سوريا في لبنان: تناقض في الموقف الأميركي أم خيارات مفتوحة؟

الكاتب: فارس خشان | المصدر: النهار
21 تموز 2026

هل غيّرت واشنطن موقفها خلال أيام؟ أم أن الإدارة الأميركية تتحدث بلغتين مختلفتين؛ إحداهما موجهة إلى بيروت لطمأنتها، والأخرى تعكس رؤية ترامب لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي؟

في غضون أيام قليلة، خرجت من الإدارة الأميركية رسالتان تبدوان، للوهلة الأولى، متناقضتين حيال مستقبل الدور السوري في لبنان.

الرسالة الأولى جاءت من بيروت، حيث نقل السفير الأميركي ميشال عيسى عن وزير الخارجية ماركو روبيو، عقب لقائه رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، موقفاً أميركياً واضحاً برفض أي تدخل سوري في لبنان، مؤكداً أن واشنطن لا تؤيد عودة دمشق إلى الساحة اللبنانية بأي صيغة.

أما الرسالة الثانية، فهي ليست جديدة، بل سبق أن عبّر عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة، حين تحدث عن إمكانية أن تؤدي سوريا دوراً في معالجة ملف “حزب الله”. ثم جاء تقرير معلوماتي منسوب إلى مصدر ديبلوماسي أميركي في تركيا ليضيف تفاصيل غير مسبوقة إلى هذه المقاربة، كاشفاً أن لقاء ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة في الثامن من تموز تناول إمكان مساهمة سوريا في نزع سلاح “حزب الله”، وصولاً إلى بحث دعم عسكري سوري للجيش اللبناني، إذا طلبت الحكومة اللبنانية ذلك، وتحت غطاء من الجامعة العربية ومجلس الأمن.

بين الرسالتين يبرز سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: هل غيّرت واشنطن موقفها خلال أيام؟ أم أن الإدارة الأميركية تتحدث بلغتين مختلفتين؛ إحداهما موجهة إلى بيروت لطمأنتها، والأخرى تعكس رؤية ترامب لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي؟

إذا صحّت المعطيات التي أوردها المصدر الديبلوماسي الأميركي في تركيا، فإنها لا تشكل انقلاباً على مواقف ترامب، بل تؤكد ما سبق أن لمح إليه أكثر من مرة، وهو أن سوريا الجديدة يمكن أن تكون جزءاً من الحل في لبنان، لا جزءاً من المشكلة.

وبحسب المصدر، طلب ترامب من الرئيس السوري أحمد الشرع المساعدة في معالجة ملف سلاح “حزب الله”. فجاء الرد السوري بأن دمشق ستسعى أولًا إلى استخدام الوسائل السياسية والدبلوماسية، وإذا تعذر ذلك، فإنها مستعدة لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية عسكرياً، شرط أن يتم ذلك بطلب رسمي من الحكومة اللبنانية، وبغطاء من الجامعة العربية وقرار من مجلس الأمن، على أن يكون الوجود السوري مؤقتاً وينتهي فور استعادة الدولة اللبنانية سيطرتها الكاملة.

ويضيف المصدر أن ترامب أبدى ارتياحه لهذا التصور، وأن اللقاء تناول أيضًا رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، ودعمها اقتصادياً، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى، بينها السويداء و”قسد”.

إذاً، فإن التقرير لا يطرح فكرة جديدة، بل يعزز الانطباع بأن الرئيس الأميركي ينظر إلى دمشق بوصفها شريكًا محتملاً في ترتيبات ما بعد الحرب مع إيران، وفي معالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً في لبنان، وهو ملف سلاح “حزب الله”.
لكن بعد أيام فقط، جاء موقف ماركو روبيو ليبدو وكأنه يسير في الاتجاه المعاكس.
فبحسب ما نقله السفير ميشال عيسى، أكد وزير الخارجية الأميركي رفض أي تدخل سوري في لبنان، في موقف يعكس تمسك وزارة الخارجية بالموقف الأميركي التقليدي القائم على رفض عودة النفوذ السوري إلى لبنان.

أين يبدأ التناقض… وأين ينتهي؟

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل هناك تناقض داخل الإدارة الأميركية؟

ليس بالضرورة.
فالراجح أن ترامب وروبيو يتحدثان عن مستويين مختلفين. الرئيس الأميركي يتعامل مع لبنان باعتباره جزءاً من تسوية إقليمية أوسع، هدفها إنهاء نفوذ إيران في المشرق، وإقفال ملف “حزب الله”. ومن هذا المنطلق، قد يرى أن الاستفادة من دمشق الجديدة، ضمن ترتيبات محددة، تخدم هذا الهدف.
أما وزارة الخارجية، فتتعامل مع الملف اللبناني من زاوية مختلفة، عنوانها حماية سيادة لبنان ومنع أي انطباع بأن الولايات المتحدة تمهد لعودة الوصاية السورية التي انتهت عام 2005.
بمعنى آخر، قد لا يكون الخلاف على الهدف، بل على كيفية تقديمه سياسياً.

