الجنوب بين “اليونيفيل” وقوات أوروبية: من يملأ الفراغ؟

لبنان بين مساعٍ نيابية لتجديد ولاية قوات “اليونيفيل”، وحديث فرنسي عن قوة أوروبية قد تضمّ قوات فرنسية وإيطالية وإسبانية في جنوب لبنان، مشهد يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز مصير القوة الدولية بصيغتها الحالية إلى شكل الترتيبات الأمنية التي ستضبط الجنوب في المرحلة المقبلة: من يحمي الاستقرار؟ ومَن يملأ الفراغ إذا انتهت مهمة “اليونيفيل”؟ وهل يكون البديل قوة دولية أكثر فاعلية، أم مجرد نسخة جديدة من مهمة أثبتت الأحداث محدودية قدرتها على فرض الاستقرار؟
في توقيت دقيق، وقّع 86 نائبًا عريضة موجهة إلى مجلس الأمن الدولي، للمطالبة باستمرار مهمة “اليونيفيل”، انطلاقًا من أن مهمتها لم تُنجز بعد، فيما لا يزال الخطر الإسرائيلي والاعتداءات على لبنان قائمين.
رسالة النواب واضحة: لا تتركوا فراغًا دوليًا في أرض لا يزال الخطر قائمًا فيها، وفي هذا السياق، قال النائب ملحم خلف لـ”نداء الوطن”: “في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ وطننا، وفي ظلّ المخاطر الكبرى التي تتهدّد لبنان الكبير، اجتمع 86 نائبًا، أي ما يقارب أكثر من ثلثَي أعضاء مجلس النواب، على موقف واحد يتجسّد في التمسّك باستمرار مهمة “اليونيفيل” في جنوب لبنان، ودعم دورها وتفعيله في حفظ الاستقرار وتطبيق القرارات الدولية”.
وتابع: “هذه مبادرة وطنية جامعة، ليست موجّهة ضدّ أحد، إنما تشكّل مسارًا داعمًا للشرعية اللبنانية، وصون السيادة، وبسط سلطة الدولة، كما تشكّل بالتأكيد حمايةً لأهلنا في الجنوب”.
أضاف: “هي امتداد لنهج حمله رجال كبار في تاريخ لبنان، من أمثال العميد ريمون إده وغسان تويني، الذين جعلوا من قوّة الحق والشرعية الدولية سندًا للبنان”.
وقال: “بالتأكيد، هذه ليست عريضة فريق أو كتلة أو حزب، بل موقف وطني جامع لمشارب وقوى سياسية متنوّعة، وهذا الأمر، بحدّ ذاته، ولا سيّما بعد إرسال الكتاب من مجلس النواب إلى وزارة الخارجية، يشكّل انتصارًا للبنان الدولي، ولبنان الذي نريد أن تكون فيه قوّة القانون هي الأساس”.
وختم: “عندما نجتمع حول سيادة الوطن، وحول قضايا أساسية كأمن الجنوب، نثبت مرةً بعد مرة أنّ لبنان، مهما اشتدّت المحن، قادر على أن يتكلّم بصوت واحد، وقادر على أن يعيش”.
لكن المفارقة السياسية في العريضة تكمن في غياب تواقيع نواب “حزب الله” و”القوات اللبنانية”، من دون إعلان واضح لأسباب الامتناع عن التوقيع.
ويبقى السؤال: هل تستطيع العريضة تغيير مسار النقاش الدولي حول مستقبل “اليونيفيل”؟
مراقبون تحدّثوا إلى “نداء الوطن” يستبعدون أن يكون الضغط النيابي، على أهميته السياسية، كافيًا وحده لقلب المعادلة، فالنقاش لم يعد محصورًا بمبدأ بقاء قوة دولية في الجنوب، بل انتقل إلى السؤال الأصعب: أيّ قوة؟ وبأيّ تفويض؟ وبأيّ صلاحيات؟
فمع اقتراب مهمة “اليونيفيل” بصيغتها الحالية من محطة مفصلية، تبحث الدولة اللبنانية عن كيفية تفادي أي فراغ دولي في الجنوب، وعن صيغة تستطيع الوقوف، بالمعنى السياسي والأمني، بين لبنان وإسرائيل، ومواكبة أي ترتيبات طويلة الأمد.
غير أن المشكلة لا تتعلّق بلبنان وإسرائيل وحدهما. فعلى الأرض، ثمة طرفان أساسيان لا يمكن تجاوز حساباتهما: إسرائيل و”حزب الله”. ولكل منهما اعتراضاته المختلفة على طبيعة أي حضور دولي مقبل.
إسرائيل، بحسب قراءة مصادر سياسية لـ”نداء الوطن”، لا تريد تكرار تجربة “اليونيفيل” بالصلاحيات وآليات العمل نفسها. فهي تعتبر أن القوة الدولية لم تمنع “حزب الله” من بناء قدراته والتحرّك في مناطق قريبة من مواقع انتشارها، وترى أن وجودها لم يتحوّل إلى آلية فعلية لمنع التهديدات، بل بقي، في محطات كثيرة، محصورًا في المراقبة والتوثيق.
وفي المقابل، لا يبدو “حزب الله” متحمّسًا لأي قوة دولية جديدة تتمتع بتفويض أوسع وصلاحيات تنفيذية أكبر، لما قد يعنيه ذلك من قيود إضافية على حركته الميدانية في الجنوب.
الانتقادات التي رافقت أداء “اليونيفيل” لم تعد خافية، بالنسبة إلى منتقديها، اقتصرت مهمتها في مراحل كثيرة على إحصاء الخروقات وتوثيقها، وفي المقابل لم تتمكن من منع النشاط العسكري لـ”حزب الله” في منطقة عملياتها، وبذلك، بقيت القوة الدولية شاهدًا على الخروقات أكثر مما كانت أداة لمنعها.
من هنا، فإن بقاء “اليونيفيل” بالصلاحيات نفسها وآليات العمل ذاتها قد لا يشكّل، في نظر هؤلاء، حلا كافيًا للبنان، وهنا يدخل العامل الفرنسي بقوة، فباريس، تبحث عن موقع لها في ترتيبات المرحلة المقبلة، بعدما باتت واشنطن اللاعب الأكثر تأثيرًا في إدارة الملف اللبناني، ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التحرك الفرنسي أيضًا كمحاولة لاستعادة جزء من الدور الفرنسي، لكن أي قوة بديلة لا يمكن أن تولد بمجرد اقتراح أوروبي، فبحسب الآليات التي ستُعتمد وطبيعة المهمة، يحتاج أي انتشار دولي جديد إلى إطار قانوني وسياسي واضح، وإلى طلب أو موافقة رسمية لبنانية، فضلا عن غطاء دولي إذا كانت القوة ستعمل تحت مظلة مجلس الأمن.
لذلك، قد تتغيّر الأسماء والصيغ، وقد تُعدّل المهام والصلاحيات، لكن جوهر المسألة يبقى واحدًا: وجود دولي فاعل في جنوب لبنان بات حاجة ملحّة، شرط ألا يكون شكليًا، وألا يقتصر دوره على إحصاء الخروقات، فهل ينتهي عصر “الخط الأزرق” ليبدأ عصر ترتيبات أمنية جديدة؟
الجنوب بين “اليونيفيل” وقوات أوروبية: من يملأ الفراغ؟

لبنان بين مساعٍ نيابية لتجديد ولاية قوات “اليونيفيل”، وحديث فرنسي عن قوة أوروبية قد تضمّ قوات فرنسية وإيطالية وإسبانية في جنوب لبنان، مشهد يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز مصير القوة الدولية بصيغتها الحالية إلى شكل الترتيبات الأمنية التي ستضبط الجنوب في المرحلة المقبلة: من يحمي الاستقرار؟ ومَن يملأ الفراغ إذا انتهت مهمة “اليونيفيل”؟ وهل يكون البديل قوة دولية أكثر فاعلية، أم مجرد نسخة جديدة من مهمة أثبتت الأحداث محدودية قدرتها على فرض الاستقرار؟
في توقيت دقيق، وقّع 86 نائبًا عريضة موجهة إلى مجلس الأمن الدولي، للمطالبة باستمرار مهمة “اليونيفيل”، انطلاقًا من أن مهمتها لم تُنجز بعد، فيما لا يزال الخطر الإسرائيلي والاعتداءات على لبنان قائمين.
رسالة النواب واضحة: لا تتركوا فراغًا دوليًا في أرض لا يزال الخطر قائمًا فيها، وفي هذا السياق، قال النائب ملحم خلف لـ”نداء الوطن”: “في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ وطننا، وفي ظلّ المخاطر الكبرى التي تتهدّد لبنان الكبير، اجتمع 86 نائبًا، أي ما يقارب أكثر من ثلثَي أعضاء مجلس النواب، على موقف واحد يتجسّد في التمسّك باستمرار مهمة “اليونيفيل” في جنوب لبنان، ودعم دورها وتفعيله في حفظ الاستقرار وتطبيق القرارات الدولية”.
وتابع: “هذه مبادرة وطنية جامعة، ليست موجّهة ضدّ أحد، إنما تشكّل مسارًا داعمًا للشرعية اللبنانية، وصون السيادة، وبسط سلطة الدولة، كما تشكّل بالتأكيد حمايةً لأهلنا في الجنوب”.
أضاف: “هي امتداد لنهج حمله رجال كبار في تاريخ لبنان، من أمثال العميد ريمون إده وغسان تويني، الذين جعلوا من قوّة الحق والشرعية الدولية سندًا للبنان”.
