أسرار سقوط اتّفاق 17 أيّار: أوراقي الأخيرة” لعبدالله بوحبيب

الكاتب: نقولا ناصيف | المصدر: اساس ميديا
29 تموز 2026

سنة مضت على رحيل الوزير السابق للخارجيّة عبدالله بوحبيب (23 تمّوز 2025). كان في صدد كتابة مذكّرات المرحلة الأخيرة، وقد أنجز فصولاً أولى عن مسيرته، وأبرز محطّاتها مرافقته سفيراً للبنان في واشنطن اتّفاق 17 أيّار 1983 تحضيراً وانهياراً. يحيي أصدقاؤه اليوم الأربعاء الذكرى الأولى باحتفال خطابيّ يوزَّع فيه كتيّب عن آخر ما دوّن بعنوان “أوراقي الأخيرة”.

 

ينشر “أساس” في الآتي جزءاً من فصل “محنة الرئاسة” تناول فيه بوحبيب دوافع سقوط اتّفاق 17 أيّار عام 1983 والموقف الأميركيّ الذي رافق التحضير له بحماسة وكان سبباً في التخلّي عنه: “بعد مفاوضات طويلة بين لبنان وإسرائيل، توصّل الطرفان في 17 أيّار، بمساعدة أميركيّة داعمة وقويّة، إلى اتّفاق عُرف باتّفاق 17 أيّار يقضي بجلاء القوّات الإسرائيليّة من الأراضي اللبنانيّة، وهو اسمه الفعليّ. لم تتحمّس إسرائيل له بعدما وقّعته مع لبنان والولايات المتّحدة، ورفضته سوريا بالمطلق. أرادت الدولة العبريّة اتّفاق سلام مع لبنان يشبه اتّفاقها مع مصر الذي وُقّع في البيت الأبيض في آذار 1979.

موشيه آرينز يكشف شروط إسرائيل

كنت قد التقيت في بيت روبرت (بوب) بايسِل في فرجينيا في ضواحي واشنطن، السفير الإسرائيليّ في العاصمة الأميركيّة موشيه آّرينز ونائبه بنيامين نتنياهو قبل يومين من بدء زيارة الرئيس أمين الجميّل للأمم المتّحدة وواشنطن في 9 تشرين الأوّل 1982. كان بايسِل ركناً أساسيّاً في الجالية الأميركيّة اللبنانيّة في واشنطن التي دعمت المقاومة اللبنانيّة وقائدها بشير الجميّل، وكان موظّفاً كبيراً في وزارة الدفاع الأميركيّة في خلال ولايتَي الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد. بالفعل، أصبح بوب بايسِل خلال الزيارة الثانية لبشير لواشنطن ربيع 1978 رئيس رابطة اللبنانيّين الأميركيّين التي كانت لها فروع في معظم المدن الأميركيّة، والمتكلّم الرئيس في الولايات المتّحدة للحراك اللبنانيّ الأميركيّ المؤيّد لقائد “القوّات اللبنانيّة”.

طلب منّي بايسِل أن أحضر لقاء مع آرينز الذي أراد الاجتماع بأحد المقرّبين من الرئيس الجميّل في واشنطن، وهو يحمل رسالة من حكومته ويريد إيصالها إليه. والرسالة كالآتي: “زار وزير خارجيّة إسرائيل إسحق شامير واشنطن واجتمع مع كلّ المسؤولين الأميركيّين المعنيّين بالحرب في لبنان، وطار بعد ظهر ذلك اليوم إلى لوس أنجلس وسيعود إلى واشنطن بعد أن يتركها الجميّل. تفيد رسالة شامير إلى كلّ من المسؤولين الأميركيّين الذين اجتمع بهم بأنّ إسرائيل تريد سلاماً مع لبنان مشابهاً لاتّفاق السلام مع مصر، وقد وعدها بذلك الشيخ بشير الجميّل والقيادات المسيحيّة المحيطة به. ردُّ المسؤولين الأميركيّين أنّه يصعب على لبنان الضعيف والمفكّك أن يعقد اتّفاقاً كهذا. إلى ذلك كلّه، تضغط دول عربيّة نافذة على المسؤولين الأميركيّين وعلى الجميّل حتّى لا يعقد الاتّفاق. لكن ردّاً على إصرار شامير، قيل له إنّ القرار للجميّل، إذ إنّ الولايات المتّحدة لم تعرف مسبقاً بقرار الرئيس المصريّ أنور السادات الذهاب إلى القدس، لكنّها ساندته إلى حين الوصول إلى معاهدة سلام بين البلدين”.

أضاف آرينز: “نريد معاهدة سلام، وإن لم نحصل على ذلك فسننسحب جنوباً إلى الزهراني، جنوب مدينة صيدا. إذا كان ذلك يعطيكم سلاماً وأماناً مع السوريّين والمسلمين فهنيئاً لكم. أمّا إذا انقضّوا عليكم، فلا تنتظروا منّا العودة لمساعدتكم. صدّقوني، سنبدأ عمليّة أمنيّة يتفكّك لبنان من جرّائها ومن دون أن نتحمّل أيّ مسؤوليّة. وكما تعرفون، الحكومة الإسرائيليّة تواجه خطر السقوط ولا يساعدها على البقاء سوى معاهدة سلام مع لبنان”.

لم أشارك في الكلام. كنت مستمعاً. لكنّ بايسِل كان يحاور ويحاول إقناع السفير بعقد اتّفاق أمنيّ مردّداً أنّ لبنان لا يتحمّل معاهدة سلام في وضعه الحاليّ وقتذاك.

 

الرّسائل الأميركيّة ـ الإسرائيليّة التي أجهضت الاتّفاق

ردّ آرينز أنّ الرئيس كميل شمعون اقترح اتّفاقاً أمنيّاً ورفضته إسرائيل. أراد آرينز أن تصل الرسالة إلى الرئيس الجميّل. هكذا كان. اجتمعت وبوب بايسِل برفقة وديع حدّاد وألفرد ماضي بالرئيس الجميّل في فندق وولدورف إستوريا في نيويورك في أثناء زيارته مقرّ الأمم المتّحدة ليلة 9 تشرين الأوّل عام 1983، وكنت وبايسِل قد أطلعنا حدّاد وماضي على محتوى رسالة آرينز. كان مع الرئيس، عندما دخلنا جناحه، كبير مستشاريه السياسيّين الناشر والوزير والسفير والنائب السابق غسّان تويني. سرد بوب بايسِل رسالة السفير الإسرائيليّ من دون أن يذكر أنّني حضرت اللقاء في منزله. أذكر أنّ الرئيس صُدم من الخبر، وتويني قال إنّ ذلك “يخربط” استراتيجيتنا، وانتهى الحوار عن الموضوع بعد دقائق.

حملت الضغوط الأميركيّة والرحلات المكّوكيّة للسفير فيليب حبيب والوزير جورج شولتز بين بيروت وتل أبيب، إسرائيل على القبول بالاتّفاق مع لبنان، لكنّها قوّضته مباشرة بالرسائل المتبادلة مع إدارة الرئيس الأميركيّ رونالد ريغن، وكانت اشترطت أوّلاً خروج الجيش السوريّ من لبنان بالتزامن مع خروجها منه، وثانياً أن تعيد إليها سوريا رفات جنودها الذين سقطوا في الحرب. لذلك على الرغم من أنّ مجلس النوّاب صادق على الاتّفاق في أوائل حزيران 1983، رفض الرئيس الجميّل إبرامه معتبراً أنّ الرسائل المتبادلة بين واشنطن وتل أبيب تمنع تنفيذه، فيغدو للبنان اتّفاق مع إسرائيل واستمرار للاحتلال.

في النصف الثاني من حزيران 1983 زار واشنطن ديفيد كيمحي، الأمين العامّ لوزارة الخارجيّة الإسرائيليّة وقتذاك، ليطلع الإدارة الأميركيّة على قرار حكومته الانسحاب من الجبل إلى نهر الأوّلي، شمال مدينة صيدا، في أوائل أيلول، من دون تنسيق مع الحكومة اللبنانيّة. كنت قد تسلّمت مكاتب السفارة في واشنطن في 9 أيّار. أذكر أنّني زرت وقتذاك الخارجيّة الأميركيّة واجتمعت مع نيكولاس فيليوتز، مساعد الوزير لشؤون الشرق الأوسط، أستوضحه حقيقة ما سمعت عن زيارة كيمحي. رافقني إلى الاجتماع المستشار في السفارة جهاد مرتضى. أكّد فيليوتز ما أُشيع عن الزيارة، لكنّه شدّد على أنّ الولايات المتّحدة لن تسمح بانسحاب إسرائيل من دون تنسيق مع الحكومة اللبنانيّة. برّر رفض إسرائيل التنسيق مع لبنان لانسحابها من الجبل، بأنّه يعود إلى عدم إبرام لبنان اتّفاق 17 أيّار الذي صادق عليه مجلس نوّابه.

الانسحاب الإسرائيليّ وحرب الجبل: الطّريق إلى المأساة

رفضت إسرائيل أيضاً التنسيق مع قيادة ميليشيا القوّات اللبنانيّة، وكانت، كما عرف وقتذاك، تسلّح الميليشيا الدرزيّة وتشجّعها وتدفعها إلى مواجهة “القوّات اللبنانيّة” والجيش. تبعاً لذلك نشأت خطوط تماسّ جديدة في الجبل قسّمته إلى قسمين مسيحيّ ودرزيّ بتواطؤ إسرائيليّ، وهو ما أعادنا إلى الفتنة التاريخيّة القديمة في اقتتال الطائفتين وأعطب مجدّداً تعايشهما.  

زار الرئيس الجميّل واشنطن في 22 تمّوز، في ظروف غير مؤاتية للشرعيّة اللبنانيّة، للبحث مع الرئيس رونالد ريغن وأركان إدارته في إمكان تنفيذ الاتّفاق في ضوء قرار إسرائيل الانسحاب من الجبل. لم تثمر الاجتماعات عن إيجابيّات. أعلن البيت الأبيض في خلال وجوده في واشنطن إبدال السفير فيليب حبيب بروبرت ماكفرلين، نائب مستشار الرئيس للأمن القوميّ، لمهمّة موفد الرئيس إلى لبنان والشرق الأوسط. بدا أنّ حبيب كان متشدّداً مع إسرائيل وسوريا، وهو ما حمل الدولتين على المطالبة بتغييره. كان ذلك خسارة كبيرة للبنان.

عاد الجميّل إلى بيروت من دون وعد أميركيّ قاطع بحمل إسرائيل على التنسيق مع الحكومة اللبنانيّة في شأن انسحابها من الجبل. كانت هناك فقط وعود بمحاولة إقناعها. لكنّ المدافع السوريّة والفلسطينيّة والدرزيّة بدأت عمليّات حربيّة متقطّعة قبل عودته إلى بيروت، واستمرّت طوال الصيف. راحت المدافع الدرزيّة تطلق نيرانها من المناطق التي تحتلّها إسرائيل من دون أن تحرّك ساكناً.

ارتأت قيادة الجيش اللبنانيّ في آب 1983 أن ترسل إلى عاليه مجموعة صغيرة من الضبّاط في مهمّة استطلاعيّة لتحديد النقاط والمناطق لإمكان انتشار الجيش في الجبل بعد انسحاب إسرائيل. قاد المجموعة العقيد ميشال عون، قائد اللواء الثامن. لكن دونما جدوى على الرغم من تعرّض عون لمكمن نجا منه بأعجوبة. كانت تلك إشارة إسرائيليّة صريحة إلى رفض انتشار الجيش في الجبل توطئة لما سيأتي فيما بعد، أي المذابح التي ستوقع المسيحيّين والدروز في فخّها.

بدعمين كبيرين غير محدودين سوريّ وفلسطينيّ موال لدمشق منشقّ عن ياسر عرفات، شنّ وليد جنبلاط في 3 أيلول 1983 حربه لطرد “القوّات اللبنانيّة” والجيش من جبل لبنان الجنوبيّ، الشوف وعاليه، وتالياً إخراج المسيحيّين من قراهم وبلداتهم وتكريس إمارته والدروز في هذا الجانب من الجبل، إلى أن حال اللواء الثامن بقيادة ميشال عون دون بلوغ سوق الغرب واحتلاله، في طريق طموحه إلى إسقاط القصر الجمهوريّ ووزارة الدفاع.

استمرّ القتال نحو ثلاثة أسابيع نجح بعدها الموفد السعوديّ الأمير (السفير إلى واشنطن) بندر بن سلطان في وساطته. توقّف إطلاق النار قبل نهاية شهر أيلول ما إن وافق الأفرقاء على الاجتماع في مؤتمر وطنيّ للحوار لمعالجة القضايا الداخلية المختلف عليها بين اللبنانيّين.

ثلاثة عوامل أطاحت باتّفاق 17 أيّار

اعتُبر اتّفاق 17 أيّار والأحداث التي تلته الفشل الأوّل للشرعيّة اللبنانيّة. نتج عن أسباب شتّى أوّلها اختلاف كبير بين الأهداف اللبنانيّة والإسرائيليّة كما تبيّن من المفاوضات. بينما أرادت إسرائيل معاهدة سلام، طلب لبنان معاهدة أمنيّة على أساس اتّفاق الهدنة الموقّع عام 1949. وبينما استعجلت إسرائيل سلاماً مشابهاً لسلامها مع مصر، شدّد لبنان على ضمان عدم استعمال الأراضي اللبنانيّة للاعتداء عليها. أخيراً ألحّت إسرائيل على الرئيس الجميّل تنفيذ تعهّد أخيه بشير بعقد معاهدة سلام بين البلدين. هدف الرئيس اللبنانيّ الاكتفاء باتّفاق أمنيّ، وكان كذلك الاقتناع الأميركيّ والعربيّ، فيما لم يكن في وارد إسرائيل القبول بأقلّ من معاهدة سلام بعد الكلفة الكبيرة للحرب على لبنان، وخسارتها أكثر من 500 جنديّ في اجتياحها منذ عام 1982.

السبب الثاني لفشل اتّفاق 17 أيّار الدور الأميركيّ في المفاوضات. لم يعطِ الأميركيّون الأولويّة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة، وركّزوا على مسيرة السلام بين إسرائيل والعرب ومبادرة ريغن في الأوّل من أيلول 1983. لم يتدخّل السفير فيليب حبيب في مسار المفاوضات إلّا نادراً، والوزير جورج شولتز تدخّل في ربع الساعة الأخير بأن فرض على الجانبين اتّفاقاً وُلد ميتاً بحسب تعبير وزير الدفاع الأميركيّ كاسبر واينبرغر، علاوة على الخلاف الكبير بين شولتز وواينبرغر على معظم قضايا المنطقة، وبالأخصّ لبنان.

نتج السبب الثالث من السببين الأوّلين: طالت المفاوضات وكانت بعض الجلسات تضييعاً للوقت فقط. أعطى التأخير الاتّحاد السوفيتيّ الوقت الكافي لإعادة تسليح الجيش السوريّ وتدريب ضبّاطه على السلاح الجديد، وكان سخيّاً في العطاء. صيف 1983 كانت سوريا استعادت قوّتها ومكانتها العسكريّة والسياسيّة في المنطقة. سمحت كلّ هذه التطوّرات بقيام معارضة داخليّة في لبنان، تعزّزت مع الوقت وأتت التحوّلات لمصلحتها (…).

في اختصار، كان الخاسرون في فريق رئيس الجمهوريّة هم المسؤولين المتعاونين مباشرة مع الولايات المتّحدة لإنجاز اتّفاق 17 أيّار، وهما مستشار الرئيس لشؤون الأمن القوميّ الدكتور وديع حدّاد، وبدرجة أقلّ وزير الخارجيّة في حكومة الرئيس شفيق الوزّان الدكتور إيلي سالم. كان السفير غسّان تويني مستشاراً غير رسمي للرئيس. كان الخاسر الوحيد عسكريّاً العماد إبراهيم طنّوس الذي حُمِّل مسؤوليّة قصف بيروت الغربيّة وضاحيتها الجنوبيّة. لم يعطَ طنّوس أيّ فضل في معارك سوق الغرب حيث حافظ صمود الجيش على الشرعيّة. أُعطي الفضل في تلك المعركة إلى اللواء الثامن وقائده ميشال عون فقط. لم يُعترف إعلاميّاً بما قام به اللواء الخامس وفوج المغاوير في معركة سوق الغرب، وكانا أساسيَّين في مساندة اللواء الثامن”.

أسرار سقوط اتّفاق 17 أيّار: أوراقي الأخيرة” لعبدالله بوحبيب

الكاتب: نقولا ناصيف | المصدر: اساس ميديا
29 تموز 2026

سنة مضت على رحيل الوزير السابق للخارجيّة عبدالله بوحبيب (23 تمّوز 2025). كان في صدد كتابة مذكّرات المرحلة الأخيرة، وقد أنجز فصولاً أولى عن مسيرته، وأبرز محطّاتها مرافقته سفيراً للبنان في واشنطن اتّفاق 17 أيّار 1983 تحضيراً وانهياراً. يحيي أصدقاؤه اليوم الأربعاء الذكرى الأولى باحتفال خطابيّ يوزَّع فيه كتيّب عن آخر ما دوّن بعنوان “أوراقي الأخيرة”.

 

ينشر “أساس” في الآتي جزءاً من فصل “محنة الرئاسة” تناول فيه بوحبيب دوافع سقوط اتّفاق 17 أيّار عام 1983 والموقف الأميركيّ الذي رافق التحضير له بحماسة وكان سبباً في التخلّي عنه: “بعد مفاوضات طويلة بين لبنان وإسرائيل، توصّل الطرفان في 17 أيّار، بمساعدة أميركيّة داعمة وقويّة، إلى اتّفاق عُرف باتّفاق 17 أيّار يقضي بجلاء القوّات الإسرائيليّة من الأراضي اللبنانيّة، وهو اسمه الفعليّ. لم تتحمّس إسرائيل له بعدما وقّعته مع لبنان والولايات المتّحدة، ورفضته سوريا بالمطلق. أرادت الدولة العبريّة اتّفاق سلام مع لبنان يشبه اتّفاقها مع مصر الذي وُقّع في البيت الأبيض في آذار 1979.

موشيه آرينز يكشف شروط إسرائيل

كنت قد التقيت في بيت روبرت (بوب) بايسِل في فرجينيا في ضواحي واشنطن، السفير الإسرائيليّ في العاصمة الأميركيّة موشيه آّرينز ونائبه بنيامين نتنياهو قبل يومين من بدء زيارة الرئيس أمين الجميّل للأمم المتّحدة وواشنطن في 9 تشرين الأوّل 1982. كان بايسِل ركناً أساسيّاً في الجالية الأميركيّة اللبنانيّة في واشنطن التي دعمت المقاومة اللبنانيّة وقائدها بشير الجميّل، وكان موظّفاً كبيراً في وزارة الدفاع الأميركيّة في خلال ولايتَي الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد. بالفعل، أصبح بوب بايسِل خلال الزيارة الثانية لبشير لواشنطن ربيع 1978 رئيس رابطة اللبنانيّين الأميركيّين التي كانت لها فروع في معظم المدن الأميركيّة، والمتكلّم الرئيس في الولايات المتّحدة للحراك اللبنانيّ الأميركيّ المؤيّد لقائد “القوّات اللبنانيّة”.

طلب منّي بايسِل أن أحضر لقاء مع آرينز الذي أراد الاجتماع بأحد المقرّبين من الرئيس الجميّل في واشنطن، وهو يحمل رسالة من حكومته ويريد إيصالها إليه. والرسالة كالآتي: “زار وزير خارجيّة إسرائيل إسحق شامير واشنطن واجتمع مع كلّ المسؤولين الأميركيّين المعنيّين بالحرب في لبنان، وطار بعد ظهر ذلك اليوم إلى لوس أنجلس وسيعود إلى واشنطن بعد أن يتركها الجميّل. تفيد رسالة شامير إلى كلّ من المسؤولين الأميركيّين الذين اجتمع بهم بأنّ إسرائيل تريد سلاماً مع لبنان مشابهاً لاتّفاق السلام مع مصر، وقد وعدها بذلك الشيخ بشير الجميّل والقيادات المسيحيّة المحيطة به. ردُّ المسؤولين الأميركيّين أنّه يصعب على لبنان الضعيف والمفكّك أن يعقد اتّفاقاً كهذا. إلى ذلك كلّه، تضغط دول عربيّة نافذة على المسؤولين الأميركيّين وعلى الجميّل حتّى لا يعقد الاتّفاق. لكن ردّاً على إصرار شامير، قيل له إنّ القرار للجميّل، إذ إنّ الولايات المتّحدة لم تعرف مسبقاً بقرار الرئيس المصريّ أنور السادات الذهاب إلى القدس، لكنّها ساندته إلى حين الوصول إلى معاهدة سلام بين البلدين”.

أضاف آرينز: “نريد معاهدة سلام، وإن لم نحصل على ذلك فسننسحب جنوباً إلى الزهراني، جنوب مدينة صيدا. إذا كان ذلك يعطيكم سلاماً وأماناً مع السوريّين والمسلمين فهنيئاً لكم. أمّا إذا انقضّوا عليكم، فلا تنتظروا منّا العودة لمساعدتكم. صدّقوني، سنبدأ عمليّة أمنيّة يتفكّك لبنان من جرّائها ومن دون أن نتحمّل أيّ مسؤوليّة. وكما تعرفون، الحكومة الإسرائيليّة تواجه خطر السقوط ولا يساعدها على البقاء سوى معاهدة سلام مع لبنان”.

لم أشارك في الكلام. كنت مستمعاً. لكنّ بايسِل كان يحاور ويحاول إقناع السفير بعقد اتّفاق أمنيّ مردّداً أنّ لبنان لا يتحمّل معاهدة سلام في وضعه الحاليّ وقتذاك.

 

الرّسائل الأميركيّة ـ الإسرائيليّة التي أجهضت الاتّفاق

ردّ آرينز أنّ الرئيس كميل شمعون اقترح اتّفاقاً أمنيّاً ورفضته إسرائيل. أراد آرينز أن تصل الرسالة إلى الرئيس الجميّل. هكذا كان. اجتمعت وبوب بايسِل برفقة وديع حدّاد وألفرد ماضي بالرئيس الجميّل في فندق وولدورف إستوريا في نيويورك في أثناء زيارته مقرّ الأمم المتّحدة ليلة 9 تشرين الأوّل عام 1983، وكنت وبايسِل قد أطلعنا حدّاد وماضي على محتوى رسالة آرينز. كان مع الرئيس، عندما دخلنا جناحه، كبير مستشاريه السياسيّين الناشر والوزير والسفير والنائب السابق غسّان تويني. سرد بوب بايسِل رسالة السفير الإسرائيليّ من دون أن يذكر أنّني حضرت اللقاء في منزله. أذكر أنّ الرئيس صُدم من الخبر، وتويني قال إنّ ذلك “يخربط” استراتيجيتنا، وانتهى الحوار عن الموضوع بعد دقائق.

حملت الضغوط الأميركيّة والرحلات المكّوكيّة للسفير فيليب حبيب والوزير جورج شولتز بين بيروت وتل أبيب، إسرائيل على القبول بالاتّفاق مع لبنان، لكنّها قوّضته مباشرة بالرسائل المتبادلة مع إدارة الرئيس الأميركيّ رونالد ريغن، وكانت اشترطت أوّلاً خروج الجيش السوريّ من لبنان بالتزامن مع خروجها منه، وثانياً أن تعيد إليها سوريا رفات جنودها الذين سقطوا في الحرب. لذلك على الرغم من أنّ مجلس النوّاب صادق على الاتّفاق في أوائل حزيران 1983، رفض الرئيس الجميّل إبرامه معتبراً أنّ الرسائل المتبادلة بين واشنطن وتل أبيب تمنع تنفيذه، فيغدو للبنان اتّفاق مع إسرائيل واستمرار للاحتلال.

في النصف الثاني من حزيران 1983 زار واشنطن ديفيد كيمحي، الأمين العامّ لوزارة الخارجيّة الإسرائيليّة وقتذاك، ليطلع الإدارة الأميركيّة على قرار حكومته الانسحاب من الجبل إلى نهر الأوّلي، شمال مدينة صيدا، في أوائل أيلول، من دون تنسيق مع الحكومة اللبنانيّة. كنت قد تسلّمت مكاتب السفارة في واشنطن في 9 أيّار. أذكر أنّني زرت وقتذاك الخارجيّة الأميركيّة واجتمعت مع نيكولاس فيليوتز، مساعد الوزير لشؤون الشرق الأوسط، أستوضحه حقيقة ما سمعت عن زيارة كيمحي. رافقني إلى الاجتماع المستشار في السفارة جهاد مرتضى. أكّد فيليوتز ما أُشيع عن الزيارة، لكنّه شدّد على أنّ الولايات المتّحدة لن تسمح بانسحاب إسرائيل من دون تنسيق مع الحكومة اللبنانيّة. برّر رفض إسرائيل التنسيق مع لبنان لانسحابها من الجبل، بأنّه يعود إلى عدم إبرام لبنان اتّفاق 17 أيّار الذي صادق عليه مجلس نوّابه.

الانسحاب الإسرائيليّ وحرب الجبل: الطّريق إلى المأساة

رفضت إسرائيل أيضاً التنسيق مع قيادة ميليشيا القوّات اللبنانيّة، وكانت، كما عرف وقتذاك، تسلّح الميليشيا الدرزيّة وتشجّعها وتدفعها إلى مواجهة “القوّات اللبنانيّة” والجيش. تبعاً لذلك نشأت خطوط تماسّ جديدة في الجبل قسّمته إلى قسمين مسيحيّ ودرزيّ بتواطؤ إسرائيليّ، وهو ما أعادنا إلى الفتنة التاريخيّة القديمة في اقتتال الطائفتين وأعطب مجدّداً تعايشهما.  

زار الرئيس الجميّل واشنطن في 22 تمّوز، في ظروف غير مؤاتية للشرعيّة اللبنانيّة، للبحث مع الرئيس رونالد ريغن وأركان إدارته في إمكان تنفيذ الاتّفاق في ضوء قرار إسرائيل الانسحاب من الجبل. لم تثمر الاجتماعات عن إيجابيّات. أعلن البيت الأبيض في خلال وجوده في واشنطن إبدال السفير فيليب حبيب بروبرت ماكفرلين، نائب مستشار الرئيس للأمن القوميّ، لمهمّة موفد الرئيس إلى لبنان والشرق الأوسط. بدا أنّ حبيب كان متشدّداً مع إسرائيل وسوريا، وهو ما حمل الدولتين على المطالبة بتغييره. كان ذلك خسارة كبيرة للبنان.

عاد الجميّل إلى بيروت من دون وعد أميركيّ قاطع بحمل إسرائيل على التنسيق مع الحكومة اللبنانيّة في شأن انسحابها من الجبل. كانت هناك فقط وعود بمحاولة إقناعها. لكنّ المدافع السوريّة والفلسطينيّة والدرزيّة بدأت عمليّات حربيّة متقطّعة قبل عودته إلى بيروت، واستمرّت طوال الصيف. راحت المدافع الدرزيّة تطلق نيرانها من المناطق التي تحتلّها إسرائيل من دون أن تحرّك ساكناً.

ارتأت قيادة الجيش اللبنانيّ في آب 1983 أن ترسل إلى عاليه مجموعة صغيرة من الضبّاط في مهمّة استطلاعيّة لتحديد النقاط والمناطق لإمكان انتشار الجيش في الجبل بعد انسحاب إسرائيل. قاد المجموعة العقيد ميشال عون، قائد اللواء الثامن. لكن دونما جدوى على الرغم من تعرّض عون لمكمن نجا منه بأعجوبة. كانت تلك إشارة إسرائيليّة صريحة إلى رفض انتشار الجيش في الجبل توطئة لما سيأتي فيما بعد، أي المذابح التي ستوقع المسيحيّين والدروز في فخّها.

بدعمين كبيرين غير محدودين سوريّ وفلسطينيّ موال لدمشق منشقّ عن ياسر عرفات، شنّ وليد جنبلاط في 3 أيلول 1983 حربه لطرد “القوّات اللبنانيّة” والجيش من جبل لبنان الجنوبيّ، الشوف وعاليه، وتالياً إخراج المسيحيّين من قراهم وبلداتهم وتكريس إمارته والدروز في هذا الجانب من الجبل، إلى أن حال اللواء الثامن بقيادة ميشال عون دون بلوغ سوق الغرب واحتلاله، في طريق طموحه إلى إسقاط القصر الجمهوريّ ووزارة الدفاع.

استمرّ القتال نحو ثلاثة أسابيع نجح بعدها الموفد السعوديّ الأمير (السفير إلى واشنطن) بندر بن سلطان في وساطته. توقّف إطلاق النار قبل نهاية شهر أيلول ما إن وافق الأفرقاء على الاجتماع في مؤتمر وطنيّ للحوار لمعالجة القضايا الداخلية المختلف عليها بين اللبنانيّين.

ثلاثة عوامل أطاحت باتّفاق 17 أيّار

اعتُبر اتّفاق 17 أيّار والأحداث التي تلته الفشل الأوّل للشرعيّة اللبنانيّة. نتج عن أسباب شتّى أوّلها اختلاف كبير بين الأهداف اللبنانيّة والإسرائيليّة كما تبيّن من المفاوضات. بينما أرادت إسرائيل معاهدة سلام، طلب لبنان معاهدة أمنيّة على أساس اتّفاق الهدنة الموقّع عام 1949. وبينما استعجلت إسرائيل سلاماً مشابهاً لسلامها مع مصر، شدّد لبنان على ضمان عدم استعمال الأراضي اللبنانيّة للاعتداء عليها. أخيراً ألحّت إسرائيل على الرئيس الجميّل تنفيذ تعهّد أخيه بشير بعقد معاهدة سلام بين البلدين. هدف الرئيس اللبنانيّ الاكتفاء باتّفاق أمنيّ، وكان كذلك الاقتناع الأميركيّ والعربيّ، فيما لم يكن في وارد إسرائيل القبول بأقلّ من معاهدة سلام بعد الكلفة الكبيرة للحرب على لبنان، وخسارتها أكثر من 500 جنديّ في اجتياحها منذ عام 1982.

السبب الثاني لفشل اتّفاق 17 أيّار الدور الأميركيّ في المفاوضات. لم يعطِ الأميركيّون الأولويّة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة، وركّزوا على مسيرة السلام بين إسرائيل والعرب ومبادرة ريغن في الأوّل من أيلول 1983. لم يتدخّل السفير فيليب حبيب في مسار المفاوضات إلّا نادراً، والوزير جورج شولتز تدخّل في ربع الساعة الأخير بأن فرض على الجانبين اتّفاقاً وُلد ميتاً بحسب تعبير وزير الدفاع الأميركيّ كاسبر واينبرغر، علاوة على الخلاف الكبير بين شولتز وواينبرغر على معظم قضايا المنطقة، وبالأخصّ لبنان.

نتج السبب الثالث من السببين الأوّلين: طالت المفاوضات وكانت بعض الجلسات تضييعاً للوقت فقط. أعطى التأخير الاتّحاد السوفيتيّ الوقت الكافي لإعادة تسليح الجيش السوريّ وتدريب ضبّاطه على السلاح الجديد، وكان سخيّاً في العطاء. صيف 1983 كانت سوريا استعادت قوّتها ومكانتها العسكريّة والسياسيّة في المنطقة. سمحت كلّ هذه التطوّرات بقيام معارضة داخليّة في لبنان، تعزّزت مع الوقت وأتت التحوّلات لمصلحتها (…).

في اختصار، كان الخاسرون في فريق رئيس الجمهوريّة هم المسؤولين المتعاونين مباشرة مع الولايات المتّحدة لإنجاز اتّفاق 17 أيّار، وهما مستشار الرئيس لشؤون الأمن القوميّ الدكتور وديع حدّاد، وبدرجة أقلّ وزير الخارجيّة في حكومة الرئيس شفيق الوزّان الدكتور إيلي سالم. كان السفير غسّان تويني مستشاراً غير رسمي للرئيس. كان الخاسر الوحيد عسكريّاً العماد إبراهيم طنّوس الذي حُمِّل مسؤوليّة قصف بيروت الغربيّة وضاحيتها الجنوبيّة. لم يعطَ طنّوس أيّ فضل في معارك سوق الغرب حيث حافظ صمود الجيش على الشرعيّة. أُعطي الفضل في تلك المعركة إلى اللواء الثامن وقائده ميشال عون فقط. لم يُعترف إعلاميّاً بما قام به اللواء الخامس وفوج المغاوير في معركة سوق الغرب، وكانا أساسيَّين في مساندة اللواء الثامن”.

مزيد من الأخبار