طوباوي “لبنان الحيّ”… حاك الوطن بخيط الإنسانية وإبرة القداسة

بين المارونية ولبنان والحرية وحدة مسار ومصير لا تنفصم، حتى يكاد هذا الثالوث أن يكون ثلاثة أسماء لمعنى واحد. فالموارنة لم يعرفوا “أورشليم ثانية” ولا “أرض ميعاد” روحية، إلا في ظلال إيليج وأعماق قنوبين، وحيثما شمخ جبل أو انفتحت مغاور لا تعرفها إلا النسور. ومن الصفحات المضيئة والعلامات الفارقة في تاريخ الكنيسة المارونية أن طريق بطاركتها إلى القداسة، يمتدّ عبر دربين متلازمين: درب السماء، بما يقتضيه من فضائل إيمانية وروحية، ودرب لبنان، بما بذلوه في سبيله من نضال وتضحيات.
حين تتجلّى القداسة في القيادة
وفي ملتقى هذين الدربين، يبرز البطريرك الياس الحويّك، لا بوصفه رجل كنيسة عظيمًا فحسب، بل واحدًا من كبار صنّاع لبنان الحديث. فقد جمع في كينونته رجلَ الصلاة ورجلَ الدولة، وجمع بين الزهد في شؤون الذات والإقدام في الدفاع عن حقوق شعبه. ولم تستند الكنيسة في ملف تطويبه إلى الشهادات الإيمانية والعجائب المنسوبة إلى شفاعته فحسب، بل أخذت أيضًا بقيادته لشعبه، إذ لم تكن هذه القيادة منفصلة عن قداسته، بل كانت إحدى تجلّياتها في الحياة العامة والوطنية. وهكذا، فإن تطويب الحويّك إعلانٌ بأن الفضائل التي عاشها لا تزال حاضرة في وجدان شعبه. فهو “الطوباوي إلياس الحيّ”، الحيّ برحمته وبشهادته للحقّ وبالوطن الذي ناضل من أجل قيامه.
وليس اجتماع القداسة والسياسة أمرًا جديدًا في تاريخ الكنيسة، التي رفعت أكثر من قائد سياسي إلى مرتبة القديسين. ومن أبرز هؤلاء “شفيع السياسيين” القديس توماس مور (1478- 1535) المستشار البريطاني، الذي أعدمه الملك هنري الثامن بقطع رأسه، لرفضه الإقرار بانفصال الكنيسة الإنكليزية عن سلطة بابا روما، ولرفضه أيضًا إبطالَ زواج هنري الثامن، ليتزوّج امرأة أخرى طمعًا في وريث للعرش. فاتُّهم مور بالخيانة، وأُلقي في السجن، واحتمل العذاب حتى الاستشهاد. وروبرت شومان، وزير خارجية فرنسا (1948 – 1953) وأحد آباء الاتحاد الأوروبي، الذي أعلنته الكنيسة مكرّمًا، ولا يزال ملفه يسير على طريق التطويب.
في مسيرة البطريرك الحويّك مسار إيماني- إنساني، وآخر وطني- سياسي. وإذا كان المسار الأول موضع إجماع، فالثاني، الذي تُوّج بإعلان دولة لبنان الكبير، تحوّل إلى قضية إشكالية لا يزال النقاش حولها قائمًا وساخنًا حتى يومنا، ويتجدّد كلّما تعرّض لبنان لهزّات سياسية وأمنية. ولعلّ اللافت أن بعض أشدّ المنتقدين لهذا المسار ينتمون إلى البيئة المسيحية نفسها.
