لبنان بلد الأنهار على حافة العطش؟

ربما لا تكمن خطورة الجفاف في لبنان في ما يعيشه اليوم، بل في ما قد يخسره غداً.
إذا كان الجفاف يرسم اليوم ملامح أزمة عربية تتجاوز نقص المياه إلى تهديد الأمن الغذائي، فإن لبنان ليس بمنأى عن هذا المسار. فالبنك الدولي يضع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في صدارة المناطق الأكثر عرضة لتفاقم موجات الجفاف نتيجة تغير المناخ، محذراً من تداعياتها على الزراعة والاقتصاد وسبل العيش.
ورغم الصورة النمطية التي طالما ارتبطت بلبنان بصفته “بلد المياه”، فإن التحولات المناخية المتسارعة بدأت تفرض واقعاً مختلفاً، يتجلى في ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع انتظام الأمطار، وتزايد الضغوط على الموارد المائية، في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي أزماتٍ متراكمة تزيد من هشاشته.
ومع أن لبنان يمتلك موارد مائية أكبر من عدد من دول المنطقة، فإن آثار التغير المناخي بدأت تظهر بوضوح من خلال ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الهطول المطري، وتكرار موجات الحر والجفاف، وهو ما يضغط على الزراعة والموارد المائية وسبل عيش المجتمعات الريفية.
الجفاف يزيد هشاشة نظام غذائي يعاني أصلاً في لبنان
ومع استمرار هذه الاتجاهات، يُتوقع أن تصبح موجات الجفاف أكثر تكراراً وحدّة خلال العقود المقبلة، ما يفرض، بحسب كنزي عزمي، مسؤولة الحملات الإقليمية في “غرينبيس” الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الانتقال من مرحلة رصد المخاطر إلى تنفيذ سياسات عملية ترتكز على الإدارة المستدامة للمياه، ودعم الزراعة القادرة على التكيف، والاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر والبنى التحتية الأكثر صموداً، إلى جانب التوسع في الطاقة المتجددة ورفع كفاءة استخدام المياه.
سيؤثر الجفاف بشكل مباشر على الأمن الغذائي في لبنان والمنطقة العربية لأنه يضغط على مورد أساسي هو المياه، ما ينعكس على إنتاجية المحاصيل وتكلفة الإنتاج الزراعي. وتكشف المعطيات أن المشكلة لا تتعلق بالإنتاج وحده، وإنما أيضاً بقدرة الناس على الوصول إلى الغذاء في ظلّ هشاشة اقتصادية واعتماد كبير على الاستيراد.
وهذا ما يؤكده تقرير “تقييم حالة الأمن الغذائي في لبنان: الحلقة المفرغة بين الفقر والحرب وتآكل الدخل” الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2026)، والذي يبين أن لبنان يستورد نحو 50% من إجمالي إمداداته الغذائية ونحو 90% من الحبوب، ما يجعله شديد الحساسية لأي اضطراب مناخي أو ارتفاع عالمي في أسعار الغذاء والطاقة والشحن.
كما يشير التقرير إلى أن الحرب والتصعيد الإقليمي أثّرا على الإنتاج الزراعي المحلي، بحيث أفادت 85% من الأسر العاملة في القطاع الزراعي بوجود صعوبات في الإنتاج.
لذلك، فإن الجفاف لا يعمل بمعزل عن هذه العوامل، بل يزيد من هشاشة نظام غذائي يعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية ومناخية وجيوسياسية. والخطر الحقيقي ليس أن يختفي الإنتاج المحلي بالكامل، بل أن يصبح أقل قدرة على تلبية الاحتياجات، فتتسع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، ويزداد الاعتماد على الاستيراد، بما يجعل الأمن الغذائي أكثر عرضة للصدمات الخارجية.
دول عربية عرضة لأزمات مياه
وعلى مستوى المنطقة، ترجح عزمي أن تؤدي الضغوط المتزايدة على المياه إلى ارتفاع احتمالات التوتر بين الدول التي تتقاسم الأنهار والأحواض المائية، لكنها تؤكد أن ندرة المياه وحدها لا تصنع الصراعات، بل إن طبيعة العلاقات السياسية وآليات التعاون وإدارة الموارد المشتركة تبقى العامل الحاسم.
