ترامب يُحارب إيران بالطلقة المؤجّلة

الكاتب: اورور كرم | المصدر: نداء الوطن
7 آب 2026

قد يكون أخطر سلاح يستخدمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران ليس القاذفات الاستراتيجية ولا حاملات الطائرات، بل حالة عدم اليقين التي يفرضها على الجمهورية الإسلامية. فمنذ اندلاع الحرب قبل خمسة أشهر، بات من الصعب التعامل مع تصريحات ترامب بوصفها مجرّد مواقف سياسية أو تهديدات عسكرية تقليدية، إذ تكرّر المشهد سبع مرّات على الأقل: يعلن أن الولايات المتحدة على وشك تنفيذ ضربة مدمّرة أو غير مسبوقة، يرفع منسوب التوتر إلى أقصى حدّ، ثمّ يتراجع في اللحظة الأخيرة، معلنًا منح الدبلوماسية فرصة إضافية أو الاستجابة لطلبات من دول في المنطقة.

هذا النمط لم يعد يبدو مجرّد تبدّل في المواقف، بل أقرب إلى استراتيجية متكاملة تقوم على استخدام التهديد نفسه كسلاح. فالغاية ليست دائمًا تنفيذ الضربة، بل جعل إيران تعيش تحت احتمال وقوعها في أي لحظة، بما يفرض عليها حالة استنفار سياسي وعسكري وأمني مستمرّة.

البداية كانت في آذار، عندما ربط ترامب فتح مضيق هرمز بعدم استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، قبل أن يؤجّل العملية خمسة أيام، ثمّ 10 أيام إضافية. وفي نيسان، كتب عبارته الشهيرة: “حضارة بأكملها ستموت الليلة”، قبل أن يعلن بعد ساعات تعليق الضربة وإفساح المجال أمام مفاوضات جديدة. وتكرّر السيناريو في أيار، ثمّ في تموز، وصولًا إلى مطلع آب، حين لوّحت واشنطن بضربة واسعة تستهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، قبل أن يعلن ترامب بنفسه تعليقها، مع تأكيده أن الجيش الأميركي جاهز بالكامل لتنفيذ هجوم غير مسبوق إذا فشلت المفاوضات.

قد يفسّر البعض هذا السلوك على أنه تردّد في اتخاذ القرار، إلا أن سلوك ترامب طوال مسيرته السياسية يوحي بعكس ذلك. فمنذ دخوله عالم السياسة، كما في عالم الأعمال قبله، اعتمد مبدأ رفع سقف التهديد إلى الحدّ الأقصى، ثمّ استخدام هذا الضغط لتحقيق مكاسب على طاولة التفاوض. فالتهديد بالنسبة إليه ليس تمهيدًا للحرب، بل جزء من عملية التفاوض نفسها.

بهذا المعنى، يصبح التراجع أحيانًا جزءًا من الخطة، وليس تراجعًا عنها. فالخصم الذي يعتقد أن الضربة قد تقع في أي لحظة، يبقى منشغلًا بإعادة حساباته، وتعزيز دفاعاته، وإدارة مخاطر لا يعرف متى تتحوّل إلى واقع. وهذه بحدّ ذاتها صورة من صور الاستنزاف، حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة.

لكن يبدو أن الإيرانيين بدورهم بدأوا يتأقلمون مع هذه المقاربة. فقد تحدّثت تقارير عن استعانة طهران بخبراء في علم النفس وتحليل السلوك لمراقبة خطابات ترامب ومنشوراته، في محاولة لفهم نمط تفكيره واستشراف خطواته المقبلة. فالهدف لم يعد فقط متابعة التحرّكات العسكرية الأميركية، بل أيضًا تحليل شخصية الرجل الذي يتّخذ القرار.

وهنا تدخل المواجهة مرحلة مختلفة. فإذا كان ترامب يحاول استخدام الغموض كسلاح، فإن إيران تحاول حرمانه من هذا السلاح عبر فهم آلية اتخاذه للقرار. إنها معركة لا تدور فقط بين الصواريخ والدفاعات الجوّية، بل أيضًا بين خبراء الحرب النفسية وخبراء تحليل السلوك.

وفي المحصّلة، قد يكون ما يجري اليوم نموذجًا جديدًا للحروب الحديثة، حيث تصبح الكلمة جزءًا من القوّة العسكرية، والمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي أداة ردع، والتهديد نفسه وسيلة قتال. وفي هذه المعادلة، لم تعد المواجهة بين واشنطن وطهران تُقاس فقط بما يُقصف على الأرض، بل أيضًا بما يدور في عقول قادة الطرفين، وبمن ينجح أوّلًا في قراءة الآخر.

إذًا، سواء كان ترامب ينوي تنفيذ تهديداته أم لا، فمجرّد إبقاء إيران تحت ضغط عسكري ونفسي متواصل يبدو أنه يحقّق جزءًا من أهدافه. فالمؤشرات تتحدّث عن تباينات داخل دوائر القرار بين من يدفع نحو إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا، وبين من يتمسّك بخيار المواجهة مهما بلغت كلفته، غير آبه بانعكاساته على اقتصاد يزداد هشاشة في وقت تتزايد التقارير عن مواقف معارضة تنتقد النظام، في ظلّ تفاقم الضغوط الاقتصادية. لذلك، حتى لو لم تتحوّل التهديدات إلى ضربات واسعة، فإنها قد تكون نجحت في تحقيق هدف آخر: تعميق الضغوط الداخلية، وجعل كلفة الانتظار لا تقلّ صعوبة عن كلفة المواجهة.

ترامب يُحارب إيران بالطلقة المؤجّلة

الكاتب: اورور كرم | المصدر: نداء الوطن
7 آب 2026

قد يكون أخطر سلاح يستخدمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران ليس القاذفات الاستراتيجية ولا حاملات الطائرات، بل حالة عدم اليقين التي يفرضها على الجمهورية الإسلامية. فمنذ اندلاع الحرب قبل خمسة أشهر، بات من الصعب التعامل مع تصريحات ترامب بوصفها مجرّد مواقف سياسية أو تهديدات عسكرية تقليدية، إذ تكرّر المشهد سبع مرّات على الأقل: يعلن أن الولايات المتحدة على وشك تنفيذ ضربة مدمّرة أو غير مسبوقة، يرفع منسوب التوتر إلى أقصى حدّ، ثمّ يتراجع في اللحظة الأخيرة، معلنًا منح الدبلوماسية فرصة إضافية أو الاستجابة لطلبات من دول في المنطقة.

هذا النمط لم يعد يبدو مجرّد تبدّل في المواقف، بل أقرب إلى استراتيجية متكاملة تقوم على استخدام التهديد نفسه كسلاح. فالغاية ليست دائمًا تنفيذ الضربة، بل جعل إيران تعيش تحت احتمال وقوعها في أي لحظة، بما يفرض عليها حالة استنفار سياسي وعسكري وأمني مستمرّة.

البداية كانت في آذار، عندما ربط ترامب فتح مضيق هرمز بعدم استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، قبل أن يؤجّل العملية خمسة أيام، ثمّ 10 أيام إضافية. وفي نيسان، كتب عبارته الشهيرة: “حضارة بأكملها ستموت الليلة”، قبل أن يعلن بعد ساعات تعليق الضربة وإفساح المجال أمام مفاوضات جديدة. وتكرّر السيناريو في أيار، ثمّ في تموز، وصولًا إلى مطلع آب، حين لوّحت واشنطن بضربة واسعة تستهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، قبل أن يعلن ترامب بنفسه تعليقها، مع تأكيده أن الجيش الأميركي جاهز بالكامل لتنفيذ هجوم غير مسبوق إذا فشلت المفاوضات.

قد يفسّر البعض هذا السلوك على أنه تردّد في اتخاذ القرار، إلا أن سلوك ترامب طوال مسيرته السياسية يوحي بعكس ذلك. فمنذ دخوله عالم السياسة، كما في عالم الأعمال قبله، اعتمد مبدأ رفع سقف التهديد إلى الحدّ الأقصى، ثمّ استخدام هذا الضغط لتحقيق مكاسب على طاولة التفاوض. فالتهديد بالنسبة إليه ليس تمهيدًا للحرب، بل جزء من عملية التفاوض نفسها.

بهذا المعنى، يصبح التراجع أحيانًا جزءًا من الخطة، وليس تراجعًا عنها. فالخصم الذي يعتقد أن الضربة قد تقع في أي لحظة، يبقى منشغلًا بإعادة حساباته، وتعزيز دفاعاته، وإدارة مخاطر لا يعرف متى تتحوّل إلى واقع. وهذه بحدّ ذاتها صورة من صور الاستنزاف، حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة.

لكن يبدو أن الإيرانيين بدورهم بدأوا يتأقلمون مع هذه المقاربة. فقد تحدّثت تقارير عن استعانة طهران بخبراء في علم النفس وتحليل السلوك لمراقبة خطابات ترامب ومنشوراته، في محاولة لفهم نمط تفكيره واستشراف خطواته المقبلة. فالهدف لم يعد فقط متابعة التحرّكات العسكرية الأميركية، بل أيضًا تحليل شخصية الرجل الذي يتّخذ القرار.

وهنا تدخل المواجهة مرحلة مختلفة. فإذا كان ترامب يحاول استخدام الغموض كسلاح، فإن إيران تحاول حرمانه من هذا السلاح عبر فهم آلية اتخاذه للقرار. إنها معركة لا تدور فقط بين الصواريخ والدفاعات الجوّية، بل أيضًا بين خبراء الحرب النفسية وخبراء تحليل السلوك.

وفي المحصّلة، قد يكون ما يجري اليوم نموذجًا جديدًا للحروب الحديثة، حيث تصبح الكلمة جزءًا من القوّة العسكرية، والمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي أداة ردع، والتهديد نفسه وسيلة قتال. وفي هذه المعادلة، لم تعد المواجهة بين واشنطن وطهران تُقاس فقط بما يُقصف على الأرض، بل أيضًا بما يدور في عقول قادة الطرفين، وبمن ينجح أوّلًا في قراءة الآخر.

إذًا، سواء كان ترامب ينوي تنفيذ تهديداته أم لا، فمجرّد إبقاء إيران تحت ضغط عسكري ونفسي متواصل يبدو أنه يحقّق جزءًا من أهدافه. فالمؤشرات تتحدّث عن تباينات داخل دوائر القرار بين من يدفع نحو إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا، وبين من يتمسّك بخيار المواجهة مهما بلغت كلفته، غير آبه بانعكاساته على اقتصاد يزداد هشاشة في وقت تتزايد التقارير عن مواقف معارضة تنتقد النظام، في ظلّ تفاقم الضغوط الاقتصادية. لذلك، حتى لو لم تتحوّل التهديدات إلى ضربات واسعة، فإنها قد تكون نجحت في تحقيق هدف آخر: تعميق الضغوط الداخلية، وجعل كلفة الانتظار لا تقلّ صعوبة عن كلفة المواجهة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار