المفاوضات من الإطار الى آلية التنفيذ

فجأة ووفق أسلوبه السياسي الذي اشتهر به، نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب انعطافة حادة في اتجاه الحرب. فأعلن انتهاء «صلاحية» الإتفاق الإطار مع إيران، على رغم من أنّه لم يمض على توقيعه أكثر من ثلاثة أسابيع. ومن أنقرة حيث عُقد مؤتمر دول حلف «الناتو»، أعلن ترامب أنّ الجيش الأميركي سيستأنف ضرباته على إيران، وملوّحاً باحتمال الإستيلاء على جزيرة خارك الإيرانية. وفي إشارة إلى جدّية الموقف الأميركي، ألغى وزير الدفاع بيت هيغسيت زيارة لإسرائيل كان تمّ الإعداد لها سابقاً، على أن تحصل فور انتهاء أعمال مؤتمر «الناتو».
لا شك في أنّ تصريحات ترامب تمثل تصعيداً كبيراً جداً، لكنها لا تعني حتمية العودة إلى الحرب الشاملة مع إيران، وإن كانت ترفع من احتمال توسع المواجهة في شكل واضح. ذلك أنّ ترامب ترك بعض المخارج، حينما اعتبر أنّه سيُقنع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بأنّ طهران تعمل على استهلاك الوقت وإضاعته. والمعروف عن شخصية ترامب أنّه يأمر ولا يشاور في العادة، ما يعني أنّه ترك نافذة، ولو ضيّقة جداً، يمكن لطهران استخدامها. لكن عندما يعلن ترامب أنّ الإتفاق الإطار أصبح ميتاً، فهذا يعني أنّه انهار، وواشنطن لم تعد ترى نفسها مقيّدة بالمسار التفاوضي، وأنّ الخيار العسكري عاد إلى الواجهة، ولو كأداة ضغط أو ردّ في الوقت الراهن.
لكن ترامب هدّد بتنفيذ ضربات خلال ساعات الليل، وهو أراد من خلال ذلك تحقيق أمرين: الأول، ردع إيران وإجبارها على التراجع عن تنفيذ أي هجمات أو خطوات تصعيدية. والثاني، تهيئة الرأي العام الأميركي والدولي لاحتمال تنفيذ ضربات عسكرية جديدة في حال لم يتغيّر السلوك الإيراني.
ووفق هذه القراءة، يمكن القول إنّ ترامب خطا خطوة كبيرة في اتجاه تجديد الحرب، مع تلويح باستخدام القوات البرية (جزيرة خارك)، ولكنه لم يعمد إلى اجتياز كل المسافة «الحربية» المطلوبة، في انتظار رصد ردّة الفعل الإيرانية. وبالتالي، فإنّ السيناريو الأرجح يشير إلى تنفيذ الجيش الأميركي ضربات قوية ولكن محدودة جغرافياً ومحدّدة بدقة. وهو ما سيتبعه بالتأكيد ردّ إيراني محسوب، بحيث لا تنزلق الأمور في اتجاه الحرب المفتوحة والشاملة. ذلك أنّ كل الأطراف تعرف جيداً أنّ الذهاب إلى جولة حرب جديدة هذه المرّة سيعني رفع مستوى المواجهة إلى الحدّ الأقصى، وبالتالي استهداف ما كان يُعتبر سابقاً من المحظورات. واستطراداً، سيدفع ذلك للذهاب إلى مواجهة إقليمية واسعة، تمتد إلى كافة أرجاء الخليج وربما ساحات أخرى. ولا بدّ من الأخذ في الاعتبار دائماً أنّ الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل دخلتا في دائرة إدارة الإنتخابات وتهيئة الأجواء الملائمة، وهو ما تدركه إيران أيضاً وتحتسب له. ما يعني أنّ الدخول في مواجهة حربية جديدة سيؤدي فعلياً إلى فتح أبواب الجحيم هذه المرّة، حيث تصبح اللعبة لعبة حياة أو موت.
والتصعيد الجديد ستنعكس آثاره مباشرة على لبنان، من دون أدنى شك. وأولى هذه الإنعكاسات ستصيب المفاوضات المتأرجحة القائمة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. وهو ما قد يدفع إلى تأجيلها ولو موقتاً، أو إعادة خلط أوراقها بحسب مدى اتساع المواجهة. وهو ما يفسّر تأرجح الموقف اللبناني الرسمي من المشاركة في الجولة السادسة من المفاوضات والمقرّرة في روما. وهذا الموقف اختلف قبل مواقف ترامب وبعدها.
لكن هذا لم يمنع من طرح الأسئلة حول سبب تحديد العاصمة الإيطالية مكاناً لانعقاد الجولة السادسة، بعدما كانت واشنطن، وتحديداً مكاتب وزارة الخارجية، قد احتضنت كل الجولات السابقة؟ وكذلك حول سبب اختيار روما وليس باريس على سبيل المثال؟
في السابق، وتحديداً مع التحضير للبدء بجولات التفاوض، تمّ اختيار قبرص مكاناً لانعقاد المفاوضات بدلاً من خيار باريس، لاعتبارات قيل إنّها تتعلق بقرب المسافة وسهولة التحرك من لبنان وإليه. وتمّ تجهيز طوافة عسكرية لتقلّ الوفد المفاوض، قبل أن تطرح واشنطن استضافتها للجولات التفاوضية في مبنى وزارة الخارجية. يومها وجدت السلطات اللبنانية في اعتماد العاصمة الأميركية عاملاً يلعب لمصلحتها، وعلى أساس قدرة واشنطن في مساعدة لبنان والضغط على جموح إسرائيل. لكن مع نقل ساحة التفاوض إلى أوروبا، توالت الأسئلة عن الأسباب التي أدّت إلى ذلك.
ووفق تفسيرات ديبلوماسية، فإنّ هذا القرار يعكس تفضيل واشنطن إشراك حلفاء أوروبيين في المرحلة التنفيذية للتفاهمات المتعلقة بالحدود وبالترتيبات الأمنية. ولم يتمّ اختيار باريس بسبب الحساسية الأميركية كما الإسرائيلية، من أي دور فرنسي على مستوى الملف اللبناني ـ الإسرائيلي. وهذه الحساسية تجلّت في نسف ما كان يُعرف بـ«الميكانيزم»، بهدف دفع الفرنسيين خارج هذا الإطار. وأظهرت واشنطن في أكثر من محطة، وجود تباين بينها وبين باريس حول لبنان. وبالتالي لا يريد البيت الأبيض إعطاء الإنطباع بشراكة فرنسية كاملة في صوغ التفاهم. أضف إلى ذلك الحساسية الإسرائيلية من العلاقة القائمة بين السفارة الفرنسية في بيروت مع «حزب الله».
أما إيطاليا، فهي تحظى بحضور مهمّ في جنوب لبنان من خلال قوات الطوارئ الدولية، ما جعلها منخرطة في الملف اللبناني ولو بنحو «لايت». ولإيطاليا علاقات مقبولة مع مختلف الأطراف. والأهم أن ليس لواشنطن أي حساسية تجاه دورها. كذلك فإنّ مؤتمر دعم الجيش، والذي كان عُقد منذ أكثر من ثلاث سنوات، حصل في روما. وبالتالي فإنّ رسالة واشنطن بنقل المفاوضات إلى روما هي أنّ الإتفاق سيحتاج إلى مساهمة أوروبية بدعم الجيش وتمويل آليات تنفيذه.
المهمّ أنّ مرحلة مفاوضات واشنطن والتي كانت تهدف لوضع الإطار السياسي قد انتهت، والمفاوضات المقبلة مهمتها الإنتقال إلى البحث في التفاصيل وآليات التنفيذ، وهو ما يتطلّب رعاية دولية أوسع. أي أنّ المفاوضات انتقلت من مرحلة التفاوض على المبدأ إلى مرحلة التفاوض على الآلية، والتي ستتركّز على الترتيبات الأمنية جنوباً، ودور الجيش وآلية المراقبة وتأمين التمويل والدعم الدولي.
ويضع لبنان كمدخل إلزامي، تأمين حصول انسحاب إسرائيلي ولو من مساحة رمزية، من خلال ما بات يُعرف بـ«المنطقة التجريبية»، وهو ما سيؤدي إلى انطلاق المسار وتأمين المراحل الأخرى. فلبنان الرسمي يعتبر أنّ حصول انسحاب إسرائيلي سيؤدي إلى مناخ داخلي مريح، وسيسمح بالمباشرة بتطبيق البند المتعلق بسلاح «حزب الله»، خصوصاً أنّ السلطة ستكون قد امتلكت ورقة قوية للذهاب في هذا الإتجاه. أما إذا لم تتحقق المنطقة التجريبية، فتتخوف السلطة من الإنعكاسات السلبية جداً على المشهد بكامله. لكن قيادة الجيش تبدو أكثر حذراً وتخوفاً. فالحسابات لها علاقة بأي منطقة تجريبية يتمّ التحضير لها. فإذا بقيت ضمن منطقة محصورة بمنطقة ضيّقة كمثل الزوطرين، فإنّ مخاطر الفشل مرتفعة. ومن الأسئلة التي يحملها الجيش: كيف يمكن ضمان منطقة ضيّقة فيما القوات الإسرائيلية قربها والخروقات الإسرائيلية مستمرة على مناطق مجاورة؟ وتالياً، ماذا لو تسلل مسلح مدسوس إلى المنطقة التجريبية وأطلق النار في اتجاه الإسرائيليين؟ فإسرائيل كانت حذّرت بوضوح بأنّها ستردّ بقوة وعنف على مصدر النار. عندها ستكون المخاطر مرتفعة على الأهالي العائدين. لأجل ذلك، يتمسك الجيش بأن تكون المنطقة التجريبية وفق مساحة واسعة، أي أن تكون قطاعاً كاملاً، وهو ما يقلّل من هامش المخاطر. أضف إلى ذلك، ما ظهر جلياً حول أهداف عسكرية تتمسك إسرائيل بتحقيقها. فهنالك أولاً تلة علي الطاهر، حيث رفعت إسرائيل علمها عليها. وليس بالضرورة أن تكون قد نفّذت خطوتها من خلال تسلل برّي، بل غالب الظن من خلال رمي العلم بطريقة فنية عبر إحدى المسيّرات. وبما أنّ هذه التلة مكشوفة نارياً لدى الجميع، فإنّه بات من الصعوبة بمكان إزالة العلم. واستطراداً فإنّ إسرائيل متمسكة بإعلان سيطرتها على هذه التلة، إضافة إلى منطقتي الريحان والجبور، وهذه الأخيرة تحتضن منشآت أكبر من تلك الموجودة في علي الطاهر، وتمتد من كفرحونة وصولاً إلى البقاع الغربي. وهو ما يعني ضرورة التنبّه إلى أنّ لإسرائيل أهدافاً عسكرية متمسكة بتحقيقها.
في المقابل، لا تبدو الصورة بهذه المرونة لدى «حزب الله». ذلك أنّ قيادة الحزب المتمسكة بمسار إسلام آباد، حدّدت ثابتتين لمواقفها. الثابتة الأولى وتتعلق بعدم البحث في أي شكل من الأشكال بحصرية السلاح، طالما هنالك شبر واحد من الأراضي اللبنانية تحت الإحتلال. وهذا ما يتناقض كلياً مع المشروع الذي تنادي به الدولة اللبنانية. والثانية، وهي بعدم العودة إلى ما قبل الثاني من آذار. أي أنّ «حزب الله» سيستمر في سياسة الردّ على الخروقات الإسرائيلية طالما أنّها قائمة، وأنّ هذا القرار يخضع لحسابات الوقائع الميدانية والسياسية ومقتضياتها. ووفق ما تقدّم، فإنّ هوة واسعة باتت تفصل ما بين رؤية السلطة اللبنانية ونيات «حزب الله».
وثمة جانب إقليمي آخر لم يأخذ به لبنان الرسمي بعد بالجدّية المطلوبة. فمؤتمر «الناتو» الذي انعقد في أنقرة، منح قوة دفع إضافية للطموح التركي في المنطقة. فتركيا قد تجد أنّ الظروف باتت ملائمة للسعي للإستثمار في إخفاقات القوى الأخرى في الشرق الأوسط، وهو ما يسمح لها بتوسيع نطاق نفوذها وتحويله قوة مستدامة. وهو ما يعني توازنات إقليمية جديدة أكثر تعقيداً، تلعب فيها تركيا دوراً محورياً. ولبنان ساحة جذب لمشاريع كهذه.
وفي تحليل لافت نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، تمّ التركيز على الدور التركي الصاعد على حساب التراجع الإيراني. وقالت إنّ الفراغ الذي سيحدثه إضعاف قدرة «حزب الله» قد يعزز النفوذ الإقليمي لتركيا. وتابع التحليل، أنّ في ما يتعلق بمستقبل «حزب الله» فيتوجب النظر إلى موازين التحالفات الإقليمية وليس فقط السياسية الداخلية للبنان. ولذلك على إسرائيل (وفق الصحيفة) التنبّه لميزان القوى الإقليمي الذي قد يتشكّل مستقبلاً وليس للتهديد الذي يشكّله فقط «حزب الله».
وختمت الصحيفة قائلة، إنّه ينبغي استناداً إلى القرارات المتعلقة بمستقبل لبنان، البناء على تحليلات واقعية للمخاطر أكثر من الإفتراضات المتفائلة، لأنّ القرارات المتفائلة غير المستندة إلى تقييمات واقعية في منطقة مثل الشرق الأوسط، قد تتحول إلى أخطاء خطرة على المدى الطويل.
هو تفكير إسرائيلي جديد لا بدّ من أخذه في الاعتبار، ولو أنّه يبقى في الإطار الإعلامي لا السياسي.
المفاوضات من الإطار الى آلية التنفيذ

فجأة ووفق أسلوبه السياسي الذي اشتهر به، نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب انعطافة حادة في اتجاه الحرب. فأعلن انتهاء «صلاحية» الإتفاق الإطار مع إيران، على رغم من أنّه لم يمض على توقيعه أكثر من ثلاثة أسابيع. ومن أنقرة حيث عُقد مؤتمر دول حلف «الناتو»، أعلن ترامب أنّ الجيش الأميركي سيستأنف ضرباته على إيران، وملوّحاً باحتمال الإستيلاء على جزيرة خارك الإيرانية. وفي إشارة إلى جدّية الموقف الأميركي، ألغى وزير الدفاع بيت هيغسيت زيارة لإسرائيل كان تمّ الإعداد لها سابقاً، على أن تحصل فور انتهاء أعمال مؤتمر «الناتو».
لا شك في أنّ تصريحات ترامب تمثل تصعيداً كبيراً جداً، لكنها لا تعني حتمية العودة إلى الحرب الشاملة مع إيران، وإن كانت ترفع من احتمال توسع المواجهة في شكل واضح. ذلك أنّ ترامب ترك بعض المخارج، حينما اعتبر أنّه سيُقنع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بأنّ طهران تعمل على استهلاك الوقت وإضاعته. والمعروف عن شخصية ترامب أنّه يأمر ولا يشاور في العادة، ما يعني أنّه ترك نافذة، ولو ضيّقة جداً، يمكن لطهران استخدامها. لكن عندما يعلن ترامب أنّ الإتفاق الإطار أصبح ميتاً، فهذا يعني أنّه انهار، وواشنطن لم تعد ترى نفسها مقيّدة بالمسار التفاوضي، وأنّ الخيار العسكري عاد إلى الواجهة، ولو كأداة ضغط أو ردّ في الوقت الراهن.
لكن ترامب هدّد بتنفيذ ضربات خلال ساعات الليل، وهو أراد من خلال ذلك تحقيق أمرين: الأول، ردع إيران وإجبارها على التراجع عن تنفيذ أي هجمات أو خطوات تصعيدية. والثاني، تهيئة الرأي العام الأميركي والدولي لاحتمال تنفيذ ضربات عسكرية جديدة في حال لم يتغيّر السلوك الإيراني.
ووفق هذه القراءة، يمكن القول إنّ ترامب خطا خطوة كبيرة في اتجاه تجديد الحرب، مع تلويح باستخدام القوات البرية (جزيرة خارك)، ولكنه لم يعمد إلى اجتياز كل المسافة «الحربية» المطلوبة، في انتظار رصد ردّة الفعل الإيرانية. وبالتالي، فإنّ السيناريو الأرجح يشير إلى تنفيذ الجيش الأميركي ضربات قوية ولكن محدودة جغرافياً ومحدّدة بدقة. وهو ما سيتبعه بالتأكيد ردّ إيراني محسوب، بحيث لا تنزلق الأمور في اتجاه الحرب المفتوحة والشاملة. ذلك أنّ كل الأطراف تعرف جيداً أنّ الذهاب إلى جولة حرب جديدة هذه المرّة سيعني رفع مستوى المواجهة إلى الحدّ الأقصى، وبالتالي استهداف ما كان يُعتبر سابقاً من المحظورات. واستطراداً، سيدفع ذلك للذهاب إلى مواجهة إقليمية واسعة، تمتد إلى كافة أرجاء الخليج وربما ساحات أخرى. ولا بدّ من الأخذ في الاعتبار دائماً أنّ الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل دخلتا في دائرة إدارة الإنتخابات وتهيئة الأجواء الملائمة، وهو ما تدركه إيران أيضاً وتحتسب له. ما يعني أنّ الدخول في مواجهة حربية جديدة سيؤدي فعلياً إلى فتح أبواب الجحيم هذه المرّة، حيث تصبح اللعبة لعبة حياة أو موت.
والتصعيد الجديد ستنعكس آثاره مباشرة على لبنان، من دون أدنى شك. وأولى هذه الإنعكاسات ستصيب المفاوضات المتأرجحة القائمة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. وهو ما قد يدفع إلى تأجيلها ولو موقتاً، أو إعادة خلط أوراقها بحسب مدى اتساع المواجهة. وهو ما يفسّر تأرجح الموقف اللبناني الرسمي من المشاركة في الجولة السادسة من المفاوضات والمقرّرة في روما. وهذا الموقف اختلف قبل مواقف ترامب وبعدها.
لكن هذا لم يمنع من طرح الأسئلة حول سبب تحديد العاصمة الإيطالية مكاناً لانعقاد الجولة السادسة، بعدما كانت واشنطن، وتحديداً مكاتب وزارة الخارجية، قد احتضنت كل الجولات السابقة؟ وكذلك حول سبب اختيار روما وليس باريس على سبيل المثال؟
في السابق، وتحديداً مع التحضير للبدء بجولات التفاوض، تمّ اختيار قبرص مكاناً لانعقاد المفاوضات بدلاً من خيار باريس، لاعتبارات قيل إنّها تتعلق بقرب المسافة وسهولة التحرك من لبنان وإليه. وتمّ تجهيز طوافة عسكرية لتقلّ الوفد المفاوض، قبل أن تطرح واشنطن استضافتها للجولات التفاوضية في مبنى وزارة الخارجية. يومها وجدت السلطات اللبنانية في اعتماد العاصمة الأميركية عاملاً يلعب لمصلحتها، وعلى أساس قدرة واشنطن في مساعدة لبنان والضغط على جموح إسرائيل. لكن مع نقل ساحة التفاوض إلى أوروبا، توالت الأسئلة عن الأسباب التي أدّت إلى ذلك.
ووفق تفسيرات ديبلوماسية، فإنّ هذا القرار يعكس تفضيل واشنطن إشراك حلفاء أوروبيين في المرحلة التنفيذية للتفاهمات المتعلقة بالحدود وبالترتيبات الأمنية. ولم يتمّ اختيار باريس بسبب الحساسية الأميركية كما الإسرائيلية، من أي دور فرنسي على مستوى الملف اللبناني ـ الإسرائيلي. وهذه الحساسية تجلّت في نسف ما كان يُعرف بـ«الميكانيزم»، بهدف دفع الفرنسيين خارج هذا الإطار. وأظهرت واشنطن في أكثر من محطة، وجود تباين بينها وبين باريس حول لبنان. وبالتالي لا يريد البيت الأبيض إعطاء الإنطباع بشراكة فرنسية كاملة في صوغ التفاهم. أضف إلى ذلك الحساسية الإسرائيلية من العلاقة القائمة بين السفارة الفرنسية في بيروت مع «حزب الله».
أما إيطاليا، فهي تحظى بحضور مهمّ في جنوب لبنان من خلال قوات الطوارئ الدولية، ما جعلها منخرطة في الملف اللبناني ولو بنحو «لايت». ولإيطاليا علاقات مقبولة مع مختلف الأطراف. والأهم أن ليس لواشنطن أي حساسية تجاه دورها. كذلك فإنّ مؤتمر دعم الجيش، والذي كان عُقد منذ أكثر من ثلاث سنوات، حصل في روما. وبالتالي فإنّ رسالة واشنطن بنقل المفاوضات إلى روما هي أنّ الإتفاق سيحتاج إلى مساهمة أوروبية بدعم الجيش وتمويل آليات تنفيذه.
المهمّ أنّ مرحلة مفاوضات واشنطن والتي كانت تهدف لوضع الإطار السياسي قد انتهت، والمفاوضات المقبلة مهمتها الإنتقال إلى البحث في التفاصيل وآليات التنفيذ، وهو ما يتطلّب رعاية دولية أوسع. أي أنّ المفاوضات انتقلت من مرحلة التفاوض على المبدأ إلى مرحلة التفاوض على الآلية، والتي ستتركّز على الترتيبات الأمنية جنوباً، ودور الجيش وآلية المراقبة وتأمين التمويل والدعم الدولي.
ويضع لبنان كمدخل إلزامي، تأمين حصول انسحاب إسرائيلي ولو من مساحة رمزية، من خلال ما بات يُعرف بـ«المنطقة التجريبية»، وهو ما سيؤدي إلى انطلاق المسار وتأمين المراحل الأخرى. فلبنان الرسمي يعتبر أنّ حصول انسحاب إسرائيلي سيؤدي إلى مناخ داخلي مريح، وسيسمح بالمباشرة بتطبيق البند المتعلق بسلاح «حزب الله»، خصوصاً أنّ السلطة ستكون قد امتلكت ورقة قوية للذهاب في هذا الإتجاه. أما إذا لم تتحقق المنطقة التجريبية، فتتخوف السلطة من الإنعكاسات السلبية جداً على المشهد بكامله. لكن قيادة الجيش تبدو أكثر حذراً وتخوفاً. فالحسابات لها علاقة بأي منطقة تجريبية يتمّ التحضير لها. فإذا بقيت ضمن منطقة محصورة بمنطقة ضيّقة كمثل الزوطرين، فإنّ مخاطر الفشل مرتفعة. ومن الأسئلة التي يحملها الجيش: كيف يمكن ضمان منطقة ضيّقة فيما القوات الإسرائيلية قربها والخروقات الإسرائيلية مستمرة على مناطق مجاورة؟ وتالياً، ماذا لو تسلل مسلح مدسوس إلى المنطقة التجريبية وأطلق النار في اتجاه الإسرائيليين؟ فإسرائيل كانت حذّرت بوضوح بأنّها ستردّ بقوة وعنف على مصدر النار. عندها ستكون المخاطر مرتفعة على الأهالي العائدين. لأجل ذلك، يتمسك الجيش بأن تكون المنطقة التجريبية وفق مساحة واسعة، أي أن تكون قطاعاً كاملاً، وهو ما يقلّل من هامش المخاطر. أضف إلى ذلك، ما ظهر جلياً حول أهداف عسكرية تتمسك إسرائيل بتحقيقها. فهنالك أولاً تلة علي الطاهر، حيث رفعت إسرائيل علمها عليها. وليس بالضرورة أن تكون قد نفّذت خطوتها من خلال تسلل برّي، بل غالب الظن من خلال رمي العلم بطريقة فنية عبر إحدى المسيّرات. وبما أنّ هذه التلة مكشوفة نارياً لدى الجميع، فإنّه بات من الصعوبة بمكان إزالة العلم. واستطراداً فإنّ إسرائيل متمسكة بإعلان سيطرتها على هذه التلة، إضافة إلى منطقتي الريحان والجبور، وهذه الأخيرة تحتضن منشآت أكبر من تلك الموجودة في علي الطاهر، وتمتد من كفرحونة وصولاً إلى البقاع الغربي. وهو ما يعني ضرورة التنبّه إلى أنّ لإسرائيل أهدافاً عسكرية متمسكة بتحقيقها.
في المقابل، لا تبدو الصورة بهذه المرونة لدى «حزب الله». ذلك أنّ قيادة الحزب المتمسكة بمسار إسلام آباد، حدّدت ثابتتين لمواقفها. الثابتة الأولى وتتعلق بعدم البحث في أي شكل من الأشكال بحصرية السلاح، طالما هنالك شبر واحد من الأراضي اللبنانية تحت الإحتلال. وهذا ما يتناقض كلياً مع المشروع الذي تنادي به الدولة اللبنانية. والثانية، وهي بعدم العودة إلى ما قبل الثاني من آذار. أي أنّ «حزب الله» سيستمر في سياسة الردّ على الخروقات الإسرائيلية طالما أنّها قائمة، وأنّ هذا القرار يخضع لحسابات الوقائع الميدانية والسياسية ومقتضياتها. ووفق ما تقدّم، فإنّ هوة واسعة باتت تفصل ما بين رؤية السلطة اللبنانية ونيات «حزب الله».
وثمة جانب إقليمي آخر لم يأخذ به لبنان الرسمي بعد بالجدّية المطلوبة. فمؤتمر «الناتو» الذي انعقد في أنقرة، منح قوة دفع إضافية للطموح التركي في المنطقة. فتركيا قد تجد أنّ الظروف باتت ملائمة للسعي للإستثمار في إخفاقات القوى الأخرى في الشرق الأوسط، وهو ما يسمح لها بتوسيع نطاق نفوذها وتحويله قوة مستدامة. وهو ما يعني توازنات إقليمية جديدة أكثر تعقيداً، تلعب فيها تركيا دوراً محورياً. ولبنان ساحة جذب لمشاريع كهذه.
وفي تحليل لافت نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، تمّ التركيز على الدور التركي الصاعد على حساب التراجع الإيراني. وقالت إنّ الفراغ الذي سيحدثه إضعاف قدرة «حزب الله» قد يعزز النفوذ الإقليمي لتركيا. وتابع التحليل، أنّ في ما يتعلق بمستقبل «حزب الله» فيتوجب النظر إلى موازين التحالفات الإقليمية وليس فقط السياسية الداخلية للبنان. ولذلك على إسرائيل (وفق الصحيفة) التنبّه لميزان القوى الإقليمي الذي قد يتشكّل مستقبلاً وليس للتهديد الذي يشكّله فقط «حزب الله».
وختمت الصحيفة قائلة، إنّه ينبغي استناداً إلى القرارات المتعلقة بمستقبل لبنان، البناء على تحليلات واقعية للمخاطر أكثر من الإفتراضات المتفائلة، لأنّ القرارات المتفائلة غير المستندة إلى تقييمات واقعية في منطقة مثل الشرق الأوسط، قد تتحول إلى أخطاء خطرة على المدى الطويل.
هو تفكير إسرائيلي جديد لا بدّ من أخذه في الاعتبار، ولو أنّه يبقى في الإطار الإعلامي لا السياسي.