وتبرز دول مثل الأردن وسوريا والعراق ولبنان واليمن وفلسطين، إلى جانب المغرب وتونس، بين الأكثر عرضة لأزمات المياه خلال العقود المقبلة، في ظل تكرار موجات الجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي واتساع ظاهرة النزوح المرتبطة بالمناخ.
وتشير التقديرات إلى أن متوسط درجات الحرارة قد يرتفع بنحو 1.5 إلى 2 درجة مئوية بحلول عام 2050، بالتزامن مع انخفاض معدلات الهطول المطري بنسبة تراوح بين 10 و20%. ويؤثر ذلك بشكل مباشر على الزراعة وتوافر المياه.
وتلفت إلى أن الحروب تضاعف هذه التحديات، إذ لا تقتصر آثارها على التدمير المباشر، بل تمتد إلى زيادة الانبعاثات، وتلوث الهواء والمياه، وتدمير البنية التحتية والأنظمة البيئية.
وبينما يحذر العلماء من الاقتراب من “نقاط التحول المناخية” التي قد تؤدي إلى تغيرات يصعب عكسها، تؤكد عزمي أن تجنبها لا يزال ممكناً، وأن كل خفض للانبعاثات وكل استثمار في حماية الطبيعة وإدارة المياه يعزز قدرة المجتمعات على مواجهة الجفاف ويحد من مخاطره على الأمن الغذائي.
كيف تبدو هذه التحذيرات على أرض الواقع في لبنان؟
الإجابة لا تقتصر على المؤشرات المناخية، فهي تمتد إلى طريقة تفاعل القطاع الزراعي معها، وقدرته على التكيف مع واقع بات أكثر تقلباً.
في هذا الصدد، يؤكد كنج حمادة الخبير في الاقتصاد الزراعي في حديث الى “النهار” أن التحدي الأكبر الذي يفرضه التغير المناخي لا يقتصر على تراجع الأمطار، بل يكمن في عدم القدرة على التنبؤ بها. فالمزارع اللبناني لايزال يبني قراراته على خبرته المتراكمة ومواسم الأمطار السابقة، لا على سيناريوات مناخية متقلبة. ولأن الجفاف لم يتحول بعد إلى واقع دائم في لبنان، كما هي الحال في بعض دول عربية أخرى، لا تزال قناعة كثير من المزارعين بضرورة تغيير أساليب الإنتاج وإدارة المياه محدودة، خصوصاً بعد موسمٍ مطري جيد نسبياً العام الماضي.
وتزداد صعوبة هذا التحول مع محدودية المعرفة والإمكانات لدى المزارعين، وغياب التجديد في القطاع الزراعي العائلي، إذ تتجه الأجيال الشابة إلى اختصاصات بعيدة عن الزراعة، فيما يراوح متوسط أعمار المزارعين بين 50 و55 عاماً، ما يحدّ من تبني ممارسات جديدة والتخطيط الطويل الأمد.
من هنا، تبرز، بحسب حمادة، ضرورة بناء شراكة بين المزارعين والمهندسين الزراعيين والخبراء لتطوير حلول عملية تساعد القطاع على التكيف مع الجفاف.
إلا أن هذه الصورة لا تنطبق على جميع المناطق اللبنانية. فبحسب حمادة، لا يزال بعض المجتمعات الزراعية، ولا سيما منها في القرى الحدودية الجنوبية، إضافة إلى راشيا وحاصبيا وعرسال وغيرها، يحافظ على إرثٍ زراعي قائم على المعرفة المحلية المتوارثة، يقوم على إدارة الموارد المائية والتعامل مع شح المياه بحكمة، ما يجعلها نموذجاً يمكن الاستفادة منه في رسم سياسات التكيف مع الجفاف.
