الرئيس اللبناني في البيت الأبيض: استعادة الدولة في مواجهة سردية المحور

يشهد الأسبوع الطالع حلول رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ضيفاً على البيت الأبيض للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمرة الأولى، في خطوة تعتبر منعطفًا مفصليًا بين مرحلة وأخرى في ظل ما يشهده لبنان والمنطقة من تطورات تترافق مع استكمال لبنان مساره التفاوضي المستقل مع إسرائيل والمنفصل عن المسار الإيراني الذي تم التشكيك بإمكانية نجاحه بعدما تم ضخ كمية من الروايات حول ضرورة الانضمام إلى هذا المسار الذي وحده يضمن وقف إطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب.
والمفارقة أن هذه الزيارة إلى واشنطن تأتي بعدما كان يأخذ البعض على رئيس الجمهورية تغييبه عن التواصل المباشر مع الرئيس ترامب، ويرى في ذلك دليلاً على ضعف حضور الرئيس عون، فإذا به يجد نفسه اليوم أمام مشهد مختلف يؤكد أن لبنان حاضر من خلال الرئاسة الأولى على جدول الاهتمام الأمريكي، وأن الرئيس عون يحظى بالاعتراف الذي يفرضه شخصه وموقعه الدستوري.
وهذا التطور هو الذي دفع «حزب الله» وإعلامه إلى استباق اللقاء في البيت الأبيض بالتصويب المباشر على رئيس الجمهورية واتهامه بخدمة أجندات خارجية وبالتحول إلى طرف سياسي يكرّس الانقسام بين اللبنانيين ويقدّم خدمة للعدو الإسرائيلي من خلال محاولة التخلص من السلاح وصولاً إلى احتكار الحديث باسم غالبية اللبنانيين على أنهم يرفضون صيغة «اتفاق الإطار».
ولعل هذا الفريق لم يعتد منذ سنوات على رئيس في قصر بعبدا يتمتع باستقلالية وبقرارات جريئة، وكأن النجاح في اتخاذ قرارات على طريق إعادة بسط سلطة الدولة على أراضيها بات تهمة وكذلك النجاح في كسر العزلة الخارجية. فما إن ينجح رئيس الجمهورية في بلوغ البيت الأبيض، حتى ترتفع الأصوات متهمةً إياه بالارتهان للخارج، وبأنه يضع لبنان تحت وصاية جديدة، بل ويذهب البعض إلى حد القول إنه ينقلب على اتفاق الطائف.
وإن كانت هذه القراءة تكشف شيئاً في جوهرها، فهي تكشف أزمة لدى أصحابها أكثر مما تكشف حقيقة المشهد. فلبنان، الذي يعيش إحدى أخطر مراحله منذ تأسيسه، لا يستطيع أن ينهض من دون شبكة علاقات عربية ودولية تعيد إليه الثقة والدعم والاستثمار والحضور. والدبلوماسية ليست مرادفاً للوصاية، كما أن الانفتاح على العواصم المؤثرة لا يعني التفريط بالقرار الوطني. وإذا كان البعض اعتاد اختزال السياسة الخارجية بمنطق المحاور، فما يفعله رئيس الجمهورية اليوم هو إعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة، ورئيس الجمهورية لا يزور واشنطن بصفته زعيماً لفريق، بل رئيساً لدولة تبحث عن تثبيت سيادتها، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وحشد الدعم للجيش، وإطلاق عجلة التعافي الاقتصادي، وإعادة لبنان إلى خريطة الاهتمام الدولي. أما ما يُقال عن سعي الرئيس عون لاستعادة صلاحيات الرئيس الماروني التي تقلّصت بعد اتفاق الطائف، ومحاولة الايقاع بينه وبين رئيس الحكومة نواف سلام، فثمة فارق جوهري بين السعي إلى إعادة الاعتبار لدور رئيس الجمهورية ضمن الصلاحيات التي منحه إياها الدستور وبين المطالبة بتعديل الدستور أو الانقلاب على اتفاق الطائف. والرئيس يؤدي دوره كاملاً، ويستخدم صلاحياته من دون تردد، ويدفع نحو انتظام عمل الدولة، وليس رئيساً يتجاوز الطائف أو يهمّش دور رئيس الحكومة. وكانت المشكلة في لبنان تتمثل بتعطيل المؤسسات وإحلال الفراغ الرئاسي بسبب تغليب موازين القوى على أحكام الدستور. لذلك، إن إعادة تفعيل موقع رئاسة الجمهورية شيء والعودة إلى ما قبل الطائف شيء آخر، والعودة إلى دولة تحترم دستورها وتفعّل مؤسساتها يصب في مصلحة جميع اللبنانيين لا في مصلحة طائفة بعينها.
وإذا كان ثمة من يخشى عودة الرئاسة إلى ممارسة دورها الطبيعي بعد سنوات من الشلل والفراغ، فإن المشكلة ليست في الرئيس، بل في من اعتاد ضعف الدولة، واستساغ قيام مراكز قرار موازية لها. فالرئاسة القوية بالدستور ليست انقلاباً على الطائف، بل هي تطبيقٌ سليم له، لأن الطائف لم يُرد رئيساً معطلاً ولا دولةً مشلولة، بل توازناً بين المؤسسات ضمن دولة واحدة تحتكر قرارها السيادي.
والأغرب هو مواصلة فريق الممانعة سرديته السياسية بأن الرئيس عون تطوّع للقضاء على المقاومة مقابل تنصيبه رئيساً، فيما هو أقسم اليمين على احترام الدستور وصون استقلال لبنان ووحدته، وهذا لا يتحقق إلا بحصرية السلاح بيد الدولة خلافاً للمعادلة الثلاثية «جيش وشعب ومقاومة» التي دأبت عليها حكومات ما بعد الطائف وأوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه.
أما الحديث عن أن العهد خسر دعم غالبية جدية بين اللبنانيين فتخالفه الوقائع لأنه من المرات النادرة تلتف شرائح لبنانية واسعة من مختلف الطوائف حول رئاسة الجمهورية وتدعم قراراتها الصعبة، والحُكم على العهود لا يكون بعد أشهر من انطلاقها ولا وفقاً لمزاج اللحظة، بل بقدرتها على تحقيق أهدافها في تثبيت الدولة وتفعيل المؤسسات وحماية الاستقرار وإعادة لبنان إلى محيطه العربي والدولي، وهذا ما نجح به الرئيس الحالي، ولا توجد جهة تملك تفويضاً للحديث بإسم «الأغلبية» ولا تُقاس شعبية الرؤساء بضجيج مواقع التواصل الاجتماعي أو بحدة السجالات السياسية.
يبقى أن زيارة البيت الأبيض لا ينبغي أن تُقرأ بمنظار الاصطفافات التقليدية، بل من زاوية المصلحة اللبنانية. فكل نافذة تُفتح أمام لبنان هي فرصة ينبغي البناء عليها، لا التشكيك بأهدافها والترويج لمخططات تخويف من حرب أهلية كان الرئيس عون أول من أعلن رفضها وتصديه لها.
الرئيس اللبناني في البيت الأبيض: استعادة الدولة في مواجهة سردية المحور

يشهد الأسبوع الطالع حلول رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ضيفاً على البيت الأبيض للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمرة الأولى، في خطوة تعتبر منعطفًا مفصليًا بين مرحلة وأخرى في ظل ما يشهده لبنان والمنطقة من تطورات تترافق مع استكمال لبنان مساره التفاوضي المستقل مع إسرائيل والمنفصل عن المسار الإيراني الذي تم التشكيك بإمكانية نجاحه بعدما تم ضخ كمية من الروايات حول ضرورة الانضمام إلى هذا المسار الذي وحده يضمن وقف إطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب.
والمفارقة أن هذه الزيارة إلى واشنطن تأتي بعدما كان يأخذ البعض على رئيس الجمهورية تغييبه عن التواصل المباشر مع الرئيس ترامب، ويرى في ذلك دليلاً على ضعف حضور الرئيس عون، فإذا به يجد نفسه اليوم أمام مشهد مختلف يؤكد أن لبنان حاضر من خلال الرئاسة الأولى على جدول الاهتمام الأمريكي، وأن الرئيس عون يحظى بالاعتراف الذي يفرضه شخصه وموقعه الدستوري.
وهذا التطور هو الذي دفع «حزب الله» وإعلامه إلى استباق اللقاء في البيت الأبيض بالتصويب المباشر على رئيس الجمهورية واتهامه بخدمة أجندات خارجية وبالتحول إلى طرف سياسي يكرّس الانقسام بين اللبنانيين ويقدّم خدمة للعدو الإسرائيلي من خلال محاولة التخلص من السلاح وصولاً إلى احتكار الحديث باسم غالبية اللبنانيين على أنهم يرفضون صيغة «اتفاق الإطار».
ولعل هذا الفريق لم يعتد منذ سنوات على رئيس في قصر بعبدا يتمتع باستقلالية وبقرارات جريئة، وكأن النجاح في اتخاذ قرارات على طريق إعادة بسط سلطة الدولة على أراضيها بات تهمة وكذلك النجاح في كسر العزلة الخارجية. فما إن ينجح رئيس الجمهورية في بلوغ البيت الأبيض، حتى ترتفع الأصوات متهمةً إياه بالارتهان للخارج، وبأنه يضع لبنان تحت وصاية جديدة، بل ويذهب البعض إلى حد القول إنه ينقلب على اتفاق الطائف.
وإن كانت هذه القراءة تكشف شيئاً في جوهرها، فهي تكشف أزمة لدى أصحابها أكثر مما تكشف حقيقة المشهد. فلبنان، الذي يعيش إحدى أخطر مراحله منذ تأسيسه، لا يستطيع أن ينهض من دون شبكة علاقات عربية ودولية تعيد إليه الثقة والدعم والاستثمار والحضور. والدبلوماسية ليست مرادفاً للوصاية، كما أن الانفتاح على العواصم المؤثرة لا يعني التفريط بالقرار الوطني. وإذا كان البعض اعتاد اختزال السياسة الخارجية بمنطق المحاور، فما يفعله رئيس الجمهورية اليوم هو إعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة، ورئيس الجمهورية لا يزور واشنطن بصفته زعيماً لفريق، بل رئيساً لدولة تبحث عن تثبيت سيادتها، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وحشد الدعم للجيش، وإطلاق عجلة التعافي الاقتصادي، وإعادة لبنان إلى خريطة الاهتمام الدولي. أما ما يُقال عن سعي الرئيس عون لاستعادة صلاحيات الرئيس الماروني التي تقلّصت بعد اتفاق الطائف، ومحاولة الايقاع بينه وبين رئيس الحكومة نواف سلام، فثمة فارق جوهري بين السعي إلى إعادة الاعتبار لدور رئيس الجمهورية ضمن الصلاحيات التي منحه إياها الدستور وبين المطالبة بتعديل الدستور أو الانقلاب على اتفاق الطائف. والرئيس يؤدي دوره كاملاً، ويستخدم صلاحياته من دون تردد، ويدفع نحو انتظام عمل الدولة، وليس رئيساً يتجاوز الطائف أو يهمّش دور رئيس الحكومة. وكانت المشكلة في لبنان تتمثل بتعطيل المؤسسات وإحلال الفراغ الرئاسي بسبب تغليب موازين القوى على أحكام الدستور. لذلك، إن إعادة تفعيل موقع رئاسة الجمهورية شيء والعودة إلى ما قبل الطائف شيء آخر، والعودة إلى دولة تحترم دستورها وتفعّل مؤسساتها يصب في مصلحة جميع اللبنانيين لا في مصلحة طائفة بعينها.
وإذا كان ثمة من يخشى عودة الرئاسة إلى ممارسة دورها الطبيعي بعد سنوات من الشلل والفراغ، فإن المشكلة ليست في الرئيس، بل في من اعتاد ضعف الدولة، واستساغ قيام مراكز قرار موازية لها. فالرئاسة القوية بالدستور ليست انقلاباً على الطائف، بل هي تطبيقٌ سليم له، لأن الطائف لم يُرد رئيساً معطلاً ولا دولةً مشلولة، بل توازناً بين المؤسسات ضمن دولة واحدة تحتكر قرارها السيادي.
والأغرب هو مواصلة فريق الممانعة سرديته السياسية بأن الرئيس عون تطوّع للقضاء على المقاومة مقابل تنصيبه رئيساً، فيما هو أقسم اليمين على احترام الدستور وصون استقلال لبنان ووحدته، وهذا لا يتحقق إلا بحصرية السلاح بيد الدولة خلافاً للمعادلة الثلاثية «جيش وشعب ومقاومة» التي دأبت عليها حكومات ما بعد الطائف وأوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه.
أما الحديث عن أن العهد خسر دعم غالبية جدية بين اللبنانيين فتخالفه الوقائع لأنه من المرات النادرة تلتف شرائح لبنانية واسعة من مختلف الطوائف حول رئاسة الجمهورية وتدعم قراراتها الصعبة، والحُكم على العهود لا يكون بعد أشهر من انطلاقها ولا وفقاً لمزاج اللحظة، بل بقدرتها على تحقيق أهدافها في تثبيت الدولة وتفعيل المؤسسات وحماية الاستقرار وإعادة لبنان إلى محيطه العربي والدولي، وهذا ما نجح به الرئيس الحالي، ولا توجد جهة تملك تفويضاً للحديث بإسم «الأغلبية» ولا تُقاس شعبية الرؤساء بضجيج مواقع التواصل الاجتماعي أو بحدة السجالات السياسية.
يبقى أن زيارة البيت الأبيض لا ينبغي أن تُقرأ بمنظار الاصطفافات التقليدية، بل من زاوية المصلحة اللبنانية. فكل نافذة تُفتح أمام لبنان هي فرصة ينبغي البناء عليها، لا التشكيك بأهدافها والترويج لمخططات تخويف من حرب أهلية كان الرئيس عون أول من أعلن رفضها وتصديه لها.










