عودة: جرح إنفجار المرفأ ما زال مفتوحاً

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة قداس الأحد في كاتدرائية القديس جاورجيوس، تخلّله جنازاً لراحة أنفس ضحايا انفجار 4 آب/أغسطس 2020 الذين سقطوا في مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي وفي كل العاصمة بيروت.
وقال عودة في عظته بعد الإنجيل: “لبناننا يعاني منذ عقود ويلات الحروب والفساد والانهيار المالي والاقتصادي، وعجز الدولة وتراجع الثقة بها… لكن السنوات الماضية كانت الأشد وطأة على أبنائه. بعد 6 سنوات على تفجير مرفأ بيروت، ما زال البحر هائجاً، ليس لأن الانفجار وحده كان عاصفة مرعبة، بل لأن الحقيقة ما زالت غارقة تحت أمواج المصالح، والعدالة ما زالت تقيد كلما اقتربت من كشف المسؤولين. كيف لا نتوقّف اليوم بغصة أمام أحد أكبر جراح وطننا؟ كيف للكنيسة أن تسمع كلام الإنجيل على الخلاص، وكلام الرسول على قداسة الإنسان، ثم تمر مروراً عابراً على كارثة ما زالت تصرخ في وجه التاريخ؟”.
وتابع: “6 سنوات مرت، وما زال أهل الضحايا يرفعون الصرخة نفسها: أين الحقيقة؟ من قتل أبناءنا؟ من دمّر العاصمة؟ من حول جزءاً منها إلى ركام غطى جثث أحبائهم ودفن آمالهم؟ كيف يمكن لدولة أن تطلب من شعبها الثقة، وهي عاجزة عن قول الحقيقة، أو غير راغبة في ذلك؟ كيف يمكن للعدالة أن تبقى عدالة إذا كانت تؤجّل أو يكتم صوتها كلما دنت من أصحاب النفوذ؟ نحن نعوّل على حكمة رئيس هذا البلد الحبيب، وتصميم رئيس حكومته، وعلى ضمائر من تبقى من شرفاء يعملون تحت سقف القانون، بعيداً عن الفساد وعن المصلحة، كي يأتوا بالأجوبة الشافية للقلوب والنفوس”.
وأضاف: “6 سنوات ولم يخفت صوت الانفجار في وجدان اللبنانيين. الانفجار لم ينته عندما خمد الدخان، والجرح ما زال مفتوحاً. مرحلة التعافي تبدأ عندما تعلن الحقيقة. الانفجار ينتهي عندما يقتاد مفتعلوه إلى العدالة. أما إذا بقيت الحقيقة أسيرة الحسابات، والعدالة رهينة التدخّلات والمصالح، تبقى الجريمة حيّة في الضمائر، والجرح نازفاً، والثقة غائبة، والأمل بدولة قوية عادلة لا تخشى إلا ربّها معدوماً”.
وأردف: “يا أحبّة، تعطيل العدالة ليس خطأ إدارياً بل خطيئة أخلاقية ووطنية. كل يوم تبقى فيه الحقيقة أسيرة هو يوم يقتل فيه الضحايا مجدّداً، وتهان فيه كرامة الناجين الذين يتألّمون لأن القوي هو دائماً المنتصر، كما في الغابات، ويستطيع الإفلات من الحساب. المطلوب ليس انتقاماً، لأن الانتقام ليس من تعاليم الإنجيل. العدالة هي المبتغى، لأنّها من صميم الإنجيل. لا نبحث عن كراهية، لأن المسيح علّمنا المحبة، لكن المحبّة لا تعني التستر على الجريمة، ولا تحويل دماء الأبرياء إلى ذكرى سنوية تطوى في اليوم التالي. المحبّة التي لا تدافع عن الحقيقة ناقصة، والغفران الذي يفرض قبل الاعتراف بالحق باطل، والسلام الذي يبنى على دفن الحقيقة مزور، وهدنة مؤقتة فوق بركان”.
واعتبر المطران عودة أن “ما يزيد الألم والجرح عمقاً أن لبنان، بعد 6 سنوات، لم يخرج من دوامة الموت. ما زال يدفع إلى حروب لا تشبه أحلام أبنائه، ولا تعبّر عن إرادة شعبه. اللبنانيون لم يخلقوا ليكونوا وقوداً لصراعات الآخرين، ولا صندوق بريد للرسائل الإقليمية، ولا ساحة مفتوحة لكل نزاع يقرّر الآخرون خوضه على أرضه. لقد تعب هذا الشعب من دفع حياته وأرزاقه، ومن دفن أبنائه، ومن أن يحرم حقّه في حياة هادئة، آمنة وكريمة. هم يريدون وطنا يحكمه القانون لا السلاح، والحق لا القوة، والعدالة لا التسويات. المؤلم أن من يدفع الثمن هم دوماً الأبرياء الذين يحلمون بوطن طبيعي، فإذا بهم يعيشون في وطن اعتاد الموت أكثر من الحياة. وكأن إنسان هذا البلد صار أرخص من المشاريع والحسابات والمصالح.
الكنيسة لا تستطيع أن تعتاد هذا الواقع، ولا أن تصمت عندما تهان صورة الله في الإنسان، ولا أن تبارك ثقافة الإفلات من العقاب، أو أن تعتبر تعطيل العدالة أمراً عادياً، لأن السكوت عن الظلم مشاركة فيه، والتعايش مع الكذب قبول به. الإنجيل لا يطلب منا أن نكون شهوداً للقيامة فقط، بل للحق أيضاً. مسيحنا قال: «أنا الطريق والحق والحياة»، ولا حياة بلا حق، ولا سلام بلا عدالة، ولا شفاء حقيقياً من دون كشف الحقيقة كاملة، مهما كانت مرّة، ومهما كلّفت”.
وختم: “نصلي اليوم من أجل جميع الضحايا، الأحياء والراقدين، كما نصلّي أيضاً كي يستيقظ الضمير الوطني، ويسقط كل ما يعطل الحقيقة، لأن الأوطان لا تبنى بالإنكار، ولا تنهض بالنسيان، ولا تشفى بالهروب إلى الأمام. لبنان لن يخرج من عواصفه ما لم يتصالح مع الحقيقة، وما لم تصبح العدالة فوق كل مصلحة، والإنسان أغلى من كل حساب، والوطن أكبر من كل مشروع يراد فرضه عليه”.
إلى ذلك، وجّه عودة تحية للجيش اللبناني قائلاً: “تحية وشكر وتقدير لكل فرد من أفراد جيشنا الباسل، حامي الوطن الوحيد، في عيده، سائلاً الرب القدير أن يحميهم ويرافقهم في كل خطوة وكل مهمة يقومون بها من أجل حماية وطننا وحفظ حدوده والدفاع عن أرضه وبسط سيادته على كامل مساحته، كما نصلّي من أجل راحة نفس كل شهيد من عناصره مات ليبقى لبنان”.
عودة: جرح إنفجار المرفأ ما زال مفتوحاً

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة قداس الأحد في كاتدرائية القديس جاورجيوس، تخلّله جنازاً لراحة أنفس ضحايا انفجار 4 آب/أغسطس 2020 الذين سقطوا في مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي وفي كل العاصمة بيروت.
وقال عودة في عظته بعد الإنجيل: “لبناننا يعاني منذ عقود ويلات الحروب والفساد والانهيار المالي والاقتصادي، وعجز الدولة وتراجع الثقة بها… لكن السنوات الماضية كانت الأشد وطأة على أبنائه. بعد 6 سنوات على تفجير مرفأ بيروت، ما زال البحر هائجاً، ليس لأن الانفجار وحده كان عاصفة مرعبة، بل لأن الحقيقة ما زالت غارقة تحت أمواج المصالح، والعدالة ما زالت تقيد كلما اقتربت من كشف المسؤولين. كيف لا نتوقّف اليوم بغصة أمام أحد أكبر جراح وطننا؟ كيف للكنيسة أن تسمع كلام الإنجيل على الخلاص، وكلام الرسول على قداسة الإنسان، ثم تمر مروراً عابراً على كارثة ما زالت تصرخ في وجه التاريخ؟”.
وتابع: “6 سنوات مرت، وما زال أهل الضحايا يرفعون الصرخة نفسها: أين الحقيقة؟ من قتل أبناءنا؟ من دمّر العاصمة؟ من حول جزءاً منها إلى ركام غطى جثث أحبائهم ودفن آمالهم؟ كيف يمكن لدولة أن تطلب من شعبها الثقة، وهي عاجزة عن قول الحقيقة، أو غير راغبة في ذلك؟ كيف يمكن للعدالة أن تبقى عدالة إذا كانت تؤجّل أو يكتم صوتها كلما دنت من أصحاب النفوذ؟ نحن نعوّل على حكمة رئيس هذا البلد الحبيب، وتصميم رئيس حكومته، وعلى ضمائر من تبقى من شرفاء يعملون تحت سقف القانون، بعيداً عن الفساد وعن المصلحة، كي يأتوا بالأجوبة الشافية للقلوب والنفوس”.
