ما يصح في الجولان لا يصلح للبنان: وديع حدّاد عن اتفاق 17 أيار

هذه حلقة ثالثة وأخيرة من حوار طويل مع الراحل الدكتور وديع حداد، المستشار السابق للرئيس أمين الجميّل بين عامَي 1983 و1984 قبل أن يغادر منصبه على إثر إلغاء اتّفاق 17 أيّار 1983.
لبنان بين إسرائيل وسوريا
منذ اليوم الأوّل لتعاونه معه بصفته مستشاراً للرئيس لشؤون الأمن القوميّ قبل أن تنتقل التسمية إلى مستشار الرئيس للشؤون الوطنيّة، سمع وديع حدّاد من الرئيس أمين الجميّل في اجتماع عقداه، ملخصاً لرؤيته للعهد والسياسة الخارجيّة. كان في صدد مناقشة تأليف أولى حكومات العهد التي رأسها الرئيس شفيق الوزّان: “في هذا الاجتماع شرح لي الرئيس توجّهاته حيال الحقائب المهمّة والأقلّ أهميّة. كانت تهمّه وزارة الخارجيّة لأنّنا في وضع تحتاج إدارتنا سياسة خارجيّة مهمّة يقتضي اتّخاذ خطوات بالغة التأثير. بدأ العهد محاطاً بفريقين لبنانيَّين أحدهما متحالف مع إسرائيل وآخر متحالف مع سوريا، علاوة على وجود احتلال إسرائيليّ وقوّات سوريّة ودور أميركيّ مباشر عبر فيليب حبيب وقوّات متعدّدة الجنسيّات.
سبب الخيار الأميركيّ في عهد الجميّل
أضاف: “قال لي الرئيس: كي أتمكّن من تخطّي الاختيار بين سوريا وإسرائيل، سأمشي مع الأميركيّين وأضع يدي في أيديهم. لا أذهب إلى سوريا ولا إلى إسرائيل. لذا وزارة الخارجيّة مهمّة لي. جوجلنا الأسماء فاستقرّت على اثنين غسّان تويني الذي رفض توزيره وإيلي سالم الذي قَبِله، ولم يكن الرئيس يعرفه بل اقترحته عليه لصداقة قديمة تجمع بيننا. عندما بُتّ اسم إيلي سالم للخارجيّة لم يكن قد بدأ فعليّاً الخوض في الحكومة الجديدة ولا كُلّف الرئيس الوزّان حتّى تأليفها. ثمّ كان اجتماعنا معه في حضور فاروق أبي اللمع الذي كان مديراً عامّاً للأمن العامّ منذ حقبة الرئيس الياس سركيس، وجوني عبده مدير الاستخبارات، وإيلي سالم الذي سيكون نائباً لرئيس الحكومة. كلّما اقترحنا اسم وزير أتى إلينا جوني عبده وفاروق أبي اللمع بملفّات عنه، إلى أن رُجّح خيار الوزّان على خيار الجميّل بتحبيذه حكومة تكنوقراط بدلاً من حكومة سياسيّة كنت والرئيس نفضّلها في المرحلة الجديدة الحسّاسة التي توجب قرارات سياسيّة في ظروف استثنائيّة، فيما الدولة بعد الاجتياح الإسرائيليّ في شبه انهيار. في اجتماع واحد تألّفت الحكومة ليلاً في حضورنا نحن الخمسة. غطّى الرئيس صائب سلام التمثيل السنّيّ، والرئيس كامل الأسعد التمثيل الشيعيّ. خلافاً لبشير الجميّل الذي كان أعدّ فريقه مشاريع الحكم وتحالفاته عندما انتُخب رئيساً، دخل أمين الجميّل إلى الرئاسة فجأة بلا فريق عمل وخطط معدّة سلفاً. كانت أمامنا مسألتان متوازيتان هما الاحتلال الإسرائيليّ والوحدة الوطنيّة المتصدّعة. كان بشير جاهزاً لمعالجتهما، فيما ارتأى شقيقه أمين ترتيب الأولويّات بدءاً باستحقاق إخراج الاحتلالات من البلاد وأوّلها إسرائيل. كانت خطّة فيليب حبيب بنقاطها التسع برنامجاً متكاملاً أُعدّ للتطبيق مع بشير واستمرّ مع أخيه، بعدما التزم الأميركيّون الاستمرار معه فيها على أنّها ستكون خطّته”.
سرّ الاتّفاق السّوريّ ـ الإسرائيليّ في الجولان
روى وديع حدّاد أيضاً: “عندما طالب الرئيس الجميّل سوريا بسحب قوّاتها من لبنان في رسالة إلى الرئيس حافظ الأسد، وكان قد أنهى مهمّة قوّة الردع العربيّة في 30 آذار 1983، بالتزامن مع مفاوضات جلاء القوّات الإسرائيليّة من لبنان، أتانا جواب الأسد بالرفض بذريعة أنّ القوّات السوريّة موجودة على الأراضي اللبنانيّة بقرار من الجامعة العربيّة، ثمّ قال السوريّون لنا إنّهم في لبنان انطلاقاً من الأمن القوميّ السوريّ.
ذرائع مستحيلة على الدوام. كنّا قد اعتقدنا أنّنا لا نواجه مشكلة معهم ما إن نتّفق مع الإسرائيليّين على انسحابهم من لبنان. ما كانوا يقولونه أنّهم يرفضون حصول إسرائيل في أيّ اتّفاق نعقده معها على مكاسب تضرّ بالأمن السوريّ، وهو ما تفاديناه. في اتّفاق جلاء القوّات الإسرائيليّة كنّا في صدد ترتيبات أمنيّة تبيّن لنا أنّها أقلّ بكثير من الترتيبات الأمنيّة في الجولان السوريّ المحتلّ. وهو ما قلناه لهم. من خلال الأميركيّين حصلنا على نسخة من اتّفاق فكّ الاشتباك السرّيّ، وأجرينا مقارنة بينه وبين الاتّفاق الذي نتفاوض بشأنه مع إسرائيل، وتبيّن لنا أن لا وجود عسكريّاً سوريّاً على أرض سوريّة، فيما الأمر ليس كذلك في اتّفاقنا مع إسرائيل الذي يلحظ وجودنا السياسيّ والعسكريّ في الجنوب، إضافة إلى الاتّفاق الذي هو ترتيبات أمنيّة وليس معاهدة سلام ويلحظ جدولاً زمنيّاً لتنفيذه. ربّما نصب لنا السوريّون فخّاً عندما شجّعونا على التفاوض قبل أن ينقلبوا عليه. كانوا يقولون لنا حلّوا مشكلتكم مع إسرائيل ولن تكون ثمّة مشكلة معنا. وجودنا في لبنان أخويّ وليس احتلالاً”.
“حرب الجبل” وسقوطه وإضعاف عهد الجميّل.. مسؤوليّة مَن؟
قال حدّاد: “على الرغم من كوني مستشاراً أوّل لرئيس الجمهوريّة لم أتدخّل في شؤون الجيش والأمن، ولم أطّلع على كلّ المعلومات الأمنيّة. كانت بين يدي إبراهيم طنّوس قائد الجيش وسيمون قسّيس مدير الاستخبارات. على الرغم من الإخفاق الأمنيّ لمديريّة الاستخبارات التي ترأسها قسّيس، أصرّ الرئيس على بقائه في منصبه بينما استقال إبراهيم طنّوس. قد تُعزى المسؤولية الى سيمون قسّيس. لم نعلم أبداً أنّ بيروت الغربيّة قد تسقط ولا الشحّار الغربي بعد حرب الجبل (اندلعت في أيلول 1983 واستمرّت حتّى شباط سنة 1984)، ربّما لأنّ سيمون قسّيس أشغل نفسه بالسياسة أكثر منه بالأمن، مع اعتقادي أنّه يفتقر إلى الخبرة والتمرّس فيهما معاً، فهو أتى الى منصبه من سلاح الجوّ”.