وقال: “بالتأكيد، هذه ليست عريضة فريق أو كتلة أو حزب، بل موقف وطني جامع لمشارب وقوى سياسية متنوّعة، وهذا الأمر، بحدّ ذاته، ولا سيّما بعد إرسال الكتاب من مجلس النواب إلى وزارة الخارجية، يشكّل انتصارًا للبنان الدولي، ولبنان الذي نريد أن تكون فيه قوّة القانون هي الأساس”.
وختم: “عندما نجتمع حول سيادة الوطن، وحول قضايا أساسية كأمن الجنوب، نثبت مرةً بعد مرة أنّ لبنان، مهما اشتدّت المحن، قادر على أن يتكلّم بصوت واحد، وقادر على أن يعيش”.
لكن المفارقة السياسية في العريضة تكمن في غياب تواقيع نواب “حزب الله” و”القوات اللبنانية”، من دون إعلان واضح لأسباب الامتناع عن التوقيع.
ويبقى السؤال: هل تستطيع العريضة تغيير مسار النقاش الدولي حول مستقبل “اليونيفيل”؟
مراقبون تحدّثوا إلى “نداء الوطن” يستبعدون أن يكون الضغط النيابي، على أهميته السياسية، كافيًا وحده لقلب المعادلة، فالنقاش لم يعد محصورًا بمبدأ بقاء قوة دولية في الجنوب، بل انتقل إلى السؤال الأصعب: أيّ قوة؟ وبأيّ تفويض؟ وبأيّ صلاحيات؟
فمع اقتراب مهمة “اليونيفيل” بصيغتها الحالية من محطة مفصلية، تبحث الدولة اللبنانية عن كيفية تفادي أي فراغ دولي في الجنوب، وعن صيغة تستطيع الوقوف، بالمعنى السياسي والأمني، بين لبنان وإسرائيل، ومواكبة أي ترتيبات طويلة الأمد.
غير أن المشكلة لا تتعلّق بلبنان وإسرائيل وحدهما. فعلى الأرض، ثمة طرفان أساسيان لا يمكن تجاوز حساباتهما: إسرائيل و”حزب الله”. ولكل منهما اعتراضاته المختلفة على طبيعة أي حضور دولي مقبل.
إسرائيل، بحسب قراءة مصادر سياسية لـ”نداء الوطن”، لا تريد تكرار تجربة “اليونيفيل” بالصلاحيات وآليات العمل نفسها. فهي تعتبر أن القوة الدولية لم تمنع “حزب الله” من بناء قدراته والتحرّك في مناطق قريبة من مواقع انتشارها، وترى أن وجودها لم يتحوّل إلى آلية فعلية لمنع التهديدات، بل بقي، في محطات كثيرة، محصورًا في المراقبة والتوثيق.
وفي المقابل، لا يبدو “حزب الله” متحمّسًا لأي قوة دولية جديدة تتمتع بتفويض أوسع وصلاحيات تنفيذية أكبر، لما قد يعنيه ذلك من قيود إضافية على حركته الميدانية في الجنوب.
الانتقادات التي رافقت أداء “اليونيفيل” لم تعد خافية، بالنسبة إلى منتقديها، اقتصرت مهمتها في مراحل كثيرة على إحصاء الخروقات وتوثيقها، وفي المقابل لم تتمكن من منع النشاط العسكري لـ”حزب الله” في منطقة عملياتها، وبذلك، بقيت القوة الدولية شاهدًا على الخروقات أكثر مما كانت أداة لمنعها.
من هنا، فإن بقاء “اليونيفيل” بالصلاحيات نفسها وآليات العمل ذاتها قد لا يشكّل، في نظر هؤلاء، حلا كافيًا للبنان، وهنا يدخل العامل الفرنسي بقوة، فباريس، تبحث عن موقع لها في ترتيبات المرحلة المقبلة، بعدما باتت واشنطن اللاعب الأكثر تأثيرًا في إدارة الملف اللبناني، ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التحرك الفرنسي أيضًا كمحاولة لاستعادة جزء من الدور الفرنسي، لكن أي قوة بديلة لا يمكن أن تولد بمجرد اقتراح أوروبي، فبحسب الآليات التي ستُعتمد وطبيعة المهمة، يحتاج أي انتشار دولي جديد إلى إطار قانوني وسياسي واضح، وإلى طلب أو موافقة رسمية لبنانية، فضلا عن غطاء دولي إذا كانت القوة ستعمل تحت مظلة مجلس الأمن.
لذلك، قد تتغيّر الأسماء والصيغ، وقد تُعدّل المهام والصلاحيات، لكن جوهر المسألة يبقى واحدًا: وجود دولي فاعل في جنوب لبنان بات حاجة ملحّة، شرط ألا يكون شكليًا، وألا يقتصر دوره على إحصاء الخروقات، فهل ينتهي عصر “الخط الأزرق” ليبدأ عصر ترتيبات أمنية جديدة؟










