رياض سلامة… “الصندوق الأسود” لمنظومة الانهيار

روايات متداولة تشير إلى أن حاكم المصرف المركزي السابق يحتفظ بوثائق وملفات حساسة
يمثل رياض سلامة “الصندوق الأسود” لثلاثة عقود من الإدارة المالية والسياسية في لبنان، إذ كان مطلعاً على قرارات الحكومات، وسياسات الدعم والاستدانة والهندسات المالية، والعلاقة بين مصرف لبنان والمصارف والطبقة السياسية. ويطرح توقيفه مرة جديدة بوصفه اختباراً لجدية القضاء: هل تقتصر المحاسبة عليه، أم تتوسع لتشمل السياسيين والمصرفيين وأصحاب النفوذ الذين شاركوا في صناعة الانهيار واستفادوا من النظام المالي؟
لم يعد اسم رياض سلامة يقتصر على كونه حاكم مصرف لبنان السابق، أو الشخصية الأكثر ارتباطاً بالانهيار المالي الذي دمر الاقتصاد اللبناني، بل تحول إلى عنوان لمعركة تتجاوز شخصه بكثير. فالقضية اليوم لا تتعلق فقط بمحاسبة مسؤول مالي، بل بما إذا كانت الحقيقة الكاملة ستخرج إلى العلن، أم أن الرجل سيترك وحيداً ليتحمل وزر مرحلة كان هو في صلبها، ولكن في الوقت عينه أسهمت في صنعها منظومة سياسية ومالية متكاملة.
وتكتسب هذه القضية أهمية أكبر في ظل تقديرات صادرة عن عدد من مراكز الأبحاث، تشير إلى أن كلفة الفساد في لبنان منذ عام 1990 بلغت نحو 400 مليار دولار. فيما يرى اقتصاديون أن هذا المبلغ، لو استثمر في البنى التحتية، وتطوير الخدمات العامة، وتحفيز الاقتصاد، لكان كفيلاً بوضع لبنان في مصاف الدول المتقدمة.
كما يقدر بعض الخبراء أن الاقتصاد اللبناني كان قادراً على توفير مئات آلاف فرص العمل، بما يحد من هجرة الشباب، وأن الحد الأدنى للأجور كان يمكن أن يلامس 1500 دولار شهرياً لو وجهت تلك الأموال نحو الاستثمار والإنتاج بدل الهدر والفساد.
ثروة السياسيين اللبنانيين
يشير باحثون وخبراء في الاقتصاد الاستقصائي إلى أن ثروات عدد من الزعماء السياسيين وكبار النافذين تقدر بمليارات الدولارات، وأن جزءاً كبيراً منها موجود في حسابات واستثمارات خارج لبنان، وما عزز من هذه الفرضية التقارير اللبنانية والأجنبية التي أكدت أنه بعد انهيار عام 2019 حول عدد كبير من المسؤولين مبالغ كبيرة إلى خارج البلاد.
وفي السياق أكدت وثيقة لجنة الرقابة على المصارف في يونيو (حزيران) 2024 أن ما لا يقل عن 2.27 مليار دولار حولت إلى سويسرا بين أكتوبر (تشرين الأول) 2019 ويناير (كانون الثاني) 2020، أي بعد بدء الأزمة وفرض القيود غير الرسمية على المودعين. وأثارت الوثيقة مطالبات بالتحقيق في هوية المستفيدين وظروف هذه التحويلات، وفي هذه المدة كان سلامة على رأس المصرف المركزي.
أسرار خطرة
ما يزيد من الغموض المحيط برياض سلامة، ويجعل ملفه يتجاوز كونه مجرد قضية قضائية، هو الانطباع السائد بأنه يحتفظ بأسرار قد تطاول شخصيات سياسية ومالية نافذة إذا كشف عنها كاملة. فهذا الرجل لم يكن مجرد منفذ للسياسة النقدية طوال ثلاثة عقود، بل كان شاهداً على أدق تفاصيل صناعة القرار المالي في لبنان، وشريكاً في تنفيذ السياسات المالية التي أقرتها حكومات متعاقبة منذ أوائل التسعينيات.
وخلال أكثر من مؤتمر صحافي، لم يتردد سلامة في التأكيد أنه كان ينفذ السياسات التي تقررها الحكومات، في رسالة فهمها كثيرون على أنها تذكير بأن المسؤولية لم تكن يوماً محصورة بشخص واحد.
ولم تكن تلك الرسائل الوحيدة، ففي ملف الدعم الذي استنزف احتياطات مصرف لبنان وكلف الدولة نحو 21 مليار دولار، قال أكثر من مرة إنه لم يكن مقتنعاً بهذه السياسة، لكنه وجد نفسه ملزماً بتنفيذ قرارات السلطة السياسية، مؤكداً أن مصرف لبنان لم يكن يملك عملياً خيار رفضها. كما عارض قرار حكومة الرئيس السابق حسان دياب التوقف عن سداد سندات “اليوروبوندز”، معتبراً أن ذلك القرار شكل نقطة التحول التي سرعت الانهيار المالي وفقدان الثقة بلبنان، رافضاً تحميل السياسات النقدية وحدها مسؤولية ما جرى.
لكن هذه التصريحات لم تبرر يوماً الثروة الكبيرة التي جمعها سلامة داخل لبنان وخارجه طوال فترة توليه حاكمية مصرف لبنان، فيما يلاحق اليوم بتهم عدة، منها تهمة استغلال منصبه واختلاس المال العام، كما تتهمه السلطات اللبنانية بتحقيق ثروة لا تتناسب مع مداخيله الرسمية، عبر استغلال موقعه حاكماً لمصرف لبنان.
وثائق وملفات إلكترونية حساسة
أما الرواية الأكثر إثارة، التي تداولتها وسائل إعلام وشخصيات قالت إنها على صلة بمحيطه، فتتمثل في أن سلامة كان يحتفظ بوثائق وملفات إلكترونية حساسة، بعضها مخزن على وسائط رقمية وأخرى محفوظة عبر خدمات سحابية خارج لبنان، على أن تنشر إذا تعرض لأي استهداف أو محاولة لإسكاته.
ولم تظهر حتى اليوم أدلة علنية تثبت هذه الرواية أو تنفيها، إلا أن مجرد تداولها يعكس حجم الاعتقاد السائد بأن رياض سلامة قد يكون الصندوق الأسود لثلاثة عقود من الإدارة المالية والسياسية، وأن ما يعرفه قد يورط شخصيات لم يقترب منها التحقيق حتى الآن.
شراكة سياسية
وفق محللين اقتصاديين ومتابعين للملف المالي اللبناني، فإن الحكومات المتعاقبة كانت شريكة في رسم السياسات الاقتصادية والمالية، وكل الموازنات أقرت في مجلس الوزراء ومجلس النواب، وكل سياسات الاستدانة والدعم والهندسات المالية كانت تتم وسط توافق أو صمت سياسي واسع، ما بين سلامة والحكومات المتعاقبة. فيما المؤكد أن مصرف لبنان لم يكن دولة داخل الدولة، بل كان جزءاً من منظومة حكم متكاملة استفاد منها سياسيون وأحزاب ومصارف وكبار النافذين، قبل أن ينهار كل شيء فوق رؤوس اللبنانيين.
واليوم، يبدو أن تلك المنظومة وجدت في رياض سلامة فرصة مثالية لتقديم “كبش فداء” للرأي العام، على رغم مسؤوليته المؤكدة في الانهيار والإثراء غير المشروع. فمن الأسهل سياسياً وقضائياً تحميل شخص واحد مسؤولية الانهيار، بدلاً من فتح ملفات قد تمتد إلى رؤساء حكومات ووزراء ونواب ومسؤولين مصرفيين وأصحاب مصارف وكبار المستفيدين من النظام المالي الذي حكم لبنان لعقود.
من هنا، تشدد الأوساط السياسية، على أهمية أن يكشف رياض سلامة عن المعلومات أو الوثائق التي تثبت كيف كانت تدار الدولة، وكيف كانت تتخذ القرارات المالية، ومن كان يفرضها، ومن كان يعارضها، ومن استفاد منها. قد يكون رياض سلامة أحد أبرز المسؤولين عن الكارثة المالية، وقد تثبت المحاكم ذلك أو تزيد عليه، لكن المؤكد أن الانهيار اللبناني صنعته منظومة كاملة، سياسية ومالية ومصرفية، تقاسمت القرار وتقاسمت المنافع، وتحاول اليوم أن تتقاسم البراءة أيضاً.
ملفات التوقيف
يرى عضو المجلس السياسي في “التيار الوطني الحر” المحامي وديع عقل أن توقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة لا يرتبط بملف واحد، بل بملفات عدة متشابكة. ويوضح أن الملف الذي أوقف على أساسه يتعلق بأسهم مصرف “عودة” وعمليات احتيال مالي رافقتها، إذ بدأت العملية ببيع حصة داخل البنك، قبل أن تشتريها إحدى الشركات، ثم تعود هذه الأخيرة لتبيعها إلى شركة يمتلكها رئيس حكومة سابق.
ويقول إن سلامة حصل على عمولة أودعت في شركة يملكها في إمارة ليختنشتاين، الواقعة في أوروبا، وهو ما شكل أساس هذا الملف، إلى جانب حساب الاستشارات الذي ورد في تقرير “أوبتيموم”.
وهذا التقرير يعني ملف التدقيق الذي تناول علاقة مصرف لبنان بشركة الوساطة المالية اللبنانية “أوبتيموم”، وهو أحد أبرز الملفات القضائية المفتوحة في حق الحاكم السابق رياض سلامة. فيما هذه المؤسسة المعنية هي شركة وساطة مالية لبنانية، كانت تتولى تنفيذ عمليات شراء وبيع سندات الخزانة وشهادات الإيداع لحساب مصرف لبنان بموجب عقد غير حصري.
فضلاً عن الملف الرئيس الخاص بشركة “فوري”، الذي تتجاوز قيمته 20 مليون يورو. وهذه الشركة هي في جزر العذراء البريطانية عام 2001، ويقول المحققون إن المستفيد الاقتصادي منها هو رجا سلامة، شقيق رياض سلامة. فيما في عام 2002، وقع مصرف لبنان عقداً مع شركة “فوري” لتكون وسيطاً في عمليات بيع وشراء الأدوات المالية بين المصرف المركزي والمصارف التجارية. وفي السياق يقول الادعاء إن هذه الوساطة لم تكن ضرورية أصلاً، لأن مصرف لبنان كان يتعامل مباشرة مع المصارف، وبالتالي لم يكن هناك مبرر لدفع عمولات لشركة خاصة.
تحرك بدأ قبل سبع سنوات
يؤكد عقل أن قيمة الملفات المرتبطة بحساب الاستشارات والتحويلات، التي يعتبر أنها صبت لمصلحة رياض سلامة وشقيقه رجا سلامة والمجموعة المرتبطة بهما، تقدر بنحو 420 مليون دولار. ويشير إلى أن هذه التحقيقات بدأت قبل نحو سبع سنوات، عبر فريقين، أحدهما قانوني في لبنان والآخر قضائي في أوروبا، لافتاً إلى أدوار القضاة غادة عون وجان طنوس وأيلين إسكندر في تأمين الحجوزات لمصلحة الدولة اللبنانية، بالتوازي مع تحرك قضائي في فرنسا يقوده المحامي عزيز سليمان، بالتعاون مع جمعية “شيربا” وجمعيات تمثل المودعين.
ويلفت إلى أن حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد وفريقه تسلموا هذه الملفات، معرباً عن أمله في توسيع التحقيقات، بعدما أصبحت بيانات التحويلات المالية الخارجة من مصرف لبنان بحوزتهم، وهو ما قد يقود، بحسب قوله، إلى الكشف عن أرقام أكبر بكثير قد تصل إلى مليارات الدولارات، بالتزامن مع الضغوط المرتبطة بمتابعة مجموعة العمل المالي.
عدالة شاملة
من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي أنيس بو دياب أن وجود هدر ومخالفات لقانون النقد والتسليف أمر لا يمكن إنكاره، إلا أن اختزال المشهد بحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة يبتعد من الصورة الكاملة، متسائلاً عما إذا كان سلامة هو المسؤول الوحيد عن تجاوزات النظام المالي. ويشدد على ضرورة استحضار مراحل سبقت الانهيار، من حقبة الوصاية السورية التي بدأت عام 1976 وانتهت عام 2005، إلى قضية بنك المدينة التي انفجرت عام 2003، وصولاً إلى الأداء السياسي والإداري الذي حكم مؤسسات الدولة طوال سنوات.
ويشير بو دياب إلى أن الهندسات المالية ليست ابتكاراً لبنانياً، بل أداة تعتمدها مصارف مركزية عديدة حول العالم لإدارة السيولة وتعزيز الاحتياطات ودعم الاستقرار النقدي. ويرى أن تقييمها يجب أن ينطلق من طريقة استخدامها والظروف التي رافقتها، لا من وجودها بحد ذاته، مؤكداً أن وجود شبهات فساد في بعض العمليات لا يعني أن الهندسات المالية وحدها قادت إلى انهيار الاقتصاد اللبناني.
ويضيف بو دياب أن المفارقة تكمن في أن رياض سلامة حظي طوال سنوات بإشادة مؤسسات مالية دولية، ونال جوائز وتصنيفات من مجلات اقتصادية عالمية، مما يفرض، بحسب رأيه، التساؤل عن كيفية الانتقال من صورة الحاكم الذي اعتبر نموذجاً للاستقرار النقدي إلى تحميله منفرداً مسؤولية أزمة راكمتها سياسات مالية واقتصادية وإدارية امتدت لعقود.
ويشدد بو دياب على أن القضاء مطالب بالوصول إلى الحقيقة كاملة، بعيداً من الانتقائية، لأن اللبنانيين يحتاجون إلى كشف جميع المسؤوليات، لا الاكتفاء بجزء منها، داعياً إلى توفير كل مقومات استقلالية القضاء بما يسمح بإجراء تحقيقات شاملة تطاول كل من أسهم في صناعة الانهيار.
ويستند بو دياب إلى معطيات يعتبرها أساسية لفهم الأزمة، موضحاً أن تقارير رسمية ودولية قدرت خسائر قطاع الكهرباء منذ مطلع التسعينيات بنحو 45 مليار دولار، فيما تشير تقديرات رقابية ودراسات اقتصادية إلى أن نسب الفساد في مشاريع البنى التحتية والعقود العامة قاربت 35 في المئة من قيمتها، مما أدى إلى استنزاف عشرات مليارات الدولارات. ويرى أن احتساب هذه الخسائر إلى جانب العجز المالي والدين العام يقود إلى فجوة مالية تقترب من 85 مليار دولار، وهو ما يعكس، بحسب قوله، أن الأزمة أوسع بكثير من شخص واحد.
معركة المحاسبة
من ناحيته، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي بشارة شربل أن رياض سلامة ليس “كبش محرقة”، بل هو، بحسب تعبيره، “اللص المركزي”، معتبراً أن سجنه لا يعكس استفراداً به، وإنما يكشف في الوقت نفسه عن عجز القضاء اللبناني عن ملاحقة بقية الشركاء الذين شاركوا في صناعة الانهيار المالي.
ويشير إلى أن دائرة المسؤولية تمتد إلى المصارف وإداراتها وجمعية المصارف والطبقة السياسية التي وفرت الغطاء لتلك المخالفات، إضافة إلى النواب الذين لم يمارسوا دورهم الرقابي، ولجنة الرقابة على المصارف، والوزراء الذين تعاقبوا على إدارة الدولة وحقق بعضهم أرباحاً غير مشروعة. ويعتبر أن هذه المنظومة بأكملها شريكة لرياض سلامة، فيما يبقى شركاؤه المباشرون، وفق وصفه، أولئك الذين تقاسموا معه صفقات الهندسات المالية وعمليات التمويل غير المشروع.
ويضيف شربل أن محاكمة الرؤساء والوزراء تحتاج إلى مسار قانوني طويل، وهو ما يجعل بقاء الملف محصوراً بسلامة وحده غير كاف لتحقيق العدالة. ويرى أن سلامة يمثل “الصندوق الأسود” لهذه المرحلة، وأن القضاء، إذا كان جاداً، ينبغي أن ينتزع اعترافاته ويكشف عن شركائه، تمهيداً لإحالتهم جميعاً إلى المحاكمة.
ويتابع شربل أن الانتقاد في السابق كان يوجه إلى العهود السابقة بسبب تعطيل ملفات الفساد، أما اليوم، وفي ظل عهد رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، فلا توجد، بحسب ما هو معلن، الضغوط السياسية نفسها التي كانت تمنع القضاء من التحرك. ويعتبر أن الامتحان الحقيقي يبدأ من القضاء، فإذا نجح في ملاحقة جميع المتورطين، تصبح استعادة دولة القانون والثقة بالمؤسسات أمراً ممكناً.
الحماية الصحية
من جانبه، يؤكد رئيس حزب الوطنيين الأحرار النائب كميل شمعون أن نقل رياض سلامة إلى المستشفى الحكومي في ضهر الباشق يفرض التعامل مع وضعه الصحي بأقصى درجات المسؤولية، معرباً عن أمله في ألا تتدهور حالته، لأن البلاد، بحسب تعبيره، تحتاج إليه للإدلاء بإفادات تتناول كل ما رافق المرحلة الممتدة منذ توليه حاكمية مصرف لبنان، ولا يستبعد أن يكون قد أودع مذكراته أو وثائق حساسة لدى محامين تحسباً لأي طارئ.
ويعتبر شمعون أن القضية لا تتعلق برياض سلامة وحده، بل بالمنظومة التي أدارت الدولة خلال العقود الماضية، مشيراً إلى أن حركة الأموال والتصاريح المالية والتحويلات من لبنان وإليه تشكل جزءاً أساسياً من الصورة الكاملة. ويؤكد أن الأموال المختلسة والمهدورة تجاوزت مئات مليارات الدولارات، سواء عبر الهدر في مؤسسات الدولة أم الاعتداء المباشر على المال العام.
ويضيف شمعون أن الاستعانة بخبرات خارجية لإجراء التدقيق الجنائي والمالي لم تصل إلى النتائج المرجوة، لأن القوى التي كانت تمسك بمفاصل السلطة، بحسب رأيه، حالت دون تمكين تلك الجهات من أداء مهمتها كاملة، معتبراً أن الحفاظ على صحة سلامة ضرورة، حتى يقدم روايته الكاملة وإفاداته حول ما جرى، لأن أي مسار لإنقاذ لبنان يبدأ بمحاسبة جميع المتورطين في الفساد، من دون استثناء.
رياض سلامة… “الصندوق الأسود” لمنظومة الانهيار

روايات متداولة تشير إلى أن حاكم المصرف المركزي السابق يحتفظ بوثائق وملفات حساسة
يمثل رياض سلامة “الصندوق الأسود” لثلاثة عقود من الإدارة المالية والسياسية في لبنان، إذ كان مطلعاً على قرارات الحكومات، وسياسات الدعم والاستدانة والهندسات المالية، والعلاقة بين مصرف لبنان والمصارف والطبقة السياسية. ويطرح توقيفه مرة جديدة بوصفه اختباراً لجدية القضاء: هل تقتصر المحاسبة عليه، أم تتوسع لتشمل السياسيين والمصرفيين وأصحاب النفوذ الذين شاركوا في صناعة الانهيار واستفادوا من النظام المالي؟
لم يعد اسم رياض سلامة يقتصر على كونه حاكم مصرف لبنان السابق، أو الشخصية الأكثر ارتباطاً بالانهيار المالي الذي دمر الاقتصاد اللبناني، بل تحول إلى عنوان لمعركة تتجاوز شخصه بكثير. فالقضية اليوم لا تتعلق فقط بمحاسبة مسؤول مالي، بل بما إذا كانت الحقيقة الكاملة ستخرج إلى العلن، أم أن الرجل سيترك وحيداً ليتحمل وزر مرحلة كان هو في صلبها، ولكن في الوقت عينه أسهمت في صنعها منظومة سياسية ومالية متكاملة.
وتكتسب هذه القضية أهمية أكبر في ظل تقديرات صادرة عن عدد من مراكز الأبحاث، تشير إلى أن كلفة الفساد في لبنان منذ عام 1990 بلغت نحو 400 مليار دولار. فيما يرى اقتصاديون أن هذا المبلغ، لو استثمر في البنى التحتية، وتطوير الخدمات العامة، وتحفيز الاقتصاد، لكان كفيلاً بوضع لبنان في مصاف الدول المتقدمة.
كما يقدر بعض الخبراء أن الاقتصاد اللبناني كان قادراً على توفير مئات آلاف فرص العمل، بما يحد من هجرة الشباب، وأن الحد الأدنى للأجور كان يمكن أن يلامس 1500 دولار شهرياً لو وجهت تلك الأموال نحو الاستثمار والإنتاج بدل الهدر والفساد.
ثروة السياسيين اللبنانيين
يشير باحثون وخبراء في الاقتصاد الاستقصائي إلى أن ثروات عدد من الزعماء السياسيين وكبار النافذين تقدر بمليارات الدولارات، وأن جزءاً كبيراً منها موجود في حسابات واستثمارات خارج لبنان، وما عزز من هذه الفرضية التقارير اللبنانية والأجنبية التي أكدت أنه بعد انهيار عام 2019 حول عدد كبير من المسؤولين مبالغ كبيرة إلى خارج البلاد.
وفي السياق أكدت وثيقة لجنة الرقابة على المصارف في يونيو (حزيران) 2024 أن ما لا يقل عن 2.27 مليار دولار حولت إلى سويسرا بين أكتوبر (تشرين الأول) 2019 ويناير (كانون الثاني) 2020، أي بعد بدء الأزمة وفرض القيود غير الرسمية على المودعين. وأثارت الوثيقة مطالبات بالتحقيق في هوية المستفيدين وظروف هذه التحويلات، وفي هذه المدة كان سلامة على رأس المصرف المركزي.
أسرار خطرة
ما يزيد من الغموض المحيط برياض سلامة، ويجعل ملفه يتجاوز كونه مجرد قضية قضائية، هو الانطباع السائد بأنه يحتفظ بأسرار قد تطاول شخصيات سياسية ومالية نافذة إذا كشف عنها كاملة. فهذا الرجل لم يكن مجرد منفذ للسياسة النقدية طوال ثلاثة عقود، بل كان شاهداً على أدق تفاصيل صناعة القرار المالي في لبنان، وشريكاً في تنفيذ السياسات المالية التي أقرتها حكومات متعاقبة منذ أوائل التسعينيات.
وخلال أكثر من مؤتمر صحافي، لم يتردد سلامة في التأكيد أنه كان ينفذ السياسات التي تقررها الحكومات، في رسالة فهمها كثيرون على أنها تذكير بأن المسؤولية لم تكن يوماً محصورة بشخص واحد.
