عقدة روما: كلّ الطرق تقود إلى نزع السلاح

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
6 آب 2026

يقف لبنان اليوم أمام “مرآة روما” بلا أوهام. فطلب الدعم والحماية من واشنطن لانتزاع كامل السيادة على الجنوب لا يمكن أن يتحقّق، بينما تستمر ازدواجية القرار الأمني والعسكري في بيروت. وكما يقول المثل اللاتيني: “كل الطرق تؤدّي إلى روما”، فإنّ الوقائع الثقيلة لجولات روما تؤكّد أن “كل مسارات روما تقود إلى عقدة نزع السلاح”.

عبثًا سيتخبّط اللبنانيّون في المفاوضات، من الناقورة إلى واشنطن وروما فما بعدها، ولكن من دون أي مردود فعليّ. وإذ يغرق لبنان في التفاصيل التقنيّة والجداول الزمنية لجولات التفاوض، تبدو الحقيقة السياسية أكثر قسوةً ممّا يعتقد الوفد المفاوض. والدليل هو الرسائل الأميركية التي انكشفت أخيرًا من دون التباس، ومفادها: لم يعد هناك مفرّ من مواجهة لبنان لجوهر الأزمة. فكلّ طرق التفاوض تُفضي في نهاية المطاف إلى عنوان واحد ووحيد: نزع سلاح “حزب الله”.

شكّل البيان الصادر عن الخارجية الأميركية، في نهاية الجولة الأولى في روما، نقطة تحوّل واضحة. فقد تجنّب استخدام مصطلح “الانسحاب الكامل”، واستبدله بعبارة “إعادة الانتشار”. وهذا التغيير اللفظي ليس مجرّد مناورة لغوية، بل هو انعكاس دقيق للمقاربة الأميركية التي تحكم رؤية الترتيبات الأمنية برمّتها في الجنوب.

المعلومات التي ترشح في هذا الشأن تفيد بأنّ واشنطن أكدت لبيروت، وبلا مواربة، أن الدعم الأميركي لاتفاق الإطار أو الضغط على إسرائيل لا يمكن أن يتحقّقا عبر “تنفيذ مجتزأ” يقتصر على ترتيبات سطحية. وتترجم واشنطن هذا الموقف عبر إشارات واضحة، أبرزها غياب الثقة في آليّات الدولة اللبنانية، إذ تراكم لدى واشنطن اقتناع بأنّ السلطة الرسمية في لبنان لا تملك، حتى اللحظة، إرادة أو خطة حاسمة للتعامل بفاعلية مع الترسانة العسكرية خارج إطار الدولة. وما دامت هذه الثقة مفقودة، فإنّ واشنطن ستبقى تمنح إسرائيل الغطاء الضمني للإبقاء على نقاط تمركزها وحرّية حركتها، معتبرةً أن أي انسحاب كامل من دون إنهاء مشروع السلاح يمثل مجازفةً أمنيةً غير قابلة للتحقيق.

وأمام هذا الانسداد، تصبح كل الأفكار المطروحة حول “المناطق النموذجية” أو التوسّع نحو بنت جبيل والخيام مجرّد تقطيع للوقت ودوران في حلقة مفرغة. فمن دون حسم قضية السلاح، ستبقى هذه المناطق مجرّد مساحات خاضعة لاختبارات أمنية هشّة، تحافظ فيها إسرائيل على هامش استهداف عسكري واختراق ميداني واسع تحت عنوان حماية أمنها والتصدي لما تسميه “التهديدات الدّاهمة”.

والمراهنة اللبنانية على استبدال التفاوض حول جوهر المشكلة، أي السلاح، بمسارات جانبية، كالمسح البرّي أو خطط الإعمار، تصطدم بحائط الرغبة الدولية والإقليمية في بلوغ الحلول المتكاملة. فواشنطن لا ترى في المناطق التجريبية غاية في ذاتها، بل مجرّد أداة لقياس مدى قدرة الدولة اللبنانية ورغبتها في فرض حصرية السلاح بجدية وبلا مواربة.
لذلك، يقف لبنان اليوم أمام “مرآة روما” بلا أوهام. فطلب الدعم والحماية من واشنطن لانتزاع كامل السيادة على الجنوب لا يمكن أن يتحقّق، بينما تستمر ازدواجية القرار الأمني والعسكري في بيروت. وكما يقول المثل اللاتيني: “كل الطرق تؤدّي إلى روما”، فإنّ الوقائع الثقيلة لجولات روما تؤكّد أن “كل مسارات روما تقود إلى عقدة نزع السلاح”. فمن دون معالجة هذه العقدة بشجاعة سياسية، ستظل المفاوضات مراسم شكلية، وستبقى المراحل التجريبية رهينة الاستنزاف، بينما تُعيد إسرائيل رسم جغرافية الجنوب بالحديد والنّار فرضًا لأمر واقع يرتكز إلى عجز الدولة، وتمنّع “الحزب”، وخضوعه لمعادلات المحور الإيراني، أيًّا كان الثمن.

عقدة روما: كلّ الطرق تقود إلى نزع السلاح

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
6 آب 2026

يقف لبنان اليوم أمام “مرآة روما” بلا أوهام. فطلب الدعم والحماية من واشنطن لانتزاع كامل السيادة على الجنوب لا يمكن أن يتحقّق، بينما تستمر ازدواجية القرار الأمني والعسكري في بيروت. وكما يقول المثل اللاتيني: “كل الطرق تؤدّي إلى روما”، فإنّ الوقائع الثقيلة لجولات روما تؤكّد أن “كل مسارات روما تقود إلى عقدة نزع السلاح”.

عبثًا سيتخبّط اللبنانيّون في المفاوضات، من الناقورة إلى واشنطن وروما فما بعدها، ولكن من دون أي مردود فعليّ. وإذ يغرق لبنان في التفاصيل التقنيّة والجداول الزمنية لجولات التفاوض، تبدو الحقيقة السياسية أكثر قسوةً ممّا يعتقد الوفد المفاوض. والدليل هو الرسائل الأميركية التي انكشفت أخيرًا من دون التباس، ومفادها: لم يعد هناك مفرّ من مواجهة لبنان لجوهر الأزمة. فكلّ طرق التفاوض تُفضي في نهاية المطاف إلى عنوان واحد ووحيد: نزع سلاح “حزب الله”.

شكّل البيان الصادر عن الخارجية الأميركية، في نهاية الجولة الأولى في روما، نقطة تحوّل واضحة. فقد تجنّب استخدام مصطلح “الانسحاب الكامل”، واستبدله بعبارة “إعادة الانتشار”. وهذا التغيير اللفظي ليس مجرّد مناورة لغوية، بل هو انعكاس دقيق للمقاربة الأميركية التي تحكم رؤية الترتيبات الأمنية برمّتها في الجنوب.

المعلومات التي ترشح في هذا الشأن تفيد بأنّ واشنطن أكدت لبيروت، وبلا مواربة، أن الدعم الأميركي لاتفاق الإطار أو الضغط على إسرائيل لا يمكن أن يتحقّقا عبر “تنفيذ مجتزأ” يقتصر على ترتيبات سطحية. وتترجم واشنطن هذا الموقف عبر إشارات واضحة، أبرزها غياب الثقة في آليّات الدولة اللبنانية، إذ تراكم لدى واشنطن اقتناع بأنّ السلطة الرسمية في لبنان لا تملك، حتى اللحظة، إرادة أو خطة حاسمة للتعامل بفاعلية مع الترسانة العسكرية خارج إطار الدولة. وما دامت هذه الثقة مفقودة، فإنّ واشنطن ستبقى تمنح إسرائيل الغطاء الضمني للإبقاء على نقاط تمركزها وحرّية حركتها، معتبرةً أن أي انسحاب كامل من دون إنهاء مشروع السلاح يمثل مجازفةً أمنيةً غير قابلة للتحقيق.

وأمام هذا الانسداد، تصبح كل الأفكار المطروحة حول “المناطق النموذجية” أو التوسّع نحو بنت جبيل والخيام مجرّد تقطيع للوقت ودوران في حلقة مفرغة. فمن دون حسم قضية السلاح، ستبقى هذه المناطق مجرّد مساحات خاضعة لاختبارات أمنية هشّة، تحافظ فيها إسرائيل على هامش استهداف عسكري واختراق ميداني واسع تحت عنوان حماية أمنها والتصدي لما تسميه “التهديدات الدّاهمة”.

والمراهنة اللبنانية على استبدال التفاوض حول جوهر المشكلة، أي السلاح، بمسارات جانبية، كالمسح البرّي أو خطط الإعمار، تصطدم بحائط الرغبة الدولية والإقليمية في بلوغ الحلول المتكاملة. فواشنطن لا ترى في المناطق التجريبية غاية في ذاتها، بل مجرّد أداة لقياس مدى قدرة الدولة اللبنانية ورغبتها في فرض حصرية السلاح بجدية وبلا مواربة.
لذلك، يقف لبنان اليوم أمام “مرآة روما” بلا أوهام. فطلب الدعم والحماية من واشنطن لانتزاع كامل السيادة على الجنوب لا يمكن أن يتحقّق، بينما تستمر ازدواجية القرار الأمني والعسكري في بيروت. وكما يقول المثل اللاتيني: “كل الطرق تؤدّي إلى روما”، فإنّ الوقائع الثقيلة لجولات روما تؤكّد أن “كل مسارات روما تقود إلى عقدة نزع السلاح”. فمن دون معالجة هذه العقدة بشجاعة سياسية، ستظل المفاوضات مراسم شكلية، وستبقى المراحل التجريبية رهينة الاستنزاف، بينما تُعيد إسرائيل رسم جغرافية الجنوب بالحديد والنّار فرضًا لأمر واقع يرتكز إلى عجز الدولة، وتمنّع “الحزب”، وخضوعه لمعادلات المحور الإيراني، أيًّا كان الثمن.

مزيد من الأخبار