شيعة العراق في مواجهة “حزب الله”

محمد حسين الكوثراني. قليلون هم اللبنانيون الذين سمعوا باسم هذا الشخص. لكن الحاج محمد كان، ولا يزال، ممثل “حزب الله” (فرع لبنان) في العراق. وقد لعب أدوارًا استثنائية، ليس فقط من خلال ربط الميليشيات العراقية الموالية لطهران بـ”حزب الله” في لبنان، بل أيضًا في توحيد صفوف القوى الميليشياوية الشيعية العراقية على مدى العقدين الأخيرين.
عمليًا، عمل الكوثراني منذ عام 2003، وخصوصًا بعد مقتل قاسم سليماني عام 2020، منسقًا عامًا لما بات يُعرف بقوى “الإطار التنسيقي”، التي تجمع “دولة القانون” بقيادة نوري المالكي بـ”عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي، ومعهما مجموعة كبيرة من الأحزاب والميليشيات. حلّ للخلافات، وتقريب لوجهات النظر، وعقد للتحالفات.
يجسّد الكوثراني حجم دور “حزب الله” وتأثيره في المشهد العراقي، نظرًا إلى أن المجموعة المذكورة أعلاه حكمت العراق بشكل شبه منتظم وشبه حصري منذ ما يقارب عشرين عامًا.
اليوم، تفرض حكومة العراق، ممثلة بوزارة المالية، عقوبات على القيادي في “حزب الله” محمود قماطي، ومعه الحليف غير الشيعي الأبرز، سليمان فرنجية. إنه حدث بالنسبة إلى “حزب الله” يضاهي، بأهميته الاستراتيجية، إذا تبلور، سقوط نظام الأسد، بل إنه قد يتعداه، نظرًا إلى أن العراق هو الدولة الشيعية الأكبر في العالم العربي.
قصّة صعود “حزب الله” في لبنان هي امتداد طبيعي لصعود الشيعة الموالين لطهران في العراق. كتب الباحث الأميركي المتعاطف دوما مع نظام الملالي “فالي نصر”، عام 2006، وهو عام حرب تموز، كتابًا عنوانه “إعادة إحياء الشيعة” (The Shia Revival)، شرح فيه نظريته القائمة على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بعد إمساك الشيعة بالحكم في بغداد.
وكان ملك الأردن عبد الله الثاني قد سبق أن أطلق، عام 2004، مصطلح “الهلال الشيعي” للدلالة على النفوذ المتعاظم للمشروع الإيراني في المنطقة، عبر وكلائه الشيعة في العراق ولبنان، مرورًا بسوريا المحكومة بالأقلية العلوية. شكّل هذا المثلث، العراق وسوريا ولبنان، هيكلية الامتداد العقائدي والسياسي والعسكري للمشروع التوسعي الإيراني.
وقد لعب العراق دورًا بارزًا في ذاك المثلث، وتحديدًا على المستوى المعنوي. كان السلاح يأتي من سوريا وعبرها، ولبنان موجود على حدود إسرائيل وفيه درّة التاج، “حزب الله”، لكن العراق شكّل الثقل الطائفي الاستراتيجي، نظرًا إلى كونه ليس فقط الدولة العربية الوحيدة المحكومة من أغلبية شيعية، بل لأنه يضمّ مرجعية النجف، وهي المرجعية الشيعية الأبرز في العالم من حيث التقليد.
تقريبًا، لا يوجد خارج إيران، ما عدا في صلب التنظيمات العسكرية الموالية لها، من كان يتبع، فقهيًا، الولي الفقيه علي خامنئي، الذي لم يكن أصلا يُعدّ مجتهدًا ذا قيمة علمية. أما السيد علي السيستاني، المرجعية الأولى في النجف، فيتبعه عشرات الملايين في العراق وخارجه، منهم مئات الآلاف في لبنان.
مرّ شيعة العراق بمراحل متعدّدة منذ إمساكهم بالحكم عام 2003. ونقول إمساكهم بالحكم لأن النظام السياسي في العراق، الذي يُعدّ علميًا من ضمن الأنظمة التشاركية (consociational democracies)، لا يقوم على تشاركية شبيهة بأنظمة أيرلندا الشمالية أو بلجيكا، بل إنه محكوم بشكل شبه تام من الأغلبية الشيعية، مع إعطاء حكم ذاتي موسّع جدًا للأكراد، (غير المعنيين بما يجري في بغداد إذا كان لا يستهدفهم)، و”إهداء” مراكز معيّنة للسنّة، لا قيمة استراتيجية لها، على سبيل استرضائهم بعد قمعهم لسنوات.
وباستثناء أشهر قليلة كان فيها إياد علاوي، (وهو بعثي سابق معادٍ لطهران)، رئيسًا للحكومة عام 2004، (مُنع بالاحتيال من الوصول إلى الحكم بعد انتخابات عام 2010)، حكمت العراقَ الأغلبيةُ الشيعية الموالية بشدّة لإيران من عام 2005 حتى عام 2020.
وليس من قبيل الصدفة أن تكون هذه هي المرحلة نفسها التي حكم فيها “حزب الله” لبنان، مستندًا إلى تحالف المافيا والميليشيا في الداخل، وإلى الهيكلية الإقليمية التي صنعتها طهران، والممتدة من بغداد إلى بيروت في المنطقة. أما اليوم، فيتحدّث حاكم العراق عن “حصر السلاح بيد الدولة” في بلده، ويفرض، بتشجيع أميركي، عقوبات على “حزب الله”. سقط الداخل، وسقط الإقليم. أو العكس.
وصل علي الزيدي، وهو رجل أعمال شاب لم تكن لديه أي سمعة سياسية، إلى سدّة الحكم في العراق هذا العام. ومع أن اختياره تمّ من قبل “الإطار التنسيقي” الموالي لطهران، بعد الرفض الأميركي الحاسم لترشيح نوري المالكي، سرعان ما تموضع بقوّة في المقلب السياسي الآخر، متماشيًا مع مجموعة كبيرة من التغيّرات المحلية والإقليمية والعالمية.
أعطى مهلة محدّدة لحملة السلاح في العراق. وشنّ حملة واسعة وعنيفة على الفساد. وذهب إلى واشنطن للقاء دونالد ترامب. وفرض عقوبات على “حزب الله”.
لم يُحسم الأمر العراقي كليًا بعد، إلا أن البعد الشيعي الداخلي، من مقتدى الصدر إلى السيستاني وما بينهما، والمعطى الإقليمي (استمرار الحرب على إيران) يشيران إلى إمكانية جدّية للمضي قدمًا في هذا المسار.
يقف اليوم الزيدي، ممثلا رسميًا لـ30 مليون شيعي عراقي، إلى جانب رئيس الوزراء السنّي اللبناني، وكلاهما يتحدّثان اللغة نفسها عن الدولة والقانون والسلاح. ربما هذه هي “لبننة” العراق (Lebanonization) التي حدّثونا عنها طويلا. وفي هذا كابوس معنوي واستراتيجي لـ”حزب الله” ومشروعه، هذا المشروع الذي “فرعن” مع إمساكه بالعراق، وسيعود إلى حجمه الطبيعي مع خسارته له.
شيعة العراق في مواجهة “حزب الله”

محمد حسين الكوثراني. قليلون هم اللبنانيون الذين سمعوا باسم هذا الشخص. لكن الحاج محمد كان، ولا يزال، ممثل “حزب الله” (فرع لبنان) في العراق. وقد لعب أدوارًا استثنائية، ليس فقط من خلال ربط الميليشيات العراقية الموالية لطهران بـ”حزب الله” في لبنان، بل أيضًا في توحيد صفوف القوى الميليشياوية الشيعية العراقية على مدى العقدين الأخيرين.
عمليًا، عمل الكوثراني منذ عام 2003، وخصوصًا بعد مقتل قاسم سليماني عام 2020، منسقًا عامًا لما بات يُعرف بقوى “الإطار التنسيقي”، التي تجمع “دولة القانون” بقيادة نوري المالكي بـ”عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي، ومعهما مجموعة كبيرة من الأحزاب والميليشيات. حلّ للخلافات، وتقريب لوجهات النظر، وعقد للتحالفات.
يجسّد الكوثراني حجم دور “حزب الله” وتأثيره في المشهد العراقي، نظرًا إلى أن المجموعة المذكورة أعلاه حكمت العراق بشكل شبه منتظم وشبه حصري منذ ما يقارب عشرين عامًا.
اليوم، تفرض حكومة العراق، ممثلة بوزارة المالية، عقوبات على القيادي في “حزب الله” محمود قماطي، ومعه الحليف غير الشيعي الأبرز، سليمان فرنجية. إنه حدث بالنسبة إلى “حزب الله” يضاهي، بأهميته الاستراتيجية، إذا تبلور، سقوط نظام الأسد، بل إنه قد يتعداه، نظرًا إلى أن العراق هو الدولة الشيعية الأكبر في العالم العربي.
قصّة صعود “حزب الله” في لبنان هي امتداد طبيعي لصعود الشيعة الموالين لطهران في العراق. كتب الباحث الأميركي المتعاطف دوما مع نظام الملالي “فالي نصر”، عام 2006، وهو عام حرب تموز، كتابًا عنوانه “إعادة إحياء الشيعة” (The Shia Revival)، شرح فيه نظريته القائمة على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بعد إمساك الشيعة بالحكم في بغداد.
وكان ملك الأردن عبد الله الثاني قد سبق أن أطلق، عام 2004، مصطلح “الهلال الشيعي” للدلالة على النفوذ المتعاظم للمشروع الإيراني في المنطقة، عبر وكلائه الشيعة في العراق ولبنان، مرورًا بسوريا المحكومة بالأقلية العلوية. شكّل هذا المثلث، العراق وسوريا ولبنان، هيكلية الامتداد العقائدي والسياسي والعسكري للمشروع التوسعي الإيراني.
وقد لعب العراق دورًا بارزًا في ذاك المثلث، وتحديدًا على المستوى المعنوي. كان السلاح يأتي من سوريا وعبرها، ولبنان موجود على حدود إسرائيل وفيه درّة التاج، “حزب الله”، لكن العراق شكّل الثقل الطائفي الاستراتيجي، نظرًا إلى كونه ليس فقط الدولة العربية الوحيدة المحكومة من أغلبية شيعية، بل لأنه يضمّ مرجعية النجف، وهي المرجعية الشيعية الأبرز في العالم من حيث التقليد.
تقريبًا، لا يوجد خارج إيران، ما عدا في صلب التنظيمات العسكرية الموالية لها، من كان يتبع، فقهيًا، الولي الفقيه علي خامنئي، الذي لم يكن أصلا يُعدّ مجتهدًا ذا قيمة علمية. أما السيد علي السيستاني، المرجعية الأولى في النجف، فيتبعه عشرات الملايين في العراق وخارجه، منهم مئات الآلاف في لبنان.
مرّ شيعة العراق بمراحل متعدّدة منذ إمساكهم بالحكم عام 2003. ونقول إمساكهم بالحكم لأن النظام السياسي في العراق، الذي يُعدّ علميًا من ضمن الأنظمة التشاركية (consociational democracies)، لا يقوم على تشاركية شبيهة بأنظمة أيرلندا الشمالية أو بلجيكا، بل إنه محكوم بشكل شبه تام من الأغلبية الشيعية، مع إعطاء حكم ذاتي موسّع جدًا للأكراد، (غير المعنيين بما يجري في بغداد إذا كان لا يستهدفهم)، و”إهداء” مراكز معيّنة للسنّة، لا قيمة استراتيجية لها، على سبيل استرضائهم بعد قمعهم لسنوات.
وباستثناء أشهر قليلة كان فيها إياد علاوي، (وهو بعثي سابق معادٍ لطهران)، رئيسًا للحكومة عام 2004، (مُنع بالاحتيال من الوصول إلى الحكم بعد انتخابات عام 2010)، حكمت العراقَ الأغلبيةُ الشيعية الموالية بشدّة لإيران من عام 2005 حتى عام 2020.
وليس من قبيل الصدفة أن تكون هذه هي المرحلة نفسها التي حكم فيها “حزب الله” لبنان، مستندًا إلى تحالف المافيا والميليشيا في الداخل، وإلى الهيكلية الإقليمية التي صنعتها طهران، والممتدة من بغداد إلى بيروت في المنطقة. أما اليوم، فيتحدّث حاكم العراق عن “حصر السلاح بيد الدولة” في بلده، ويفرض، بتشجيع أميركي، عقوبات على “حزب الله”. سقط الداخل، وسقط الإقليم. أو العكس.
وصل علي الزيدي، وهو رجل أعمال شاب لم تكن لديه أي سمعة سياسية، إلى سدّة الحكم في العراق هذا العام. ومع أن اختياره تمّ من قبل “الإطار التنسيقي” الموالي لطهران، بعد الرفض الأميركي الحاسم لترشيح نوري المالكي، سرعان ما تموضع بقوّة في المقلب السياسي الآخر، متماشيًا مع مجموعة كبيرة من التغيّرات المحلية والإقليمية والعالمية.
أعطى مهلة محدّدة لحملة السلاح في العراق. وشنّ حملة واسعة وعنيفة على الفساد. وذهب إلى واشنطن للقاء دونالد ترامب. وفرض عقوبات على “حزب الله”.
لم يُحسم الأمر العراقي كليًا بعد، إلا أن البعد الشيعي الداخلي، من مقتدى الصدر إلى السيستاني وما بينهما، والمعطى الإقليمي (استمرار الحرب على إيران) يشيران إلى إمكانية جدّية للمضي قدمًا في هذا المسار.
يقف اليوم الزيدي، ممثلا رسميًا لـ30 مليون شيعي عراقي، إلى جانب رئيس الوزراء السنّي اللبناني، وكلاهما يتحدّثان اللغة نفسها عن الدولة والقانون والسلاح. ربما هذه هي “لبننة” العراق (Lebanonization) التي حدّثونا عنها طويلا. وفي هذا كابوس معنوي واستراتيجي لـ”حزب الله” ومشروعه، هذا المشروع الذي “فرعن” مع إمساكه بالعراق، وسيعود إلى حجمه الطبيعي مع خسارته له.









