا يرغب بأن يكون جزءاً من اللجنة الأميركية – الإيرانية المشتركة التي جرى تشكيلها في سويسرا لمتابعة تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، وأنه يفضّل أن تبقى المفاوضات المتعلقة بلبنان ضمن إطارها اللبناني – الإسرائيلي وبرعاية أميركية مباشرة. وتعتبر أوساط مطلعة أن هذه الخطوة تأتي في إطار محاولة رسمية لبنانية للفصل بين المسارين اللبناني والإيراني، وإرسال إشارات إلى واشنطن والمجتمع الدولي بأن السلطة اللبنانية لا تريد أن يُنظر إليها كجزء من التفاهمات الإقليمية التي تُدار بين الولايات المتحدة وإيران.
لكن هذا التوجه اللبناني لا يلقى بالضرورة القراءة نفسها لدى العواصم المعنية بالملف. مصادر دبلوماسية عربية تقول لـ”المدن” إن لبنان، سواء أراد ذلك أم لا، لا يزال جزءاً من المشهد التفاوضي الأوسع بين واشنطن وطهران. فوجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية مؤثرة داخل لبنان يجعل أي تفاهم يتعلق بالحدود الجنوبية أو بوقف إطلاق النار أو بترتيبات الأمن الإقليمي مرتبطاً بشكل أو بآخر بالموقف الإيراني.
وترى هذه المصادر أن إيران لا تزال متمسكة بدعم حزب الله، وتريد تثبيت دورها في لبنان وأن أي تفاهمات نهائية في لبنان لن تكون بعيدة عن حساباتها. أما المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الجارية حالياً، فتندرج، وفق هذا المنطق، في إطار بناء الثقة وإظهار وجود رغبة لدى الطرفين بالسير نحو ترتيبات طويلة الأمد، أكثر مما هي مفاوضات قادرة وحدها على إنتاج حلول نهائية.
روما بدلاً من واشنطن
تستعد روما لاستضافة الجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية يومي الخامس عشر والسادس عشر من تموز، بعدما أبلغ الجانب الأميركي المسؤولين اللبنانيين قرار نقل الاجتماعات من واشنطن إلى العاصمة الإيطالية. في البداية، لم يبدِ لبنان حماسة لهذه الخطوة. فالمعلومات تشير إلى أن دوائر الرئاسة اللبنانية أبدت تحفظات على تغيير مكان المفاوضات، ليس بسبب الموقع الجغرافي بحد ذاته، بل خشية أن يشكل ذلك تحولاً في طبيعة الاجتماعات أو أن يؤدي إلى تراجع مستوى الرعاية الأميركية المباشرة.
وكانت الهواجس اللبنانية تتمحور حول احتمال أن تتحول الاجتماعات إلى لقاءات ثنائية أو أن تُخفَّف المظلة الأميركية التي اعتبرتها بيروت الضمانة الأساسية لاستمرار المسار التفاوضي. إلا أن الاتصالات اللاحقة مع واشنطن أكدت أن الرعاية الأميركية ستبقى كاملة وأن الحضور الأميركي سيكون أساسياً في الاجتماعات، ما دفع لبنان إلى الموافقة على الانتقال إلى روما.
وتشير المعطيات إلى أن الاجتماعات قد تُعقد داخل السفارة الأميركية في العاصمة الإيطالية، في مشهد يعكس رغبة واشنطن في إبقاء الملف تحت إشرافها المباشر.
أما أسباب نقل المفاوضات، فتتعدد الروايات بشأنها. غير أن مصادر مطلعة ترجح أن يكون الطلب قد جاء من الجانب الإسرائيلي، الذي يسعى إلى تخفيف الضغوط السياسية والإعلامية المتزايدة عليه داخل الولايات المتحدة، وإلى تجنب مزيد من الضغوط الأميركية المرتبطة بتطورات المنطقة والحرب المستمرة في أكثر من جبهة.
جولة سياسية بلا عسكريين
وإذا كانت الجولات السابقة قد شهدت حضوراً لوجستياً وأمنياً أوسع، فإن جولة روما ستتخذ طابعاً سياسياً بحتاً. فبحسب المعلومات، سيرأس الوفد اللبناني السفير سيمون كرم، بمشاركة السفيرة ندى معوض، فيما يغيب التمثيل العسكري عن الاجتماعات المرتقبة. وهذا الأمر يعكس انتقال المفاوضات من مرحلة النقاشات التقنية والأمنية إلى مرحلة تثبيت التفاهمات السياسية ومتابعة تنفيذ ما سبق الاتفاق عليه.
وتهدف الاجتماعات إلى استكمال البحث في الإجراءات العملية المرتبطة بتطبيق اتفاق الاطار الذي وقّع في واشنطن عبر تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الاسرائيلي، ومتابعة الترتيبات التي يجري العمل عليها بين لبنان وإسرائيل، إضافة إلى معالجة النقاط العالقة التي لم تُحسم بعد.