ولم تكن تلك الرسائل الوحيدة، ففي ملف الدعم الذي استنزف احتياطات مصرف لبنان وكلف الدولة نحو 21 مليار دولار، قال أكثر من مرة إنه لم يكن مقتنعاً بهذه السياسة، لكنه وجد نفسه ملزماً بتنفيذ قرارات السلطة السياسية، مؤكداً أن مصرف لبنان لم يكن يملك عملياً خيار رفضها. كما عارض قرار حكومة الرئيس السابق حسان دياب التوقف عن سداد سندات “اليوروبوندز”، معتبراً أن ذلك القرار شكل نقطة التحول التي سرعت الانهيار المالي وفقدان الثقة بلبنان، رافضاً تحميل السياسات النقدية وحدها مسؤولية ما جرى.
لكن هذه التصريحات لم تبرر يوماً الثروة الكبيرة التي جمعها سلامة داخل لبنان وخارجه طوال فترة توليه حاكمية مصرف لبنان، فيما يلاحق اليوم بتهم عدة، منها تهمة استغلال منصبه واختلاس المال العام، كما تتهمه السلطات اللبنانية بتحقيق ثروة لا تتناسب مع مداخيله الرسمية، عبر استغلال موقعه حاكماً لمصرف لبنان.
وثائق وملفات إلكترونية حساسة
أما الرواية الأكثر إثارة، التي تداولتها وسائل إعلام وشخصيات قالت إنها على صلة بمحيطه، فتتمثل في أن سلامة كان يحتفظ بوثائق وملفات إلكترونية حساسة، بعضها مخزن على وسائط رقمية وأخرى محفوظة عبر خدمات سحابية خارج لبنان، على أن تنشر إذا تعرض لأي استهداف أو محاولة لإسكاته.
ولم تظهر حتى اليوم أدلة علنية تثبت هذه الرواية أو تنفيها، إلا أن مجرد تداولها يعكس حجم الاعتقاد السائد بأن رياض سلامة قد يكون الصندوق الأسود لثلاثة عقود من الإدارة المالية والسياسية، وأن ما يعرفه قد يورط شخصيات لم يقترب منها التحقيق حتى الآن.
شراكة سياسية
وفق محللين اقتصاديين ومتابعين للملف المالي اللبناني، فإن الحكومات المتعاقبة كانت شريكة في رسم السياسات الاقتصادية والمالية، وكل الموازنات أقرت في مجلس الوزراء ومجلس النواب، وكل سياسات الاستدانة والدعم والهندسات المالية كانت تتم وسط توافق أو صمت سياسي واسع، ما بين سلامة والحكومات المتعاقبة. فيما المؤكد أن مصرف لبنان لم يكن دولة داخل الدولة، بل كان جزءاً من منظومة حكم متكاملة استفاد منها سياسيون وأحزاب ومصارف وكبار النافذين، قبل أن ينهار كل شيء فوق رؤوس اللبنانيين.
واليوم، يبدو أن تلك المنظومة وجدت في رياض سلامة فرصة مثالية لتقديم “كبش فداء” للرأي العام، على رغم مسؤوليته المؤكدة في الانهيار والإثراء غير المشروع. فمن الأسهل سياسياً وقضائياً تحميل شخص واحد مسؤولية الانهيار، بدلاً من فتح ملفات قد تمتد إلى رؤساء حكومات ووزراء ونواب ومسؤولين مصرفيين وأصحاب مصارف وكبار المستفيدين من النظام المالي الذي حكم لبنان لعقود.
من هنا، تشدد الأوساط السياسية، على أهمية أن يكشف رياض سلامة عن المعلومات أو الوثائق التي تثبت كيف كانت تدار الدولة، وكيف كانت تتخذ القرارات المالية، ومن كان يفرضها، ومن كان يعارضها، ومن استفاد منها. قد يكون رياض سلامة أحد أبرز المسؤولين عن الكارثة المالية، وقد تثبت المحاكم ذلك أو تزيد عليه، لكن المؤكد أن الانهيار اللبناني صنعته منظومة كاملة، سياسية ومالية ومصرفية، تقاسمت القرار وتقاسمت المنافع، وتحاول اليوم أن تتقاسم البراءة أيضاً.
ملفات التوقيف
يرى عضو المجلس السياسي في “التيار الوطني الحر” المحامي وديع عقل أن توقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة لا يرتبط بملف واحد، بل بملفات عدة متشابكة. ويوضح أن الملف الذي أوقف على أساسه يتعلق بأسهم مصرف “عودة” وعمليات احتيال مالي رافقتها، إذ بدأت العملية ببيع حصة داخل البنك، قبل أن تشتريها إحدى الشركات، ثم تعود هذه الأخيرة لتبيعها إلى شركة يمتلكها رئيس حكومة سابق.
ويقول إن سلامة حصل على عمولة أودعت في شركة يملكها في إمارة ليختنشتاين، الواقعة في أوروبا، وهو ما شكل أساس هذا الملف، إلى جانب حساب الاستشارات الذي ورد في تقرير “أوبتيموم”.
