“سرايا العملاء” بعد “سرايا المقاومة”

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: نداء الوطن
17 تموز 2026

لطالما قدّم “حزب الله” نفسه بصفته التنظيم الأكثر انضباطًا وتماسكًا على المستوى الأمني في لبنان والمنطقة. وعلى مدى عقود، شكّلت الصورة التي رسمها لنفسه كتنظيم عصيّ على الاختراق جزءًا أساسيًا من سرديته السياسية والعسكرية. لكن التطورات التي رافقت الحرب الأخيرة، وما تخللها من سلسلة اغتيالات طالت قادة وكوادر ومسؤولين ميدانيين، أعادت طرح أسئلة صعبة حول حجم الاختراق الأمني الذي تعرض له “الحزب”، حتى لو استمر في تجنب الاعتراف بذلك بصورة مباشرة.

فخلال السنوات الماضية، كان “حزب الله” يتحدث عن “سرايا المقاومة” باعتبارها إطارًا تنظيميًا يضمّ متطوعين ومناصرين من خارج بيئته الحزبية المباشرة، للمساهمة في مشروعه “المقاوم”. أما اليوم، ومع ازدياد الحديث عن شبكات تجسس ومخبرين ومصادر معلومات ساهمت في كشف تحركات قادته ومواقعه، فيبدو وكأن هناك إطارًا آخر غير معلن نشأ داخل المشهد، يمكن وصفه مجازًا بـ”سرايا العملاء”.

المقصود هنا ليس وجود تنظيم فعلي بهذا الاسم، بل ظاهرة باتت تفرض نفسها بقوة. فنجاح إسرائيل في تنفيذ عمليات دقيقة ومتكررة ضد شخصيات بارزة يطرح سؤالا بديهيًا: من أين جاءت المعلومات؟ وكيف أمكن تحديد أماكن وأوقات وجود هذه الشخصيات بدقة عالية؟ وهل يمكن تفسير كل ذلك بالتفوق التكنولوجي وحده، أم أن العنصر البشري لعب دورًا حاسمًا؟

المفارقة أن “الحزب” الذي لطالما اتهم خصومه بالعمالة والتعامل مع إسرائيل يجد نفسه اليوم أمام واقع أكثر تعقيدًا. فكل عملية اغتيال ناجحة تعزز الانطباع بأن الاختراق لم يعد حادثة فردية أو استثنائية، بل تحوّل إلى مشكلة بنيوية. وكلما ازداد عدد الموقوفين أو المشتبه في تورطهم في نقل المعلومات، اتسعت دائرة الشكوك حول فعالية المنظومة الأمنية التي طالما اعتُبرت مصدر فخر لـ”الحزب”، لكن عندما تتكرر الاغتيالات وتتساقط الأسماء الرفيعة الواحد تلو الأخر، يصبح من الصعب إقناع الناس بأن التكنولوجيا وحدها تفسر كل شيء.

لذلك، فإن الحديث عن “سرايا العملاء” لم يعد مجرد نكتة سياسية أو مادة للتندر، بل بات يعكس أزمة ثقة حقيقية في قدرة “الحزب” على حماية نفسه أولا قبل حماية مشروعه. وإذا كانت “سرايا المقاومة” قد أنشئت لتوسيع دائرة المؤيدين، فإن “سرايا العملاء” بالمعنى المجازي تبدو اليوم عنوانًا لواحدة من أخطر الأزمات التي تواجه “الحزب”: أزمة الاختراق من الداخل، وهي أزمة قد تكون أكثر خطورة من أي مواجهة عسكرية مباشرة.

“سرايا العملاء” بعد “سرايا المقاومة”

الكاتب: جان الفغالي | المصدر: نداء الوطن
17 تموز 2026

لطالما قدّم “حزب الله” نفسه بصفته التنظيم الأكثر انضباطًا وتماسكًا على المستوى الأمني في لبنان والمنطقة. وعلى مدى عقود، شكّلت الصورة التي رسمها لنفسه كتنظيم عصيّ على الاختراق جزءًا أساسيًا من سرديته السياسية والعسكرية. لكن التطورات التي رافقت الحرب الأخيرة، وما تخللها من سلسلة اغتيالات طالت قادة وكوادر ومسؤولين ميدانيين، أعادت طرح أسئلة صعبة حول حجم الاختراق الأمني الذي تعرض له “الحزب”، حتى لو استمر في تجنب الاعتراف بذلك بصورة مباشرة.

فخلال السنوات الماضية، كان “حزب الله” يتحدث عن “سرايا المقاومة” باعتبارها إطارًا تنظيميًا يضمّ متطوعين ومناصرين من خارج بيئته الحزبية المباشرة، للمساهمة في مشروعه “المقاوم”. أما اليوم، ومع ازدياد الحديث عن شبكات تجسس ومخبرين ومصادر معلومات ساهمت في كشف تحركات قادته ومواقعه، فيبدو وكأن هناك إطارًا آخر غير معلن نشأ داخل المشهد، يمكن وصفه مجازًا بـ”سرايا العملاء”.

المقصود هنا ليس وجود تنظيم فعلي بهذا الاسم، بل ظاهرة باتت تفرض نفسها بقوة. فنجاح إسرائيل في تنفيذ عمليات دقيقة ومتكررة ضد شخصيات بارزة يطرح سؤالا بديهيًا: من أين جاءت المعلومات؟ وكيف أمكن تحديد أماكن وأوقات وجود هذه الشخصيات بدقة عالية؟ وهل يمكن تفسير كل ذلك بالتفوق التكنولوجي وحده، أم أن العنصر البشري لعب دورًا حاسمًا؟

المفارقة أن “الحزب” الذي لطالما اتهم خصومه بالعمالة والتعامل مع إسرائيل يجد نفسه اليوم أمام واقع أكثر تعقيدًا. فكل عملية اغتيال ناجحة تعزز الانطباع بأن الاختراق لم يعد حادثة فردية أو استثنائية، بل تحوّل إلى مشكلة بنيوية. وكلما ازداد عدد الموقوفين أو المشتبه في تورطهم في نقل المعلومات، اتسعت دائرة الشكوك حول فعالية المنظومة الأمنية التي طالما اعتُبرت مصدر فخر لـ”الحزب”، لكن عندما تتكرر الاغتيالات وتتساقط الأسماء الرفيعة الواحد تلو الأخر، يصبح من الصعب إقناع الناس بأن التكنولوجيا وحدها تفسر كل شيء.

لذلك، فإن الحديث عن “سرايا العملاء” لم يعد مجرد نكتة سياسية أو مادة للتندر، بل بات يعكس أزمة ثقة حقيقية في قدرة “الحزب” على حماية نفسه أولا قبل حماية مشروعه. وإذا كانت “سرايا المقاومة” قد أنشئت لتوسيع دائرة المؤيدين، فإن “سرايا العملاء” بالمعنى المجازي تبدو اليوم عنوانًا لواحدة من أخطر الأزمات التي تواجه “الحزب”: أزمة الاختراق من الداخل، وهي أزمة قد تكون أكثر خطورة من أي مواجهة عسكرية مباشرة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار