لبنان وسوريا الجديدة… وداعًا للإرث السيئ

لبنان يحتاج اليوم إلى جرعة أقلّ من نظرية المؤامرة، وسوريا تحتاج إلى جرعة أكبر من القطيعة مع كلّ ممارسات الماضي. فلا يمكن بناء علاقة جديدة بعقلية قديمة، ولا يمكن أن تولد شراكة حقيقية إذا بقيت ذاكرة الوصاية هي المرجع الوحيد لقراءة كل خطوة.
على الرغم من كل الضجيج الذي يسبق أي حديث عن العلاقة بين بيروت ودمشق، وعلى الرغم من حملات التهويل التي لا تزال تستحضر أشباح الماضي، تسير العلاقة بين لبنان وسوريا الجديدة في اتجاهٍ مختلفٍ تمامًا. القاعدة التي تحكم هذه المرحلة ليست استعادة الإرث الذي خلّفه نظام الأسد، بل دفنه نهائيًّا، والانتقال إلى معادلة جديدة تقوم على المصالح المتبادلة بين دولتيْن مستقلتيْن.
في دمشق، لا يتحدّث المسؤولون عن علاقات رومانسية ولا عن شعارات قومية فضفاضة. اللغة السائدة اليوم هي لغة الدولة التي تبحث عن الاستقرار أولًا، لأنه المدخل الوحيد إلى الاستثمار، والاستثمار في نظرها هو الطريق إلى إعادة بناء الاقتصاد، وترميم السياسة، وصياغة علاقات خارجية متوازنة. المُعادلة السورية الجديدة واضحة: استقرار، ثم استثمار، ثم شراكات قائمة على المصالح.
ومَن يسمع المسؤولين السّوريين يُلاحظ إصرارًا على فكرة أساسيّة: العلاقة مع لبنان هي علاقة دولة بدولة. وإذا ظهرت اتصالات مع مرجعيّات أو شخصيّات لبنانية، فذلك لأنها جزء من مؤسّسات الدولة والسلطة التنفيذية، لا لأنّها بديل عنها أو قناة موازية لها. إنّها رسالة مختلفة تمامًا عن سنوات الوصاية، ورسالة تستحقّ أن تُقرأ بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
السّوريون يؤكدون أيضًا استعدادهم لفتح كل الملفّات العالقة، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي. ملف تزويد لبنان بالكهرباء حاضر على جدول الأعمال، مع حديث عن استعداد لتأمينها بسعر الكلفة، فيما لا يزال النقاش قائمًا حول مشروع ربط خط النفط باتجاه طرابلس، بما يحمله من فرص اقتصادية للبنان ولسوريا معًا، إذا توفرت الإرادة السياسية.
أما الحديث المتكرّر عن إعادة بناء نفوذ سوري عبر البيئة السنّية في لبنان، فلا يبدو أنّه يستند إلى وقائع. السّوريون يُجيبون ببساطة: علاقتنا مع الدولة اللبنانية، لا مع الطوائف. ومَن أراد الدليل، فليتأمّل برنامج زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى لبنان، التي شملت مختلف المسؤولين اللبنانيين، فيما كانت محطته في طرابلس داخل دار الفتوى الرّسمية، وبحضور ممثلين عن مختلف المكوّنات، لا في إطار اصطفاف مذهبي أو سياسي ضيق.
لبنان يحتاج اليوم إلى جرعة أقلّ من نظرية المؤامرة، وسوريا تحتاج إلى جرعة أكبر من القطيعة مع كلّ ممارسات الماضي. فلا يمكن بناء علاقة جديدة بعقلية قديمة، ولا يمكن أن تولد شراكة حقيقية إذا بقيت ذاكرة الوصاية هي المرجع الوحيد لقراءة كل خطوة.
قد لا تصبح العلاقة بين البلديْن نموذجيةً بين ليلة وضحاها، لكن الفرصة قائمة لبناء صفحة مختلفة، عنوانها الاحترام المتبادل، والسيادة، والمصلحة المشتركة. وحدها هذه القواعد قادرة على تحويل الجغرافيا من عبءٍ سياسيٍّ إلى فرصة اقتصادية، وعلى جعل الماضي درسًا لا حكمًا دائمًا على المستقبل.