وفي موازاة ذلك، يواصل لبنان الضغط عبر القنوات الأميركية لدفع إسرائيل إلى تنفيذ الانسحاب من المنطقتين التجريبيتين اللتين تم الاتفاق عليهما خلال جولات واشنطن السابقة، باعتبار أن أي تقدم ميداني في هذا الملف يمكن أن يشكل اختباراً حقيقياً لجدية إسرائيل في الالتزام بالتفاهمات.
المفاوضات تتنقل… لكن القرار ليس لبنانياً بالكامل
ورغم الحركة الدبلوماسية الكثيفة، لا تبدو الأوساط السياسية المتابعة متفائلة بإمكان تحقيق اختراقات كبرى خلال الفترة القريبة.
فالمفاوضات قد تنتقل من واشنطن إلى روما، وربما لاحقاً إلى قبرص أو فرنسا أو أي عاصمة أخرى، لكن المشكلة الأساسية لا تزال قائمة. فالمسار اللبناني – الإسرائيلي يبقى مرتبطاً إلى حد بعيد بالمشهد الإقليمي الأوسع، وتحديداً بمستقبل العلاقة الأميركية – الإيرانية.
وتعتبر مصادر سياسية مطلعة أن أي محاولة لفصل المسارين تبقى نظرية إلى حد كبير، لأن لبنان لا يملك وحده قرار الحرب والسلم.
فحزب الله لا يزال لاعباً أساسياً في المعادلة اللبنانية، كما أن ارتباطه السياسي والاستراتيجي بإيران يجعل من الصعب تجاوز تأثير طهران على أي تسوية مستقبلية. وفي المقابل، تؤكد أوساط حزب الله لـ”المدن” أنها تراقب التطورات بدقة، سواء على مستوى المفاوضات أو على مستوى الخروقات الإسرائيلية المستمرة، مشيرة إلى أن الحزب يعمل على إعادة تنظيم قدراته واستعادة جهوزيته في مواجهة أي تطور ميداني محتمل.
تفاهم بين عون وسلام… وتوتر مع بري
داخلياً، يبدو أن هناك انسجاماً واضحاً بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في إدارة ملف المفاوضات. مصادر مطلعة على علاقة عون-سلام تؤكد أن التنسيق بين الرجلين يتم على أعلى المستويات، وأن هناك توافقاً كاملاً حول أهداف المفاوضات وآلية إدارتها والنتائج المرجوة منها.
لكن الصورة تختلف عندما يتعلق الأمر برئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لا يزال يعتبر أن اتفاق الإطار والمسار التفاوضي الحالي لا ينسجمان مع مقاربته للملف. وتتحدث المعلومات عن فتور كبير في العلاقة بين بري وعون، وصل إلى حد انقطاع التواصل المباشر بينهما، فيما يسود جفاء واضح حتى على مستوى المستشارين. وتؤكد المصادر أن رئيس الجمهورية متمسك بخياراته السياسية وغير مستعد للتراجع عنها، وأنه مصمم على متابعة المسار التفاوضي الحالي مهما كانت الاعتراضات. أما العلاقة مع حزب الله، فتبدو أكثر برودة. فالتواصل السياسي شبه غائب، فيما تعتبر أوساط الحزب أن ما يقوم به رئيس الجمهورية ليس مفاجئاً بالنسبة إليها، وتختصر موقفها بالقول: “لا نتوقع منه إلا هذا المسار”.
واشنطن… المحطة الأهم
وسط كل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة للرئيس جوزاف عون إلى الولايات المتحدة في الحادي والعشرين من تموز. وتشير مصادر دبلوماسية أميركية لـ”المدن” إلى أن السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى لعب دوراً أساسياً في ترتيب هذه الزيارة، وعمل خلال الفترة الماضية على تأمين ظروف نجاحها بالتنسيق مع الإدارة الأميركية. ومن المتوقع أن يزور الرئيس عون ويبلغه بشكل رسمي بالزيارة وأجوائها. وتكتسب الزيارة أهمية استثنائية لأنها تأتي في لحظة سياسية دقيقة للغاية، حيث تتقاطع المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية مع التفاهمات الأميركية – الإيرانية، ومع النقاشات المتعلقة بمستقبل الجنوب اللبناني ودور الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة.
ومن المتوقع أن تشكل زيارة واشنطن فرصة لبحث الملفات كافة، من تثبيت وقف إطلاق النار، إلى مستقبل المفاوضات، وصولاً إلى الدعم الأميركي للمؤسسات اللبنانية.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل يحمل الرئيس اللبناني من واشنطن ضمانات حقيقية قادرة على دفع المسار التفاوضي إلى الأمام؟ أم أن لبنان سيبقى، كما كان دائماً، ينتظر نتائج التفاهمات الإقليمية الكبرى قبل أن تتضح معالم مستقبله السياسي والأمني؟ حتى الآن، تبدو الإجابة مؤجلة، فيما تستمر المفاوضات بالتنقل بين العواصم، ويبقى لبنان عالقاً بين مسارين: مسار يحاول أن يبدو لبنانياً مستقلاً، ومسار آخر تفرضه توازنات المنطقة وحسابات اللاعبين الكبار.