الطوباوي وتطويبات المسيح
إنسانيًّا، جسّد البطريرك إلياس الحويّك تطويبات المسيح التي أعلنها في “عظة الجبل”، فعاشها في سيرته ونال نعمة التطويب. كان من الرحماء. فحين اجتاحت المجاعة الكبرى جبل لبنان بين عامي 1915 و1918، وحصد الجوع والمرض أرواح الآلاف، فتح أبواب البطريركية، وأمر بفتح الأديرة أمام الجائعين والمنكوبين. وحوّل الصروح الكنسية إلى بيوت للرحمة، فأطعم المحتاجين، وآوى المشرّدين، وعزّى الثكالى، من دون أن يسأل جائعًا عن طائفته أو دينه، لأنه رأى في وجه كلّ متألّم وجه المسيح. وكان من الجياع والعطاش إلى البرّ، فرفع صوته في وجه ظلم السلطات العثمانية. وحين حُكم عليه بالنفي، لم تنحنِ هامته ولم يتراجع عن رسالته، بل احتمل التهديد والاضطهاد بصبر الراعي الذي يضع حياته في سبيل رعيّته.
وكان من صانعي السلام، فحمل قضية لبنان إلى مؤتمر الصلح في فرساي عام 1919. وفي الأول من أيلول 1920، أثمرت الرحلة الشاقة والنضال الطويل إعلان دولة لبنان الكبير، الذي يراه مؤيّدوه استعادةً للكيان التاريخي وضمانةً للتنوّع، فيما يعتبره منتقدوه خطأً تأسيسيًا حمّل لبنان أزماته اللاحقة. ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يزال يتردّد بعد أكثر من قرن:
هل كان لبنان الكبير خطأً تاريخيًا؟
يردّ الأب البروفسور باسم الراعي، أستاذ الفلسفة السياسية، على الذين يعتبرون أن لبنان الكبير كان غلطة تاريخية، مؤكدًا أن هذا الكيان لم يولد نتيجة ظروف دولية وإقليمية فحسب، بل استند أيضًا إلى قناعة تاريخية تبلورت منذ تجربة الإمارة، وصولا إلى لحظة إعلان دولة لبنان الكبير. فهذا الكيان يتمتّع بشرعية تاريخية، فلماذا يُراد التخلّي عنه؟ وقد تجلّت هذه المشروعية بوضوح في اجتماعات “مجلس إدارة” متصرفية جبل لبنان، وفي المطالب التي حملتها الوفود اللبنانية إلى مؤتمر الصلح في فرساي.
لقد أتاح هذا الامتداد التاريخي للبنان تجربتين متكاملتين: كيانًا جغرافيًا تبلور في عهد الإمارة، وتجربة سياسية نضجت في عهد المتصرفية. ومن هنا برزت فكرة استعادة جغرافيا الإمارة وإغنائها بروح المشاركة التي أرستها المتصرفية.
وكانت تجربة المجاعة أحد العوامل التي دفعت البطريرك إلياس الحويّك إلى التمسّك بحدود لبنان، لكن ليس بهدف تأمين خزان غذائي فحسب. فالحقيقة التاريخية أن المطالب التي حملها الحويّك إلى فرنسا قامت على استعادة حدود لبنان التاريخية. ولو كانت المسألة مقتصرة على تأمين الغذاء والموارد، لكان من الممكن المطالبة بتوسيع الحدود إلى حمص مثلا، ولا سيما أن الظروف آنذاك كانت مؤاتية، أو حتى إلى عكا التي امتدّت إليها حدود الإمارة في بعض المراحل.
لكن الحويّك ركّز على الجغرافيا التي شهدت تاريخيًا لقاء الجماعات المكوّنة للبنان وتفاعلها. لذلك استخدمت الكنيسة والبطريرك الحويّك تعبير “إعادة المناطق التي سُلخت من لبنان خلال الحكم العثماني”، والمقصود بها الأقضية الأربعة، بدلا من التعبير الفرنسي الذي كان يتحدّث عن “ضمّ” هذه المناطق إلى لبنان.
جغرافيا الحرية والمشاركة
واعتبر الراعي أن الحضارات ذات الأسس الدينية قادرة، مع مرور الوقت، على إنتاج قيم إنسانية شاملة. ومن هذا المنطلق، دافعت المارونية عن فكرة أساسية تطمح إليها كل جماعات الشرق، هي الحرية الدينية، التي تتجاوز في شموليتها الحريات الحقوقية والسياسية، وتتيح لكل جماعة استقلالية في إدارة شؤونها.
وكان الكرسي البطريركي ملجأً لكل المظلومين. ففي عهد البطريرك بولس المعوشي، تعرّض أحد الصحافيين السنّة من بيروت للاضطهاد بين المرحلة الناصرية وما تبعها، فلجأ إلى بكركي واختبأ في الصرح البطريركي.
وأضاف الراعي: “عندما نقرأ نصوص المطالب اللبنانية، يتبيّن بوضوح، أن البطريرك الحويّك لم يكن يفهم لبنان الكبير خارج منطق المشاركة. كان المطلوب توسيع الجغرافيا مع الحفاظ على روح تجربة المتصرفية، وهذا ما ظهر في جميع مراسلاته”.
وأشار الراعي إلى أن فكرة لبنان الكبير قامت على أساس قومية تعددية تشاركية لمختلف الطوائف، في وقت كان الشرق بأسره محكومًا بفكرة أيديولوجية واحدة، سواء كانت قومية عربية أم سواها. وقد أثبتت الأحداث أن القوميات الأيديولوجية سقطت في المنطقة، فيما أثبت لبنان الكبير أنه الأكثر ثباتًا وصمودًا، رغم كل العواصف والحروب. وإلا لكان من المفترض أن يتفجّر هذا الكيان ويتفكّك”.
ولماذا لم يحدث ذلك؟ “لأن كل جماعة خاضت اختبارها التاريخي الخاص، واقتنعت بأنه لا ضمانة حقيقية لها خارج لبنان الكبير”.
وضرب الراعي مثلا على ذلك بزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان وطرابلس. فمن منطلق الذهنية التاريخية القديمة، كان يُفترض أن تنتفض المناطق السنّية وتطالب بالانضمام إلى سوريا، لكن ذلك لم يحدث، لأن التجربة التاريخية الحديثة أثبتت أن لبنان هو الخيار الأكثر رأفة وأمانًا لجميع جماعاته.
إذًا، يقود المنطق الذي استند إليه الأب باسم الراعي إلى استنتاج مفاده أن إشكالية لبنان الكبير لا تكمن في حدوده، بل في إدارة التنوّع داخله، وفي الحدود الثقافية والحضارية بين مكوّناته.
واعتبر الراعي أن قناعة تولّدت لدى دول المنطقة العربية، ولا سيما المملكة العربية السعودية، بأن لبنان الكبير لا يمكن قضمه أو تذويبه في أي كيان آخر. وتطرّق إلى معلومة تاريخية لافتة، فقال: “خلال التحضير لزيارة البطريرك الراعي إلى السعودية عام 2017، والعودة إلى أرشيف العلاقات بين المملكة وبكركي ولبنان، عُثر على صورة توثّق زيارة الملك سعود بن عبد العزيز إلى لبنان في منتصف الخمسينيات. كما تبيّن من خلال الأرشيف أن إحدى زوجات الملك عبد العزيز كانت مسيحية، وأن جذورها تعود إلى بلدة بيت شباب، وأن إحدى بناته تلقّت تعليمها في مدرسة للراهبات في لبنان”. وقد وردت هذه المعلومة في كتاب “علاقة البطريركية المارونية بالمملكة العربية السعودية” للأباتي أنطوان ضو (أشرف على التوثيق والنشر، نوفل ضوّ)، إذ ذكر الكتاب أن “الأميرة شهيدة زوجة الملك عبد العزيز التي تصفها جريدة الرياض بأنها “من كبريات نسائه ومن أشهرهن تدينًا وعطفًا على المحتاجين ومساعدة للفقراء والمعوزين”، هي بالولادة مرشي المكرزل ابنة نجا منصور نمر المكرزل والدة الأمير منصور بن عبد العزيز أول وزير دفاع في المملكة والأميرين مشعل ومتعب والأميرة قماش”.
في هذا الإطار، لفت الراعي إلى أن السفير السعودي السابق وليد البخاري كان يتحدّث عن هذه العلاقات في مجالسه وأمام زوّاره، واعتبر الأب الراعي أن لهذا المسائل دلالات مهمة في الشرق، حيث تؤدي روابط النسب دورًا مؤثرًا في تعزيز العلاقات بين الدول والشعوب. وهذا يؤكد أن لبنان حاجة للمنطقة، وأن التفريط به لا يخدم أحدًا.
المشكلة في النظام لا الحدود
من جهته، يؤكّد الباحث والمؤرّخ في تاريخ الموارنة والمسيحيين فادي كيروز أن لبنان الكبير شكّل فرصة تاريخية، وأن البطريرك الحويّك استند في مطالبته به إلى حدود لبنان التاريخية، علمًا أن “لبنان التوراتي” أوسع بكثير من لبنان الحالي. ولفت كيروز إلى أن الإشكالية لم تكن في حدود الكيان، بل في نظامه السياسي. وأوضح أنه في عام 1926، وفي ظلّ مفوضية هنري دي جوفنيل، شهد لبنان مخاضًا دستوريًا كبيرًا. وكان المفوّض يميل إلى التنظيم اللامركزي، فبرز اقتراح النظام الفدرالي، نتيجة عوامل عدّة، من بينها الثورة السورية الكبرى عام 1925. فقد خشي الفرنسيون من انتقال عدوى الثورة إلى لبنان، ورأوا أن منح المناطق الملحقة حديثًا بلبنان الكبير، ولا سيما البقاع والشمال والجنوب، قدرًا من الاستقلال الذاتي، قد يخفّف النزعات الوحدوية مع سوريا. وكان دي جوفنيل يعتقد أن لبنان الكبير يضمّ جماعات متباينة في تطلّعاتها السياسية، وأن صهرها في نظام مركزي صارم قد يؤدّي إلى انفجار التناقضات بينها. لذلك رأى أن النموذج السويسري هو الأنسب لدولة ناشئة مثل لبنان، لما يتيحه من ضمان لحقوق الأقليات وتخفيف للصراع على السلطة المركزية. والمشروع المطروح، كان أقرب إلى “اتحاد ولايات” ضمن دولة واحدة. غير أنه، رغم حماسة دي جوفنيل، واجه معارضة شديدة أدّت إلى دفنه واعتماد الدستور المركزي في 23 أيار 1926″.
وأضاف كيروز: “القيادات المارونية، ومن بينها الكنيسة، رأت أن الفدرالية قد تؤدّي إلى تفتيت الدولة الناشئة وإضعاف لبنان الكبير. وكانت تخشى أن تفضي الاستقلالية الواسعة للمناطق الملحقة، كالبقاع والشمال والجنوب، إلى تسهيل انفصالها وعودتها إلى الانضمام إلى سوريا. كما رفضت العائلات السياسية والتجارية في بيروت المشروع، لأنه كان يسحب جزءًا من الصلاحيات الاقتصادية والإدارية من العاصمة لمصلحة الأطراف.
أما العامل الآخر، فتمثّل في أن لجنة وضع الدستور، التي ترأّسها شبل دمّوس، كانت تميل إلى النموذج الفرنسي المركزي اليعقوبي، انطلاقًا من اعتبارها أن الدولة القوية تحتاج إلى مركز واحد للقرار، قادر على صهر المكوّنات في هوية وطنية واحدة”.
أصمدوا قليلا
في الخلاصة، إن جلد الذات المارونية وتصويب السهام نحو البطريرك إلياس الحويّك يتجاهلان أن مشروع لبنان الكبير الذي أسهم في صوغه تحوّل إلى إطار وفرصة لا يمكن تعويضها في هذا الشرق. وهذا ما عبّر عنه الأديب والشاعر عباس بيضون في مقال نشره في “ملحق النهار” بتاريخ 22 شباط 1997، بعنوان “من يدعو الموارنة إلى التخلّي عن لبنان”، إذ كتب: “من الصعب بعد العودة إلى ما وراء الدولة كما صاغها الموارنة إلا في دعوة إلى الخلافة أو إلى لبنان الصغير، وإذا بدأ طبل الموارنة يمكنك أن تسمع طبولا في كل مكان. لا تنقلبوا على أنفسكم، أصمدوا قليلا أيها الزملاء”.