لبنان وسوريا الجديدة… وداعًا للإرث السيئ

لبنان يحتاج اليوم إلى جرعة أقلّ من نظرية المؤامرة، وسوريا تحتاج إلى جرعة أكبر من القطيعة مع كلّ ممارسات الماضي. فلا يمكن بناء علاقة جديدة بعقلية قديمة، ولا يمكن أن تولد شراكة حقيقية إذا بقيت ذاكرة الوصاية هي المرجع الوحيد لقراءة كل خطوة.
على الرغم من كل الضجيج الذي يسبق أي حديث عن العلاقة بين بيروت ودمشق، وعلى الرغم من حملات التهويل التي لا تزال تستحضر أشباح الماضي، تسير العلاقة بين لبنان وسوريا الجديدة في اتجاهٍ مختلفٍ تمامًا. القاعدة التي تحكم هذه المرحلة ليست استعادة الإرث الذي خلّفه نظام الأسد، بل دفنه نهائيًّا، والانتقال إلى معادلة جديدة تقوم على المصالح المتبادلة بين دولتيْن مستقلتيْن.
في دمشق، لا يتحدّث المسؤولون عن علاقات رومانسية ولا عن شعارات قومية فضفاضة. اللغة السائدة اليوم هي لغة الدولة التي تبحث عن الاستقرار أولًا، لأنه المدخل الوحيد إلى الاستثمار، والاستثمار في نظرها هو الطريق إلى إعادة بناء الاقتصاد، وترميم السياسة، وصياغة علاقات خارجية متوازنة. المُعادلة السورية الجديدة واضحة: استقرار، ثم استثمار، ثم شراكات قائمة على المصالح.
ومَن يسمع المسؤولين السّوريين يُلاحظ إصرارًا على فكرة أساسيّة: العلاقة مع لبنان هي علاقة دولة بدولة. وإذا ظهرت اتصالات مع مرجعيّات أو شخصيّات لبنانية، فذلك لأنها جزء من مؤسّسات الدولة والسلطة التنفيذية، لا لأنّها بديل عنها أو قناة موازية لها. إنّها رسالة مختلفة تمامًا عن سنوات الوصاية، ورسالة تستحقّ أن تُقرأ بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
السّوريون يؤكدون أيضًا استعدادهم لفتح كل الملفّات العالقة، وفي مقدمتها التعاون الاقتصادي. ملف تزويد لبنان بالكهرباء حاضر على جدول الأعمال، مع حديث عن استعداد لتأمينها بسعر الكلفة، فيما لا يزال النقاش قائمًا حول مشروع ربط خط النفط باتجاه طرابلس، بما يحمله من فرص اقتصادية للبنان ولسوريا معًا، إذا توفرت الإرادة السياسية.
أما الحديث المتكرّر عن إعادة بناء نفوذ سوري عبر البيئة السنّية في لبنان، فلا يبدو أنّه يستند إلى وقائع. السّوريون يُجيبون ببساطة: علاقتنا مع الدولة اللبنانية، لا مع الطوائف. ومَن أراد الدليل، فليتأمّل برنامج زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى لبنان، التي شملت مختلف المسؤولين اللبنانيين، فيما كانت محطته في طرابلس داخل دار الفتوى الرّسمية، وبحضور ممثلين عن مختلف المكوّنات، لا في إطار اصطفاف مذهبي أو سياسي ضيق.
لبنان يحتاج اليوم إلى جرعة أقلّ من نظرية المؤامرة، وسوريا تحتاج إلى جرعة أكبر من القطيعة مع كلّ ممارسات الماضي. فلا يمكن بناء علاقة جديدة بعقلية قديمة، ولا يمكن أن تولد شراكة حقيقية إذا بقيت ذاكرة الوصاية هي المرجع الوحيد لقراءة كل خطوة.
قد لا تصبح العلاقة بين البلديْن نموذجيةً بين ليلة وضحاها، لكن الفرصة قائمة لبناء صفحة مختلفة، عنوانها الاحترام المتبادل، والسيادة، والمصلحة المشتركة. وحدها هذه القواعد قادرة على تحويل الجغرافيا من عبءٍ سياسيٍّ إلى فرصة اقتصادية، وعلى جعل الماضي درسًا لا حكمًا دائمًا على المستقبل.











