هل تغيّر إسرائيل جغرافيا الجنوب وجيولوجيته؟

لم تعد الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الجنوبية تقتصر على الغارات الجوية أو القصف المدفعي، بل دخلت، منذ توقيع “اتفاق الإطار”، مرحلة جديدة عنوانها التفجيرات الواسعة والمنهجية التي تستهدف مواقع ومرتفعات ووديانًا بأكملها، في عمليات يقول خبراء في المتفجرات إنها استخدمت فيها مئات الأطنان من المواد الشديدة الانفجار، حتى إن ارتداداتها لم تقتصر على القرى الحدودية، بل شعر بها سكان مناطق واسعة من الجنوب وإقليم الخروب وخلدة، وسجلت محطات الرصد الزلزالي اهتزازات ناجمة عنها.
وعلى رغم أن إسرائيل تبرر هذه العمليات بأنها تستهدف أنفاقًا ومنشآت عسكرية تقول إن “حزب الله” كان يستخدمها لتخزين الأسلحة أو لإدارة عملياته، فإن حجم التفجيرات يثير تساؤلات تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتطال البيئة والطبيعة والبنية الجيولوجية للمنطقة.
فكل انفجار بهذا الحجم لا يقتصر أثره على تدمير مبنى أو موقع، بل يخلّف تغيرات في التربة والصخور والتضاريس، ويترك آثارًا قد تستمر لسنوات. وإذا كانت هذه العمليات تتكرر بوتيرة مرتفعة وعلى مساحة جغرافية واسعة، فإنه من الطبيعي أن تُطرح أسئلة علمية حول مدى انعكاسها على التوازن الجيولوجي للمناطق المستهدفة، ولا سيما أن جنوب لبنان يقع ضمن نطاق جيولوجي حساس يرتبط بفوالق معروفة في شرق البحر المتوسط.
ولا يعني طرح هذا السؤال الجزم بأن التفجيرات قادرة على التسبب بزلازل أو تحريك الفوالق النشطة، فهذه مسألة تحتاج إلى دراسات علمية دقيقة ينجزها اختصاصيون في علوم الأرض والزلازل. إلا أن حجم المتفجرات المستخدمة، وتكرارها، واتساع رقعة تأثيرها، يبرر المطالبة بإجراء تقييم علمي مستقل يحدد ما إذا كانت لهذه العمليات انعكاسات جيولوجية أو بيئية طويلة الأمد.
وفي موازاة الخسائر البشرية والعمرانية، يبرز جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الأضرار التي تصيب البيئة. فالتفجيرات المتواصلة تغيّر معالم الأراضي الزراعية، وتدمر الغطاء النباتي، وتؤثر في مصادر المياه والتنوع البيولوجي، فضلًا عن ترك كميات كبيرة من مخلفات المتفجرات في التربة.
وتثير طبيعة المواد المتفجرة المستخدمة في عمليات النسف أسئلة بيئية إضافية، ولا سيما بعد العثور على كميات كبيرة من متفجرات تتكون أساسًا من مركبات نيترات الأمونيوم في مواقع عمليات الهدم، وفق ما أعلنته قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان. ويخشى خبراء بيئيون من أن يؤدي الاستخدام المكثف لهذه المواد، إلى جانب الذخائر الفوسفورية التي وثقت منظمات دولية استخدامها في مناطق جنوبية، إلى آثار بعيدة المدى على التربة والغطاء النباتي وربما المياه الجوفية، ما يستدعي إجراء مسح علمي شامل لتقييم حجم الأضرار البيئية والجيولوجية.
ولا يقتصر القلق على حجم المتفجرات المستخدمة في عمليات النسف، بل يمتد إلى نوعية الذخائر التي استُخدمت في الحرب على جنوب لبنان. فقد وثقت منظمات دولية استخدام ذخائر تحتوي على الفوسفور الأبيض في عدد من المناطق، وهو ما أثار مخاوف واسعة من تداعياتها على البيئة والغطاء النباتي والتربة الزراعية، فضلًا عن الأخطار الصحية التي قد تستمر لسنوات. أما التفجيرات الضخمة التي تنفذها إسرائيل لتدمير ما تقول إنها بنى تحتية عسكرية، فتثير بدورها تساؤلات حول تأثيراتها التراكمية على التربة والتكوينات الصخرية والبيئة الطبيعية، وهو ما يستدعي دراسات علمية مستقلة لتقييم حجم الأضرار بعيدة المدى.
من هنا، لا تبدو القضية محصورة في مواجهة عسكرية أو في استهداف مواقع يقال إنها كانت تستخدم لأغراض قتالية، بل تمتد إلى سؤال أكبر: هل يقتصر ما يجري على تغيير الواقع الأمني في الجنوب، أم أنه يترك أيضًا بصمات دائمة على جغرافيته وبيئته، وربما على بنيته الطبيعية؟
هذا السؤال لا ينبغي أن يبقى في إطار السجال السياسي، بل يستدعي تحركًا من الجامعات اللبنانية، والمركز الوطني للجيوفيزياء، والهيئات البيئية، لإجراء دراسات ميدانية توثق حقيقة ما يحدث، لأن حماية الأرض لا تقتصر على الدفاع عنها عسكريًا، بل تشمل أيضًا صون بيئتها وتوازنها الطبيعي للأجيال المقبلة.