روى وديع حدّاد ما سبق “حرب الجبل”: “مطلع أيلول 1983، لأيّام قليلة قبل اندلاعها، اجتمعت بوليد جنبلاط في مسعى لفتح حوار بينه وبين الرئيس الجميّل لإيجاد حلّ للجبل يمنع انفجاره. كنّا نعرف أنّ اثنين يؤثّران مباشرة عليه هما ملكا الأردن والمملكة السعوديّة. في مكالمة هاتفيّة مع الرئيس الجميّل قال الملك حسين إنّه سيتولّى تدبير لقاء مع جنبلاط على أن يُعقد بيني وبينه في عمّان، بدعوة من الملك، لإيجاد حلّ لمعضلة الجبل. لكنّه لم يأت. في اليوم التالي استقبلني الملك معتذراً عن غياب جنبلاط طالباً منّي انتظاره ذلك اليوم على أنّه سيأتي في المساء. لكنّه لم يفعل. تكرّر الأمر نفسه مع الملك فهد في مكالمة هاتفيّة أجراها معه الرئيس. وفق السيناريو المتّفق عليه ذهبت إلى الرياض انتظر جنبلاط بعدما تعهّد العاهل السعوديّ إحضاره. مع ذلك تعمّد التغيّب إلى أن قال لي روبرت ماكفرلين الذي خلف فيليب حبيب في مهمّته لدى لبنان إنّ الأميركيّين سيأتون به. اتّفقنا على لقاء في باريس في شقّة فرنسوا دوغروسوفر مستشار الرئيس فرنسوا ميتران لشؤون الأمن القوميّ في حضور ماكفرلين فيما أخلى لنا دوغروسوفر الشقّة دونما أن يحضر. حضر معي السفير اللبنانيّ فاروق أبي اللمع. لم يكن خافياً امتعاض وليد جنبلاط من هذا الكمّ من الوساطات الملكيّة من أجل حضوره إلى أن انتهى الأمر عند الأميركيّين. قال لفاروق أبي اللمع: الكلّ بدّو ياني اجتمع بوديع حدّاد وطلع بروتستانتي من عين دارة (الشوفيّة). عقدنا الاجتماع، وفي خلاله طلب منّي وليد الاختلاء على الشرفة قائلاً لي أستطيع التعاون معك”.
التوقيع في منزل رفيق الحريري؟
أضاف حدّاد: “قبل وقت قصير من اجتماع الداخل حمل (جنبلاط) بعنف على حكومة الرئيس الوزّان منتقداً وزراءها بقسوة، وخصّ بحملته الوزير الدرزيّ عادل حميّة إلى حدّ تهديده. قلت لوليد لا أترك باريس قبل الاتّفاق معك خطّياً فردّ: لنتكلّم ونرَ فربّما نتوصّل إلى حلّ. ثمّ كان اجتماع ثان في منزل رفيق الحريري استمرّ من الثامنة مساء من اليوم نفسه إلى الرابعة فجر اليوم التالي، ووقّعنا اتّفاقاً قضى بانسحاب عناصر “القوّات اللبنانيّة” من غير أبناء الشوف وعاليه على أن يدخل الجيش اللبنانيّ لحماية الأهالي، وحدّدنا نقاط الانتشار. اقتضى الاتّفاق تنفيذه على مراحل منتظمة لتفادي أيّ عقبات. اتّفقنا على أن يجلب الرئيس الجميّل موافقة “القوّات اللبنانيّة”، ووليد جنبلاط موافقة سوريا، ويأتي الأميركيّون بموافقة إسرائيل. بذلك نحول دون أيّ صدام ويحلّ الجيش اللبنانيّ محلّ عناصر “القوّات” اللبنانيّة في البلدات المسيحيّة.
في الغداة، وكنت قد عدت إلى بيروت وأطلعت الرئيس الجميّل على الاتّفاق، وعقدت اجتماعاً مع قيادة “القوّات اللبنانيّة” التي وافقت عليه لتعذّر أيّ خيار لها سواه، خابرني ماكفرلين ليلاً يُخطرني بمشكلة مستجدّة ويدعوني إلى ملاقاته في منزل السفير الأميركيّ في اليرزة. أخبرني أنّ مناحيم بيغن أبلغ واشنطن أنّ قوّاته ستنسحب من الجبل في غضون 24 ساعة، في مكالمة هاتفيّة مع الرئيس رونالد ريغن، رافضاً طلبه تأجيل الانسحاب. لم ينقض وليد جنبلاط الاتّفاق، إلّا أنّ إسرائيل لم تفسح في المجال أمام تنفيذه مستعجلة الانسحاب من الشوف وعاليه. لم نكن يومذاك قد حصلنا على موافقة سوريا عبر جنبلاط، ولم ندرِ إن كان أطلعها عليه أم لا؟ بمرور ساعات انسحبت القوّات الإسرائيليّة فانفجرت حرب وليد جنبلاط و”القوّات اللبنانيّة””.
ما يصح في الجولان لا يصلح للبنان: وديع حدّاد عن اتفاق 17 أيار

هذه حلقة ثالثة وأخيرة من حوار طويل مع الراحل الدكتور وديع حداد، المستشار السابق للرئيس أمين الجميّل بين عامَي 1983 و1984 قبل أن يغادر منصبه على إثر إلغاء اتّفاق 17 أيّار 1983.
لبنان بين إسرائيل وسوريا
منذ اليوم الأوّل لتعاونه معه بصفته مستشاراً للرئيس لشؤون الأمن القوميّ قبل أن تنتقل التسمية إلى مستشار الرئيس للشؤون الوطنيّة، سمع وديع حدّاد من الرئيس أمين الجميّل في اجتماع عقداه، ملخصاً لرؤيته للعهد والسياسة الخارجيّة. كان في صدد مناقشة تأليف أولى حكومات العهد التي رأسها الرئيس شفيق الوزّان: “في هذا الاجتماع شرح لي الرئيس توجّهاته حيال الحقائب المهمّة والأقلّ أهميّة. كانت تهمّه وزارة الخارجيّة لأنّنا في وضع تحتاج إدارتنا سياسة خارجيّة مهمّة يقتضي اتّخاذ خطوات بالغة التأثير. بدأ العهد محاطاً بفريقين لبنانيَّين أحدهما متحالف مع إسرائيل وآخر متحالف مع سوريا، علاوة على وجود احتلال إسرائيليّ وقوّات سوريّة ودور أميركيّ مباشر عبر فيليب حبيب وقوّات متعدّدة الجنسيّات.
سبب الخيار الأميركيّ في عهد الجميّل
أضاف: “قال لي الرئيس: كي أتمكّن من تخطّي الاختيار بين سوريا وإسرائيل، سأمشي مع الأميركيّين وأضع يدي في أيديهم. لا أذهب إلى سوريا ولا إلى إسرائيل. لذا وزارة الخارجيّة مهمّة لي. جوجلنا الأسماء فاستقرّت على اثنين غسّان تويني الذي رفض توزيره وإيلي سالم الذي قَبِله، ولم يكن الرئيس يعرفه بل اقترحته عليه لصداقة قديمة تجمع بيننا. عندما بُتّ اسم إيلي سالم للخارجيّة لم يكن قد بدأ فعليّاً الخوض في الحكومة الجديدة ولا كُلّف الرئيس الوزّان حتّى تأليفها. ثمّ كان اجتماعنا معه في حضور فاروق أبي اللمع الذي كان مديراً عامّاً للأمن العامّ منذ حقبة الرئيس الياس سركيس، وجوني عبده مدير الاستخبارات، وإيلي سالم الذي سيكون نائباً لرئيس الحكومة. كلّما اقترحنا اسم وزير أتى إلينا جوني عبده وفاروق أبي اللمع بملفّات عنه، إلى أن رُجّح خيار الوزّان على خيار الجميّل بتحبيذه حكومة تكنوقراط بدلاً من حكومة سياسيّة كنت والرئيس نفضّلها في المرحلة الجديدة الحسّاسة التي توجب قرارات سياسيّة في ظروف استثنائيّة، فيما الدولة بعد الاجتياح الإسرائيليّ في شبه انهيار. في اجتماع واحد تألّفت الحكومة ليلاً في حضورنا نحن الخمسة. غطّى الرئيس صائب سلام التمثيل السنّيّ، والرئيس كامل الأسعد التمثيل الشيعيّ. خلافاً لبشير الجميّل الذي كان أعدّ فريقه مشاريع الحكم وتحالفاته عندما انتُخب رئيساً، دخل أمين الجميّل إلى الرئاسة فجأة بلا فريق عمل وخطط معدّة سلفاً. كانت أمامنا مسألتان متوازيتان هما الاحتلال الإسرائيليّ والوحدة الوطنيّة المتصدّعة. كان بشير جاهزاً لمعالجتهما، فيما ارتأى شقيقه أمين ترتيب الأولويّات بدءاً باستحقاق إخراج الاحتلالات من البلاد وأوّلها إسرائيل. كانت خطّة فيليب حبيب بنقاطها التسع برنامجاً متكاملاً أُعدّ للتطبيق مع بشير واستمرّ مع أخيه، بعدما التزم الأميركيّون الاستمرار معه فيها على أنّها ستكون خطّته”.
سرّ الاتّفاق السّوريّ ـ الإسرائيليّ في الجولان
روى وديع حدّاد أيضاً: “عندما طالب الرئيس الجميّل سوريا بسحب قوّاتها من لبنان في رسالة إلى الرئيس حافظ الأسد، وكان قد أنهى مهمّة قوّة الردع العربيّة في 30 آذار 1983، بالتزامن مع مفاوضات جلاء القوّات الإسرائيليّة من لبنان، أتانا جواب الأسد بالرفض بذريعة أنّ القوّات السوريّة موجودة على الأراضي اللبنانيّة بقرار من الجامعة العربيّة، ثمّ قال السوريّون لنا إنّهم في لبنان انطلاقاً من الأمن القوميّ السوريّ.
ذرائع مستحيلة على الدوام. كنّا قد اعتقدنا أنّنا لا نواجه مشكلة معهم ما إن نتّفق مع الإسرائيليّين على انسحابهم من لبنان. ما كانوا يقولونه أنّهم يرفضون حصول إسرائيل في أيّ اتّفاق نعقده معها على مكاسب تضرّ بالأمن السوريّ، وهو ما تفاديناه. في اتّفاق جلاء القوّات الإسرائيليّة كنّا في صدد ترتيبات أمنيّة تبيّن لنا أنّها أقلّ بكثير من الترتيبات الأمنيّة في الجولان السوريّ المحتلّ. وهو ما قلناه لهم. من خلال الأميركيّين حصلنا على نسخة من اتّفاق فكّ الاشتباك السرّيّ، وأجرينا مقارنة بينه وبين الاتّفاق الذي نتفاوض بشأنه مع إسرائيل، وتبيّن لنا أن لا وجود عسكريّاً سوريّاً على أرض سوريّة، فيما الأمر ليس كذلك في اتّفاقنا مع إسرائيل الذي يلحظ وجودنا السياسيّ والعسكريّ في الجنوب، إضافة إلى الاتّفاق الذي هو ترتيبات أمنيّة وليس معاهدة سلام ويلحظ جدولاً زمنيّاً لتنفيذه. ربّما نصب لنا السوريّون فخّاً عندما شجّعونا على التفاوض قبل أن ينقلبوا عليه. كانوا يقولون لنا حلّوا مشكلتكم مع إسرائيل ولن تكون ثمّة مشكلة معنا. وجودنا في لبنان أخويّ وليس احتلالاً”.
“حرب الجبل” وسقوطه وإضعاف عهد الجميّل.. مسؤوليّة مَن؟
قال حدّاد: “على الرغم من كوني مستشاراً أوّل لرئيس الجمهوريّة لم أتدخّل في شؤون الجيش والأمن، ولم أطّلع على كلّ المعلومات الأمنيّة. كانت بين يدي إبراهيم طنّوس قائد الجيش وسيمون قسّيس مدير الاستخبارات. على الرغم من الإخفاق الأمنيّ لمديريّة الاستخبارات التي ترأسها قسّيس، أصرّ الرئيس على بقائه في منصبه بينما استقال إبراهيم طنّوس. قد تُعزى المسؤولية الى سيمون قسّيس. لم نعلم أبداً أنّ بيروت الغربيّة قد تسقط ولا الشحّار الغربي بعد حرب الجبل (اندلعت في أيلول 1983 واستمرّت حتّى شباط سنة 1984)، ربّما لأنّ سيمون قسّيس أشغل نفسه بالسياسة أكثر منه بالأمن، مع اعتقادي أنّه يفتقر إلى الخبرة والتمرّس فيهما معاً، فهو أتى الى منصبه من سلاح الجوّ”.
