تفجير مرفأ بيروت … من يتحمل مسؤولية الانقلاب الكبير؟

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
2 آب 2026

وصول ماكرون إلى بيروت ولَّد آمالاً بدعم دولي للشعب اللبناني والتغيير لكن اتضح لاحقاً أنها زائفة

لم تعد ذكرى الرابع من أغسطس 2020 مجرد استذكار لأكبر انفجار غير نووي في التاريخ الحديث، بل تحولت إلى رمز لانهيار العدالة وإفلات المسؤولين من المحاسبة. جاء الانفجار فيما كان لبنان يعيش انتفاضة شعبية وانهياراً مالياً غير مسبوق وسرقة لودائع الناس، وسط تصاعد المطالب بإسقاط الطبقة السياسية وإجراء انتخابات نيابية مبكرة. لكن المبادرة الفرنسية بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون انتقلت من احتضان الشارع إلى التفاهم مع السلطة، مما اعتبره كثيرون إعادة تعويم للمنظومة الحاكمة وإضعافاً لزخم التغيير. ومنذ ذلك الوقت، تعثر التحقيق في جريمة المرفأ بفعل التعطيل السياسي والقضائي، وبقيت الحقيقة غائبة والعدالة مؤجلة. وأصبح الرابع من أغسطس بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين ذكرى لضياع فرصة تاريخية لبناء دولة جديدة تقوم على المحاسبة وسيادة القانون، لا على التسويات السياسية.

في كل عام يحل الرابع من أغسطس (آب) على اللبنانيين مثقلاً بالشموع والورد والخطابات والدموع، وكأن المأساة لا تزال محصورة في انفجار دمر نصف العاصمة بيروت وقتل أكثر من 230 إنساناً وجرح الآلاف وشرد مئات الآلاف، لكن الحقيقة أن الرابع من أغسطس لم يعد منذ سنوات مجرد ذكرى لانفجار مرفأ بيروت، بل أصبح ذكرى لانفجار العدالة نفسها، ولانهيار فكرة الدولة، ولنجاح منظومة سياسية كاملة في تحويل واحدة من أكبر الجرائم في تاريخ لبنان إلى ملف معلق بين الأدراج القضائية والتجاذبات السياسية، حتى كادت الحقيقة نفسها تصبح إحدى ضحايا الانفجار.

المفارقة أن الانفجار لم يقع في بلد مستقر، ثم أدخله في الفوضى، بل وقع فوق ركام دولة كانت تنهار أصلاً. ففي صيف عام 2020 كان لبنان يعيش أخطر مراحله منذ انتهاء الحرب الأهلية. كانت انتفاضة الـ17 من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 قد هزت أركان النظام السياسي، وكانت السلطة تواجه غضباً شعبياً غير مسبوق، فيما كان الانهيار المالي يلتهم مدخرات اللبنانيين في واحدة من أكبر عمليات تبخر الودائع المصرفية في التاريخ الحديث، حتى بات من يملك 100 دولار في المصرف ضحية، ومن يملك ملايين الدولارات ضحية أيضاً. أكثر من 150 مليار دولار من أموال اللبنانيين تحولت إلى أرقام على الشاشات، فيما وقف الناس في طوابير البنزين والخبز والدواء، تزامناً مع اجتياح وباء كورونا الذي شل العالم ووصل إلى لبنان في أكثر لحظاته ضعفاً.

كانت البلاد كلها تشبه برميل بارود ينتظر الشرارة الأخيرة. الشارع يغلي، والثقة بالدولة سقطت بالكامل، والمطالبة بانتخابات نيابية مبكرة أصبحت العنوان الرئيس للحراك الشعبي باعتبارها الطريق الوحيد لإسقاط الطبقة السياسية التي حملها اللبنانيون مسؤولية الانهيار الاقتصادي والفساد وسرقة أموالهم.

ثم وقع الانفجار.

في لحظة واحدة، لم يعد اللبنانيون يتحدثون فقط عن أزمة مالية أو فساد أو انهيار مؤسسات، بل عن مدينة دمرت وعن جريمة بحجم وطن. بدا وكأن الانفجار سيشكل نقطة اللاعودة بالنسبة إلى السلطة، وأن الطبقة السياسية لن تستطيع النجاة هذه المرة من غضب اللبنانيين، بعدما امتزجت دماء الضحايا بأموال المودعين المنهوبة وبسنوات طويلة من الفساد والإهمال.

وفي اليوم التالي مباشرة، هبط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بيروت.

استقبله اللبنانيون بما يشبه لحظة الخلاص. التفوا حوله في شوارع الجميزة (شرق بيروت)، خاطبوه مباشرة، طالبوه بمساعدتهم على إسقاط المنظومة، زار السيدة فيروز بوصفها رمزاً للبنان، وغرس شجرة أرز في مشهد أوحى للكثيرين بأن فرنسا جاءت لتشارك في ولادة لبنان جديد، وأن المجتمع الدولي قرر أخيراً الانحياز إلى الشعب لا إلى السلطة.

لكن ما بدا في الأيام الأولى مشروعاً لإنقاذ لبنان، سرعان ما تحول، في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين، إلى مشروع لإنقاذ الطبقة السياسية نفسها.

فبدلاً من أن تتحول المبادرة الفرنسية إلى رافعة سياسية لإنتاج سلطة جديدة، أو إلى ضغط دولي من أجل انتخابات نيابية مبكرة تعيد تكوين السلطة، اختارت باريس الجلوس مع القوى السياسية ذاتها التي خرج اللبنانيون إلى الشوارع لإسقاطها. وبات الحديث يدور حول تشكيل حكومة توافقية، وإعادة تدوير المنظومة، والحفاظ على التوازنات التقليدية، بدلاً من إحداث القطيعة التي كان الشارع ينتظرها.

منذ تلك اللحظة، شعر كثيرون بأن الزخم الشعبي بدأ يتراجع، وأن السلطة استعادت أنفاسها، وأن المبادرة الفرنسية، بقصد أو من دون قصد، منحت الطبقة السياسية فرصة جديدة للبقاء بعدما كانت على وشك السقوط. وتفككت تدريجاً قوى الانتفاضة، وتراجعت المطالبة بانتخابات مبكرة، وعادت المنظومة إلى الإمساك بالمؤسسات، وكأن الرابع من أغسطس لم يكن لحظة تغيير، بل محطة لإعادة إنتاج النظام نفسه.

لاحقاً، تعددت القراءات السياسية لهذا التحول. فهناك من رأى أن باريس فضلت الاستقرار على التغيير، فيما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن المصالح الاقتصادية الفرنسية، وما أثير آنذاك عن أدوار محتملة لشركات فرنسية في إعادة إعمار مرفأ بيروت ومشاريع البنى التحتية، جعلت الواقعية السياسية تتقدم على العدالة. هذه استنتاجات سياسية بقيت محل نقاش ولم تثبتها أحكام قضائية، لكنها تعكس حجم خيبة الأمل التي شعر بها جزء كبير من اللبنانيين، الذين كانوا ينتظرون من فرنسا أن تكون حليفة الشعب، فإذا بها تتحول، في نظرهم، إلى وسيط مع السلطة.

في تلك المرحلة أيضاً، اختارت باريس الانفتاح على مختلف القوى اللبنانية، بما فيها “حزب الله”، في وقت كان فيه الحزب يواجه ضغوطاً دولية متزايدة، فيما كانت أصابع الاتهام السياسية داخل لبنان تشير إلى مسؤوليته عن البيئة الأمنية والسياسية التي سمحت ببقاء أطنان من نيترات الأمونيوم في قلب العاصمة سنوات طويلة من دون محاسبة أو معالجة. سواء اعتبر ذلك خياراً دبلوماسياً أو ضرورة سياسية، فإن النتيجة كانت واحدة: المنظومة استعادت شرعيتها، فيما بدأت الحقيقة تفقد زخمها.

ومنذ ذلك اليوم، دخل التحقيق في نفق طويل من التعطيل. دعاوى الرد، وكف اليد، والطعون، والصراعات القضائية، والضغوط السياسية، وتبدل موازين القوى، كلها أسهمت في شل التحقيق. خرج موقوفون من السجون، وتعطل عمل المحقق العدلي مراراً، وبقي اللبنانيون بعد سنوات طويلة عاجزين عن الحصول على جواب بسيط: من قتل أبناءهم؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

لقد انتصر الوقت على العدالة، وانتصرت السلطة على الحقيقة.

ولهذا، فإن ذكرى الرابع من أغسطس لم تعد بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين ذكرى انفجار المرفأ، بل ذكرى اللحظة التي ضاعت فيها فرصة تاريخية لبناء دولة جديدة. لحظة كان يمكن أن تؤسس لمسار مختلف، ينتهي بالمحاسبة وإعادة تكوين السلطة، لكنها انتهت، وفق رؤية منتقدي المبادرة الفرنسية، إلى إعادة تعويم الطبقة السياسية نفسها، وإلى دفن الحقيقة تحت ركام التسويات.

من هنا يبرز السؤال الذي لا يزال يلاحق تلك المرحلة حتى اليوم: هل كان ماكرون يسعى فعلاً إلى إنقاذ لبنان، لكنه أخطأ في تقدير طبيعة المنظومة التي تعامل معها؟ أم أن مبادرته السياسية، مهما كانت نياتها، تحولت عملياً إلى المظلة التي سمحت بإعادة إنتاج السلطة نفسها، بالتالي أسهمت، بصورة غير مباشرة، في إسقاط فرصة الوصول إلى الحقيقة؟

قد يختلف اللبنانيون حول الإجابة، لكنهم يكادون يجمعون على حقيقة واحدة: بعد ست سنوات، لا تزال العدالة غائبة، ولا تزال الحقيقة ناقصة، ولا تزال الدولة عاجزة عن محاسبة المسؤولين عن أكبر جريمة عرفها لبنان في تاريخه الحديث. وعندما تغيب العدالة، لا يعود الانفجار مجرد مأساة إنسانية، بل يتحول إلى شهادة وفاة لدولة قررت أن تحمي منظومتها أكثر مما تحمي شعبها.

تفجير مرفأ بيروت … من يتحمل مسؤولية الانقلاب الكبير؟

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
2 آب 2026

وصول ماكرون إلى بيروت ولَّد آمالاً بدعم دولي للشعب اللبناني والتغيير لكن اتضح لاحقاً أنها زائفة

لم تعد ذكرى الرابع من أغسطس 2020 مجرد استذكار لأكبر انفجار غير نووي في التاريخ الحديث، بل تحولت إلى رمز لانهيار العدالة وإفلات المسؤولين من المحاسبة. جاء الانفجار فيما كان لبنان يعيش انتفاضة شعبية وانهياراً مالياً غير مسبوق وسرقة لودائع الناس، وسط تصاعد المطالب بإسقاط الطبقة السياسية وإجراء انتخابات نيابية مبكرة. لكن المبادرة الفرنسية بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون انتقلت من احتضان الشارع إلى التفاهم مع السلطة، مما اعتبره كثيرون إعادة تعويم للمنظومة الحاكمة وإضعافاً لزخم التغيير. ومنذ ذلك الوقت، تعثر التحقيق في جريمة المرفأ بفعل التعطيل السياسي والقضائي، وبقيت الحقيقة غائبة والعدالة مؤجلة. وأصبح الرابع من أغسطس بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين ذكرى لضياع فرصة تاريخية لبناء دولة جديدة تقوم على المحاسبة وسيادة القانون، لا على التسويات السياسية.

في كل عام يحل الرابع من أغسطس (آب) على اللبنانيين مثقلاً بالشموع والورد والخطابات والدموع، وكأن المأساة لا تزال محصورة في انفجار دمر نصف العاصمة بيروت وقتل أكثر من 230 إنساناً وجرح الآلاف وشرد مئات الآلاف، لكن الحقيقة أن الرابع من أغسطس لم يعد منذ سنوات مجرد ذكرى لانفجار مرفأ بيروت، بل أصبح ذكرى لانفجار العدالة نفسها، ولانهيار فكرة الدولة، ولنجاح منظومة سياسية كاملة في تحويل واحدة من أكبر الجرائم في تاريخ لبنان إلى ملف معلق بين الأدراج القضائية والتجاذبات السياسية، حتى كادت الحقيقة نفسها تصبح إحدى ضحايا الانفجار.

المفارقة أن الانفجار لم يقع في بلد مستقر، ثم أدخله في الفوضى، بل وقع فوق ركام دولة كانت تنهار أصلاً. ففي صيف عام 2020 كان لبنان يعيش أخطر مراحله منذ انتهاء الحرب الأهلية. كانت انتفاضة الـ17 من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 قد هزت أركان النظام السياسي، وكانت السلطة تواجه غضباً شعبياً غير مسبوق، فيما كان الانهيار المالي يلتهم مدخرات اللبنانيين في واحدة من أكبر عمليات تبخر الودائع المصرفية في التاريخ الحديث، حتى بات من يملك 100 دولار في المصرف ضحية، ومن يملك ملايين الدولارات ضحية أيضاً. أكثر من 150 مليار دولار من أموال اللبنانيين تحولت إلى أرقام على الشاشات، فيما وقف الناس في طوابير البنزين والخبز والدواء، تزامناً مع اجتياح وباء كورونا الذي شل العالم ووصل إلى لبنان في أكثر لحظاته ضعفاً.

كانت البلاد كلها تشبه برميل بارود ينتظر الشرارة الأخيرة. الشارع يغلي، والثقة بالدولة سقطت بالكامل، والمطالبة بانتخابات نيابية مبكرة أصبحت العنوان الرئيس للحراك الشعبي باعتبارها الطريق الوحيد لإسقاط الطبقة السياسية التي حملها اللبنانيون مسؤولية الانهيار الاقتصادي والفساد وسرقة أموالهم.

ثم وقع الانفجار.

في لحظة واحدة، لم يعد اللبنانيون يتحدثون فقط عن أزمة مالية أو فساد أو انهيار مؤسسات، بل عن مدينة دمرت وعن جريمة بحجم وطن. بدا وكأن الانفجار سيشكل نقطة اللاعودة بالنسبة إلى السلطة، وأن الطبقة السياسية لن تستطيع النجاة هذه المرة من غضب اللبنانيين، بعدما امتزجت دماء الضحايا بأموال المودعين المنهوبة وبسنوات طويلة من الفساد والإهمال.

وفي اليوم التالي مباشرة، هبط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بيروت.

استقبله اللبنانيون بما يشبه لحظة الخلاص. التفوا حوله في شوارع الجميزة (شرق بيروت)، خاطبوه مباشرة، طالبوه بمساعدتهم على إسقاط المنظومة، زار السيدة فيروز بوصفها رمزاً للبنان، وغرس شجرة أرز في مشهد أوحى للكثيرين بأن فرنسا جاءت لتشارك في ولادة لبنان جديد، وأن المجتمع الدولي قرر أخيراً الانحياز إلى الشعب لا إلى السلطة.

لكن ما بدا في الأيام الأولى مشروعاً لإنقاذ لبنان، سرعان ما تحول، في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين، إلى مشروع لإنقاذ الطبقة السياسية نفسها.

فبدلاً من أن تتحول المبادرة الفرنسية إلى رافعة سياسية لإنتاج سلطة جديدة، أو إلى ضغط دولي من أجل انتخابات نيابية مبكرة تعيد تكوين السلطة، اختارت باريس الجلوس مع القوى السياسية ذاتها التي خرج اللبنانيون إلى الشوارع لإسقاطها. وبات الحديث يدور حول تشكيل حكومة توافقية، وإعادة تدوير المنظومة، والحفاظ على التوازنات التقليدية، بدلاً من إحداث القطيعة التي كان الشارع ينتظرها.

منذ تلك اللحظة، شعر كثيرون بأن الزخم الشعبي بدأ يتراجع، وأن السلطة استعادت أنفاسها، وأن المبادرة الفرنسية، بقصد أو من دون قصد، منحت الطبقة السياسية فرصة جديدة للبقاء بعدما كانت على وشك السقوط. وتفككت تدريجاً قوى الانتفاضة، وتراجعت المطالبة بانتخابات مبكرة، وعادت المنظومة إلى الإمساك بالمؤسسات، وكأن الرابع من أغسطس لم يكن لحظة تغيير، بل محطة لإعادة إنتاج النظام نفسه.

لاحقاً، تعددت القراءات السياسية لهذا التحول. فهناك من رأى أن باريس فضلت الاستقرار على التغيير، فيما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن المصالح الاقتصادية الفرنسية، وما أثير آنذاك عن أدوار محتملة لشركات فرنسية في إعادة إعمار مرفأ بيروت ومشاريع البنى التحتية، جعلت الواقعية السياسية تتقدم على العدالة. هذه استنتاجات سياسية بقيت محل نقاش ولم تثبتها أحكام قضائية، لكنها تعكس حجم خيبة الأمل التي شعر بها جزء كبير من اللبنانيين، الذين كانوا ينتظرون من فرنسا أن تكون حليفة الشعب، فإذا بها تتحول، في نظرهم، إلى وسيط مع السلطة.

في تلك المرحلة أيضاً، اختارت باريس الانفتاح على مختلف القوى اللبنانية، بما فيها “حزب الله”، في وقت كان فيه الحزب يواجه ضغوطاً دولية متزايدة، فيما كانت أصابع الاتهام السياسية داخل لبنان تشير إلى مسؤوليته عن البيئة الأمنية والسياسية التي سمحت ببقاء أطنان من نيترات الأمونيوم في قلب العاصمة سنوات طويلة من دون محاسبة أو معالجة. سواء اعتبر ذلك خياراً دبلوماسياً أو ضرورة سياسية، فإن النتيجة كانت واحدة: المنظومة استعادت شرعيتها، فيما بدأت الحقيقة تفقد زخمها.

ومنذ ذلك اليوم، دخل التحقيق في نفق طويل من التعطيل. دعاوى الرد، وكف اليد، والطعون، والصراعات القضائية، والضغوط السياسية، وتبدل موازين القوى، كلها أسهمت في شل التحقيق. خرج موقوفون من السجون، وتعطل عمل المحقق العدلي مراراً، وبقي اللبنانيون بعد سنوات طويلة عاجزين عن الحصول على جواب بسيط: من قتل أبناءهم؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

لقد انتصر الوقت على العدالة، وانتصرت السلطة على الحقيقة.

ولهذا، فإن ذكرى الرابع من أغسطس لم تعد بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين ذكرى انفجار المرفأ، بل ذكرى اللحظة التي ضاعت فيها فرصة تاريخية لبناء دولة جديدة. لحظة كان يمكن أن تؤسس لمسار مختلف، ينتهي بالمحاسبة وإعادة تكوين السلطة، لكنها انتهت، وفق رؤية منتقدي المبادرة الفرنسية، إلى إعادة تعويم الطبقة السياسية نفسها، وإلى دفن الحقيقة تحت ركام التسويات.

من هنا يبرز السؤال الذي لا يزال يلاحق تلك المرحلة حتى اليوم: هل كان ماكرون يسعى فعلاً إلى إنقاذ لبنان، لكنه أخطأ في تقدير طبيعة المنظومة التي تعامل معها؟ أم أن مبادرته السياسية، مهما كانت نياتها، تحولت عملياً إلى المظلة التي سمحت بإعادة إنتاج السلطة نفسها، بالتالي أسهمت، بصورة غير مباشرة، في إسقاط فرصة الوصول إلى الحقيقة؟

قد يختلف اللبنانيون حول الإجابة، لكنهم يكادون يجمعون على حقيقة واحدة: بعد ست سنوات، لا تزال العدالة غائبة، ولا تزال الحقيقة ناقصة، ولا تزال الدولة عاجزة عن محاسبة المسؤولين عن أكبر جريمة عرفها لبنان في تاريخه الحديث. وعندما تغيب العدالة، لا يعود الانفجار مجرد مأساة إنسانية، بل يتحول إلى شهادة وفاة لدولة قررت أن تحمي منظومتها أكثر مما تحمي شعبها.

مزيد من الأخبار