واشنطن تضغط… وبيروت تفاوض على الوقت

بين استقبال بروتوكوليّ ورسائل سياسيّة ثقيلة، تتحرّك زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون لواشنطن. فاللقاء مع وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو في مبنى وزارة الخارجيّة، وغياب وزير الخارجيّة اللبنانيّ عن الوفد الرسميّ، كلّها تفاصيل أثارت علامات استفهام في بيروت عن الرسائل التي أرادت واشنطن توجيهها من حيث الشكل.
في السياسة اللبنانيّة، لا تُقاس الزيارات دائماً بصورها، بل بنتائجها. ولبنان لم يعد يملك ترف اشتراط مراسم البروتوكول الدبلوماسيّة، فيما ينتظر من هذه الزيارة ثلاثة مكاسب أساسيّة: دفع إسرائيل إلى بدء الانسحاب من بعض المناطق تمهيداً لتطبيق آليّة اتّفاق الإطار، الحصول على دعم استثنائيّ للجيش اللبنانيّ يتجاوز المساعدات العسكريّة التقليديّة، وفتح الباب أمام إعادة إعمار تدريجيّة للمناطق المتضرّرة، بعدما بات واضحاً أنّ المجتمع الدوليّ لا يتّجه إلى تمويل شامل وفوريّ، بل إلى مسار طويل يرتبط بالاستقرار الأمنيّ وتنفيذ الالتزامات.
بحسب مصادر دبلوماسيّة لـ “أساس”، تأتي أهمّيّة الزيارة في لحظة تعمل فيها الإدارة الأميركيّة على حماية اتّفاق الإطار الذي رعته، باعتباره الإطار الوحيد الذي ما يزال قابلاً للحياة على الجبهة اللبنانيّة.
إلّا أنّ جدول أعمال الزيارة لا يقتصر على المطالب اللبنانيّة. فبحسب المصادر، تحملُ واشنطن بدورها مجموعة من الاستحقاقات التي تنتظر من الرئيس جوزف عون مقاربتها خلال لقاءاته. وفي مقدَّمها تقديم رؤية واضحة لكيفيّة الانتقال إلى مرحلة حصر السلاح بيد الدولة، عبر خطّة تنفيذيّة وجدول زمنيّ يضمنان تنفيذ الالتزامات التي نصّ عليها اتّفاق الإطار.
لا تخفي الإدارة الأميركيّة، وفق المصادر، رغبتها في أن يشكّل نجاح هذا الاتّفاق مدخلاً إلى مسار سياسيّ أوسع ينتهي بانضمام لبنان إلى منظومة السلام الإقليميّة مع إسرائيل، باعتبار أنّ الاستقرار الدائم لا يمكن أن يقتصر، من وجهة نظرها، على ترتيبات أمنيّة عند الحدود. غير أنّ هذه العناوين تصطدم بواقع لبنانيّ شديد التعقيد، في ظلّ الرفض المعلن لـ”الحزب” لأيّ نقاش يتعلّق بسلاحه أو بأيّ مسار يؤدّي إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
واشنطن تتمسّك بالاتّفاق… والجيش يسبق الوقائع
تقول المصادر الدبلوماسيّة إنّ واشنطن تمارس ضغوطاً متواصلة على إسرائيل للحفاظ على اتّفاق الإطار وعدم السماح بانهياره، انطلاقاً من قناعة مفادها أنّ سقوطه سيعني العودة إلى المواجهة العسكريّة، ليس فقط في جنوب لبنان، بل على مستوى الإقليم بأكمله.
في معلومات “أساس” أنّ الاجتماع الأمنيّ الذي تردّدت معلومات عن إلغائه في روما، لم يُلغَ في الواقع، بل انعقد افتراضيّاً بين لبنان وإسرائيل والولايات المتّحدة، وتركّز البحث خلاله على ما يُعرف بـ”المناطق التجريبيّة”، أي المناطق التي يُفترض أن تشكّل المرحلة الأولى من تنفيذ الاتّفاق. إلّا أنّ نتائج الاجتماع بقيت بعيدة عن الإعلام بانتظار انتهاء زيارة عون لواشنطن، تفادياً لأيّ تشويش على الاتّصالات السياسيّة.
تأمل الدولة اللبنانيّة أن يشكّل بدء الانسحاب الإسرائيليّ من بعض هذه المناطق المدخل العمليّ لتطبيق الاتّفاق، بما يسمح للجيش اللبنانيّ بتوسيع انتشاره تدريجاً وفق الآليّة المتّفق عليها.