روى وديع حدّاد ما سبق “حرب الجبل”: “مطلع أيلول 1983، لأيّام قليلة قبل اندلاعها، اجتمعت بوليد جنبلاط في مسعى لفتح حوار بينه وبين الرئيس الجميّل لإيجاد حلّ للجبل يمنع انفجاره. كنّا نعرف أنّ اثنين يؤثّران مباشرة عليه هما ملكا الأردن والمملكة السعوديّة. في مكالمة هاتفيّة مع الرئيس الجميّل قال الملك حسين إنّه سيتولّى تدبير لقاء مع جنبلاط على أن يُعقد بيني وبينه في عمّان، بدعوة من الملك، لإيجاد حلّ لمعضلة الجبل. لكنّه لم يأت. في اليوم التالي استقبلني الملك معتذراً عن غياب جنبلاط طالباً منّي انتظاره ذلك اليوم على أنّه سيأتي في المساء. لكنّه لم يفعل. تكرّر الأمر نفسه مع الملك فهد في مكالمة هاتفيّة أجراها معه الرئيس. وفق السيناريو المتّفق عليه ذهبت إلى الرياض انتظر جنبلاط بعدما تعهّد العاهل السعوديّ إحضاره. مع ذلك تعمّد التغيّب إلى أن قال لي روبرت ماكفرلين الذي خلف فيليب حبيب في مهمّته لدى لبنان إنّ الأميركيّين سيأتون به. اتّفقنا على لقاء في باريس في شقّة فرنسوا دوغروسوفر مستشار الرئيس فرنسوا ميتران لشؤون الأمن القوميّ في حضور ماكفرلين فيما أخلى لنا دوغروسوفر الشقّة دونما أن يحضر. حضر معي السفير اللبنانيّ فاروق أبي اللمع. لم يكن خافياً امتعاض وليد جنبلاط من هذا الكمّ من الوساطات الملكيّة من أجل حضوره إلى أن انتهى الأمر عند الأميركيّين. قال لفاروق أبي اللمع: الكلّ بدّو ياني اجتمع بوديع حدّاد وطلع بروتستانتي من عين دارة (الشوفيّة). عقدنا الاجتماع، وفي خلاله طلب منّي وليد الاختلاء على الشرفة قائلاً لي أستطيع التعاون معك”.
التوقيع في منزل رفيق الحريري؟
أضاف حدّاد: “قبل وقت قصير من اجتماع الداخل حمل (جنبلاط) بعنف على حكومة الرئيس الوزّان منتقداً وزراءها بقسوة، وخصّ بحملته الوزير الدرزيّ عادل حميّة إلى حدّ تهديده. قلت لوليد لا أترك باريس قبل الاتّفاق معك خطّياً فردّ: لنتكلّم ونرَ فربّما نتوصّل إلى حلّ. ثمّ كان اجتماع ثان في منزل رفيق الحريري استمرّ من الثامنة مساء من اليوم نفسه إلى الرابعة فجر اليوم التالي، ووقّعنا اتّفاقاً قضى بانسحاب عناصر “القوّات اللبنانيّة” من غير أبناء الشوف وعاليه على أن يدخل الجيش اللبنانيّ لحماية الأهالي، وحدّدنا نقاط الانتشار. اقتضى الاتّفاق تنفيذه على مراحل منتظمة لتفادي أيّ عقبات. اتّفقنا على أن يجلب الرئيس الجميّل موافقة “القوّات اللبنانيّة”، ووليد جنبلاط موافقة سوريا، ويأتي الأميركيّون بموافقة إسرائيل. بذلك نحول دون أيّ صدام ويحلّ الجيش اللبنانيّ محلّ عناصر “القوّات” اللبنانيّة في البلدات المسيحيّة.
في الغداة، وكنت قد عدت إلى بيروت وأطلعت الرئيس الجميّل على الاتّفاق، وعقدت اجتماعاً مع قيادة “القوّات اللبنانيّة” التي وافقت عليه لتعذّر أيّ خيار لها سواه، خابرني ماكفرلين ليلاً يُخطرني بمشكلة مستجدّة ويدعوني إلى ملاقاته في منزل السفير الأميركيّ في اليرزة. أخبرني أنّ مناحيم بيغن أبلغ واشنطن أنّ قوّاته ستنسحب من الجبل في غضون 24 ساعة، في مكالمة هاتفيّة مع الرئيس رونالد ريغن، رافضاً طلبه تأجيل الانسحاب. لم ينقض وليد جنبلاط الاتّفاق، إلّا أنّ إسرائيل لم تفسح في المجال أمام تنفيذه مستعجلة الانسحاب من الشوف وعاليه. لم نكن يومذاك قد حصلنا على موافقة سوريا عبر جنبلاط، ولم ندرِ إن كان أطلعها عليه أم لا؟ بمرور ساعات انسحبت القوّات الإسرائيليّة فانفجرت حرب وليد جنبلاط و”القوّات اللبنانيّة””.










