ملف الأسير يوحّد صيدا ويضع الدولة أمام اختبار العدالة

لم يعد ملف الشيخ أحمد الأسير ورفاقه مجرد قضية مرتبطة بمدينة صيدا أو بمرحلة أمنية طويت أحداثها ميدانيًا، بل عاد إلى الواجهة ليطرح نفسه كأحد الاختبارات الأكثر حساسية أمام الدولة اللبنانية في كيفية مقاربة الملفات التي خلّفتها سنوات الانقسام والتوتر. فمن قلب عبرا، حيث لا تزال أحداث عام 2013 حاضرة في الذاكرة السياسية والشعبية، أطلقت “المبادرة الصيداوية لرفع المظلومية عن الشيخ أحمد الأسير ورفاقه” حراكًا جامعًا أعاد فتح النقاش حول مصير الموقوفين الإسلاميين، وقانون العفو العام، ودور المؤسسات في معالجة الملفات العالقة ضمن إطار قانوني واضح .
المشهد الصيداوي لم يكن مجرّد لقاء تضامني، بل حمل رسالة سياسية تتجاوز حدود المدينة، بعدما اجتمعت تحت سقف المبادرة مرجعيات دينية وحقوقية وسياسية وبلدية واجتماعية، إلى جانب حشد من أبناء صيدا، للمطالبة بإنهاء هذا الملف وإيجاد معالجة وطنية له. وفي مدينة لطالما عُرفت بالاعتدال والحكمة، والتي يُقال عنها إن “صيدا حمامة بيضاء، لكن منقارها من فولاذ”، بدا الحراك تعبيرًا عن تمسّك المدينة بمعالجة قضايا أبنائها ضمن إطار الدولة ومؤسساتها، خصوصًا أن صيدا كانت من أوائل المدن التي طرحت ملف العفو العام مدخلًا لمعالجة الملفات العالقة، انطلاقًا من قناعة لدى فعالياتها بأن أي تسوية وطنية لا يمكن أن تكتمل إذا بقي أبناؤها، وفي مقدّمتهم الشيخ أحمد الأسير ورفاقه، خارج أي مقاربة شاملة لهذا الملف.
ويرى المشاركون في المبادرة أن قضية الشيخ أحمد الأسير ورفاقه لم تعد بالنسبة إليهم مجرد ملف قضائي، بل أصبحت عنوانًا لمرحلة سياسية وأمنية كاملة، مطالبين بأن تتم مقاربتها على قاعدة العدالة والمساواة بين اللبنانيين. وفي المقابل، فإن أي معالجة وطنية لهذا النوع من الملفات تبقى مرتبطة بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين إحقاق الحقوق، واحترام المسار القضائي، والحفاظ على متطلبات الاستقرار والعدالة لجميع الأطراف.
وتبرز أهمية الحراك الصيداوي من كونه يأتي في مرحلة يسعى فيها لبنان إلى استعادة الثقة بالمؤسسات، حيث تشكل الملفات المتراكمة من مراحل الأزمات السابقة اختبارًا لقدرة الدولة على الانتقال من منطق التسويات السياسية إلى منطق القانون. فالمسألة لا تتعلق فقط بإقرار قانون عفو عام، بل بقدرة المؤسسات على إدارة ملفات حساسة بمعايير واحدة، بعيدًا من الانتقائية أو الحسابات المرتبطة بتبدل الظروف السياسية .
وفي تصريح لـ”نداء الوطن”، اعتبر الناشط في مسجد بلال بن رباح خالد البوبو أن ملف الموقوفين الإسلاميين تحول إلى اختبار لقدرة المؤسسات على معالجة ملفات الماضي ضمن إطار الدولة، بدل أن يبقى مادة مفتوحة للتجاذب السياسي. وأكد أن أي مقاربة جدية لهذا الملف تحتاج إلى قواعد قانونية واضحة، وإلى مبدأ المساواة في التعامل مع مختلف القضايا والملفات.
وفي سياق توسيع دائرة النقاش حول القضية، برز موقف النائبة غادة أيوب، وهي من خارج البيئة السنية، بعدما أشارت إلى أنها كانت جارة للشيخ أحمد الأسير في منطقة عبرا، معتبرة أن المرحلة التي رافقت هذه القضية شهدت، بحسب تعبيرها، “ظلمًا واضطهادًا” وإساءة كبيرة للعدالة في لبنان. ويعكس هذا الموقف دخول الملف في نقاش يتجاوز الإطار الطائفي، ليصل إلى مساحة وطنية أوسع حول كيفية معالجة القضايا الناتجة عن مراحل الانقسام اللبناني، بعيدًا من الاصطفافات المسبقة.
