الشقيف: يستنكرون مَن فجّر ويصمتون عمّن حفر

في خضمّ الحرب الدائرة منذ آذار الفائت، ومفاوضات روما المرتقبة هذا الأسبوع لتثبيت وقف إطلاق النار، اختار “حزب الله” وحلفاؤه معركةً مختلفة: معركة الرواية. فجر الجمعة الفائت، وبعد اتهام “حزب الله” باستهداف آليّةٍ عسكريّةٍ إسرائيليّةٍ بطائرةٍ مسيّرة، هزّ نحو 700 طنٍّ من المتفجرات محيط قلعة الشقيف التاريخية، بعدما أعلن الجيش الإسرائيليّ تدمير شبكة أنفاقٍ لـ”الحزب”، بحسب بيانه، بُنيت على مدى عقدين بتخطيطٍ وتمويلٍ من النظام الإيرانيّ. في الساعات التالية، توالت بيانات الاستنكار من “جماعة دولة 6 شباط” وحلفائها، لكنّ “حزب الله” نفسه ذهب أبعد من ذلك: في بيانٍ رسميّ، حمّل السلطة اللبنانيّة -لا نفسه- مسؤوليّة “الجرائم الإسرائيليّة”، ووصفها بأنّها “صامتة وغائبة بل متواطئة” لأنّها وقّعت صيغة الإطار.
فليتأمّل القارئ في هذا المشهد: قلعةٌ صليبيّة عمرها نحو ألف عام، أُدرجت على عجلٍ على لائحتَي التراث العالميّ والتراث العالميّ المهدَّد بالخطر، اكتشف تحتها الجيش الإسرائيليّ منذ حزيران الفائت شبكة أنفاقٍ تضمّ غرف معيشةٍ ومستودعات سلاحٍ ومنظومات دفاعٍ جويّ ومضادّة للدروع، صُمِّمت لاستخدامٍ طويل الأمد لغايات عسكرية ولوجستية. فمن الذي حفر تحت التراث الإنسانيّ عقدين كاملين؟ ومن الذي حوّل قلعة أرنون من معلمٍ سياحيٍّ إلى ثكنةٍ تحت الأرض؟ لا جواب من “دولة 6 شباط”، بل صمتٌ مطبقٌ لم تخترقه كلمة نقدٍ واحدة.
هذه هي بالضبط سياسة إيران في لبنان عبر ذراعها العسكريّ: الدرع البشريّ. لا فرق عند طهران بين مبنى سكنيٍّ ومستشفًى وقلعةٍ أثريّة؛ فكلّها مواقع صالحة لدفن السلاح تحتها، لأنّ أيّ ردّ إسرائيليّ عليها سيُقرأ عالميًّا كاعتداءٍ على المدنيّين أو التراث، لا كضربة لبنية عسكريّة. وحين يحصل الردّ، تنهض آلة “الاستنكار” الجاهزة سلفًا، لا لتسأل من زرع الفخّ، بل لتُحمِّل من وقع فيه ثمن انفجاره. هكذا يتحوّل “حزب الله” من الجاني إلى الضحيّة، ومن حفر تحت قلعة الشقيف إلى متفرّجٍ بريء يُطالب “السلطة” بحمايته من نتائج فعلته هو.
وليست قلعة الشقيف حادثة منفردة: ففي تشرين الأوّل 2024 دمّرت إسرائيل، بذريعة الأنفاق ذاتها، بلدة عيتا الشعب بنحو 400 طنّ من المتفجرات، وفي 28 نيسان 2026 كرّرت المشهد في القنطرة بـ450 طنًا. وفي كلّ مرّة، تكرّر السيناريو نفسه بحذافيره: تفجير ضخم، ثمّ موجة استنكار لبناني تُركّز حصرًا على حجم الدمار والانتهاك، فيما يبقى السؤال عن مصدر البنية العسكريّة التي استدعت الاستهداف أصلا خارج التداول كليًّا. فالنمط متكرّر، والاستنكار جاهز سلفًا، والسؤال الوحيد الغائب دائمًا واحد.
بل إنّ مندوب لبنان نفسه في اجتماع اليونسكو الذي صنّف القلعة “مهدّدة بالخطر”، أصرّ أمام العالم على أنّ القلاع الخمس لم تُستخدم منذ انسحاب إسرائيل عام 2000 إلا “لأغراض سياحية وثقافية”! فأيّ الروايتين يصدّق العالم: رواية جيش عثر تحت الصخر على غرف معيشة ومنظومات دفاع جويّ، أم رواية مندوب يتحدّث عن سياحة فوق ثكنة؟
والمفارقة أنّ مطلب تحديد المسؤوليّات الكاملة من بنى، لا من قصف فقط، غاب كليّاً عن خطاب “جماعة دولة 6 شباط”. فلم نسمع تصريحًا واحدًا يسأل: هل كان يحقّ لـ”حزب الله” أن يجعل من قلعةٍ مصنّفة تراثًا إنسانيًّا رهينةً لمشروعه العسكريّ؟ هل يُعقل أن يُدان من كشف الفخّ ويُبرَّأ من صنعه؟
ازدواجيّة المعايير هذه ليست زلّة عابرة، بل نهجٌ ثابتٌ: يستنكرون خرق السيادة حين تخرقها إسرائيل، ويصمتون حين يخرقها “حزب الله” بنشر سلاحه في كلّ قرية وقلعة وواد. يبكون على التراث حين يُقصف، ويصمتون حين يُحفر تحته. يطالبون العالم بحماية لبنان من العدوان الخارجيّ، ويحمون هم أنفسهم من يستدرج هذا العدوان إلى قرى الجنوب وقلاعه.
فمن أراد فعلا حماية قلعة الشقيف وتراث الجنوب، فليبدأ بالسؤال الذي يتهرّب منه “أهل التفاهم” منذ عشرين عامًا: من أعطى إيران الإذن بدفن أنفاقها تحت تاريخ لبنان؟ ومن سمح لطهران أن تجعل من كلّ قريةٍ ومعلمٍ خطّ دفاعٍ عن نفسها لا عن لبنان؟ فحين يُسأل هذا السؤال بصوت عال، لا هامس، عندها فقط يستحقّ الاستنكار أن يُسمّى موقفًا وطنيًّا، لا غطاءً سياسيًّا لمن حفر الفخّ أصلا.
الشقيف: يستنكرون مَن فجّر ويصمتون عمّن حفر

في خضمّ الحرب الدائرة منذ آذار الفائت، ومفاوضات روما المرتقبة هذا الأسبوع لتثبيت وقف إطلاق النار، اختار “حزب الله” وحلفاؤه معركةً مختلفة: معركة الرواية. فجر الجمعة الفائت، وبعد اتهام “حزب الله” باستهداف آليّةٍ عسكريّةٍ إسرائيليّةٍ بطائرةٍ مسيّرة، هزّ نحو 700 طنٍّ من المتفجرات محيط قلعة الشقيف التاريخية، بعدما أعلن الجيش الإسرائيليّ تدمير شبكة أنفاقٍ لـ”الحزب”، بحسب بيانه، بُنيت على مدى عقدين بتخطيطٍ وتمويلٍ من النظام الإيرانيّ. في الساعات التالية، توالت بيانات الاستنكار من “جماعة دولة 6 شباط” وحلفائها، لكنّ “حزب الله” نفسه ذهب أبعد من ذلك: في بيانٍ رسميّ، حمّل السلطة اللبنانيّة -لا نفسه- مسؤوليّة “الجرائم الإسرائيليّة”، ووصفها بأنّها “صامتة وغائبة بل متواطئة” لأنّها وقّعت صيغة الإطار.
فليتأمّل القارئ في هذا المشهد: قلعةٌ صليبيّة عمرها نحو ألف عام، أُدرجت على عجلٍ على لائحتَي التراث العالميّ والتراث العالميّ المهدَّد بالخطر، اكتشف تحتها الجيش الإسرائيليّ منذ حزيران الفائت شبكة أنفاقٍ تضمّ غرف معيشةٍ ومستودعات سلاحٍ ومنظومات دفاعٍ جويّ ومضادّة للدروع، صُمِّمت لاستخدامٍ طويل الأمد لغايات عسكرية ولوجستية. فمن الذي حفر تحت التراث الإنسانيّ عقدين كاملين؟ ومن الذي حوّل قلعة أرنون من معلمٍ سياحيٍّ إلى ثكنةٍ تحت الأرض؟ لا جواب من “دولة 6 شباط”، بل صمتٌ مطبقٌ لم تخترقه كلمة نقدٍ واحدة.
هذه هي بالضبط سياسة إيران في لبنان عبر ذراعها العسكريّ: الدرع البشريّ. لا فرق عند طهران بين مبنى سكنيٍّ ومستشفًى وقلعةٍ أثريّة؛ فكلّها مواقع صالحة لدفن السلاح تحتها، لأنّ أيّ ردّ إسرائيليّ عليها سيُقرأ عالميًّا كاعتداءٍ على المدنيّين أو التراث، لا كضربة لبنية عسكريّة. وحين يحصل الردّ، تنهض آلة “الاستنكار” الجاهزة سلفًا، لا لتسأل من زرع الفخّ، بل لتُحمِّل من وقع فيه ثمن انفجاره. هكذا يتحوّل “حزب الله” من الجاني إلى الضحيّة، ومن حفر تحت قلعة الشقيف إلى متفرّجٍ بريء يُطالب “السلطة” بحمايته من نتائج فعلته هو.
وليست قلعة الشقيف حادثة منفردة: ففي تشرين الأوّل 2024 دمّرت إسرائيل، بذريعة الأنفاق ذاتها، بلدة عيتا الشعب بنحو 400 طنّ من المتفجرات، وفي 28 نيسان 2026 كرّرت المشهد في القنطرة بـ450 طنًا. وفي كلّ مرّة، تكرّر السيناريو نفسه بحذافيره: تفجير ضخم، ثمّ موجة استنكار لبناني تُركّز حصرًا على حجم الدمار والانتهاك، فيما يبقى السؤال عن مصدر البنية العسكريّة التي استدعت الاستهداف أصلا خارج التداول كليًّا. فالنمط متكرّر، والاستنكار جاهز سلفًا، والسؤال الوحيد الغائب دائمًا واحد.
بل إنّ مندوب لبنان نفسه في اجتماع اليونسكو الذي صنّف القلعة “مهدّدة بالخطر”، أصرّ أمام العالم على أنّ القلاع الخمس لم تُستخدم منذ انسحاب إسرائيل عام 2000 إلا “لأغراض سياحية وثقافية”! فأيّ الروايتين يصدّق العالم: رواية جيش عثر تحت الصخر على غرف معيشة ومنظومات دفاع جويّ، أم رواية مندوب يتحدّث عن سياحة فوق ثكنة؟
والمفارقة أنّ مطلب تحديد المسؤوليّات الكاملة من بنى، لا من قصف فقط، غاب كليّاً عن خطاب “جماعة دولة 6 شباط”. فلم نسمع تصريحًا واحدًا يسأل: هل كان يحقّ لـ”حزب الله” أن يجعل من قلعةٍ مصنّفة تراثًا إنسانيًّا رهينةً لمشروعه العسكريّ؟ هل يُعقل أن يُدان من كشف الفخّ ويُبرَّأ من صنعه؟
ازدواجيّة المعايير هذه ليست زلّة عابرة، بل نهجٌ ثابتٌ: يستنكرون خرق السيادة حين تخرقها إسرائيل، ويصمتون حين يخرقها “حزب الله” بنشر سلاحه في كلّ قرية وقلعة وواد. يبكون على التراث حين يُقصف، ويصمتون حين يُحفر تحته. يطالبون العالم بحماية لبنان من العدوان الخارجيّ، ويحمون هم أنفسهم من يستدرج هذا العدوان إلى قرى الجنوب وقلاعه.
فمن أراد فعلا حماية قلعة الشقيف وتراث الجنوب، فليبدأ بالسؤال الذي يتهرّب منه “أهل التفاهم” منذ عشرين عامًا: من أعطى إيران الإذن بدفن أنفاقها تحت تاريخ لبنان؟ ومن سمح لطهران أن تجعل من كلّ قريةٍ ومعلمٍ خطّ دفاعٍ عن نفسها لا عن لبنان؟ فحين يُسأل هذا السؤال بصوت عال، لا هامس، عندها فقط يستحقّ الاستنكار أن يُسمّى موقفًا وطنيًّا، لا غطاءً سياسيًّا لمن حفر الفخّ أصلا.