ورغم أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الشح المائي الحاد، فإن ذلك، برأيه، أبقى أنماط الزراعة السائدة على حالها، من دون إيلاء إدارة المياه وكفاءة استخدامها الاهتمام الكافي، إذ يصعب إقناع المزارع بالتخلي عن محاصيل مرتفعة المردود لمصلحة زراعات أقل استهلاكاً للمياه لكنها أقل ربحية.
البحث عن اكتفاء اقليمي
ويشير إلى أن أزمة الأمن الغذائي في لبنان لا ترتبط بقدرته على إنتاج الخضر والفاكهة، بل باعتماده الكبير على استيراد القمح واللحوم، ما يجعل تحقيق الاكتفاء الذاتي أمراً بالغ الصعوبة، ويفرض التفكير في أمن غذائي إقليمي يخفف من هشاشة سلاسل الإمداد.
ويخلص إلى أن الجفاف قد يحول الأمن الغذائي من قضية زراعية إلى أزمة اقتصادية، سرعان ما تأخذ أبعاداً سياسية واجتماعية. ويستشهد بما شهدته المنطقة بعد أزمة الغذاء والطاقة عام 2008، التي مهدت لاحتجاجات واسعة في عدد من الدول العربية، محذراً من أن استمرار الضغوط على الغذاء قد يعيد إنتاج سيناريوات مماثلة إذا لم تُعتمد سياسات استباقية تعزز قدرة القطاع الزراعي على الصمود.
ربما لا تكمن خطورة الجفاف في لبنان في ما يعيشه اليوم، بل في ما قد يخسره غداً. فبلد ارتبط اسمه بالينابيع والأنهار يجد نفسه للمرة الأولى أمام احتمال أن تصبح وفرة المياه جزءاً من الماضي، إذا استمرت التحولات المناخية من دون استعداد حقيقي.
وعندها، لن يكون التحدي إنقاذ موسم زراعي واحد، بل الحفاظ على ميزة طبيعية شكّلت لعقود أحد أبرز عناصر قوة لبنان في منطقة يزداد عطشها عاماً بعد عام.
لبنان بلد الأنهار على حافة العطش؟

ربما لا تكمن خطورة الجفاف في لبنان في ما يعيشه اليوم، بل في ما قد يخسره غداً.
إذا كان الجفاف يرسم اليوم ملامح أزمة عربية تتجاوز نقص المياه إلى تهديد الأمن الغذائي، فإن لبنان ليس بمنأى عن هذا المسار. فالبنك الدولي يضع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في صدارة المناطق الأكثر عرضة لتفاقم موجات الجفاف نتيجة تغير المناخ، محذراً من تداعياتها على الزراعة والاقتصاد وسبل العيش.
ورغم الصورة النمطية التي طالما ارتبطت بلبنان بصفته “بلد المياه”، فإن التحولات المناخية المتسارعة بدأت تفرض واقعاً مختلفاً، يتجلى في ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع انتظام الأمطار، وتزايد الضغوط على الموارد المائية، في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي أزماتٍ متراكمة تزيد من هشاشته.
ومع أن لبنان يمتلك موارد مائية أكبر من عدد من دول المنطقة، فإن آثار التغير المناخي بدأت تظهر بوضوح من خلال ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الهطول المطري، وتكرار موجات الحر والجفاف، وهو ما يضغط على الزراعة والموارد المائية وسبل عيش المجتمعات الريفية.
الجفاف يزيد هشاشة نظام غذائي يعاني أصلاً في لبنان
ومع استمرار هذه الاتجاهات، يُتوقع أن تصبح موجات الجفاف أكثر تكراراً وحدّة خلال العقود المقبلة، ما يفرض، بحسب كنزي عزمي، مسؤولة الحملات الإقليمية في “غرينبيس” الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الانتقال من مرحلة رصد المخاطر إلى تنفيذ سياسات عملية ترتكز على الإدارة المستدامة للمياه، ودعم الزراعة القادرة على التكيف، والاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر والبنى التحتية الأكثر صموداً، إلى جانب التوسع في الطاقة المتجددة ورفع كفاءة استخدام المياه.
سيؤثر الجفاف بشكل مباشر على الأمن الغذائي في لبنان والمنطقة العربية لأنه يضغط على مورد أساسي هو المياه، ما ينعكس على إنتاجية المحاصيل وتكلفة الإنتاج الزراعي. وتكشف المعطيات أن المشكلة لا تتعلق بالإنتاج وحده، وإنما أيضاً بقدرة الناس على الوصول إلى الغذاء في ظلّ هشاشة اقتصادية واعتماد كبير على الاستيراد.
وهذا ما يؤكده تقرير “تقييم حالة الأمن الغذائي في لبنان: الحلقة المفرغة بين الفقر والحرب وتآكل الدخل” الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2026)، والذي يبين أن لبنان يستورد نحو 50% من إجمالي إمداداته الغذائية ونحو 90% من الحبوب، ما يجعله شديد الحساسية لأي اضطراب مناخي أو ارتفاع عالمي في أسعار الغذاء والطاقة والشحن.
كما يشير التقرير إلى أن الحرب والتصعيد الإقليمي أثّرا على الإنتاج الزراعي المحلي، بحيث أفادت 85% من الأسر العاملة في القطاع الزراعي بوجود صعوبات في الإنتاج.
لذلك، فإن الجفاف لا يعمل بمعزل عن هذه العوامل، بل يزيد من هشاشة نظام غذائي يعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية ومناخية وجيوسياسية. والخطر الحقيقي ليس أن يختفي الإنتاج المحلي بالكامل، بل أن يصبح أقل قدرة على تلبية الاحتياجات، فتتسع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، ويزداد الاعتماد على الاستيراد، بما يجعل الأمن الغذائي أكثر عرضة للصدمات الخارجية.
دول عربية عرضة لأزمات مياه
وعلى مستوى المنطقة، ترجح عزمي أن تؤدي الضغوط المتزايدة على المياه إلى ارتفاع احتمالات التوتر بين الدول التي تتقاسم الأنهار والأحواض المائية، لكنها تؤكد أن ندرة المياه وحدها لا تصنع الصراعات، بل إن طبيعة العلاقات السياسية وآليات التعاون وإدارة الموارد المشتركة تبقى العامل الحاسم.
وتبرز دول مثل الأردن وسوريا والعراق ولبنان واليمن وفلسطين، إلى جانب المغرب وتونس، بين الأكثر عرضة لأزمات المياه خلال العقود المقبلة، في ظل تكرار موجات الجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي واتساع ظاهرة النزوح المرتبطة بالمناخ.
وتشير التقديرات إلى أن متوسط درجات الحرارة قد يرتفع بنحو 1.5 إلى 2 درجة مئوية بحلول عام 2050، بالتزامن مع انخفاض معدلات الهطول المطري بنسبة تراوح بين 10 و20%. ويؤثر ذلك بشكل مباشر على الزراعة وتوافر المياه.
وتلفت إلى أن الحروب تضاعف هذه التحديات، إذ لا تقتصر آثارها على التدمير المباشر، بل تمتد إلى زيادة الانبعاثات، وتلوث الهواء والمياه، وتدمير البنية التحتية والأنظمة البيئية.
وبينما يحذر العلماء من الاقتراب من “نقاط التحول المناخية” التي قد تؤدي إلى تغيرات يصعب عكسها، تؤكد عزمي أن تجنبها لا يزال ممكناً، وأن كل خفض للانبعاثات وكل استثمار في حماية الطبيعة وإدارة المياه يعزز قدرة المجتمعات على مواجهة الجفاف ويحد من مخاطره على الأمن الغذائي.
كيف تبدو هذه التحذيرات على أرض الواقع في لبنان؟
الإجابة لا تقتصر على المؤشرات المناخية، فهي تمتد إلى طريقة تفاعل القطاع الزراعي معها، وقدرته على التكيف مع واقع بات أكثر تقلباً.
في هذا الصدد، يؤكد كنج حمادة الخبير في الاقتصاد الزراعي في حديث الى “النهار” أن التحدي الأكبر الذي يفرضه التغير المناخي لا يقتصر على تراجع الأمطار، بل يكمن في عدم القدرة على التنبؤ بها. فالمزارع اللبناني لايزال يبني قراراته على خبرته المتراكمة ومواسم الأمطار السابقة، لا على سيناريوات مناخية متقلبة. ولأن الجفاف لم يتحول بعد إلى واقع دائم في لبنان، كما هي الحال في بعض دول عربية أخرى، لا تزال قناعة كثير من المزارعين بضرورة تغيير أساليب الإنتاج وإدارة المياه محدودة، خصوصاً بعد موسمٍ مطري جيد نسبياً العام الماضي.
وتزداد صعوبة هذا التحول مع محدودية المعرفة والإمكانات لدى المزارعين، وغياب التجديد في القطاع الزراعي العائلي، إذ تتجه الأجيال الشابة إلى اختصاصات بعيدة عن الزراعة، فيما يراوح متوسط أعمار المزارعين بين 50 و55 عاماً، ما يحدّ من تبني ممارسات جديدة والتخطيط الطويل الأمد.
من هنا، تبرز، بحسب حمادة، ضرورة بناء شراكة بين المزارعين والمهندسين الزراعيين والخبراء لتطوير حلول عملية تساعد القطاع على التكيف مع الجفاف.
إلا أن هذه الصورة لا تنطبق على جميع المناطق اللبنانية. فبحسب حمادة، لا يزال بعض المجتمعات الزراعية، ولا سيما منها في القرى الحدودية الجنوبية، إضافة إلى راشيا وحاصبيا وعرسال وغيرها، يحافظ على إرثٍ زراعي قائم على المعرفة المحلية المتوارثة، يقوم على إدارة الموارد المائية والتعامل مع شح المياه بحكمة، ما يجعلها نموذجاً يمكن الاستفادة منه في رسم سياسات التكيف مع الجفاف.
ورغم أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الشح المائي الحاد، فإن ذلك، برأيه، أبقى أنماط الزراعة السائدة على حالها، من دون إيلاء إدارة المياه وكفاءة استخدامها الاهتمام الكافي، إذ يصعب إقناع المزارع بالتخلي عن محاصيل مرتفعة المردود لمصلحة زراعات أقل استهلاكاً للمياه لكنها أقل ربحية.
البحث عن اكتفاء اقليمي
ويشير إلى أن أزمة الأمن الغذائي في لبنان لا ترتبط بقدرته على إنتاج الخضر والفاكهة، بل باعتماده الكبير على استيراد القمح واللحوم، ما يجعل تحقيق الاكتفاء الذاتي أمراً بالغ الصعوبة، ويفرض التفكير في أمن غذائي إقليمي يخفف من هشاشة سلاسل الإمداد.
ويخلص إلى أن الجفاف قد يحول الأمن الغذائي من قضية زراعية إلى أزمة اقتصادية، سرعان ما تأخذ أبعاداً سياسية واجتماعية. ويستشهد بما شهدته المنطقة بعد أزمة الغذاء والطاقة عام 2008، التي مهدت لاحتجاجات واسعة في عدد من الدول العربية، محذراً من أن استمرار الضغوط على الغذاء قد يعيد إنتاج سيناريوات مماثلة إذا لم تُعتمد سياسات استباقية تعزز قدرة القطاع الزراعي على الصمود.
ربما لا تكمن خطورة الجفاف في لبنان في ما يعيشه اليوم، بل في ما قد يخسره غداً. فبلد ارتبط اسمه بالينابيع والأنهار يجد نفسه للمرة الأولى أمام احتمال أن تصبح وفرة المياه جزءاً من الماضي، إذا استمرت التحولات المناخية من دون استعداد حقيقي.
وعندها، لن يكون التحدي إنقاذ موسم زراعي واحد، بل الحفاظ على ميزة طبيعية شكّلت لعقود أحد أبرز عناصر قوة لبنان في منطقة يزداد عطشها عاماً بعد عام.