وفي ختام اللقاء، تلا المجتمعون البيان الختامي باسم “المبادرة الصيداوية لرفع المظلومية”، مؤكدين أن المبادرة تمثل ائتلافًا صيداويًا جامعًا يضم المرجعيات الدينية والسياسية والحقوقية والمدنية والشعبية، ويهدف إلى توحيد الجهود من أجل رفع المظلومية عن عائلات المدينة وأبنائها وسائر المظلومين، من خلال العمل على إقرار قانون عفو عام وشامل يؤدي بصورة أساسية وعاجلة إلى إطلاق سراح العلماء والناشطين الإسلاميين، ورد الاعتبار إليهم وإعادتهم إلى أسرهم ومجتمعهم، ضمن مسار قانوني يحفظ الدولة ويعزز العدالة ويفتح باب الإصلاح.
وأوضح البيان أن المبادرة ليست مجرّد لقاء جماهيري أو بيان تضامن، بل مسار عمل منظّم يهدف إلى تحويل قضية الموقوفين الإسلاميين من ملف طال أمده إلى أولوية وطنية تستوجب المعالجة. وحدّد البيان خمسة مرتكزات رئيسية تقوم عليها المبادرة، وهي: الإجماع السني الديني والسياسي على إقرار قانون العفو العام، والائتلاف الصيداوي الجامع، والتضامن الوطني العابر للطوائف والمناطق، والمبادرة الحكومية، والتوافق النيابي حول مشروع قانون العفو العام.
كما حدد البيان أربع خطوات عملية لتحقيق هذا الهدف، تبدأ بإحالة مشروع قانون العفو العام إلى مجلس النواب، وإدراجه بندًا أول في أول جلسة تشريعية، وتأمين الأصوات النيابية اللازمة لإقراره، وصولا إلى إنفاذه بالسرعة القصوى، مؤكدًا أن الهدف الأساسي للمبادرة هو إنهاء هذا الملف ضمن الأطر القانونية والدستورية.
في المحصلة، يعيد الحراك الصيداوي فتح سؤال جوهري حول قدرة الدولة اللبنانية على إغلاق ملفات الماضي عبر المؤسسات لا عبر الانقسامات. فاختبار الدولة الحقيقي لا يكمن فقط في إصدار القوانين، بل في تطبيقها بعدالة متساوية، بما يعزز الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويفتح الطريق أمام استقرار قائم على القانون والمصالحة الوطنية.
ملف الأسير يوحّد صيدا ويضع الدولة أمام اختبار العدالة

لم يعد ملف الشيخ أحمد الأسير ورفاقه مجرد قضية مرتبطة بمدينة صيدا أو بمرحلة أمنية طويت أحداثها ميدانيًا، بل عاد إلى الواجهة ليطرح نفسه كأحد الاختبارات الأكثر حساسية أمام الدولة اللبنانية في كيفية مقاربة الملفات التي خلّفتها سنوات الانقسام والتوتر. فمن قلب عبرا، حيث لا تزال أحداث عام 2013 حاضرة في الذاكرة السياسية والشعبية، أطلقت “المبادرة الصيداوية لرفع المظلومية عن الشيخ أحمد الأسير ورفاقه” حراكًا جامعًا أعاد فتح النقاش حول مصير الموقوفين الإسلاميين، وقانون العفو العام، ودور المؤسسات في معالجة الملفات العالقة ضمن إطار قانوني واضح .
المشهد الصيداوي لم يكن مجرّد لقاء تضامني، بل حمل رسالة سياسية تتجاوز حدود المدينة، بعدما اجتمعت تحت سقف المبادرة مرجعيات دينية وحقوقية وسياسية وبلدية واجتماعية، إلى جانب حشد من أبناء صيدا، للمطالبة بإنهاء هذا الملف وإيجاد معالجة وطنية له. وفي مدينة لطالما عُرفت بالاعتدال والحكمة، والتي يُقال عنها إن “صيدا حمامة بيضاء، لكن منقارها من فولاذ”، بدا الحراك تعبيرًا عن تمسّك المدينة بمعالجة قضايا أبنائها ضمن إطار الدولة ومؤسساتها، خصوصًا أن صيدا كانت من أوائل المدن التي طرحت ملف العفو العام مدخلًا لمعالجة الملفات العالقة، انطلاقًا من قناعة لدى فعالياتها بأن أي تسوية وطنية لا يمكن أن تكتمل إذا بقي أبناؤها، وفي مقدّمتهم الشيخ أحمد الأسير ورفاقه، خارج أي مقاربة شاملة لهذا الملف.
ويرى المشاركون في المبادرة أن قضية الشيخ أحمد الأسير ورفاقه لم تعد بالنسبة إليهم مجرد ملف قضائي، بل أصبحت عنوانًا لمرحلة سياسية وأمنية كاملة، مطالبين بأن تتم مقاربتها على قاعدة العدالة والمساواة بين اللبنانيين. وفي المقابل، فإن أي معالجة وطنية لهذا النوع من الملفات تبقى مرتبطة بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين إحقاق الحقوق، واحترام المسار القضائي، والحفاظ على متطلبات الاستقرار والعدالة لجميع الأطراف.
وتبرز أهمية الحراك الصيداوي من كونه يأتي في مرحلة يسعى فيها لبنان إلى استعادة الثقة بالمؤسسات، حيث تشكل الملفات المتراكمة من مراحل الأزمات السابقة اختبارًا لقدرة الدولة على الانتقال من منطق التسويات السياسية إلى منطق القانون. فالمسألة لا تتعلق فقط بإقرار قانون عفو عام، بل بقدرة المؤسسات على إدارة ملفات حساسة بمعايير واحدة، بعيدًا من الانتقائية أو الحسابات المرتبطة بتبدل الظروف السياسية .
وفي تصريح لـ”نداء الوطن”، اعتبر الناشط في مسجد بلال بن رباح خالد البوبو أن ملف الموقوفين الإسلاميين تحول إلى اختبار لقدرة المؤسسات على معالجة ملفات الماضي ضمن إطار الدولة، بدل أن يبقى مادة مفتوحة للتجاذب السياسي. وأكد أن أي مقاربة جدية لهذا الملف تحتاج إلى قواعد قانونية واضحة، وإلى مبدأ المساواة في التعامل مع مختلف القضايا والملفات.
وفي سياق توسيع دائرة النقاش حول القضية، برز موقف النائبة غادة أيوب، وهي من خارج البيئة السنية، بعدما أشارت إلى أنها كانت جارة للشيخ أحمد الأسير في منطقة عبرا، معتبرة أن المرحلة التي رافقت هذه القضية شهدت، بحسب تعبيرها، “ظلمًا واضطهادًا” وإساءة كبيرة للعدالة في لبنان. ويعكس هذا الموقف دخول الملف في نقاش يتجاوز الإطار الطائفي، ليصل إلى مساحة وطنية أوسع حول كيفية معالجة القضايا الناتجة عن مراحل الانقسام اللبناني، بعيدًا من الاصطفافات المسبقة.
وفي ختام اللقاء، تلا المجتمعون البيان الختامي باسم “المبادرة الصيداوية لرفع المظلومية”، مؤكدين أن المبادرة تمثل ائتلافًا صيداويًا جامعًا يضم المرجعيات الدينية والسياسية والحقوقية والمدنية والشعبية، ويهدف إلى توحيد الجهود من أجل رفع المظلومية عن عائلات المدينة وأبنائها وسائر المظلومين، من خلال العمل على إقرار قانون عفو عام وشامل يؤدي بصورة أساسية وعاجلة إلى إطلاق سراح العلماء والناشطين الإسلاميين، ورد الاعتبار إليهم وإعادتهم إلى أسرهم ومجتمعهم، ضمن مسار قانوني يحفظ الدولة ويعزز العدالة ويفتح باب الإصلاح.
وأوضح البيان أن المبادرة ليست مجرّد لقاء جماهيري أو بيان تضامن، بل مسار عمل منظّم يهدف إلى تحويل قضية الموقوفين الإسلاميين من ملف طال أمده إلى أولوية وطنية تستوجب المعالجة. وحدّد البيان خمسة مرتكزات رئيسية تقوم عليها المبادرة، وهي: الإجماع السني الديني والسياسي على إقرار قانون العفو العام، والائتلاف الصيداوي الجامع، والتضامن الوطني العابر للطوائف والمناطق، والمبادرة الحكومية، والتوافق النيابي حول مشروع قانون العفو العام.
كما حدد البيان أربع خطوات عملية لتحقيق هذا الهدف، تبدأ بإحالة مشروع قانون العفو العام إلى مجلس النواب، وإدراجه بندًا أول في أول جلسة تشريعية، وتأمين الأصوات النيابية اللازمة لإقراره، وصولا إلى إنفاذه بالسرعة القصوى، مؤكدًا أن الهدف الأساسي للمبادرة هو إنهاء هذا الملف ضمن الأطر القانونية والدستورية.
في المحصلة، يعيد الحراك الصيداوي فتح سؤال جوهري حول قدرة الدولة اللبنانية على إغلاق ملفات الماضي عبر المؤسسات لا عبر الانقسامات. فاختبار الدولة الحقيقي لا يكمن فقط في إصدار القوانين، بل في تطبيقها بعدالة متساوية، بما يعزز الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويفتح الطريق أمام استقرار قائم على القانون والمصالحة الوطنية.