غير أن ذلك لا يلغي وجود مؤشرات تستحق التوقف عندها. فالتقرير المنسوب إلى مصدر دبلوماسي أميركي في تركيا لا يتحدث عن فكرة عامة، بل ينقل تفاصيل دقيقة عن نقاش تناول شروط أي دور سوري محتمل، وحدوده، ومرجعيته القانونية، وطبيعته المؤقتة. وهذه ليست تفاصيل توحي بطرح عابر، بل بمقاربة يجري تداولها داخل دوائر القرار.

ولعل هذا ما يفسر حرص روبيو على إطلاق رسالة معاكسة من بيروت. فمجرد الحديث عن دور سوري في لبنان يستحضر ذاكرة ثلاثة عقود من الوصاية السورية، وهو أمر تدرك واشنطن حساسيته داخلياً وإقليمياً، وتسعى إلى تبديد أي انطباع بأنها تعيد إنتاج التجربة السابقة.

لكن، في المقابل، يبدو أن ترامب ينظر إلى سوريا الجديدة بمنظار مختلف. فبعد التحولات التي شهدتها دمشق، قد تكون الإدارة الأميركية بصدد اختبار دور سوري مختلف، لا يقوم على الوصاية أو الهيمنة، بل على المشاركة في ترتيبات أمنية وسياسية أوسع، إذا توافرت لها الشرعية اللبنانية والعربية والدولية.

قد يكون هذا هو التفسير الوحيد الذي يسمح بفهم الرسالتين معاً: ترامب لا يغلق الباب أمام دور سوري منضبط يخدم مشروعه لإعادة رسم توازنات المنطقة، فيما يحرص روبيو على التأكيد أن ذلك لا يعني، بأي حال، عودة سوريا لاعباً مهيمناً على القرار اللبناني.

وبين هذين الخطابين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمضي واشنطن فعلاً نحو إعادة تعريف الدور السوري في لبنان، أم أن ما يجري ليس أكثر من توزيع أدوار داخل إدارة واحدة، تقول في العلن ما يطمئن اللبنانيين، وتبحث في الكواليس عن خيارات قد تفرضها التسويات الكبرى؟

سوريا في لبنان: تناقض في الموقف الأميركي أم خيارات مفتوحة؟

الكاتب: فارس خشان | المصدر: النهار
21 تموز 2026

هل غيّرت واشنطن موقفها خلال أيام؟ أم أن الإدارة الأميركية تتحدث بلغتين مختلفتين؛ إحداهما موجهة إلى بيروت لطمأنتها، والأخرى تعكس رؤية ترامب لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي؟

في غضون أيام قليلة، خرجت من الإدارة الأميركية رسالتان تبدوان، للوهلة الأولى، متناقضتين حيال مستقبل الدور السوري في لبنان.

الرسالة الأولى جاءت من بيروت، حيث نقل السفير الأميركي ميشال عيسى عن وزير الخارجية ماركو روبيو، عقب لقائه رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، موقفاً أميركياً واضحاً برفض أي تدخل سوري في لبنان، مؤكداً أن واشنطن لا تؤيد عودة دمشق إلى الساحة اللبنانية بأي صيغة.

أما الرسالة الثانية، فهي ليست جديدة، بل سبق أن عبّر عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة، حين تحدث عن إمكانية أن تؤدي سوريا دوراً في معالجة ملف “حزب الله”. ثم جاء تقرير معلوماتي منسوب إلى مصدر ديبلوماسي أميركي في تركيا ليضيف تفاصيل غير مسبوقة إلى هذه المقاربة، كاشفاً أن لقاء ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة في الثامن من تموز تناول إمكان مساهمة سوريا في نزع سلاح “حزب الله”، وصولاً إلى بحث دعم عسكري سوري للجيش اللبناني، إذا طلبت الحكومة اللبنانية ذلك، وتحت غطاء من الجامعة العربية ومجلس الأمن.

بين الرسالتين يبرز سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: هل غيّرت واشنطن موقفها خلال أيام؟ أم أن الإدارة الأميركية تتحدث بلغتين مختلفتين؛ إحداهما موجهة إلى بيروت لطمأنتها، والأخرى تعكس رؤية ترامب لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي؟

إذا صحّت المعطيات التي أوردها المصدر الديبلوماسي الأميركي في تركيا، فإنها لا تشكل انقلاباً على مواقف ترامب، بل تؤكد ما سبق أن لمح إليه أكثر من مرة، وهو أن سوريا الجديدة يمكن أن تكون جزءاً من الحل في لبنان، لا جزءاً من المشكلة.

وبحسب المصدر، طلب ترامب من الرئيس السوري أحمد الشرع المساعدة في معالجة ملف سلاح “حزب الله”. فجاء الرد السوري بأن دمشق ستسعى أولًا إلى استخدام الوسائل السياسية والدبلوماسية، وإذا تعذر ذلك، فإنها مستعدة لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية عسكرياً، شرط أن يتم ذلك بطلب رسمي من الحكومة اللبنانية، وبغطاء من الجامعة العربية وقرار من مجلس الأمن، على أن يكون الوجود السوري مؤقتاً وينتهي فور استعادة الدولة اللبنانية سيطرتها الكاملة.

ويضيف المصدر أن ترامب أبدى ارتياحه لهذا التصور، وأن اللقاء تناول أيضًا رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، ودعمها اقتصادياً، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى، بينها السويداء و”قسد”.

إذاً، فإن التقرير لا يطرح فكرة جديدة، بل يعزز الانطباع بأن الرئيس الأميركي ينظر إلى دمشق بوصفها شريكًا محتملاً في ترتيبات ما بعد الحرب مع إيران، وفي معالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً في لبنان، وهو ملف سلاح “حزب الله”.
لكن بعد أيام فقط، جاء موقف ماركو روبيو ليبدو وكأنه يسير في الاتجاه المعاكس.
فبحسب ما نقله السفير ميشال عيسى، أكد وزير الخارجية الأميركي رفض أي تدخل سوري في لبنان، في موقف يعكس تمسك وزارة الخارجية بالموقف الأميركي التقليدي القائم على رفض عودة النفوذ السوري إلى لبنان.

أين يبدأ التناقض… وأين ينتهي؟

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل هناك تناقض داخل الإدارة الأميركية؟

ليس بالضرورة.
فالراجح أن ترامب وروبيو يتحدثان عن مستويين مختلفين. الرئيس الأميركي يتعامل مع لبنان باعتباره جزءاً من تسوية إقليمية أوسع، هدفها إنهاء نفوذ إيران في المشرق، وإقفال ملف “حزب الله”. ومن هذا المنطلق، قد يرى أن الاستفادة من دمشق الجديدة، ضمن ترتيبات محددة، تخدم هذا الهدف.
أما وزارة الخارجية، فتتعامل مع الملف اللبناني من زاوية مختلفة، عنوانها حماية سيادة لبنان ومنع أي انطباع بأن الولايات المتحدة تمهد لعودة الوصاية السورية التي انتهت عام 2005.
بمعنى آخر، قد لا يكون الخلاف على الهدف، بل على كيفية تقديمه سياسياً.

غير أن ذلك لا يلغي وجود مؤشرات تستحق التوقف عندها. فالتقرير المنسوب إلى مصدر دبلوماسي أميركي في تركيا لا يتحدث عن فكرة عامة، بل ينقل تفاصيل دقيقة عن نقاش تناول شروط أي دور سوري محتمل، وحدوده، ومرجعيته القانونية، وطبيعته المؤقتة. وهذه ليست تفاصيل توحي بطرح عابر، بل بمقاربة يجري تداولها داخل دوائر القرار.

ولعل هذا ما يفسر حرص روبيو على إطلاق رسالة معاكسة من بيروت. فمجرد الحديث عن دور سوري في لبنان يستحضر ذاكرة ثلاثة عقود من الوصاية السورية، وهو أمر تدرك واشنطن حساسيته داخلياً وإقليمياً، وتسعى إلى تبديد أي انطباع بأنها تعيد إنتاج التجربة السابقة.

لكن، في المقابل، يبدو أن ترامب ينظر إلى سوريا الجديدة بمنظار مختلف. فبعد التحولات التي شهدتها دمشق، قد تكون الإدارة الأميركية بصدد اختبار دور سوري مختلف، لا يقوم على الوصاية أو الهيمنة، بل على المشاركة في ترتيبات أمنية وسياسية أوسع، إذا توافرت لها الشرعية اللبنانية والعربية والدولية.

قد يكون هذا هو التفسير الوحيد الذي يسمح بفهم الرسالتين معاً: ترامب لا يغلق الباب أمام دور سوري منضبط يخدم مشروعه لإعادة رسم توازنات المنطقة، فيما يحرص روبيو على التأكيد أن ذلك لا يعني، بأي حال، عودة سوريا لاعباً مهيمناً على القرار اللبناني.

وبين هذين الخطابين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمضي واشنطن فعلاً نحو إعادة تعريف الدور السوري في لبنان، أم أن ما يجري ليس أكثر من توزيع أدوار داخل إدارة واحدة، تقول في العلن ما يطمئن اللبنانيين، وتبحث في الكواليس عن خيارات قد تفرضها التسويات الكبرى؟

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار