خاص – تموضع برّي: سر “الجوكر الشيعي”

كان لافتاً ثناءُ الرئيس جوزف عون من واشنطن، وخلال لقائه الرئيس دونالد ترامب، على دور رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، حين وصفه بأنّه رجل الدولة الباحث عن نهاية للحرب. وكان لافتاً أكثر من ذلك ردّ ترامب المباشر بأن برّي “شخص جيد وسينضمّ إلينا حين يرى التقدم”. وقد ردّ برّي التحيّة، فاتّصل بعون فور عودته إلى بيروت من زيارته الأميركية.
ونشر موقع “إرم نيوز” الإماراتي تقريراً أورد فيه أن أعضاء في الوفد المرافق للرئيس عون نقلوا رسالة من الرئيس ترامب إلى رئيس مجلس النوّاب، تطالبه باستثمار نفوذه في ملف تجريد “الحزب” من سلاحه ودعم الاتّفاق الإطاري. وأشار التقرير إلى أن واشنطن تنتظر أن يؤدّي برّي دوراً في التوصّل إلى صيغة في شأن السلاح وتسعى إلى إشراكه في الاتّفاق الإطاري، في مقابل إطلاق عملية إعادة الإعمار.
فما الذي يفعله نبيه بري تحديداً؟ وما هو اللغز الذي يحكم خلفيات أدائه في هذه اللحظة الفاصلة؟
خلاصة موقفه المعلن هي: أعطونا الملموس وخذوا التفاهمات. ويعكس هذا الخطاب معادلة براغماتية واضحة. ففحوى الرسالة التي أبلغها بري إلى بعبدا مؤدّاها أنّ النتائج الملموسة تتمثل في انسحاب إسرائيلي كامل، ووقف دائم لإطلاق النار، وإطلاق مسار الإعمار وعودة النازحين، في مقابل التسهيلات والتفاهمات المطلوبة.
وبهذه المعادلة، يرفع برّي عن نفسه تهمة التعطيل، مؤكداً أن المانع من التقدم ليس الموقف الداخلي بل المماطلة الإسرائيلية، ومكرّساً موقعه كـ “رابط شيعي معتمد ووحيد” قادر على وصل الجسور بين “حزب الله” والدولة، وصولاً إلى الولايات المتّحدة والدول العربية والخليجية.
وهكذا، يبدو بري واقعياً “جوكر” اللعبة والمحاوِر الاضطراري للجميع. فـ “الحزب” يحتاج إلى تموضعه المرن ليكون ساتراً سياسياً ودبلوماسياً يمتصّ الضغوط الدولية، ويتفاوض نيابة عنه من دون أن يورّط الحزب في تقديم تنازلات علنية. كذلك، ترى الدولة والغرب وواشنطن في بري شريكاً قادراً على ضبط الإيقاع الشيعي وتمرير التفاهمات، من دون إحداث انفصال تامّ مع الشارع.
فواشنطن تعتبر في هذه المرحلة أنّ برّي سيكون قادراً على ملء الفراغ في الشارع الشيعي، عندما يتمّ تسليم سلاح “الحزب”، الذي سيتحوّل إلى حزب سياسي كسائر الأحزاب اللبنانية. فهو يحظى بثقة البيئة الشيعية ويستطيع في الوقت عينه وصل هذه البيئة بالدولة وجعلها تنخرط من جديد في العمل السياسي من منظار مختلف. كما يتمتّع برّي بعلاقات جيّدة مع دول الخليج، وتحديداً مع المملكة السعودية التي يؤمل أن يكون لها دور كبير في نهضة الاقتصاد اللبناني ما بعد مرحلة تسليم السلاح.
وأساساً تُسجّل لبرّي مواقف متمايزة أحياناً كثيرة عن “الحزب”، خصوصاً في مراحل الحرب الأخيرة. فهو لم يكن مرتاحاً إلى فتح “حرب الإسناد الأخيرة”، بعدما سبق وتلقّى تطمينات من “الحزب” بعدم فتحة مواجهة جديدة مع إسرائيل، في وقت تواجه البيئة الشيعية أكبر عملية تهجير وتدمير للقرى ويسقط مئات الضحايا، وتظهر توجّهات مختلفة داخل هذه البيئة ترفض تحميل الناس المزيد من الخسائر من أجل دعم إيران في حربها مع الولايات المتّحدة.
كما كان موقف برّي متمايزاً حين دعا “الحزب” إلى النزول إلى الشارع رفضاً للقرارات التي أصدرها مجلس الوزراء والمتعلّقة بالسلاح، وشدّد على ضرورة منع الفتنة بأيّّ ثمن، داعياً إلى التزام اتّفاق الطائف.
وكان بري جزءاً اساسياً من الكثير من الاتّفاقات، منها ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل في مرحلة ما قبل الحرب، ثمّ في اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 الذي نصّ على وقف النار قبل أن تنطلق حرب الإسناد. فهدف برّي الحفاظ على الشيعة، بينما يهمّ “الحزب” الحفاظ على “المقاومة” وسلاحها بأي ثمن.
غير أن لغز تموضع برّي سيبقى مرهوناً بالصراع الكبير ما بين إيران وأميركا وإسرائيل. فإذا أمكن للاتفاق الإطار أن يسلك طريقه، فقد يكون لرئيس حركة “أمل” دور في المساهمة في صناعة التهدئة. أمّا إذا توسّعت المواجهة الأميركية الإيرانية، فستجرف معها التفاهمات المترنحة أساساً. وعليه، تصبح نظرية الدور المرِن لبرّي بلا فاعلية عملية، لكون الحزب جزءاً أساًسياً من الماكينة الإقليمية الإيرانية، ولأن قراره بالسلم أو الحرب يرتبط بحسابات طهران الإستراتيجية، وليس بالاتصالات المباشرة. وفي هذه الحالة، سيتلاشى هامش المناورة، وسيكون “حزب الله” مضطراً إلى خوض حرب مساندة جديدة، ما يجعل بري من جديد مسيّراً في إطار القرار الإيراني.
خاص – تموضع برّي: سر “الجوكر الشيعي”

كان لافتاً ثناءُ الرئيس جوزف عون من واشنطن، وخلال لقائه الرئيس دونالد ترامب، على دور رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، حين وصفه بأنّه رجل الدولة الباحث عن نهاية للحرب. وكان لافتاً أكثر من ذلك ردّ ترامب المباشر بأن برّي “شخص جيد وسينضمّ إلينا حين يرى التقدم”. وقد ردّ برّي التحيّة، فاتّصل بعون فور عودته إلى بيروت من زيارته الأميركية.
ونشر موقع “إرم نيوز” الإماراتي تقريراً أورد فيه أن أعضاء في الوفد المرافق للرئيس عون نقلوا رسالة من الرئيس ترامب إلى رئيس مجلس النوّاب، تطالبه باستثمار نفوذه في ملف تجريد “الحزب” من سلاحه ودعم الاتّفاق الإطاري. وأشار التقرير إلى أن واشنطن تنتظر أن يؤدّي برّي دوراً في التوصّل إلى صيغة في شأن السلاح وتسعى إلى إشراكه في الاتّفاق الإطاري، في مقابل إطلاق عملية إعادة الإعمار.
فما الذي يفعله نبيه بري تحديداً؟ وما هو اللغز الذي يحكم خلفيات أدائه في هذه اللحظة الفاصلة؟
خلاصة موقفه المعلن هي: أعطونا الملموس وخذوا التفاهمات. ويعكس هذا الخطاب معادلة براغماتية واضحة. ففحوى الرسالة التي أبلغها بري إلى بعبدا مؤدّاها أنّ النتائج الملموسة تتمثل في انسحاب إسرائيلي كامل، ووقف دائم لإطلاق النار، وإطلاق مسار الإعمار وعودة النازحين، في مقابل التسهيلات والتفاهمات المطلوبة.
وبهذه المعادلة، يرفع برّي عن نفسه تهمة التعطيل، مؤكداً أن المانع من التقدم ليس الموقف الداخلي بل المماطلة الإسرائيلية، ومكرّساً موقعه كـ “رابط شيعي معتمد ووحيد” قادر على وصل الجسور بين “حزب الله” والدولة، وصولاً إلى الولايات المتّحدة والدول العربية والخليجية.
وهكذا، يبدو بري واقعياً “جوكر” اللعبة والمحاوِر الاضطراري للجميع. فـ “الحزب” يحتاج إلى تموضعه المرن ليكون ساتراً سياسياً ودبلوماسياً يمتصّ الضغوط الدولية، ويتفاوض نيابة عنه من دون أن يورّط الحزب في تقديم تنازلات علنية. كذلك، ترى الدولة والغرب وواشنطن في بري شريكاً قادراً على ضبط الإيقاع الشيعي وتمرير التفاهمات، من دون إحداث انفصال تامّ مع الشارع.
فواشنطن تعتبر في هذه المرحلة أنّ برّي سيكون قادراً على ملء الفراغ في الشارع الشيعي، عندما يتمّ تسليم سلاح “الحزب”، الذي سيتحوّل إلى حزب سياسي كسائر الأحزاب اللبنانية. فهو يحظى بثقة البيئة الشيعية ويستطيع في الوقت عينه وصل هذه البيئة بالدولة وجعلها تنخرط من جديد في العمل السياسي من منظار مختلف. كما يتمتّع برّي بعلاقات جيّدة مع دول الخليج، وتحديداً مع المملكة السعودية التي يؤمل أن يكون لها دور كبير في نهضة الاقتصاد اللبناني ما بعد مرحلة تسليم السلاح.
وأساساً تُسجّل لبرّي مواقف متمايزة أحياناً كثيرة عن “الحزب”، خصوصاً في مراحل الحرب الأخيرة. فهو لم يكن مرتاحاً إلى فتح “حرب الإسناد الأخيرة”، بعدما سبق وتلقّى تطمينات من “الحزب” بعدم فتحة مواجهة جديدة مع إسرائيل، في وقت تواجه البيئة الشيعية أكبر عملية تهجير وتدمير للقرى ويسقط مئات الضحايا، وتظهر توجّهات مختلفة داخل هذه البيئة ترفض تحميل الناس المزيد من الخسائر من أجل دعم إيران في حربها مع الولايات المتّحدة.
كما كان موقف برّي متمايزاً حين دعا “الحزب” إلى النزول إلى الشارع رفضاً للقرارات التي أصدرها مجلس الوزراء والمتعلّقة بالسلاح، وشدّد على ضرورة منع الفتنة بأيّّ ثمن، داعياً إلى التزام اتّفاق الطائف.
وكان بري جزءاً اساسياً من الكثير من الاتّفاقات، منها ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل في مرحلة ما قبل الحرب، ثمّ في اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 الذي نصّ على وقف النار قبل أن تنطلق حرب الإسناد. فهدف برّي الحفاظ على الشيعة، بينما يهمّ “الحزب” الحفاظ على “المقاومة” وسلاحها بأي ثمن.
غير أن لغز تموضع برّي سيبقى مرهوناً بالصراع الكبير ما بين إيران وأميركا وإسرائيل. فإذا أمكن للاتفاق الإطار أن يسلك طريقه، فقد يكون لرئيس حركة “أمل” دور في المساهمة في صناعة التهدئة. أمّا إذا توسّعت المواجهة الأميركية الإيرانية، فستجرف معها التفاهمات المترنحة أساساً. وعليه، تصبح نظرية الدور المرِن لبرّي بلا فاعلية عملية، لكون الحزب جزءاً أساًسياً من الماكينة الإقليمية الإيرانية، ولأن قراره بالسلم أو الحرب يرتبط بحسابات طهران الإستراتيجية، وليس بالاتصالات المباشرة. وفي هذه الحالة، سيتلاشى هامش المناورة، وسيكون “حزب الله” مضطراً إلى خوض حرب مساندة جديدة، ما يجعل بري من جديد مسيّراً في إطار القرار الإيراني.








