هل يخطّط نتنياهو للعودة إلى ما قبل 2000؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
1 آب 2026

من السذاجة الاقتناع بأنّ نسف الأنفاق الرئيسية في محيط قلعة الشقيف بـ 700 طن من المتفجرات هو مجرد ردّ تكتيكي على استهداف الجرافة في منطقة علي الطاهر. إنّه في الواقع إعلان رسمي عن ملامح خطة استراتيجية إسرائيلية، ستظهر ملامحها يوماً بعد يوم، وكلما لاحت الفرصة لبنيامين نتنياهو سيمضي في تنفيذ الخطوات، واحدة تلو أخرى.

مع توقيع صيغة الإطار مع لبنان، بشراكة أميركية، أوقف الإسرائيليون إلى حدّ بعيد عملياتهم القتالية المباشرة، كالغارات والتوغل، أو قلّصوها إلى الحدود الدنيا. لكنهم في المقابل، صعّدوا بقوة عمليات الهدم والتفجير والجرف والإحراق، للأنفاق، ولكن خصوصاً للمنازل والبنى التحتية المدنية، حتى إنّ بعض القرى والبلدات والمدن تلاشى تماماً عن الخريطة. ومعنى ذلك أنّ إسرائيل تصرّ على جعل المنطقة الواقعة تحت سيطرتها مساحة غير صالحة للسكن، كما يُحظّر على الأهالي أن يُعيدوا بناءها أو يفكروا في العودة إليها. ولو كان الإسرائيليون يريدون الانسحاب بعد شهر أو اثنين أو سنة، لما كان هاجسهم مسح القرى بكاملها.

 

في التفكير الإسرائيلي، خطط للجنوب. فقد قيل إنّه سيكون «منطقة اقتصادية» يطلقون عليها تسمية «منطقة ترامب الاقتصادية»، وقيل إنّ جزءاً من الجنوب سيبقى تحت سيطرة إسرائيل كلياً، بشكل حزام أمني. وقيل إنّ هذا الحزام ربما يوضع تحت سيطرة قوات أطلسية. لكن الإسرائيليين أنفسهم، حتى اليوم، لا يقولون إنّهم سينسحبون من كل الجنوب. ​وواضح أنّ بنيامين نتنياهو عاد من واشنطن بضوء أخضر لتحرّك في الجنوب اللبناني، يتقاطع مع النبرة التصعيدية الأميركية الحادة ضدّ إيران وحلفائها في المنطقة. ويزداد الاقتناع في أوساط لبنانية عدة، بأنّ الديبلوماسية والمفاوضات الحالية ليست سوى غطاء سياسي لتقطيع الوقت، فيما يجري إعداد المنطقة لمتغيّرات جيوسياسية قاسية تُعيد رسم الحدود بالنار.

 

في أي حال، كشف بيان نتنياهو- كاتس، وبيان الجيش الإسرائيلي، بعد تفجير أنفاق الشقيف، ما يشبه خريطة طريق إسرائيلية، إذ جاء فيهما تأكيد ثلاثي على النية في تدمير «البنى التحتية كلها»، وهذا يعني الأحياء السكنية أيضاً، والتحضير لتدمير أنفاق علي الطاهر، ويُضاف هذا إلى الموقف الدائم الذي يؤكّد عدم انسحاب إسرائيل من الجنوب ومواصلة عملياتها واحتفاظها بهامش العودة إلى أي منطقة انسحبت منها، للتأكّد من خلوها من «حزب الله» وسلاحه. وهذا الإعلان الواضح عن المسار الميداني، سيُترجم بالتأكيد طروحات في المفاوضات المقبلة.

 

​​تستفيد إسرائيل من بيئة إقليمية ودولية تراها مناسبة لتحقق غاياتها الاستراتيجية. ففي الداخل اللبناني، لا تريد السلطة الرسمية أي تصادم مباشر مع «حزب الله» في ملف نزع السلاح. و​أما على الصعيد الدولي، فليس هناك ضغط حقيقي من إدارة دونالد ترامب على إسرائيل. وهناك صمت عربي. ولذلك، يجد نتنياهو نفسه أمام فرصة ذهبية لن يتردّد في استغلالها. كما ​يتصل التصعيد الميداني بواقع السياسة الداخلية في إسرائيل. فمع اقتراب موعد الانتخابات العامة في الخريف، يجد نتنياهو نفسه في حاجة إلى جرعة دعم نارية، تُقنع ناخبيه وتُثبت جدارته في الحفاظ على أمن المستوطنات الشمالية. ومن هذا المنطلق، يبرز سيناريو التوسع الإسرائيلي الميداني الذي سينطلق من خط علي الطاهر، وقد لا يتوقف إلّا في مرتفعات جبل الريحان. وبذلك، يتمّ فرض واقع ميداني يُعيد المنطقة إلى ما قبل عام 2000.

 

والأمر لن يقف عند حدود التهجير لمئات الآلاف من السكان وإحداث تغيير ديموغرافي قسري، بل سيمتد ليضرب عصب الاقتصاد اللبناني المتهالك اصلاً. ​وللتذكير، أدّى الخلاف على مساحة بسيطة تُقاس بموقع صخرة في الناقورة إلى خسارة لبنان لمئات الكيلومترات المربعة من حصته المفترضة في المنطقة الاقتصادية الخالصة، وتحديداً في البلوك الرقم 9. فإذا كانت خسارة نقطة صخرية قد أطاحت بثروات غازية هائلة، فكيف سيكون المشهد إذا ما خسر لبنان سيطرته السيادية والسياسية على الجزء الأوسع والحيوي من جنوبه؟

 

لذلك، ​يقف الجنوب اللبناني اليوم أمام معادلة وجودية. وإذا لم تستطع الحكومة اللبنانية التقاط المبادرة المتمثلة بالرعاية الأميركية للمفاوضات، والاستفادة من الثقل السياسي اللبناني في البيئة المحيطة بترامب، فإنّ الجنوب مرشح للعودة إلى واقع احتلالي قد يستمر طويلاً جداً، لأنّ التقاطعات التي فرضت انسحاب إسرائيل في العام 2000 قد لا تكون متاحة أبداً، أو تتأخّر لسنوات أو عقود.

هل يخطّط نتنياهو للعودة إلى ما قبل 2000؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
1 آب 2026

من السذاجة الاقتناع بأنّ نسف الأنفاق الرئيسية في محيط قلعة الشقيف بـ 700 طن من المتفجرات هو مجرد ردّ تكتيكي على استهداف الجرافة في منطقة علي الطاهر. إنّه في الواقع إعلان رسمي عن ملامح خطة استراتيجية إسرائيلية، ستظهر ملامحها يوماً بعد يوم، وكلما لاحت الفرصة لبنيامين نتنياهو سيمضي في تنفيذ الخطوات، واحدة تلو أخرى.

مع توقيع صيغة الإطار مع لبنان، بشراكة أميركية، أوقف الإسرائيليون إلى حدّ بعيد عملياتهم القتالية المباشرة، كالغارات والتوغل، أو قلّصوها إلى الحدود الدنيا. لكنهم في المقابل، صعّدوا بقوة عمليات الهدم والتفجير والجرف والإحراق، للأنفاق، ولكن خصوصاً للمنازل والبنى التحتية المدنية، حتى إنّ بعض القرى والبلدات والمدن تلاشى تماماً عن الخريطة. ومعنى ذلك أنّ إسرائيل تصرّ على جعل المنطقة الواقعة تحت سيطرتها مساحة غير صالحة للسكن، كما يُحظّر على الأهالي أن يُعيدوا بناءها أو يفكروا في العودة إليها. ولو كان الإسرائيليون يريدون الانسحاب بعد شهر أو اثنين أو سنة، لما كان هاجسهم مسح القرى بكاملها.

 

في التفكير الإسرائيلي، خطط للجنوب. فقد قيل إنّه سيكون «منطقة اقتصادية» يطلقون عليها تسمية «منطقة ترامب الاقتصادية»، وقيل إنّ جزءاً من الجنوب سيبقى تحت سيطرة إسرائيل كلياً، بشكل حزام أمني. وقيل إنّ هذا الحزام ربما يوضع تحت سيطرة قوات أطلسية. لكن الإسرائيليين أنفسهم، حتى اليوم، لا يقولون إنّهم سينسحبون من كل الجنوب. ​وواضح أنّ بنيامين نتنياهو عاد من واشنطن بضوء أخضر لتحرّك في الجنوب اللبناني، يتقاطع مع النبرة التصعيدية الأميركية الحادة ضدّ إيران وحلفائها في المنطقة. ويزداد الاقتناع في أوساط لبنانية عدة، بأنّ الديبلوماسية والمفاوضات الحالية ليست سوى غطاء سياسي لتقطيع الوقت، فيما يجري إعداد المنطقة لمتغيّرات جيوسياسية قاسية تُعيد رسم الحدود بالنار.

 

في أي حال، كشف بيان نتنياهو- كاتس، وبيان الجيش الإسرائيلي، بعد تفجير أنفاق الشقيف، ما يشبه خريطة طريق إسرائيلية، إذ جاء فيهما تأكيد ثلاثي على النية في تدمير «البنى التحتية كلها»، وهذا يعني الأحياء السكنية أيضاً، والتحضير لتدمير أنفاق علي الطاهر، ويُضاف هذا إلى الموقف الدائم الذي يؤكّد عدم انسحاب إسرائيل من الجنوب ومواصلة عملياتها واحتفاظها بهامش العودة إلى أي منطقة انسحبت منها، للتأكّد من خلوها من «حزب الله» وسلاحه. وهذا الإعلان الواضح عن المسار الميداني، سيُترجم بالتأكيد طروحات في المفاوضات المقبلة.

 

​​تستفيد إسرائيل من بيئة إقليمية ودولية تراها مناسبة لتحقق غاياتها الاستراتيجية. ففي الداخل اللبناني، لا تريد السلطة الرسمية أي تصادم مباشر مع «حزب الله» في ملف نزع السلاح. و​أما على الصعيد الدولي، فليس هناك ضغط حقيقي من إدارة دونالد ترامب على إسرائيل. وهناك صمت عربي. ولذلك، يجد نتنياهو نفسه أمام فرصة ذهبية لن يتردّد في استغلالها. كما ​يتصل التصعيد الميداني بواقع السياسة الداخلية في إسرائيل. فمع اقتراب موعد الانتخابات العامة في الخريف، يجد نتنياهو نفسه في حاجة إلى جرعة دعم نارية، تُقنع ناخبيه وتُثبت جدارته في الحفاظ على أمن المستوطنات الشمالية. ومن هذا المنطلق، يبرز سيناريو التوسع الإسرائيلي الميداني الذي سينطلق من خط علي الطاهر، وقد لا يتوقف إلّا في مرتفعات جبل الريحان. وبذلك، يتمّ فرض واقع ميداني يُعيد المنطقة إلى ما قبل عام 2000.

 

والأمر لن يقف عند حدود التهجير لمئات الآلاف من السكان وإحداث تغيير ديموغرافي قسري، بل سيمتد ليضرب عصب الاقتصاد اللبناني المتهالك اصلاً. ​وللتذكير، أدّى الخلاف على مساحة بسيطة تُقاس بموقع صخرة في الناقورة إلى خسارة لبنان لمئات الكيلومترات المربعة من حصته المفترضة في المنطقة الاقتصادية الخالصة، وتحديداً في البلوك الرقم 9. فإذا كانت خسارة نقطة صخرية قد أطاحت بثروات غازية هائلة، فكيف سيكون المشهد إذا ما خسر لبنان سيطرته السيادية والسياسية على الجزء الأوسع والحيوي من جنوبه؟

 

لذلك، ​يقف الجنوب اللبناني اليوم أمام معادلة وجودية. وإذا لم تستطع الحكومة اللبنانية التقاط المبادرة المتمثلة بالرعاية الأميركية للمفاوضات، والاستفادة من الثقل السياسي اللبناني في البيئة المحيطة بترامب، فإنّ الجنوب مرشح للعودة إلى واقع احتلالي قد يستمر طويلاً جداً، لأنّ التقاطعات التي فرضت انسحاب إسرائيل في العام 2000 قد لا تكون متاحة أبداً، أو تتأخّر لسنوات أو عقود.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار