من يحكم قرار “الحزب”؟

الكاتب: ابراهيم ريحان | المصدر: اساس ميديا
3 آب 2026

تُمثّل الحروب الاختبار الأقسى للتماسك التنظيمي والقدرة على إدارة الأزمات، لكنّ ما يعيشه “الحزب” في هذه المرحلة يتجاوز حدود الضغط العسكري الميداني ليصل إلى شلل سياسي وهيكلي عميق يمكن وصفه بـ “عجز القرار”. و”الحزب” الذي طالما روّج لنفسه كمنظومة صلبة تمتلك زمام المبادرة وتدير خيوط اللعبة السياسية والأمنية بدقة متناهية، يبدو اليوم مضطرباً ومربكاً، وسط حيرة حلفائه وخصومه على حد سواء أمام غياب رؤية واضحة أو موقف موحد يحدد مسار القضايا المصيرية.

 

ليس هذا الانطباع مجرد تحليل من الخارج، بل إن الشخصيات السياسية اللبنانية التي تتواصل بانتظام مع مسؤولي “الحزب” تتلمس، عن قرب، عجزاً سياسياً كبيراً يعكس في أبعاده العجز العسكري الميداني. وتبدي هذه الشخصيات استغرابها من حالة الإرباك والضياع التي تظهر بوضوح على ألسنة كوادر “الحزب” ومسؤوليه. إذ لم يعد هناك أي أثر لقرار حاسم أو رؤية استراتيجية، سواء في ما يتعلق بمستقبل المواجهة العسكرية وتداعياتها، أو بالشؤون والملفات السياسية الداخلية التي تتطلب موقفاً صريحاً لحماية التوازنات الوطنية.

هيمنة إيرانية وتهميش القيادة

يعود هذا الشلل المباشر في صناعة القرار إلى التحول العميق في مراكز النفوذ. إذ تشير المعطيات إلى هيمنة مطلقة من قبل الحرس الثوري الإيراني على القرارين العسكري والسياسي للـ “الحزب”. فقد تراجعت استقلالية قيادة الحزب المحلية إلى حدٍ غير مسبوق. إذ بات المسؤولون السياسيّون اللبنانيون في “الحزب” يكتشفون التطورات الميدانية المفصلية في الوقت ذاته الذي يكتشفها فيه الرأي العام عبر الشاشات.

يتجلى هذا الانفصام التنظيمي في الواقعة الخاصة بإطلاق الصواريخ الستة الأخيرة. إذ إن مسؤولين كباراً في الحزب لم يكونوا على علم بأمر الإطلاق بتاتاً. وتكمن الغرابة في أن هؤلاء المسؤولين أنفسهم كانوا قبل ساعات قليلة فقط من عملية الإطلاق، ينقلون تطمينات جازمة إلى عين التينة وقصر بعبدا، تؤكد أن “الحزب” لا يتجه نحو هذا الخيار وأن التهدئة هي الخيار المعتمد.

لم يسبب هذا التناقض إحراجاً سياسياً للـ “الحزب” أمام حلفائه ومؤسسات الدولة فحسب، بل كشف عن حجم الفجوة التنظيمية بين غرفة العمليات العسكرية التي تديرها طهران والواجهة السياسية للحزب في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت. وقد وصل الإرباك إلى درجة أن بعض القياديين السياسيين سمعوا نبأ إطلاق الصواريخ عبر وسائل الإعلام، واضطروا لمغادرة مقرات سكنهم وأماكن تواجدهم على عجل تحسباً لأي رد عسكري أو ضربات استباقية قد تستهدفهم، في مشهد يعكس الانقطاع التام والتخبط في آليات التواصل الداخلي.

غياب “الشورى” وشلل المؤسسات

لا يتوقف الأمر عند حدود الإرباك الفردي للمسؤولين، بل يتجاوزه إلى الشلل التام لـ “مجلس الشورى” في “الحزب”، السلطة العليا والمركزية الموكل إليها اتخاذ القرارات الاستراتيجية والتنفيذية في الحزب. فبفعل التطورات الأمنية المعقدة والتحليق المكثف للطيران والمخاطر الاستخباراتية المرتفعة، بات متعذراً على “مجلس الشورى” الانعقاد في اجتماعات دورية أو استثنائية لمناقشة التطورات واتخاذ القرارات المفصلية.

أدى تعطل مجلس الشورى إلى حالة فراغ مؤسساتي حقيقي داخل البنية القيادية. وفي غياب هذا المجلس، غابت الآلية الطبيعية التي تمحص الخيارات السياسية وتصيغ التوجهات العامة، مما جعل المواقف الصادرة عن القيادات السياسية تشوبها التناقضات والسطحية، وتفتقر إلى الثقل الاستراتيجي الذي طالما اتسمت به مواقف الحزب في المراحل السابقة.

غياب “ضابط الإيقاع”

ينعكس أثر هذه الحالة من الشلل والتهميش على مواقف “الحزب” في الداخل اللبناني. إذ يلاحظ المتابع للخطاب السياسي لكوادر الحزب وممثليه ارتفاعاً كبيراً في نبرة التشنج، مقابل غياب واضح للعقلانية والواقعية السياسية. ويأتي هذا التشنج كحالة دفاعية تعوض عن العجز وتغطي على ضياع القرار السياسي المستقل.

تتمثل الخطورة الأكبر في هذا الوضع في غياب “ضابط الإيقاع” الداخلي. ففي السابق، وعلى الرغم من الخلافات الحادة بين “الحزب” وباقي القوى السياسية اللبنانية، كان لـ “الحزب” قيادة مركزية قادرة على ضبط الشارع، وتحديد حدود السقف السياسي، والتحكم بميزان التوتر ومنع انفلات الأمور إلى خطوط حمراء تنذر بانفجار أهلي . أما اليوم، ومع تشتت القيادة وتوزع القرار بين القيادات العسكرية الإيرانية والأوضاع الأمنية المعقدة، فقد الحزب قدرته على لعب هذا الدور الضابط.

إن هذا الفراغ في موقع “ضابط الإيقاع” لا يهدد “الحزب” وحده، بل يلقي بظلاله الثقيلة على الأمن والاستقرار في لبنان بكامله. فالخطاب التشنجي والتصرفات غير المنسقة تزيد منسوب الاحتقان الشعبي والسياسي، وتفتح الباب أمام اجتهادات فردية وتصرفات عشوائية قد تجر البلاد إلى مواجهات غير محسوبة العواقب.

مأزق تاريخي

يجد الحزب نفسه اليوم أمام مأزق تاريخي. إذ تهشّمت الصورة الذهنية للمنظمة المحكمة والمستقلة بالقرار تحت ضغط الهيمنة الإيرانية المباشرة والتضييق الأمني الشديد. كما إن استمرار العجز عن اتخاذ قرار وغياب مؤسسات “الحزب” القيادية لصالح غرفة عمليات إيرانية يجر “الحزب” إلى عزلة سياسية وإرباك ميداني متواصل، ويجعل من الساحة اللبنانية رهينة لقراءات وحسابات إقليمية لا تأخذ بالحسبان المصالح الوطنية أو الدقيقة للبنان وشعبه.

من يحكم قرار “الحزب”؟

الكاتب: ابراهيم ريحان | المصدر: اساس ميديا
3 آب 2026

تُمثّل الحروب الاختبار الأقسى للتماسك التنظيمي والقدرة على إدارة الأزمات، لكنّ ما يعيشه “الحزب” في هذه المرحلة يتجاوز حدود الضغط العسكري الميداني ليصل إلى شلل سياسي وهيكلي عميق يمكن وصفه بـ “عجز القرار”. و”الحزب” الذي طالما روّج لنفسه كمنظومة صلبة تمتلك زمام المبادرة وتدير خيوط اللعبة السياسية والأمنية بدقة متناهية، يبدو اليوم مضطرباً ومربكاً، وسط حيرة حلفائه وخصومه على حد سواء أمام غياب رؤية واضحة أو موقف موحد يحدد مسار القضايا المصيرية.

 

ليس هذا الانطباع مجرد تحليل من الخارج، بل إن الشخصيات السياسية اللبنانية التي تتواصل بانتظام مع مسؤولي “الحزب” تتلمس، عن قرب، عجزاً سياسياً كبيراً يعكس في أبعاده العجز العسكري الميداني. وتبدي هذه الشخصيات استغرابها من حالة الإرباك والضياع التي تظهر بوضوح على ألسنة كوادر “الحزب” ومسؤوليه. إذ لم يعد هناك أي أثر لقرار حاسم أو رؤية استراتيجية، سواء في ما يتعلق بمستقبل المواجهة العسكرية وتداعياتها، أو بالشؤون والملفات السياسية الداخلية التي تتطلب موقفاً صريحاً لحماية التوازنات الوطنية.

هيمنة إيرانية وتهميش القيادة

يعود هذا الشلل المباشر في صناعة القرار إلى التحول العميق في مراكز النفوذ. إذ تشير المعطيات إلى هيمنة مطلقة من قبل الحرس الثوري الإيراني على القرارين العسكري والسياسي للـ “الحزب”. فقد تراجعت استقلالية قيادة الحزب المحلية إلى حدٍ غير مسبوق. إذ بات المسؤولون السياسيّون اللبنانيون في “الحزب” يكتشفون التطورات الميدانية المفصلية في الوقت ذاته الذي يكتشفها فيه الرأي العام عبر الشاشات.