وهذا التقرير يعني ملف التدقيق الذي تناول علاقة مصرف لبنان بشركة الوساطة المالية اللبنانية “أوبتيموم”، وهو أحد أبرز الملفات القضائية المفتوحة في حق الحاكم السابق رياض سلامة. فيما هذه المؤسسة المعنية هي شركة وساطة مالية لبنانية، كانت تتولى تنفيذ عمليات شراء وبيع سندات الخزانة وشهادات الإيداع لحساب مصرف لبنان بموجب عقد غير حصري.
فضلاً عن الملف الرئيس الخاص بشركة “فوري”، الذي تتجاوز قيمته 20 مليون يورو. وهذه الشركة هي في جزر العذراء البريطانية عام 2001، ويقول المحققون إن المستفيد الاقتصادي منها هو رجا سلامة، شقيق رياض سلامة. فيما في عام 2002، وقع مصرف لبنان عقداً مع شركة “فوري” لتكون وسيطاً في عمليات بيع وشراء الأدوات المالية بين المصرف المركزي والمصارف التجارية. وفي السياق يقول الادعاء إن هذه الوساطة لم تكن ضرورية أصلاً، لأن مصرف لبنان كان يتعامل مباشرة مع المصارف، وبالتالي لم يكن هناك مبرر لدفع عمولات لشركة خاصة.
تحرك بدأ قبل سبع سنوات
يؤكد عقل أن قيمة الملفات المرتبطة بحساب الاستشارات والتحويلات، التي يعتبر أنها صبت لمصلحة رياض سلامة وشقيقه رجا سلامة والمجموعة المرتبطة بهما، تقدر بنحو 420 مليون دولار. ويشير إلى أن هذه التحقيقات بدأت قبل نحو سبع سنوات، عبر فريقين، أحدهما قانوني في لبنان والآخر قضائي في أوروبا، لافتاً إلى أدوار القضاة غادة عون وجان طنوس وأيلين إسكندر في تأمين الحجوزات لمصلحة الدولة اللبنانية، بالتوازي مع تحرك قضائي في فرنسا يقوده المحامي عزيز سليمان، بالتعاون مع جمعية “شيربا” وجمعيات تمثل المودعين.
ويلفت إلى أن حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد وفريقه تسلموا هذه الملفات، معرباً عن أمله في توسيع التحقيقات، بعدما أصبحت بيانات التحويلات المالية الخارجة من مصرف لبنان بحوزتهم، وهو ما قد يقود، بحسب قوله، إلى الكشف عن أرقام أكبر بكثير قد تصل إلى مليارات الدولارات، بالتزامن مع الضغوط المرتبطة بمتابعة مجموعة العمل المالي.
عدالة شاملة
من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي أنيس بو دياب أن وجود هدر ومخالفات لقانون النقد والتسليف أمر لا يمكن إنكاره، إلا أن اختزال المشهد بحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة يبتعد من الصورة الكاملة، متسائلاً عما إذا كان سلامة هو المسؤول الوحيد عن تجاوزات النظام المالي. ويشدد على ضرورة استحضار مراحل سبقت الانهيار، من حقبة الوصاية السورية التي بدأت عام 1976 وانتهت عام 2005، إلى قضية بنك المدينة التي انفجرت عام 2003، وصولاً إلى الأداء السياسي والإداري الذي حكم مؤسسات الدولة طوال سنوات.
ويشير بو دياب إلى أن الهندسات المالية ليست ابتكاراً لبنانياً، بل أداة تعتمدها مصارف مركزية عديدة حول العالم لإدارة السيولة وتعزيز الاحتياطات ودعم الاستقرار النقدي. ويرى أن تقييمها يجب أن ينطلق من طريقة استخدامها والظروف التي رافقتها، لا من وجودها بحد ذاته، مؤكداً أن وجود شبهات فساد في بعض العمليات لا يعني أن الهندسات المالية وحدها قادت إلى انهيار الاقتصاد اللبناني.
ويضيف بو دياب أن المفارقة تكمن في أن رياض سلامة حظي طوال سنوات بإشادة مؤسسات مالية دولية، ونال جوائز وتصنيفات من مجلات اقتصادية عالمية، مما يفرض، بحسب رأيه، التساؤل عن كيفية الانتقال من صورة الحاكم الذي اعتبر نموذجاً للاستقرار النقدي إلى تحميله منفرداً مسؤولية أزمة راكمتها سياسات مالية واقتصادية وإدارية امتدت لعقود.
ويشدد بو دياب على أن القضاء مطالب بالوصول إلى الحقيقة كاملة، بعيداً من الانتقائية، لأن اللبنانيين يحتاجون إلى كشف جميع المسؤوليات، لا الاكتفاء بجزء منها، داعياً إلى توفير كل مقومات استقلالية القضاء بما يسمح بإجراء تحقيقات شاملة تطاول كل من أسهم في صناعة الانهيار.
ويستند بو دياب إلى معطيات يعتبرها أساسية لفهم الأزمة، موضحاً أن تقارير رسمية ودولية قدرت خسائر قطاع الكهرباء منذ مطلع التسعينيات بنحو 45 مليار دولار، فيما تشير تقديرات رقابية ودراسات اقتصادية إلى أن نسب الفساد في مشاريع البنى التحتية والعقود العامة قاربت 35 في المئة من قيمتها، مما أدى إلى استنزاف عشرات مليارات الدولارات. ويرى أن احتساب هذه الخسائر إلى جانب العجز المالي والدين العام يقود إلى فجوة مالية تقترب من 85 مليار دولار، وهو ما يعكس، بحسب قوله، أن الأزمة أوسع بكثير من شخص واحد.
معركة المحاسبة
من ناحيته، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي بشارة شربل أن رياض سلامة ليس “كبش محرقة”، بل هو، بحسب تعبيره، “اللص المركزي”، معتبراً أن سجنه لا يعكس استفراداً به، وإنما يكشف في الوقت نفسه عن عجز القضاء اللبناني عن ملاحقة بقية الشركاء الذين شاركوا في صناعة الانهيار المالي.
ويشير إلى أن دائرة المسؤولية تمتد إلى المصارف وإداراتها وجمعية المصارف والطبقة السياسية التي وفرت الغطاء لتلك المخالفات، إضافة إلى النواب الذين لم يمارسوا دورهم الرقابي، ولجنة الرقابة على المصارف، والوزراء الذين تعاقبوا على إدارة الدولة وحقق بعضهم أرباحاً غير مشروعة. ويعتبر أن هذه المنظومة بأكملها شريكة لرياض سلامة، فيما يبقى شركاؤه المباشرون، وفق وصفه، أولئك الذين تقاسموا معه صفقات الهندسات المالية وعمليات التمويل غير المشروع.
ويضيف شربل أن محاكمة الرؤساء والوزراء تحتاج إلى مسار قانوني طويل، وهو ما يجعل بقاء الملف محصوراً بسلامة وحده غير كاف لتحقيق العدالة. ويرى أن سلامة يمثل “الصندوق الأسود” لهذه المرحلة، وأن القضاء، إذا كان جاداً، ينبغي أن ينتزع اعترافاته ويكشف عن شركائه، تمهيداً لإحالتهم جميعاً إلى المحاكمة.
ويتابع شربل أن الانتقاد في السابق كان يوجه إلى العهود السابقة بسبب تعطيل ملفات الفساد، أما اليوم، وفي ظل عهد رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، فلا توجد، بحسب ما هو معلن، الضغوط السياسية نفسها التي كانت تمنع القضاء من التحرك. ويعتبر أن الامتحان الحقيقي يبدأ من القضاء، فإذا نجح في ملاحقة جميع المتورطين، تصبح استعادة دولة القانون والثقة بالمؤسسات أمراً ممكناً.
الحماية الصحية
من جانبه، يؤكد رئيس حزب الوطنيين الأحرار النائب كميل شمعون أن نقل رياض سلامة إلى المستشفى الحكومي في ضهر الباشق يفرض التعامل مع وضعه الصحي بأقصى درجات المسؤولية، معرباً عن أمله في ألا تتدهور حالته، لأن البلاد، بحسب تعبيره، تحتاج إليه للإدلاء بإفادات تتناول كل ما رافق المرحلة الممتدة منذ توليه حاكمية مصرف لبنان، ولا يستبعد أن يكون قد أودع مذكراته أو وثائق حساسة لدى محامين تحسباً لأي طارئ.
ويعتبر شمعون أن القضية لا تتعلق برياض سلامة وحده، بل بالمنظومة التي أدارت الدولة خلال العقود الماضية، مشيراً إلى أن حركة الأموال والتصاريح المالية والتحويلات من لبنان وإليه تشكل جزءاً أساسياً من الصورة الكاملة. ويؤكد أن الأموال المختلسة والمهدورة تجاوزت مئات مليارات الدولارات، سواء عبر الهدر في مؤسسات الدولة أم الاعتداء المباشر على المال العام.
ويضيف شمعون أن الاستعانة بخبرات خارجية لإجراء التدقيق الجنائي والمالي لم تصل إلى النتائج المرجوة، لأن القوى التي كانت تمسك بمفاصل السلطة، بحسب رأيه، حالت دون تمكين تلك الجهات من أداء مهمتها كاملة، معتبراً أن الحفاظ على صحة سلامة ضرورة، حتى يقدم روايته الكاملة وإفاداته حول ما جرى، لأن أي مسار لإنقاذ لبنان يبدأ بمحاسبة جميع المتورطين في الفساد، من دون استثناء.