وأضاف: “6 سنوات ولم يخفت صوت الانفجار في وجدان اللبنانيين. الانفجار لم ينته عندما خمد الدخان، والجرح ما زال مفتوحاً. مرحلة التعافي تبدأ عندما تعلن الحقيقة. الانفجار ينتهي عندما يقتاد مفتعلوه إلى العدالة. أما إذا بقيت الحقيقة أسيرة الحسابات، والعدالة رهينة التدخّلات والمصالح، تبقى الجريمة حيّة في الضمائر، والجرح نازفاً، والثقة غائبة، والأمل بدولة قوية عادلة لا تخشى إلا ربّها معدوماً”.
وأردف: “يا أحبّة، تعطيل العدالة ليس خطأ إدارياً بل خطيئة أخلاقية ووطنية. كل يوم تبقى فيه الحقيقة أسيرة هو يوم يقتل فيه الضحايا مجدّداً، وتهان فيه كرامة الناجين الذين يتألّمون لأن القوي هو دائماً المنتصر، كما في الغابات، ويستطيع الإفلات من الحساب. المطلوب ليس انتقاماً، لأن الانتقام ليس من تعاليم الإنجيل. العدالة هي المبتغى، لأنّها من صميم الإنجيل. لا نبحث عن كراهية، لأن المسيح علّمنا المحبة، لكن المحبّة لا تعني التستر على الجريمة، ولا تحويل دماء الأبرياء إلى ذكرى سنوية تطوى في اليوم التالي. المحبّة التي لا تدافع عن الحقيقة ناقصة، والغفران الذي يفرض قبل الاعتراف بالحق باطل، والسلام الذي يبنى على دفن الحقيقة مزور، وهدنة مؤقتة فوق بركان”.
واعتبر المطران عودة أن “ما يزيد الألم والجرح عمقاً أن لبنان، بعد 6 سنوات، لم يخرج من دوامة الموت. ما زال يدفع إلى حروب لا تشبه أحلام أبنائه، ولا تعبّر عن إرادة شعبه. اللبنانيون لم يخلقوا ليكونوا وقوداً لصراعات الآخرين، ولا صندوق بريد للرسائل الإقليمية، ولا ساحة مفتوحة لكل نزاع يقرّر الآخرون خوضه على أرضه. لقد تعب هذا الشعب من دفع حياته وأرزاقه، ومن دفن أبنائه، ومن أن يحرم حقّه في حياة هادئة، آمنة وكريمة. هم يريدون وطنا يحكمه القانون لا السلاح، والحق لا القوة، والعدالة لا التسويات. المؤلم أن من يدفع الثمن هم دوماً الأبرياء الذين يحلمون بوطن طبيعي، فإذا بهم يعيشون في وطن اعتاد الموت أكثر من الحياة. وكأن إنسان هذا البلد صار أرخص من المشاريع والحسابات والمصالح.
الكنيسة لا تستطيع أن تعتاد هذا الواقع، ولا أن تصمت عندما تهان صورة الله في الإنسان، ولا أن تبارك ثقافة الإفلات من العقاب، أو أن تعتبر تعطيل العدالة أمراً عادياً، لأن السكوت عن الظلم مشاركة فيه، والتعايش مع الكذب قبول به. الإنجيل لا يطلب منا أن نكون شهوداً للقيامة فقط، بل للحق أيضاً. مسيحنا قال: «أنا الطريق والحق والحياة»، ولا حياة بلا حق، ولا سلام بلا عدالة، ولا شفاء حقيقياً من دون كشف الحقيقة كاملة، مهما كانت مرّة، ومهما كلّفت”.
وختم: “نصلي اليوم من أجل جميع الضحايا، الأحياء والراقدين، كما نصلّي أيضاً كي يستيقظ الضمير الوطني، ويسقط كل ما يعطل الحقيقة، لأن الأوطان لا تبنى بالإنكار، ولا تنهض بالنسيان، ولا تشفى بالهروب إلى الأمام. لبنان لن يخرج من عواصفه ما لم يتصالح مع الحقيقة، وما لم تصبح العدالة فوق كل مصلحة، والإنسان أغلى من كل حساب، والوطن أكبر من كل مشروع يراد فرضه عليه”.
إلى ذلك، وجّه عودة تحية للجيش اللبناني قائلاً: “تحية وشكر وتقدير لكل فرد من أفراد جيشنا الباسل، حامي الوطن الوحيد، في عيده، سائلاً الرب القدير أن يحميهم ويرافقهم في كل خطوة وكل مهمة يقومون بها من أجل حماية وطننا وحفظ حدوده والدفاع عن أرضه وبسط سيادته على كامل مساحته، كما نصلّي من أجل راحة نفس كل شهيد من عناصره مات ليبقى لبنان”.








