لماذا يصمت الشيعة؟!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
23 تموز 2026

الموقف الأميركي، الصادر مباشرة عن الرئيس ترامب وعن أركان إدارته، وضع لبنان أمام التحدّي: لا مجال لـ”الزعبرة” هذه المرّة. فإذا كان لبنان يُطالب إسرائيل بأن توقف النار تمامًا وتنسحب بالكامل، فالمقابل هو أن يفي بالتزاماته جدّيًا، فتبسط الدولة سلطتها وحدها، وتنزع سلاح “الحزب”، وتفكّك بنيته.

ثمّة مفارقة مهمّة جدًا يجدر التوقّف عندها اليوم. إنّها الصمت الذي يلتزمه المكوّن الشيعي في لبنان. لماذا يقف الرئيس نبيه بري في موضع المترقّب؟ ولماذا أوقف “حزب الله” هجومه الشرس على الدولة، باستثناء أصوات متفرّقة غير مؤثّرة، فيما يترقّب جمهور الجنوب وشيعة لبنان، بذهول وشغف، ما يفعله رئيس الجمهورية جوزاف عون في واشنطن، وما يرسمه الجيش اللبناني على أرض الجنوب؟

هذا الصّمت الشيعي ليس تمامًا استراحة محارب أو مناورة تكتيكية، كما كان غالبًا، بل هو لحظة سقوط سرديّة شيعيّة كاملة عمرها عشرات السنين. فبعد ثلاث سنوات من الحرب العبثيّة والشعارات، التي دفعت بإسرائيل إلى أعماق نهرَيْ الليطاني والزهراني، وتسبّبت في دمار القرى الحدودية، يجد “الحزب” نفسه عاجزًا عن معاكسة المزاج الشعبي اللبناني والشيعي والجنوبي.

لقد أدرك الجنوبيّون، ومعهم البيئة الحاضنة لـ”الحزب”، أنّ الحرب العبثيّة، تحت مرجعيّة إيران، لم توصلهم إلّا إلى الدمار والدماء والتهجير. وفي المقابل، لمسوا فعلًا أنّ المسار العقلاني والرّصين والمسؤول الذي تخوضه الدولة، ممثلةً برئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، هو الوحيد الذي فتح لهم باب العودة وإعادة الإعمار، في ظلّ مرجعيّة الجيش والدولة، مدعومًا بوعود صريحة من الرئيس دونالد ترامب بفتح يد واشنطن لمساعدات تقلب التعاطي الدولي مع لبنان رأسًا على عقب.

لا يستطيع “الحزب” الوقوف في وجه الرغبة العارمة، لدى أبناء الجنوب، في الخلاص من أتون الحروب الكارثيّة. وفي الواقع، فإن بيئة “الحزب” نفسها توافق ضمنًا، وبلا تردّد، على الخطوات السياديّة التي يقوم بها رئيس الجمهورية، ولو أن النفوذ الإيراني المُتغلغل يبقى له تأثيره كمحرّك في الخلفيّة. لكن هذا النفوذ يتجه إلى الضمور التدريجي بفعل عاملَيْن: الأول هو تنامي قدرة الجيش والدولة، مع نجاح “المناطق التجريبية”، والثاني تآكل الدور الإقليمي للنظام الإيراني تحت وطأة مواجهته المباشرة مع الولايات المتحدة.
لكن الموقف الأميركي، الصادر مباشرة عن الرئيس ترامب وعن أركان إدارته، وضع لبنان أمام التحدّي: لا مجال لـ”الزعبرة” هذه المرّة. فإذا كان لبنان يُطالب إسرائيل بأن توقف النار تمامًا وتنسحب بالكامل، فالمقابل هو أن يفي بالتزاماته جدّيًا، فتبسط الدولة سلطتها وحدها، وتنزع سلاح “حزب الله”، وتفكّك بنيته. أي إن الجدية هنا يجب أن تُقابل بجدية من هناك، وإلّا فسيعود الطرفان إلى المناورة.

وصراحةً، أثبتت الوقائع الميدانية أنّ ادعاءات لبنان السابقة بتنظيف جنوب نهر الليطاني من السلاح والأنفاق كانت مجرّد “مزحة” من جانب “حزب الله”، لا يمكن صرفها لا إسرائيليًّا ولا أميركيًّا. أمّا في شمال النهر، فالترسانات والشبكات الممتدّة من الشقيف وكفرتبنيت وعلي الطاهر وصولًا إلى العمق البقاعي، فلا تزال قائمة.

ستكون عودة الرئيس عون إلى بيروت شارة البدء بالامتحان الميداني والسياسي الأكبر، أي قدرة الجيش على فرض السيادة الكاملة، والدخول في عمق ملف السلاح بجرأةٍ وشفافيةٍ، بما يضمن عودة الثقة العربية والدولية إلى لبنان، بوصفه دولة ذات قرار مستقل. ويفترض أن يكون الجنوبيّون والشيعة وبيئة “حزب الله” أول المستفيدين من هذه الثقة.

لذلك، يُقرأ صمت القوى الشيعية اليوم كاعتراف ضمني عميق بسقوط خيارات الغوغاء وبروز التعقّل خيارًا وحيدًا. ولا شك في أنّ شيعة لبنان يقفون اليوم في منطقة صعبة بين مغادرة الخيار الإيراني الذي يتباعد، وخيار الدولة العائد. إنها فرصة تاريخية، والمعيار الوحيد لعدم إهدارها مُجدّدًا هو انتقال لبنان الفوري من الوعود السياسية إلى التطبيق الميداني الحاسم لنزع السلاح، في جنوب الليطاني وشماله، بلا مواربة، ومن دون مراهنة عبثية على الوقت.

لماذا يصمت الشيعة؟!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
23 تموز 2026

الموقف الأميركي، الصادر مباشرة عن الرئيس ترامب وعن أركان إدارته، وضع لبنان أمام التحدّي: لا مجال لـ”الزعبرة” هذه المرّة. فإذا كان لبنان يُطالب إسرائيل بأن توقف النار تمامًا وتنسحب بالكامل، فالمقابل هو أن يفي بالتزاماته جدّيًا، فتبسط الدولة سلطتها وحدها، وتنزع سلاح “الحزب”، وتفكّك بنيته.

ثمّة مفارقة مهمّة جدًا يجدر التوقّف عندها اليوم. إنّها الصمت الذي يلتزمه المكوّن الشيعي في لبنان. لماذا يقف الرئيس نبيه بري في موضع المترقّب؟ ولماذا أوقف “حزب الله” هجومه الشرس على الدولة، باستثناء أصوات متفرّقة غير مؤثّرة، فيما يترقّب جمهور الجنوب وشيعة لبنان، بذهول وشغف، ما يفعله رئيس الجمهورية جوزاف عون في واشنطن، وما يرسمه الجيش اللبناني على أرض الجنوب؟

هذا الصّمت الشيعي ليس تمامًا استراحة محارب أو مناورة تكتيكية، كما كان غالبًا، بل هو لحظة سقوط سرديّة شيعيّة كاملة عمرها عشرات السنين. فبعد ثلاث سنوات من الحرب العبثيّة والشعارات، التي دفعت بإسرائيل إلى أعماق نهرَيْ الليطاني والزهراني، وتسبّبت في دمار القرى الحدودية، يجد “الحزب” نفسه عاجزًا عن معاكسة المزاج الشعبي اللبناني والشيعي والجنوبي.

لقد أدرك الجنوبيّون، ومعهم البيئة الحاضنة لـ”الحزب”، أنّ الحرب العبثيّة، تحت مرجعيّة إيران، لم توصلهم إلّا إلى الدمار والدماء والتهجير. وفي المقابل، لمسوا فعلًا أنّ المسار العقلاني والرّصين والمسؤول الذي تخوضه الدولة، ممثلةً برئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، هو الوحيد الذي فتح لهم باب العودة وإعادة الإعمار، في ظلّ مرجعيّة الجيش والدولة، مدعومًا بوعود صريحة من الرئيس دونالد ترامب بفتح يد واشنطن لمساعدات تقلب التعاطي الدولي مع لبنان رأسًا على عقب.

لا يستطيع “الحزب” الوقوف في وجه الرغبة العارمة، لدى أبناء الجنوب، في الخلاص من أتون الحروب الكارثيّة. وفي الواقع، فإن بيئة “الحزب” نفسها توافق ضمنًا، وبلا تردّد، على الخطوات السياديّة التي يقوم بها رئيس الجمهورية، ولو أن النفوذ الإيراني المُتغلغل يبقى له تأثيره كمحرّك في الخلفيّة. لكن هذا النفوذ يتجه إلى الضمور التدريجي بفعل عاملَيْن: الأول هو تنامي قدرة الجيش والدولة، مع نجاح “المناطق التجريبية”، والثاني تآكل الدور الإقليمي للنظام الإيراني تحت وطأة مواجهته المباشرة مع الولايات المتحدة.
لكن الموقف الأميركي، الصادر مباشرة عن الرئيس ترامب وعن أركان إدارته، وضع لبنان أمام التحدّي: لا مجال لـ”الزعبرة” هذه المرّة. فإذا كان لبنان يُطالب إسرائيل بأن توقف النار تمامًا وتنسحب بالكامل، فالمقابل هو أن يفي بالتزاماته جدّيًا، فتبسط الدولة سلطتها وحدها، وتنزع سلاح “حزب الله”، وتفكّك بنيته. أي إن الجدية هنا يجب أن تُقابل بجدية من هناك، وإلّا فسيعود الطرفان إلى المناورة.

وصراحةً، أثبتت الوقائع الميدانية أنّ ادعاءات لبنان السابقة بتنظيف جنوب نهر الليطاني من السلاح والأنفاق كانت مجرّد “مزحة” من جانب “حزب الله”، لا يمكن صرفها لا إسرائيليًّا ولا أميركيًّا. أمّا في شمال النهر، فالترسانات والشبكات الممتدّة من الشقيف وكفرتبنيت وعلي الطاهر وصولًا إلى العمق البقاعي، فلا تزال قائمة.

ستكون عودة الرئيس عون إلى بيروت شارة البدء بالامتحان الميداني والسياسي الأكبر، أي قدرة الجيش على فرض السيادة الكاملة، والدخول في عمق ملف السلاح بجرأةٍ وشفافيةٍ، بما يضمن عودة الثقة العربية والدولية إلى لبنان، بوصفه دولة ذات قرار مستقل. ويفترض أن يكون الجنوبيّون والشيعة وبيئة “حزب الله” أول المستفيدين من هذه الثقة.

لذلك، يُقرأ صمت القوى الشيعية اليوم كاعتراف ضمني عميق بسقوط خيارات الغوغاء وبروز التعقّل خيارًا وحيدًا. ولا شك في أنّ شيعة لبنان يقفون اليوم في منطقة صعبة بين مغادرة الخيار الإيراني الذي يتباعد، وخيار الدولة العائد. إنها فرصة تاريخية، والمعيار الوحيد لعدم إهدارها مُجدّدًا هو انتقال لبنان الفوري من الوعود السياسية إلى التطبيق الميداني الحاسم لنزع السلاح، في جنوب الليطاني وشماله، بلا مواربة، ومن دون مراهنة عبثية على الوقت.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار