استقالة الراعي… وهاجس “لبنان الكبير”

الكاتب: جورج حايك | المصدر: المدن
4 آب 2026

أمران لافتان يشغلان بكركي في هذه الأيام: الأول، التداول المكثّف بموضوع استقالة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي؛ والثاني، يتعلّق بسؤال جوهري: ماذا تفعل بكركي للمحافظة على “لبنان الكبير” بعد تطويب مؤسس هذا الكيان، البطريرك الياس الحويّك؟

لا شك في أنه لا دخان من دون نار في تداول بعض المحيطين ببكركي موضوع استقالة الراعي وعلاقة الفاتيكان بذلك. لكن مصادر مطّلعة على حيثيات هذا الملف كشفت أن الكرسي الرسولي لا يتوجّه مباشرة إلى البطريرك الماروني طالبًا منه الاستقالة، وأن الكنيسة المارونية تتمتع باستقلالية معيّنة لا تسمح للفاتيكان بفرض الاستقالة على البطريرك أو إقالته. وهذا الأمر يتعلّق بقناعته الشخصية، علمًا أن الاستقالة تستوجب شروطًا معيّنة؛ أي أن يصبح عاجزًا عن أداء مهامه بصفته بطريركًا، وعندها يجتمع مجلس المطارنة، بالتوافق مع البطريرك نفسه، لاتخاذ قرار الاستقالة، وربما يكون ذلك، في بعض الحالات، بإيعاز من الفاتيكان.

لكن البطريرك الراعي ليس في حالة عجز اليوم. وتؤكد المصادر أن حالته الذهنية أفضل بكثير من حالة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في المرحلة الأخيرة من ولايته، كما أن تاريخ البطاركة يشير إلى أن كثيرين منهم كانوا متقدمين في السن أكثر من الراعي، وبقوا في مواقعهم.

وتلفت المصادر إلى أنه ليس سرًا أن لدى الفاتيكان تمنيات ضمنية باستقالة الراعي، إلا أن ذلك لم يُعلن بصورة مباشرة. وهذا يتقاطع مع حركة بعض المطارنة الذين يوحون بأن الوقت قد حان لتنحّي البطريرك، تمهيدًا لإجراء تغييرات في بكركي. ويكشف هؤلاء أن الأسباب قد تتعلّق بعدم حضور بكركي في جميع المناسبات والمحطات على المستويين الوطني والاجتماعي، إذ يُنتظر منها أن تكون أكثر فاعلية، إضافة إلى تراجع صحة البطريرك، والملاحظات المسجّلة على أداء بعض المقرّبين منه، الذين لديهم اعتبارات سياسية لا تنسجم مع ثوابت بكركي التاريخية.

لا استقالة قريبة

ولا شيء يوحي بأن البطريرك سيستقيل قريبًا، وفق هذه المصادر المطلعة على أجواء البطريركية المارونية. وربما تكون هذه الخطوة مؤجلة سنة أو سنتين، ما دامت صحة البطريرك مقبولة.

أما في ما يتعلق بمحافظة البطريرك الراعي على إرث الطوباوي الحويّك، ولا سيما “لبنان الكبير”، فترى المصادر أن البطريرك ومجلس المطارنة لا ينشغلان بالسياسة أو بالأمور المتعلقة بالنظام وتركيبة الدولة، بل يحرصان على المبادئ والثوابت التاريخية التي قامت عليها فكرة لبنان الكبير.

ولا تنكر المصادر أن الحويّك كان له دور أساسي في ولادة لبنان الكبير، إلا أنها تؤكد أن ظروف تلك المرحلة تختلف عن الظروف الحالية. فلبنان كان خارجًا من الاحتلال العثماني، ومنتقلًا إلى مرحلة الانتداب الفرنسي، وبالتالي كان تدخّل الحويّك ضروريًا لإنشاء الوطن الذي حلم به الموارنة على مدى قرون. أما اليوم، فلا شيء يستدعي من البطريرك الراعي أن يقوم بالدور نفسه، لأن هناك دولة ومؤسسات وأحزابًا سياسية، لكنه لا يبخل في مواقفه بالتشديد على ضرورة المحافظة على الصيغة اللبنانية، وصون العيش المشترك، والحفاظ على التوازن بين المسلمين والمسيحيين.

ونسأل المصادر: أليس الميثاق والشراكة في خطر اليوم؟ فتجيب: “صحيح أن هذا الاستنتاج واقعي، والبطريركية المارونية تعتبر هذا الأمر خطًا أحمر، وتبذل كل طاقتها، من خلال علاقاتها المحلية والدولية، للمحافظة على وجود المسيحيين والمناصفة مع المسلمين في المؤسسات الدستورية، لأنها تشعر بوجود اختلال في التوازن نتيجة التطبيق المشوّه لاتفاق الطائف. ومع ذلك، لا يدخل البطريرك الراعي في التفاصيل والمواضيع الضيقة، بل يدعو ويعمل للمحافظة على العناوين الوطنية الكبرى.”