يتجلى هذا الانفصام التنظيمي في الواقعة الخاصة بإطلاق الصواريخ الستة الأخيرة. إذ إن مسؤولين كباراً في الحزب لم يكونوا على علم بأمر الإطلاق بتاتاً. وتكمن الغرابة في أن هؤلاء المسؤولين أنفسهم كانوا قبل ساعات قليلة فقط من عملية الإطلاق، ينقلون تطمينات جازمة إلى عين التينة وقصر بعبدا، تؤكد أن “الحزب” لا يتجه نحو هذا الخيار وأن التهدئة هي الخيار المعتمد.

لم يسبب هذا التناقض إحراجاً سياسياً للـ “الحزب” أمام حلفائه ومؤسسات الدولة فحسب، بل كشف عن حجم الفجوة التنظيمية بين غرفة العمليات العسكرية التي تديرها طهران والواجهة السياسية للحزب في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت. وقد وصل الإرباك إلى درجة أن بعض القياديين السياسيين سمعوا نبأ إطلاق الصواريخ عبر وسائل الإعلام، واضطروا لمغادرة مقرات سكنهم وأماكن تواجدهم على عجل تحسباً لأي رد عسكري أو ضربات استباقية قد تستهدفهم، في مشهد يعكس الانقطاع التام والتخبط في آليات التواصل الداخلي.

غياب “الشورى” وشلل المؤسسات

لا يتوقف الأمر عند حدود الإرباك الفردي للمسؤولين، بل يتجاوزه إلى الشلل التام لـ “مجلس الشورى” في “الحزب”، السلطة العليا والمركزية الموكل إليها اتخاذ القرارات الاستراتيجية والتنفيذية في الحزب. فبفعل التطورات الأمنية المعقدة والتحليق المكثف للطيران والمخاطر الاستخباراتية المرتفعة، بات متعذراً على “مجلس الشورى” الانعقاد في اجتماعات دورية أو استثنائية لمناقشة التطورات واتخاذ القرارات المفصلية.

أدى تعطل مجلس الشورى إلى حالة فراغ مؤسساتي حقيقي داخل البنية القيادية. وفي غياب هذا المجلس، غابت الآلية الطبيعية التي تمحص الخيارات السياسية وتصيغ التوجهات العامة، مما جعل المواقف الصادرة عن القيادات السياسية تشوبها التناقضات والسطحية، وتفتقر إلى الثقل الاستراتيجي الذي طالما اتسمت به مواقف الحزب في المراحل السابقة.

غياب “ضابط الإيقاع”

ينعكس أثر هذه الحالة من الشلل والتهميش على مواقف “الحزب” في الداخل اللبناني. إذ يلاحظ المتابع للخطاب السياسي لكوادر الحزب وممثليه ارتفاعاً كبيراً في نبرة التشنج، مقابل غياب واضح للعقلانية والواقعية السياسية. ويأتي هذا التشنج كحالة دفاعية تعوض عن العجز وتغطي على ضياع القرار السياسي المستقل.

تتمثل الخطورة الأكبر في هذا الوضع في غياب “ضابط الإيقاع” الداخلي. ففي السابق، وعلى الرغم من الخلافات الحادة بين “الحزب” وباقي القوى السياسية اللبنانية، كان لـ “الحزب” قيادة مركزية قادرة على ضبط الشارع، وتحديد حدود السقف السياسي، والتحكم بميزان التوتر ومنع انفلات الأمور إلى خطوط حمراء تنذر بانفجار أهلي . أما اليوم، ومع تشتت القيادة وتوزع القرار بين القيادات العسكرية الإيرانية والأوضاع الأمنية المعقدة، فقد الحزب قدرته على لعب هذا الدور الضابط.

إن هذا الفراغ في موقع “ضابط الإيقاع” لا يهدد “الحزب” وحده، بل يلقي بظلاله الثقيلة على الأمن والاستقرار في لبنان بكامله. فالخطاب التشنجي والتصرفات غير المنسقة تزيد منسوب الاحتقان الشعبي والسياسي، وتفتح الباب أمام اجتهادات فردية وتصرفات عشوائية قد تجر البلاد إلى مواجهات غير محسوبة العواقب.

مأزق تاريخي

يجد الحزب نفسه اليوم أمام مأزق تاريخي. إذ تهشّمت الصورة الذهنية للمنظمة المحكمة والمستقلة بالقرار تحت ضغط الهيمنة الإيرانية المباشرة والتضييق الأمني الشديد. كما إن استمرار العجز عن اتخاذ قرار وغياب مؤسسات “الحزب” القيادية لصالح غرفة عمليات إيرانية يجر “الحزب” إلى عزلة سياسية وإرباك ميداني متواصل، ويجعل من الساحة اللبنانية رهينة لقراءات وحسابات إقليمية لا تأخذ بالحسبان المصالح الوطنية أو الدقيقة للبنان وشعبه.

مزيد من الأخبار