طوباوي “لبنان الحيّ”… حاك الوطن بخيط الإنسانية وإبرة القداسة

بين المارونية ولبنان والحرية وحدة مسار ومصير لا تنفصم، حتى يكاد هذا الثالوث أن يكون ثلاثة أسماء لمعنى واحد. فالموارنة لم يعرفوا “أورشليم ثانية” ولا “أرض ميعاد” روحية، إلا في ظلال إيليج وأعماق قنوبين، وحيثما شمخ جبل أو انفتحت مغاور لا تعرفها إلا النسور. ومن الصفحات المضيئة والعلامات الفارقة في تاريخ الكنيسة المارونية أن طريق بطاركتها إلى القداسة، يمتدّ عبر دربين متلازمين: درب السماء، بما يقتضيه من فضائل إيمانية وروحية، ودرب لبنان، بما بذلوه في سبيله من نضال وتضحيات.
حين تتجلّى القداسة في القيادة
وفي ملتقى هذين الدربين، يبرز البطريرك الياس الحويّك، لا بوصفه رجل كنيسة عظيمًا فحسب، بل واحدًا من كبار صنّاع لبنان الحديث. فقد جمع في كينونته رجلَ الصلاة ورجلَ الدولة، وجمع بين الزهد في شؤون الذات والإقدام في الدفاع عن حقوق شعبه. ولم تستند الكنيسة في ملف تطويبه إلى الشهادات الإيمانية والعجائب المنسوبة إلى شفاعته فحسب، بل أخذت أيضًا بقيادته لشعبه، إذ لم تكن هذه القيادة منفصلة عن قداسته، بل كانت إحدى تجلّياتها في الحياة العامة والوطنية. وهكذا، فإن تطويب الحويّك إعلانٌ بأن الفضائل التي عاشها لا تزال حاضرة في وجدان شعبه. فهو “الطوباوي إلياس الحيّ”، الحيّ برحمته وبشهادته للحقّ وبالوطن الذي ناضل من أجل قيامه.
وليس اجتماع القداسة والسياسة أمرًا جديدًا في تاريخ الكنيسة، التي رفعت أكثر من قائد سياسي إلى مرتبة القديسين. ومن أبرز هؤلاء “شفيع السياسيين” القديس توماس مور (1478- 1535) المستشار البريطاني، الذي أعدمه الملك هنري الثامن بقطع رأسه، لرفضه الإقرار بانفصال الكنيسة الإنكليزية عن سلطة بابا روما، ولرفضه أيضًا إبطالَ زواج هنري الثامن، ليتزوّج امرأة أخرى طمعًا في وريث للعرش. فاتُّهم مور بالخيانة، وأُلقي في السجن، واحتمل العذاب حتى الاستشهاد. وروبرت شومان، وزير خارجية فرنسا (1948 – 1953) وأحد آباء الاتحاد الأوروبي، الذي أعلنته الكنيسة مكرّمًا، ولا يزال ملفه يسير على طريق التطويب.
في مسيرة البطريرك الحويّك مسار إيماني- إنساني، وآخر وطني- سياسي. وإذا كان المسار الأول موضع إجماع، فالثاني، الذي تُوّج بإعلان دولة لبنان الكبير، تحوّل إلى قضية إشكالية لا يزال النقاش حولها قائمًا وساخنًا حتى يومنا، ويتجدّد كلّما تعرّض لبنان لهزّات سياسية وأمنية. ولعلّ اللافت أن بعض أشدّ المنتقدين لهذا المسار ينتمون إلى البيئة المسيحية نفسها.
الطوباوي وتطويبات المسيح
إنسانيًّا، جسّد البطريرك إلياس الحويّك تطويبات المسيح التي أعلنها في “عظة الجبل”، فعاشها في سيرته ونال نعمة التطويب. كان من الرحماء. فحين اجتاحت المجاعة الكبرى جبل لبنان بين عامي 1915 و1918، وحصد الجوع والمرض أرواح الآلاف، فتح أبواب البطريركية، وأمر بفتح الأديرة أمام الجائعين والمنكوبين. وحوّل الصروح الكنسية إلى بيوت للرحمة، فأطعم المحتاجين، وآوى المشرّدين، وعزّى الثكالى، من دون أن يسأل جائعًا عن طائفته أو دينه، لأنه رأى في وجه كلّ متألّم وجه المسيح. وكان من الجياع والعطاش إلى البرّ، فرفع صوته في وجه ظلم السلطات العثمانية. وحين حُكم عليه بالنفي، لم تنحنِ هامته ولم يتراجع عن رسالته، بل احتمل التهديد والاضطهاد بصبر الراعي الذي يضع حياته في سبيل رعيّته.
وكان من صانعي السلام، فحمل قضية لبنان إلى مؤتمر الصلح في فرساي عام 1919. وفي الأول من أيلول 1920، أثمرت الرحلة الشاقة والنضال الطويل إعلان دولة لبنان الكبير، الذي يراه مؤيّدوه استعادةً للكيان التاريخي وضمانةً للتنوّع، فيما يعتبره منتقدوه خطأً تأسيسيًا حمّل لبنان أزماته اللاحقة. ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يزال يتردّد بعد أكثر من قرن:
هل كان لبنان الكبير خطأً تاريخيًا؟
يردّ الأب البروفسور باسم الراعي، أستاذ الفلسفة السياسية، على الذين يعتبرون أن لبنان الكبير كان غلطة تاريخية، مؤكدًا أن هذا الكيان لم يولد نتيجة ظروف دولية وإقليمية فحسب، بل استند أيضًا إلى قناعة تاريخية تبلورت منذ تجربة الإمارة، وصولا إلى لحظة إعلان دولة لبنان الكبير. فهذا الكيان يتمتّع بشرعية تاريخية، فلماذا يُراد التخلّي عنه؟ وقد تجلّت هذه المشروعية بوضوح في اجتماعات “مجلس إدارة” متصرفية جبل لبنان، وفي المطالب التي حملتها الوفود اللبنانية إلى مؤتمر الصلح في فرساي.
لقد أتاح هذا الامتداد التاريخي للبنان تجربتين متكاملتين: كيانًا جغرافيًا تبلور في عهد الإمارة، وتجربة سياسية نضجت في عهد المتصرفية. ومن هنا برزت فكرة استعادة جغرافيا الإمارة وإغنائها بروح المشاركة التي أرستها المتصرفية.
وكانت تجربة المجاعة أحد العوامل التي دفعت البطريرك إلياس الحويّك إلى التمسّك بحدود لبنان، لكن ليس بهدف تأمين خزان غذائي فحسب. فالحقيقة التاريخية أن المطالب التي حملها الحويّك إلى فرنسا قامت على استعادة حدود لبنان التاريخية. ولو كانت المسألة مقتصرة على تأمين الغذاء والموارد، لكان من الممكن المطالبة بتوسيع الحدود إلى حمص مثلا، ولا سيما أن الظروف آنذاك كانت مؤاتية، أو حتى إلى عكا التي امتدّت إليها حدود الإمارة في بعض المراحل.
لكن الحويّك ركّز على الجغرافيا التي شهدت تاريخيًا لقاء الجماعات المكوّنة للبنان وتفاعلها. لذلك استخدمت الكنيسة والبطريرك الحويّك تعبير “إعادة المناطق التي سُلخت من لبنان خلال الحكم العثماني”، والمقصود بها الأقضية الأربعة، بدلا من التعبير الفرنسي الذي كان يتحدّث عن “ضمّ” هذه المناطق إلى لبنان.
جغرافيا الحرية والمشاركة
واعتبر الراعي أن الحضارات ذات الأسس الدينية قادرة، مع مرور الوقت، على إنتاج قيم إنسانية شاملة. ومن هذا المنطلق، دافعت المارونية عن فكرة أساسية تطمح إليها كل جماعات الشرق، هي الحرية الدينية، التي تتجاوز في شموليتها الحريات الحقوقية والسياسية، وتتيح لكل جماعة استقلالية في إدارة شؤونها.
وكان الكرسي البطريركي ملجأً لكل المظلومين. ففي عهد البطريرك بولس المعوشي، تعرّض أحد الصحافيين السنّة من بيروت للاضطهاد بين المرحلة الناصرية وما تبعها، فلجأ إلى بكركي واختبأ في الصرح البطريركي.
وأضاف الراعي: “عندما نقرأ نصوص المطالب اللبنانية، يتبيّن بوضوح، أن البطريرك الحويّك لم يكن يفهم لبنان الكبير خارج منطق المشاركة. كان المطلوب توسيع الجغرافيا مع الحفاظ على روح تجربة المتصرفية، وهذا ما ظهر في جميع مراسلاته”.
وأشار الراعي إلى أن فكرة لبنان الكبير قامت على أساس قومية تعددية تشاركية لمختلف الطوائف، في وقت كان الشرق بأسره محكومًا بفكرة أيديولوجية واحدة، سواء كانت قومية عربية أم سواها. وقد أثبتت الأحداث أن القوميات الأيديولوجية سقطت في المنطقة، فيما أثبت لبنان الكبير أنه الأكثر ثباتًا وصمودًا، رغم كل العواصف والحروب. وإلا لكان من المفترض أن يتفجّر هذا الكيان ويتفكّك”.
ولماذا لم يحدث ذلك؟ “لأن كل جماعة خاضت اختبارها التاريخي الخاص، واقتنعت بأنه لا ضمانة حقيقية لها خارج لبنان الكبير”.
وضرب الراعي مثلا على ذلك بزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان وطرابلس. فمن منطلق الذهنية التاريخية القديمة، كان يُفترض أن تنتفض المناطق السنّية وتطالب بالانضمام إلى سوريا، لكن ذلك لم يحدث، لأن التجربة التاريخية الحديثة أثبتت أن لبنان هو الخيار الأكثر رأفة وأمانًا لجميع جماعاته.
إذًا، يقود المنطق الذي استند إليه الأب باسم الراعي إلى استنتاج مفاده أن إشكالية لبنان الكبير لا تكمن في حدوده، بل في إدارة التنوّع داخله، وفي الحدود الثقافية والحضارية بين مكوّناته.
واعتبر الراعي أن قناعة تولّدت لدى دول المنطقة العربية، ولا سيما المملكة العربية السعودية، بأن لبنان الكبير لا يمكن قضمه أو تذويبه في أي كيان آخر. وتطرّق إلى معلومة تاريخية لافتة، فقال: “خلال التحضير لزيارة البطريرك الراعي إلى السعودية عام 2017، والعودة إلى أرشيف العلاقات بين المملكة وبكركي ولبنان، عُثر على صورة توثّق زيارة الملك سعود بن عبد العزيز إلى لبنان في منتصف الخمسينيات. كما تبيّن من خلال الأرشيف أن إحدى زوجات الملك عبد العزيز كانت مسيحية، وأن جذورها تعود إلى بلدة بيت شباب، وأن إحدى بناته تلقّت تعليمها في مدرسة للراهبات في لبنان”. وقد وردت هذه المعلومة في كتاب “علاقة البطريركية المارونية بالمملكة العربية السعودية” للأباتي أنطوان ضو (أشرف على التوثيق والنشر، نوفل ضوّ)، إذ ذكر الكتاب أن “الأميرة شهيدة زوجة الملك عبد العزيز التي تصفها جريدة الرياض بأنها “من كبريات نسائه ومن أشهرهن تدينًا وعطفًا على المحتاجين ومساعدة للفقراء والمعوزين”، هي بالولادة مرشي المكرزل ابنة نجا منصور نمر المكرزل والدة الأمير منصور بن عبد العزيز أول وزير دفاع في المملكة والأميرين مشعل ومتعب والأميرة قماش”.
في هذا الإطار، لفت الراعي إلى أن السفير السعودي السابق وليد البخاري كان يتحدّث عن هذه العلاقات في مجالسه وأمام زوّاره، واعتبر الأب الراعي أن لهذا المسائل دلالات مهمة في الشرق، حيث تؤدي روابط النسب دورًا مؤثرًا في تعزيز العلاقات بين الدول والشعوب. وهذا يؤكد أن لبنان حاجة للمنطقة، وأن التفريط به لا يخدم أحدًا.
المشكلة في النظام لا الحدود
من جهته، يؤكّد الباحث والمؤرّخ في تاريخ الموارنة والمسيحيين فادي كيروز أن لبنان الكبير شكّل فرصة تاريخية، وأن البطريرك الحويّك استند في مطالبته به إلى حدود لبنان التاريخية، علمًا أن “لبنان التوراتي” أوسع بكثير من لبنان الحالي. ولفت كيروز إلى أن الإشكالية لم تكن في حدود الكيان، بل في نظامه السياسي. وأوضح أنه في عام 1926، وفي ظلّ مفوضية هنري دي جوفنيل، شهد لبنان مخاضًا دستوريًا كبيرًا. وكان المفوّض يميل إلى التنظيم اللامركزي، فبرز اقتراح النظام الفدرالي، نتيجة عوامل عدّة، من بينها الثورة السورية الكبرى عام 1925. فقد خشي الفرنسيون من انتقال عدوى الثورة إلى لبنان، ورأوا أن منح المناطق الملحقة حديثًا بلبنان الكبير، ولا سيما البقاع والشمال والجنوب، قدرًا من الاستقلال الذاتي، قد يخفّف النزعات الوحدوية مع سوريا. وكان دي جوفنيل يعتقد أن لبنان الكبير يضمّ جماعات متباينة في تطلّعاتها السياسية، وأن صهرها في نظام مركزي صارم قد يؤدّي إلى انفجار التناقضات بينها. لذلك رأى أن النموذج السويسري هو الأنسب لدولة ناشئة مثل لبنان، لما يتيحه من ضمان لحقوق الأقليات وتخفيف للصراع على السلطة المركزية. والمشروع المطروح، كان أقرب إلى “اتحاد ولايات” ضمن دولة واحدة. غير أنه، رغم حماسة دي جوفنيل، واجه معارضة شديدة أدّت إلى دفنه واعتماد الدستور المركزي في 23 أيار 1926″.
وأضاف كيروز: “القيادات المارونية، ومن بينها الكنيسة، رأت أن الفدرالية قد تؤدّي إلى تفتيت الدولة الناشئة وإضعاف لبنان الكبير. وكانت تخشى أن تفضي الاستقلالية الواسعة للمناطق الملحقة، كالبقاع والشمال والجنوب، إلى تسهيل انفصالها وعودتها إلى الانضمام إلى سوريا. كما رفضت العائلات السياسية والتجارية في بيروت المشروع، لأنه كان يسحب جزءًا من الصلاحيات الاقتصادية والإدارية من العاصمة لمصلحة الأطراف.
أما العامل الآخر، فتمثّل في أن لجنة وضع الدستور، التي ترأّسها شبل دمّوس، كانت تميل إلى النموذج الفرنسي المركزي اليعقوبي، انطلاقًا من اعتبارها أن الدولة القوية تحتاج إلى مركز واحد للقرار، قادر على صهر المكوّنات في هوية وطنية واحدة”.
أصمدوا قليلا
في الخلاصة، إن جلد الذات المارونية وتصويب السهام نحو البطريرك إلياس الحويّك يتجاهلان أن مشروع لبنان الكبير الذي أسهم في صوغه تحوّل إلى إطار وفرصة لا يمكن تعويضها في هذا الشرق. وهذا ما عبّر عنه الأديب والشاعر عباس بيضون في مقال نشره في “ملحق النهار” بتاريخ 22 شباط 1997، بعنوان “من يدعو الموارنة إلى التخلّي عن لبنان”، إذ كتب: “من الصعب بعد العودة إلى ما وراء الدولة كما صاغها الموارنة إلا في دعوة إلى الخلافة أو إلى لبنان الصغير، وإذا بدأ طبل الموارنة يمكنك أن تسمع طبولا في كل مكان. لا تنقلبوا على أنفسكم، أصمدوا قليلا أيها الزملاء”.










