«الحزب» والدولة يتقاطعان: فلنخسر أمام إسرائيل!

على طاولة روما اليوم، ليس في يد المفاوض اللبناني سوى بعض أوراق ضعيفة. سيعتمد فقط على ما يمكن أن يحصل عليه من «رعاية» واشنطن و»رضا» دونالد ترامب. ولكن، للتذكير، بنيامين نتنياهو عاد من قمته الأخيرة مع ترامب بمعنويات عالية، في ملفات لبنان وسائر المشرق. لذلك، مردود الطموحات اللبنانية إلى «الدلال» الأميركي ستكون محدودة. والأوراق القوية على الطاولة ستكون تلك التي تطرحها إسرائيل.
على الأرجح، المناخ الذي عاد به نتنياهو من واشنطن، في ما يتعلق بلبنان، يقوم على الآتي: تتفهم اسرائيل ظروف لبنان الرسمي واللبنانيين الرافضين لـ»حزب الله» وسلاحه، وعدم قدرتهم أو رغبتهم على مواجهته بالقوة. ولذلك، هي لن تلجأ إلى تصعيد يستهدف لبنان كله وبناه التحتية، كما فعلت في تموز 2006. لكن لبنان الرسمي يجب أن يوافق في المقابل على إطلاق يد إسرائيل لتتولّى هي أمر «الحزب» وترسانته بالنار. ثم عليه أن يوافق على نوع من الترتيبات الأمنية التي تحدّ من سيادة لبنان وتسمح لها بممارسة هامش من التصرف في الجنوب. وبعد ذلك، على لبنان الذي سيصبح خارج منظومة الضغط الإيراني، أن يمضي في التطبيع السياسي والاقتصادي، مع مجموعة جديدة من الدول العربية الوازنة، من سوريا إلى الخليج العربي.
لبنان يدرك أنّه محشور في هذه المعادلة الصعبة، ولا خيار أمامه: إذا سلّم «حزب الله» زمام القرار جنوباً، فذلك سيعني استمرار توسع السيطرة الإسرائيلية لتشمل مناطق أخرى لا تُعرف حدودها، ووقوع البلد تحت مزيد من الضغط الذي يصعب الفكاك منه. أي إنّه إذا تُرك الجنوب لـ«الحزب»، فالعواقب ستكون أكبر. وأساساً، اكتشف لبنان الرسمي أنّه تأخّر كثيراً في التقاط زمام المبادرة. ولو تولّاها قبل عام أو اثنين أو ثلاثة أو عشرة، لما كانت إسرائيل قد امتلكت الذريعة لاحتلال ما احتلته اليوم في الجنوب، حيث تستعد للتوسع، ولما كان لبنان مضطراً إلى الرضوخ لمعادلة القوة في مفاوضاته معها، في الناقورة أولاً ثم واشنطن ثم روما.
الخيار الذي يريد لبنان الرسمي أن يذهب إليه اليوم هو انتزاع الجنوب من يد «حزب الله»، ولكن من دون مواجهة داخلية. ويحاول الاستعانة ببراغماتية الشريك في الثنائي الرئيس نبيه بري، لتقليص حدّة المواجهة. فالصدام مع «الحزب»، وفق مفهوم لبنان الرسمي، سيأتي بالخسائر لا الأرباح. فهو مكلف بكل المعاني، وغير مجدٍ. وفوق ذلك سيمنح «حزب الله» فرصة لمحاولة تعويض مظهر الخاسر والضعيف أمام اسرائيل، بتظهير صورة القوي أمام الدولة اللبنانية. ولذلك، تفضّل الدولة أسلوب المرونة وإنضاج الأمور بهدوء، ولو كان ذلك مكلفاً في الجنوب.
في الواقع، يفضّل «حزب الله» أن يخسر أمام إسرائيل بالقوة، فوق جنوب مدمّر ومهجّر، بدل تسليم سلاحه ومصيره للدولة ببرودة أعصاب وبكامل إرادته. كذلك، من جهتها، تفضّل الدولة ضمناً أن يبقى النزاع محصوراً بإسرائيل بدلاً من أن يصبح أهلياً داخلياً. أي إنّها- عملياً- تفضّل أن تستمر المواجهة كما هي اليوم في الجنوب، على أن تتبدّل طبيعتها لتصبح «محرّمة» بين قوى داخلية.
ماذا يعني هذا، واقعياً؟ يعني أنّ هناك تقاطعاً غير معلن بين «الحزب» والدولة على التسليم بأن تتولّى إسرائيل زمام المواجهة جنوباً. فمعها نربح أو نخسر. ولكن، في النهاية، إسرائيل ستنهي ترسانة «الحزب» هناك. وبعد ذلك، ستفرض خيارات أمنية وسياسية واقتصادية على لبنان كله. إنّه ثمن عدم تجرؤ الدولة وعدم قدرتها على حسم الوضع مع «الحزب» باكراً، وثمن عدم تجرؤ «الحزب» وعدم قدرته على تجاوز إرادة طهران بتسليم زمام أموره الى الدولة منذ زمن.
النهايات تبدو وكأنّها قدَر وافق عليه «الحزب» والدولة في آن معاً، علماً أنّ الأكلاف الموجعة سيدفعها الجميع. ومن حظ إسرائيل هذا التناحر الأهلي العبثي في لبنان بين خطين متوازيين لا يلتقيان. إنّه هدية مثالية لها، وستستفيد منها بالكامل. وبالطبع، لن يشعر «الحزب» بالندم على رغم الكارثة، كما لم تشعر الدولة بالندم منذ عشرات السنين على قبولها تسليم سلطتها وقرارها لطرف داخلي مسلح. وفي النهاية، سيشرب الجميع كأس هزيمتهم «المتوَّجة» أمام إسرائيل بكامل إرادتهم.
«الحزب» والدولة يتقاطعان: فلنخسر أمام إسرائيل!

على طاولة روما اليوم، ليس في يد المفاوض اللبناني سوى بعض أوراق ضعيفة. سيعتمد فقط على ما يمكن أن يحصل عليه من «رعاية» واشنطن و»رضا» دونالد ترامب. ولكن، للتذكير، بنيامين نتنياهو عاد من قمته الأخيرة مع ترامب بمعنويات عالية، في ملفات لبنان وسائر المشرق. لذلك، مردود الطموحات اللبنانية إلى «الدلال» الأميركي ستكون محدودة. والأوراق القوية على الطاولة ستكون تلك التي تطرحها إسرائيل.
على الأرجح، المناخ الذي عاد به نتنياهو من واشنطن، في ما يتعلق بلبنان، يقوم على الآتي: تتفهم اسرائيل ظروف لبنان الرسمي واللبنانيين الرافضين لـ»حزب الله» وسلاحه، وعدم قدرتهم أو رغبتهم على مواجهته بالقوة. ولذلك، هي لن تلجأ إلى تصعيد يستهدف لبنان كله وبناه التحتية، كما فعلت في تموز 2006. لكن لبنان الرسمي يجب أن يوافق في المقابل على إطلاق يد إسرائيل لتتولّى هي أمر «الحزب» وترسانته بالنار. ثم عليه أن يوافق على نوع من الترتيبات الأمنية التي تحدّ من سيادة لبنان وتسمح لها بممارسة هامش من التصرف في الجنوب. وبعد ذلك، على لبنان الذي سيصبح خارج منظومة الضغط الإيراني، أن يمضي في التطبيع السياسي والاقتصادي، مع مجموعة جديدة من الدول العربية الوازنة، من سوريا إلى الخليج العربي.
لبنان يدرك أنّه محشور في هذه المعادلة الصعبة، ولا خيار أمامه: إذا سلّم «حزب الله» زمام القرار جنوباً، فذلك سيعني استمرار توسع السيطرة الإسرائيلية لتشمل مناطق أخرى لا تُعرف حدودها، ووقوع البلد تحت مزيد من الضغط الذي يصعب الفكاك منه. أي إنّه إذا تُرك الجنوب لـ«الحزب»، فالعواقب ستكون أكبر. وأساساً، اكتشف لبنان الرسمي أنّه تأخّر كثيراً في التقاط زمام المبادرة. ولو تولّاها قبل عام أو اثنين أو ثلاثة أو عشرة، لما كانت إسرائيل قد امتلكت الذريعة لاحتلال ما احتلته اليوم في الجنوب، حيث تستعد للتوسع، ولما كان لبنان مضطراً إلى الرضوخ لمعادلة القوة في مفاوضاته معها، في الناقورة أولاً ثم واشنطن ثم روما.
الخيار الذي يريد لبنان الرسمي أن يذهب إليه اليوم هو انتزاع الجنوب من يد «حزب الله»، ولكن من دون مواجهة داخلية. ويحاول الاستعانة ببراغماتية الشريك في الثنائي الرئيس نبيه بري، لتقليص حدّة المواجهة. فالصدام مع «الحزب»، وفق مفهوم لبنان الرسمي، سيأتي بالخسائر لا الأرباح. فهو مكلف بكل المعاني، وغير مجدٍ. وفوق ذلك سيمنح «حزب الله» فرصة لمحاولة تعويض مظهر الخاسر والضعيف أمام اسرائيل، بتظهير صورة القوي أمام الدولة اللبنانية. ولذلك، تفضّل الدولة أسلوب المرونة وإنضاج الأمور بهدوء، ولو كان ذلك مكلفاً في الجنوب.
في الواقع، يفضّل «حزب الله» أن يخسر أمام إسرائيل بالقوة، فوق جنوب مدمّر ومهجّر، بدل تسليم سلاحه ومصيره للدولة ببرودة أعصاب وبكامل إرادته. كذلك، من جهتها، تفضّل الدولة ضمناً أن يبقى النزاع محصوراً بإسرائيل بدلاً من أن يصبح أهلياً داخلياً. أي إنّها- عملياً- تفضّل أن تستمر المواجهة كما هي اليوم في الجنوب، على أن تتبدّل طبيعتها لتصبح «محرّمة» بين قوى داخلية.
ماذا يعني هذا، واقعياً؟ يعني أنّ هناك تقاطعاً غير معلن بين «الحزب» والدولة على التسليم بأن تتولّى إسرائيل زمام المواجهة جنوباً. فمعها نربح أو نخسر. ولكن، في النهاية، إسرائيل ستنهي ترسانة «الحزب» هناك. وبعد ذلك، ستفرض خيارات أمنية وسياسية واقتصادية على لبنان كله. إنّه ثمن عدم تجرؤ الدولة وعدم قدرتها على حسم الوضع مع «الحزب» باكراً، وثمن عدم تجرؤ «الحزب» وعدم قدرته على تجاوز إرادة طهران بتسليم زمام أموره الى الدولة منذ زمن.
النهايات تبدو وكأنّها قدَر وافق عليه «الحزب» والدولة في آن معاً، علماً أنّ الأكلاف الموجعة سيدفعها الجميع. ومن حظ إسرائيل هذا التناحر الأهلي العبثي في لبنان بين خطين متوازيين لا يلتقيان. إنّه هدية مثالية لها، وستستفيد منها بالكامل. وبالطبع، لن يشعر «الحزب» بالندم على رغم الكارثة، كما لم تشعر الدولة بالندم منذ عشرات السنين على قبولها تسليم سلطتها وقرارها لطرف داخلي مسلح. وفي النهاية، سيشرب الجميع كأس هزيمتهم «المتوَّجة» أمام إسرائيل بكامل إرادتهم.