هل تغيّر إسرائيل جغرافيا الجنوب وجيولوجيته؟

لم تعد الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الجنوبية تقتصر على الغارات الجوية أو القصف المدفعي، بل دخلت، منذ توقيع “اتفاق الإطار”، مرحلة جديدة عنوانها التفجيرات الواسعة والمنهجية التي تستهدف مواقع ومرتفعات ووديانًا بأكملها، في عمليات يقول خبراء في المتفجرات إنها استخدمت فيها مئات الأطنان من المواد الشديدة الانفجار، حتى إن ارتداداتها لم تقتصر على القرى الحدودية، بل شعر بها سكان مناطق واسعة من الجنوب وإقليم الخروب وخلدة، وسجلت محطات الرصد الزلزالي اهتزازات ناجمة عنها.
وعلى رغم أن إسرائيل تبرر هذه العمليات بأنها تستهدف أنفاقًا ومنشآت عسكرية تقول إن “حزب الله” كان يستخدمها لتخزين الأسلحة أو لإدارة عملياته، فإن حجم التفجيرات يثير تساؤلات تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتطال البيئة والطبيعة والبنية الجيولوجية للمنطقة.
فكل انفجار بهذا الحجم لا يقتصر أثره على تدمير مبنى أو موقع، بل يخلّف تغيرات في التربة والصخور والتضاريس، ويترك آثارًا قد تستمر لسنوات. وإذا كانت هذه العمليات تتكرر بوتيرة مرتفعة وعلى مساحة جغرافية واسعة، فإنه من الطبيعي أن تُطرح أسئلة علمية حول مدى انعكاسها على التوازن الجيولوجي للمناطق المستهدفة، ولا سيما أن جنوب لبنان يقع ضمن نطاق جيولوجي حساس يرتبط بفوالق معروفة في شرق البحر المتوسط.
ولا يعني طرح هذا السؤال الجزم بأن التفجيرات قادرة على التسبب بزلازل أو تحريك الفوالق النشطة، فهذه مسألة تحتاج إلى دراسات علمية دقيقة ينجزها اختصاصيون في علوم الأرض والزلازل. إلا أن حجم المتفجرات المستخدمة، وتكرارها، واتساع رقعة تأثيرها، يبرر المطالبة بإجراء تقييم علمي مستقل يحدد ما إذا كانت لهذه العمليات انعكاسات جيولوجية أو بيئية طويلة الأمد.
وفي موازاة الخسائر البشرية والعمرانية، يبرز جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الأضرار التي تصيب البيئة. فالتفجيرات المتواصلة تغيّر معالم الأراضي الزراعية، وتدمر الغطاء النباتي، وتؤثر في مصادر المياه والتنوع البيولوجي، فضلًا عن ترك كميات كبيرة من مخلفات المتفجرات في التربة.
وتثير طبيعة المواد المتفجرة المستخدمة في عمليات النسف أسئلة بيئية إضافية، ولا سيما بعد العثور على كميات كبيرة من متفجرات تتكون أساسًا من مركبات نيترات الأمونيوم في مواقع عمليات الهدم، وفق ما أعلنته قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان. ويخشى خبراء بيئيون من أن يؤدي الاستخدام المكثف لهذه المواد، إلى جانب الذخائر الفوسفورية التي وثقت منظمات دولية استخدامها في مناطق جنوبية، إلى آثار بعيدة المدى على التربة والغطاء النباتي وربما المياه الجوفية، ما يستدعي إجراء مسح علمي شامل لتقييم حجم الأضرار البيئية والجيولوجية.
ولا يقتصر القلق على حجم المتفجرات المستخدمة في عمليات النسف، بل يمتد إلى نوعية الذخائر التي استُخدمت في الحرب على جنوب لبنان. فقد وثقت منظمات دولية استخدام ذخائر تحتوي على الفوسفور الأبيض في عدد من المناطق، وهو ما أثار مخاوف واسعة من تداعياتها على البيئة والغطاء النباتي والتربة الزراعية، فضلًا عن الأخطار الصحية التي قد تستمر لسنوات. أما التفجيرات الضخمة التي تنفذها إسرائيل لتدمير ما تقول إنها بنى تحتية عسكرية، فتثير بدورها تساؤلات حول تأثيراتها التراكمية على التربة والتكوينات الصخرية والبيئة الطبيعية، وهو ما يستدعي دراسات علمية مستقلة لتقييم حجم الأضرار بعيدة المدى.
من هنا، لا تبدو القضية محصورة في مواجهة عسكرية أو في استهداف مواقع يقال إنها كانت تستخدم لأغراض قتالية، بل تمتد إلى سؤال أكبر: هل يقتصر ما يجري على تغيير الواقع الأمني في الجنوب، أم أنه يترك أيضًا بصمات دائمة على جغرافيته وبيئته، وربما على بنيته الطبيعية؟
هذا السؤال لا ينبغي أن يبقى في إطار السجال السياسي، بل يستدعي تحركًا من الجامعات اللبنانية، والمركز الوطني للجيوفيزياء، والهيئات البيئية، لإجراء دراسات ميدانية توثق حقيقة ما يحدث، لأن حماية الأرض لا تقتصر على الدفاع عنها عسكريًا، بل تشمل أيضًا صون بيئتها وتوازنها الطبيعي للأجيال المقبلة.