بناء عليه، تقول مصادر عسكريّة إنّ الجيش اللبنانيّ لم ينتظر نتائج المفاوضات. بل عزّز انتشاره في بلدات زوطر الغربيّة، فرون، قلاويه، الغندوريّة، صريفا، وأقام حواجز إضافيّة فيها، في خطوة هدفت إلى تثبيت حضور الدولة ومنع إسرائيل من التعامل مع هذه البلدات باعتبارها مناطق يمكن إدراجها ضمن مفهوم “المناطق التجريبيّة” وفق رؤيتها الخاصّة. كانت الرسالة اللبنانيّة واضحة: انتشار الجيش يسبق أيّ محاولة لرسم خرائط جديدة على الأرض أو فرض وقائع تفاوضيّة بقوّة الأمر الواقع بشكل “تبيع واشنطن وتل أبيب لبنان من كيسه”.
بين ضغوط واشنطن وحسابات نتنياهو
غير أنّ حماية الاتّفاق لا تتوقّف على الإرادة الأميركيّة وحدها، فالمفارقة أنّ الطرفين اللذين خاضا الحرب لا ينظران إليه بالمنظار نفسه الذي تنظر إليه واشنطن أو الدولة اللبنانيّة. فإسرائيل لا تزال تعتبره وسيلة لتحقيق أهدافها الأمنيّة وليس تسوية نهائيّة، فيما يرفض “الحزب” أيّ مسار يرى فيه مدخلاً لمعالجة ملفّ سلاحه وفق الشروط الأميركيّة.
تكشف مصادر دبلوماسيّة أنّ الإدارة الأميركيّة تبذل، بالتوازي مع جهودها في لبنان، ضغوطاً على إسرائيل لمنعها من الانخراط في أيّ مواجهة جديدة مع إيران أو توسيع أيّ تصعيد أميركيّ – إيرانيّ محتمل. فدخول إسرائيل في مثل هذه المواجهة سيؤدّي عمليّاً إلى إسقاط اتّفاق الإطار، وإعادة خلط الأوراق على الساحة اللبنانيّة.
لكنّ هذه الضغوط لا تعني أنّ الرؤيتين الأميركيّة والإسرائيليّة متطابقتان. فواشنطن تريد الحفاظ على الاتّفاق باعتباره إطاراً يسمح بتعزيز سلطة الدولة اللبنانيّة وتجنُّب حرب جديدة، فيما لا تخفي إسرائيل أنّها ما تزال تتحضّر لما تسمّيه “الحلّ النهائيّ” في لبنان، أي إنهاء التهديد الذي يمثّله “الحزب”، سواء عبر نجاح الاتّفاق في تحقيق أهدافه أو عبر اللجوء إلى الخيار العسكريّ إذا تعثّر التنفيذ.
نتنياهو في منطقة رماديّة
يزداد هذا المشهد تعقيداً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. فرئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو لا يبدو معنيّاً اليوم بفتح حرب واسعة قد تربك حساباته الداخليّة، لكنّه في المقابل لا يستطيع الظهور بموقع المتراجع عن أهداف الحرب التي أعلنها. ومن هنا يمكن فهم جزء من الضغوط الأميركيّة الهادفة إلى إبقاء الجبهة اللبنانية تحت السيطرة خلال هذه المرحلة، ومنع أيّ تطوّر قد ينسف اتّفاق الإطار قبل أن يأخذ فرصته في التنفيذ.
لهذا نجاح زيارة عون مرتبط بقدرته على إنتاج وقائع جديدة على الأرض. فالمطلوب لبنانيّاً ليس بيانات دعم، بل خطوات عمليّة تبدأ بانسحاب إسرائيليّ، وتترافق مع دعم نوعيّ للجيش اللبنانيّ، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، بما يثبت أنّ اتّفاق الإطار انتقل من النصوص إلى التطبيق.
أمّا إذا انتهت الزيارة من دون نتائج ملموسة، وبقي الاتّفاق عالقاً بين الشروط الإسرائيليّة ورفض “الحزب”، بل في أنّ لبنان سيكون قد أضاع فرصة جديدة لإثبات أنّه ما يزال يشغل موقعاً في أولويّات واشنطن، في وقت تستعدّ المنطقة لجولة جديدة من إعادة رسم موازين القوى قد لا تترك للّبنانيّين هامشاً واسعاً للمناورة لاحقاً.
واشنطن تضغط… وبيروت تفاوض على الوقت

بين استقبال بروتوكوليّ ورسائل سياسيّة ثقيلة، تتحرّك زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون لواشنطن. فاللقاء مع وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو في مبنى وزارة الخارجيّة، وغياب وزير الخارجيّة اللبنانيّ عن الوفد الرسميّ، كلّها تفاصيل أثارت علامات استفهام في بيروت عن الرسائل التي أرادت واشنطن توجيهها من حيث الشكل.
في السياسة اللبنانيّة، لا تُقاس الزيارات دائماً بصورها، بل بنتائجها. ولبنان لم يعد يملك ترف اشتراط مراسم البروتوكول الدبلوماسيّة، فيما ينتظر من هذه الزيارة ثلاثة مكاسب أساسيّة: دفع إسرائيل إلى بدء الانسحاب من بعض المناطق تمهيداً لتطبيق آليّة اتّفاق الإطار، الحصول على دعم استثنائيّ للجيش اللبنانيّ يتجاوز المساعدات العسكريّة التقليديّة، وفتح الباب أمام إعادة إعمار تدريجيّة للمناطق المتضرّرة، بعدما بات واضحاً أنّ المجتمع الدوليّ لا يتّجه إلى تمويل شامل وفوريّ، بل إلى مسار طويل يرتبط بالاستقرار الأمنيّ وتنفيذ الالتزامات.
بحسب مصادر دبلوماسيّة لـ “أساس”، تأتي أهمّيّة الزيارة في لحظة تعمل فيها الإدارة الأميركيّة على حماية اتّفاق الإطار الذي رعته، باعتباره الإطار الوحيد الذي ما يزال قابلاً للحياة على الجبهة اللبنانيّة.
إلّا أنّ جدول أعمال الزيارة لا يقتصر على المطالب اللبنانيّة. فبحسب المصادر، تحملُ واشنطن بدورها مجموعة من الاستحقاقات التي تنتظر من الرئيس جوزف عون مقاربتها خلال لقاءاته. وفي مقدَّمها تقديم رؤية واضحة لكيفيّة الانتقال إلى مرحلة حصر السلاح بيد الدولة، عبر خطّة تنفيذيّة وجدول زمنيّ يضمنان تنفيذ الالتزامات التي نصّ عليها اتّفاق الإطار.
لا تخفي الإدارة الأميركيّة، وفق المصادر، رغبتها في أن يشكّل نجاح هذا الاتّفاق مدخلاً إلى مسار سياسيّ أوسع ينتهي بانضمام لبنان إلى منظومة السلام الإقليميّة مع إسرائيل، باعتبار أنّ الاستقرار الدائم لا يمكن أن يقتصر، من وجهة نظرها، على ترتيبات أمنيّة عند الحدود. غير أنّ هذه العناوين تصطدم بواقع لبنانيّ شديد التعقيد، في ظلّ الرفض المعلن لـ”الحزب” لأيّ نقاش يتعلّق بسلاحه أو بأيّ مسار يؤدّي إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
واشنطن تتمسّك بالاتّفاق… والجيش يسبق الوقائع
تقول المصادر الدبلوماسيّة إنّ واشنطن تمارس ضغوطاً متواصلة على إسرائيل للحفاظ على اتّفاق الإطار وعدم السماح بانهياره، انطلاقاً من قناعة مفادها أنّ سقوطه سيعني العودة إلى المواجهة العسكريّة، ليس فقط في جنوب لبنان، بل على مستوى الإقليم بأكمله.
في معلومات “أساس” أنّ الاجتماع الأمنيّ الذي تردّدت معلومات عن إلغائه في روما، لم يُلغَ في الواقع، بل انعقد افتراضيّاً بين لبنان وإسرائيل والولايات المتّحدة، وتركّز البحث خلاله على ما يُعرف بـ”المناطق التجريبيّة”، أي المناطق التي يُفترض أن تشكّل المرحلة الأولى من تنفيذ الاتّفاق. إلّا أنّ نتائج الاجتماع بقيت بعيدة عن الإعلام بانتظار انتهاء زيارة عون لواشنطن، تفادياً لأيّ تشويش على الاتّصالات السياسيّة.
تأمل الدولة اللبنانيّة أن يشكّل بدء الانسحاب الإسرائيليّ من بعض هذه المناطق المدخل العمليّ لتطبيق الاتّفاق، بما يسمح للجيش اللبنانيّ بتوسيع انتشاره تدريجاً وفق الآليّة المتّفق عليها.
بناء عليه، تقول مصادر عسكريّة إنّ الجيش اللبنانيّ لم ينتظر نتائج المفاوضات. بل عزّز انتشاره في بلدات زوطر الغربيّة، فرون، قلاويه، الغندوريّة، صريفا، وأقام حواجز إضافيّة فيها، في خطوة هدفت إلى تثبيت حضور الدولة ومنع إسرائيل من التعامل مع هذه البلدات باعتبارها مناطق يمكن إدراجها ضمن مفهوم “المناطق التجريبيّة” وفق رؤيتها الخاصّة. كانت الرسالة اللبنانيّة واضحة: انتشار الجيش يسبق أيّ محاولة لرسم خرائط جديدة على الأرض أو فرض وقائع تفاوضيّة بقوّة الأمر الواقع بشكل “تبيع واشنطن وتل أبيب لبنان من كيسه”.
بين ضغوط واشنطن وحسابات نتنياهو
غير أنّ حماية الاتّفاق لا تتوقّف على الإرادة الأميركيّة وحدها، فالمفارقة أنّ الطرفين اللذين خاضا الحرب لا ينظران إليه بالمنظار نفسه الذي تنظر إليه واشنطن أو الدولة اللبنانيّة. فإسرائيل لا تزال تعتبره وسيلة لتحقيق أهدافها الأمنيّة وليس تسوية نهائيّة، فيما يرفض “الحزب” أيّ مسار يرى فيه مدخلاً لمعالجة ملفّ سلاحه وفق الشروط الأميركيّة.
تكشف مصادر دبلوماسيّة أنّ الإدارة الأميركيّة تبذل، بالتوازي مع جهودها في لبنان، ضغوطاً على إسرائيل لمنعها من الانخراط في أيّ مواجهة جديدة مع إيران أو توسيع أيّ تصعيد أميركيّ – إيرانيّ محتمل. فدخول إسرائيل في مثل هذه المواجهة سيؤدّي عمليّاً إلى إسقاط اتّفاق الإطار، وإعادة خلط الأوراق على الساحة اللبنانيّة.
لكنّ هذه الضغوط لا تعني أنّ الرؤيتين الأميركيّة والإسرائيليّة متطابقتان. فواشنطن تريد الحفاظ على الاتّفاق باعتباره إطاراً يسمح بتعزيز سلطة الدولة اللبنانيّة وتجنُّب حرب جديدة، فيما لا تخفي إسرائيل أنّها ما تزال تتحضّر لما تسمّيه “الحلّ النهائيّ” في لبنان، أي إنهاء التهديد الذي يمثّله “الحزب”، سواء عبر نجاح الاتّفاق في تحقيق أهدافه أو عبر اللجوء إلى الخيار العسكريّ إذا تعثّر التنفيذ.
نتنياهو في منطقة رماديّة
يزداد هذا المشهد تعقيداً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. فرئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو لا يبدو معنيّاً اليوم بفتح حرب واسعة قد تربك حساباته الداخليّة، لكنّه في المقابل لا يستطيع الظهور بموقع المتراجع عن أهداف الحرب التي أعلنها. ومن هنا يمكن فهم جزء من الضغوط الأميركيّة الهادفة إلى إبقاء الجبهة اللبنانية تحت السيطرة خلال هذه المرحلة، ومنع أيّ تطوّر قد ينسف اتّفاق الإطار قبل أن يأخذ فرصته في التنفيذ.
لهذا نجاح زيارة عون مرتبط بقدرته على إنتاج وقائع جديدة على الأرض. فالمطلوب لبنانيّاً ليس بيانات دعم، بل خطوات عمليّة تبدأ بانسحاب إسرائيليّ، وتترافق مع دعم نوعيّ للجيش اللبنانيّ، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، بما يثبت أنّ اتّفاق الإطار انتقل من النصوص إلى التطبيق.
أمّا إذا انتهت الزيارة من دون نتائج ملموسة، وبقي الاتّفاق عالقاً بين الشروط الإسرائيليّة ورفض “الحزب”، بل في أنّ لبنان سيكون قد أضاع فرصة جديدة لإثبات أنّه ما يزال يشغل موقعاً في أولويّات واشنطن، في وقت تستعدّ المنطقة لجولة جديدة من إعادة رسم موازين القوى قد لا تترك للّبنانيّين هامشاً واسعاً للمناورة لاحقاً.