طرح اللامركزبة الموسعة

في المقابل، تُصغي البطريركية المارونية باهتمام إلى  الأحزاب والشخصيات اللبنانية وتبقى قنوات مفتوحة مع الأحزاب المسيحية، وتولي مطالب كثير من المسيحيين باللامركزية الموسعة والفيدرالية أهمية كبيرة، لكنها تتجنب إعلان موقف صريح من هذا الموضوع. وتكشف المصادر أنها تتفهّم هذه الطروحات ودوافعها، ولا سيما طرح اللامركزية الموسعة التي تشمل الجوانب السياسية والمالية والأمنية، ولم تعد البطريركية رافضة لهذه الطروحات، شرط المحافظة على الصيغة والميثاق، بحيث يُكرَّس التنوع، ويشعر المسيحيون بمزيد من الاطمئنان، من دون الذهاب إلى التقسيم، مع الإبقاء على رئيس جمهورية، وحكومة مركزية، وجيش واحد.

ومع ذلك، يتأنّى البطريرك في تأييد اللامركزية الموسعة، ويترك أمر بحثها للمكوّنات السياسية، ويولي الأولوية للوحدة الوطنية، بحيث يُناقش الأمر مع المسلمين، بهدف تأمين توافق وطني واسع حول أي تركيبة سياسية مستقبلية للبلاد، من دون المجازفة بالاستقرار. ويبدو أنه يميل إلى تمرير المرحلة السياسية الخطيرة في لبنان بأقل قدر ممكن من التوتر، مع ضرورة معالجة مسألة السلاح خارج الدولة أولًا، ثم الانصراف إلى البحث في أي صيغة جديدة تساهم في طمأنة جميع المكوّنات اللبنانية.

ويبقى “لبنان الكبير” هاجسًا دائمًا للبطريركية المارونية، إلا أن ترسيخ الإرث الذي ورثته عن البطريرك الحويّك يحتاج، في نظر كثيرين، إلى دينامية أكبر وحضور أكثر فاعلية، وهو ما يشعر البعض بأنه لا يزال مفقودًا إلى حدٍّ كبير.

استقالة الراعي… وهاجس “لبنان الكبير”

الكاتب: جورج حايك | المصدر: المدن
4 آب 2026

أمران لافتان يشغلان بكركي في هذه الأيام: الأول، التداول المكثّف بموضوع استقالة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي؛ والثاني، يتعلّق بسؤال جوهري: ماذا تفعل بكركي للمحافظة على “لبنان الكبير” بعد تطويب مؤسس هذا الكيان، البطريرك الياس الحويّك؟

لا شك في أنه لا دخان من دون نار في تداول بعض المحيطين ببكركي موضوع استقالة الراعي وعلاقة الفاتيكان بذلك. لكن مصادر مطّلعة على حيثيات هذا الملف كشفت أن الكرسي الرسولي لا يتوجّه مباشرة إلى البطريرك الماروني طالبًا منه الاستقالة، وأن الكنيسة المارونية تتمتع باستقلالية معيّنة لا تسمح للفاتيكان بفرض الاستقالة على البطريرك أو إقالته. وهذا الأمر يتعلّق بقناعته الشخصية، علمًا أن الاستقالة تستوجب شروطًا معيّنة؛ أي أن يصبح عاجزًا عن أداء مهامه بصفته بطريركًا، وعندها يجتمع مجلس المطارنة، بالتوافق مع البطريرك نفسه، لاتخاذ قرار الاستقالة، وربما يكون ذلك، في بعض الحالات، بإيعاز من الفاتيكان.

لكن البطريرك الراعي ليس في حالة عجز اليوم. وتؤكد المصادر أن حالته الذهنية أفضل بكثير من حالة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في المرحلة الأخيرة من ولايته، كما أن تاريخ البطاركة يشير إلى أن كثيرين منهم كانوا متقدمين في السن أكثر من الراعي، وبقوا في مواقعهم.

وتلفت المصادر إلى أنه ليس سرًا أن لدى الفاتيكان تمنيات ضمنية باستقالة الراعي، إلا أن ذلك لم يُعلن بصورة مباشرة. وهذا يتقاطع مع حركة بعض المطارنة الذين يوحون بأن الوقت قد حان لتنحّي البطريرك، تمهيدًا لإجراء تغييرات في بكركي. ويكشف هؤلاء أن الأسباب قد تتعلّق بعدم حضور بكركي في جميع المناسبات والمحطات على المستويين الوطني والاجتماعي، إذ يُنتظر منها أن تكون أكثر فاعلية، إضافة إلى تراجع صحة البطريرك، والملاحظات المسجّلة على أداء بعض المقرّبين منه، الذين لديهم اعتبارات سياسية لا تنسجم مع ثوابت بكركي التاريخية.

لا استقالة قريبة

ولا شيء يوحي بأن البطريرك سيستقيل قريبًا، وفق هذه المصادر المطلعة على أجواء البطريركية المارونية. وربما تكون هذه الخطوة مؤجلة سنة أو سنتين، ما دامت صحة البطريرك مقبولة.

أما في ما يتعلق بمحافظة البطريرك الراعي على إرث الطوباوي الحويّك، ولا سيما “لبنان الكبير”، فترى المصادر أن البطريرك ومجلس المطارنة لا ينشغلان بالسياسة أو بالأمور المتعلقة بالنظام وتركيبة الدولة، بل يحرصان على المبادئ والثوابت التاريخية التي قامت عليها فكرة لبنان الكبير.

ولا تنكر المصادر أن الحويّك كان له دور أساسي في ولادة لبنان الكبير، إلا أنها تؤكد أن ظروف تلك المرحلة تختلف عن الظروف الحالية. فلبنان كان خارجًا من الاحتلال العثماني، ومنتقلًا إلى مرحلة الانتداب الفرنسي، وبالتالي كان تدخّل الحويّك ضروريًا لإنشاء الوطن الذي حلم به الموارنة على مدى قرون. أما اليوم، فلا شيء يستدعي من البطريرك الراعي أن يقوم بالدور نفسه، لأن هناك دولة ومؤسسات وأحزابًا سياسية، لكنه لا يبخل في مواقفه بالتشديد على ضرورة المحافظة على الصيغة اللبنانية، وصون العيش المشترك، والحفاظ على التوازن بين المسلمين والمسيحيين.

ونسأل المصادر: أليس الميثاق والشراكة في خطر اليوم؟ فتجيب: “صحيح أن هذا الاستنتاج واقعي، والبطريركية المارونية تعتبر هذا الأمر خطًا أحمر، وتبذل كل طاقتها، من خلال علاقاتها المحلية والدولية، للمحافظة على وجود المسيحيين والمناصفة مع المسلمين في المؤسسات الدستورية، لأنها تشعر بوجود اختلال في التوازن نتيجة التطبيق المشوّه لاتفاق الطائف. ومع ذلك، لا يدخل البطريرك الراعي في التفاصيل والمواضيع الضيقة، بل يدعو ويعمل للمحافظة على العناوين الوطنية الكبرى.”

طرح اللامركزبة الموسعة

في المقابل، تُصغي البطريركية المارونية باهتمام إلى  الأحزاب والشخصيات اللبنانية وتبقى قنوات مفتوحة مع الأحزاب المسيحية، وتولي مطالب كثير من المسيحيين باللامركزية الموسعة والفيدرالية أهمية كبيرة، لكنها تتجنب إعلان موقف صريح من هذا الموضوع. وتكشف المصادر أنها تتفهّم هذه الطروحات ودوافعها، ولا سيما طرح اللامركزية الموسعة التي تشمل الجوانب السياسية والمالية والأمنية، ولم تعد البطريركية رافضة لهذه الطروحات، شرط المحافظة على الصيغة والميثاق، بحيث يُكرَّس التنوع، ويشعر المسيحيون بمزيد من الاطمئنان، من دون الذهاب إلى التقسيم، مع الإبقاء على رئيس جمهورية، وحكومة مركزية، وجيش واحد.

ومع ذلك، يتأنّى البطريرك في تأييد اللامركزية الموسعة، ويترك أمر بحثها للمكوّنات السياسية، ويولي الأولوية للوحدة الوطنية، بحيث يُناقش الأمر مع المسلمين، بهدف تأمين توافق وطني واسع حول أي تركيبة سياسية مستقبلية للبلاد، من دون المجازفة بالاستقرار. ويبدو أنه يميل إلى تمرير المرحلة السياسية الخطيرة في لبنان بأقل قدر ممكن من التوتر، مع ضرورة معالجة مسألة السلاح خارج الدولة أولًا، ثم الانصراف إلى البحث في أي صيغة جديدة تساهم في طمأنة جميع المكوّنات اللبنانية.

ويبقى “لبنان الكبير” هاجسًا دائمًا للبطريركية المارونية، إلا أن ترسيخ الإرث الذي ورثته عن البطريرك الحويّك يحتاج، في نظر كثيرين، إلى دينامية أكبر وحضور أكثر فاعلية، وهو ما يشعر البعض بأنه لا يزال مفقودًا إلى حدٍّ كبير.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار