طوفان السلام في مواجهة طوفان الحرب

إذا نجح مسار السلام والاستقرار، فإنّ لبنان قد يحصل على فرصة تاريخية للخروج من أزمته الوجوديّة. أمّا إذا انتصر منطق التصعيد والمغامرة، فإنّ البلاد قد تجد نفسها مرةً أخرى أمام دورة جديدة من العنف والانهيار والخسائر التي لن ينجو منها أحد.
يقف لبنان اليوم عند مفترق تاريخي بالغ الحساسيّة. فبعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات والانهيارات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، تبدو الدولة اللبنانية أمام فرصة نادرة للخروج من دوّامة الصراع المفتوح والدخول في مسار سياسي وأمني يهدف إلى تثبيت الاستقرار وإعادة بناء مؤسّسات الدولة واستعادة ثقة المجتمعَيْن العربي والدولي. وفي مقابل هذا التوجّه الرسمي، يظهر اتجاه آخر يسعى إلى إبقاء لبنان ساحة مواجهة دائمة ومفتوحة، حتى ولو كان الثّمن المزيد من الدمار والعزلة والانهيار. وبين هذيْن المساريْن يتشكّل المشهد اللبناني الرّاهن: طوفان سلام تحاول الدولة إطلاقه في مواجهة طوفان حرب يدفع حزب الله باتجاهه.
لقد أثبتت التجارب المتراكمة خلال العقود الماضية أنّ الحروب لم تنجح في بناء دولة أو تحقيق ازدهار أو حماية اللبنانيين من الأزمات. فمنذ سبعينيّات القرن الماضي وحتى اليوم، دفع اللبنانيّون أثمانًا باهظةً نتيجة الصراعات العسكرية المتكرّرة، سواء على مستوى الأرواح أو الاقتصاد أو الاستقرار الاجتماعي. وكلما ظنّ اللبنانيون أنهم اقتربوا من مرحلة استقرار مستدام، عادت المواجهات العسكرية لتُبدّد الإنجازات المحدودة وتُعيد البلاد إلى نقطة الصفر.
من هنا يمكن فهم الجهد الذي تبذله الدولة اللبنانية اليوم. فالمؤسّسات الرسمية، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية والحكومة والجيش اللبناني، تُحاول الاستفادة من المناخ الدولي والإقليمي القائم للدفع نحو حلول سياسية وأمنية تخفّف من احتمالات المواجهة وتُعيد الاعتبار لسلطة الدولة باعتبارها المرجعيّة الوحيدة المسؤولة عن الأمن والدفاع والسياسة الخارجية. ولا يقتصر هذا المسار على الاعتبارات الأمنية فقط، بل يرتبط أيضًا بمستقبل الاقتصاد اللبناني وإمكانات إعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات واستعادة العلاقات الطبيعية مع العالم.
فلا يمكن لأي دولة أن تنهض اقتصاديًّا فيما أراضيها معرّضة في أي لحظة للاشتعال. ولا يمكن للمستثمرين أو المؤسّسات المالية الدولية أن يضخّوا الأموال في بلدٍ لا يملك قرار السلم والحرب بشكل واضح. كما أنّ الشباب اللبناني الذي يهاجر بالآلاف سنويًّا لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات العسكرية بقدر ما يحتاج إلى فرص عمل واستقرار ومستقبل قابل للحياة.
في المقابل، يبدو أن حزب الله لا يزال يتعامل مع التطوّرات الجارية من زاوية مختلفة تمامًا. فبدلًا من التعامل مع الواقع الجديد الذي فرضته التحوّلات الإقليمية والدولية، لا يزال الحزب متمسّكًا بمنطق المواجهة الدائمة. ويبدو أنّ أي تقدّم في المسار التفاوضي أو أي خطوة تعزّز سلطة الدولة اللبنانية ينظر إليها داخل الحزب باعتبارها تهديدًا لدوره السياسي والعسكري الذي بناه على مدى عقود.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فالنقاش لم يعد يدور حول خلاف سياسي طبيعي بين قوى لبنانية مختلفة، بل حول سؤال جوهري يتعلّق بمستقبل الدولة نفسها. هل يكون قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية المنتخبة أم يبقى رهينة حسابات تنظيم عسكري يمتلك أجندته الخاصة وارتباطاته الإقليمية؟ وهل يجوز أن يبقى ملايين اللبنانيين معرّضين لمخاطر حرب جديدة لأن جهة واحدة قررت أن الظروف تستدعي التصعيد؟
إن التجارب الأخيرة تقدم إجابات واضحة ومؤلمة في آنٍ واحدٍ. فقد أثبتت الحروب المتكرّرة أن لبنان هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر دائمًا. البنية التحتية تتضرّر، والاقتصاد يتراجع، والاستثمارات تهرب، والسياحة تتوقّف، والعملة الوطنية تتعرّض لمزيد من الضغوط. أمّا المواطن اللبناني العادي، فهو مَن يتحمّل كلفة النّزوح والخسائر المادية والنفسية والاجتماعية.
والمفارقة أنّ الحزب الذي يرفع شعار حماية لبنان كان أحد أبرز الأسباب التي أدّت إلى تعريضه لمخاطر متزايدة خلال السنوات الماضية. فربط الساحة اللبنانية بصراعات إقليمية أوسع جعل البلاد تدفع أثمان نزاعات لا تملك القدرة على التحكّم بمساراتها أو نتائجها. كما أنّ الإصرار على الاحتفاظ بقرار عسكري مستقلّ عن مؤسّسات الدولة خلق واقعًا شاذًّا يصعب معه بناء دولة حديثة وقادرة.
إنّ أي محاولة لإفشال المفاوضات أو تعطيل المسارات السياسيّة القائمة لا يمكن النظر إليها باعتبارها عملًا وطنيًّا أو دفاعًا عن السيادة. فالسيادة الحقيقية تبدأ عندما تحتكر الدولة وحدها استخدام القوّة الشرعية، وعندما تصبح المؤسّسات الدستورية هي المرجعية النهائية في القضايا المصيرية. أمّا تعدّد مراكز القرار الأمني والعسكري، فهو وصفة دائمة للفوضى وعدم الاستقرار.
ولا شكّ أن لدى حزب الله قاعدة شعبية ومؤيدين يشاركونه رؤيته السياسية، لكن ذلك لا يمنحه حقّ فرض خياراته العسكرية على سائر اللبنانيين. ففي الأنظمة الديمقراطية تُحسم الخيارات الوطنية الكبرى عبر المؤسّسات الدستورية والحوار السياسي، لا عبر موازين القوة العسكرية. ومن حقّ اللبنانيين الذين أنهكتهم الأزمات والحروب أن يطالبوا بمستقبلٍ مختلفٍ لا تكون فيه بلادهم ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن لبنان اليوم يحتاج إلى طوفان سلام حقيقي، لا إلى طوفان حرب جديد. يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاده ومؤسّساته ومدارسه وجامعاته ومستشفياته. يحتاج إلى استعادة ثقة أبنائه المنتشرين في العالم وإقناعهم بأنّ العودة والاستثمار باتا ممكنَيْن. يحتاج إلى دولة قوية وعادلة وقادرة، لا إلى المزيد من الانقسامات والاصطفافات العسكرية.
وفي نهاية المطاف، لن يكون الحكم للتمنّيات أو الشعارات، بل للنتائج. فإذا نجح مسار السلام والاستقرار، فإنّ لبنان قد يحصل على فرصة تاريخية للخروج من أزمته الوجودية. أمّا إذا انتصر منطق التصعيد والمغامرة، فإنّ البلاد قد تجد نفسها مرةً أخرى أمام دورة جديدة من العنف والانهيار والخسائر التي لن ينجو منها أحد
بين طوفان السلام وطوفان الحرب يقف اللبنانيون اليوم أمام خيار واضح. فإمّا دولة تسعى إلى تثبيت الاستقرار وفتح أبواب المستقبل، وإمّا استمرار الرهان على المواجهة الدائمة وما تحمله من مخاطر مدمّرة. والتاريخ يعلّمنا أن الأمم التي تختار السلام تبني أوطانها، أمّا الأمم التي تستسلم لمنطق الحروب المفتوحة فتظل أسيرة الأزمات مهما رفعت من شعارات الانتصار.
طوفان السلام في مواجهة طوفان الحرب

إذا نجح مسار السلام والاستقرار، فإنّ لبنان قد يحصل على فرصة تاريخية للخروج من أزمته الوجوديّة. أمّا إذا انتصر منطق التصعيد والمغامرة، فإنّ البلاد قد تجد نفسها مرةً أخرى أمام دورة جديدة من العنف والانهيار والخسائر التي لن ينجو منها أحد.
يقف لبنان اليوم عند مفترق تاريخي بالغ الحساسيّة. فبعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات والانهيارات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، تبدو الدولة اللبنانية أمام فرصة نادرة للخروج من دوّامة الصراع المفتوح والدخول في مسار سياسي وأمني يهدف إلى تثبيت الاستقرار وإعادة بناء مؤسّسات الدولة واستعادة ثقة المجتمعَيْن العربي والدولي. وفي مقابل هذا التوجّه الرسمي، يظهر اتجاه آخر يسعى إلى إبقاء لبنان ساحة مواجهة دائمة ومفتوحة، حتى ولو كان الثّمن المزيد من الدمار والعزلة والانهيار. وبين هذيْن المساريْن يتشكّل المشهد اللبناني الرّاهن: طوفان سلام تحاول الدولة إطلاقه في مواجهة طوفان حرب يدفع حزب الله باتجاهه.
لقد أثبتت التجارب المتراكمة خلال العقود الماضية أنّ الحروب لم تنجح في بناء دولة أو تحقيق ازدهار أو حماية اللبنانيين من الأزمات. فمنذ سبعينيّات القرن الماضي وحتى اليوم، دفع اللبنانيّون أثمانًا باهظةً نتيجة الصراعات العسكرية المتكرّرة، سواء على مستوى الأرواح أو الاقتصاد أو الاستقرار الاجتماعي. وكلما ظنّ اللبنانيون أنهم اقتربوا من مرحلة استقرار مستدام، عادت المواجهات العسكرية لتُبدّد الإنجازات المحدودة وتُعيد البلاد إلى نقطة الصفر.
من هنا يمكن فهم الجهد الذي تبذله الدولة اللبنانية اليوم. فالمؤسّسات الرسمية، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية والحكومة والجيش اللبناني، تُحاول الاستفادة من المناخ الدولي والإقليمي القائم للدفع نحو حلول سياسية وأمنية تخفّف من احتمالات المواجهة وتُعيد الاعتبار لسلطة الدولة باعتبارها المرجعيّة الوحيدة المسؤولة عن الأمن والدفاع والسياسة الخارجية. ولا يقتصر هذا المسار على الاعتبارات الأمنية فقط، بل يرتبط أيضًا بمستقبل الاقتصاد اللبناني وإمكانات إعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات واستعادة العلاقات الطبيعية مع العالم.
فلا يمكن لأي دولة أن تنهض اقتصاديًّا فيما أراضيها معرّضة في أي لحظة للاشتعال. ولا يمكن للمستثمرين أو المؤسّسات المالية الدولية أن يضخّوا الأموال في بلدٍ لا يملك قرار السلم والحرب بشكل واضح. كما أنّ الشباب اللبناني الذي يهاجر بالآلاف سنويًّا لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات العسكرية بقدر ما يحتاج إلى فرص عمل واستقرار ومستقبل قابل للحياة.
في المقابل، يبدو أن حزب الله لا يزال يتعامل مع التطوّرات الجارية من زاوية مختلفة تمامًا. فبدلًا من التعامل مع الواقع الجديد الذي فرضته التحوّلات الإقليمية والدولية، لا يزال الحزب متمسّكًا بمنطق المواجهة الدائمة. ويبدو أنّ أي تقدّم في المسار التفاوضي أو أي خطوة تعزّز سلطة الدولة اللبنانية ينظر إليها داخل الحزب باعتبارها تهديدًا لدوره السياسي والعسكري الذي بناه على مدى عقود.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فالنقاش لم يعد يدور حول خلاف سياسي طبيعي بين قوى لبنانية مختلفة، بل حول سؤال جوهري يتعلّق بمستقبل الدولة نفسها. هل يكون قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية المنتخبة أم يبقى رهينة حسابات تنظيم عسكري يمتلك أجندته الخاصة وارتباطاته الإقليمية؟ وهل يجوز أن يبقى ملايين اللبنانيين معرّضين لمخاطر حرب جديدة لأن جهة واحدة قررت أن الظروف تستدعي التصعيد؟
إن التجارب الأخيرة تقدم إجابات واضحة ومؤلمة في آنٍ واحدٍ. فقد أثبتت الحروب المتكرّرة أن لبنان هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر دائمًا. البنية التحتية تتضرّر، والاقتصاد يتراجع، والاستثمارات تهرب، والسياحة تتوقّف، والعملة الوطنية تتعرّض لمزيد من الضغوط. أمّا المواطن اللبناني العادي، فهو مَن يتحمّل كلفة النّزوح والخسائر المادية والنفسية والاجتماعية.
والمفارقة أنّ الحزب الذي يرفع شعار حماية لبنان كان أحد أبرز الأسباب التي أدّت إلى تعريضه لمخاطر متزايدة خلال السنوات الماضية. فربط الساحة اللبنانية بصراعات إقليمية أوسع جعل البلاد تدفع أثمان نزاعات لا تملك القدرة على التحكّم بمساراتها أو نتائجها. كما أنّ الإصرار على الاحتفاظ بقرار عسكري مستقلّ عن مؤسّسات الدولة خلق واقعًا شاذًّا يصعب معه بناء دولة حديثة وقادرة.
إنّ أي محاولة لإفشال المفاوضات أو تعطيل المسارات السياسيّة القائمة لا يمكن النظر إليها باعتبارها عملًا وطنيًّا أو دفاعًا عن السيادة. فالسيادة الحقيقية تبدأ عندما تحتكر الدولة وحدها استخدام القوّة الشرعية، وعندما تصبح المؤسّسات الدستورية هي المرجعية النهائية في القضايا المصيرية. أمّا تعدّد مراكز القرار الأمني والعسكري، فهو وصفة دائمة للفوضى وعدم الاستقرار.
ولا شكّ أن لدى حزب الله قاعدة شعبية ومؤيدين يشاركونه رؤيته السياسية، لكن ذلك لا يمنحه حقّ فرض خياراته العسكرية على سائر اللبنانيين. ففي الأنظمة الديمقراطية تُحسم الخيارات الوطنية الكبرى عبر المؤسّسات الدستورية والحوار السياسي، لا عبر موازين القوة العسكرية. ومن حقّ اللبنانيين الذين أنهكتهم الأزمات والحروب أن يطالبوا بمستقبلٍ مختلفٍ لا تكون فيه بلادهم ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن لبنان اليوم يحتاج إلى طوفان سلام حقيقي، لا إلى طوفان حرب جديد. يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاده ومؤسّساته ومدارسه وجامعاته ومستشفياته. يحتاج إلى استعادة ثقة أبنائه المنتشرين في العالم وإقناعهم بأنّ العودة والاستثمار باتا ممكنَيْن. يحتاج إلى دولة قوية وعادلة وقادرة، لا إلى المزيد من الانقسامات والاصطفافات العسكرية.
وفي نهاية المطاف، لن يكون الحكم للتمنّيات أو الشعارات، بل للنتائج. فإذا نجح مسار السلام والاستقرار، فإنّ لبنان قد يحصل على فرصة تاريخية للخروج من أزمته الوجودية. أمّا إذا انتصر منطق التصعيد والمغامرة، فإنّ البلاد قد تجد نفسها مرةً أخرى أمام دورة جديدة من العنف والانهيار والخسائر التي لن ينجو منها أحد
بين طوفان السلام وطوفان الحرب يقف اللبنانيون اليوم أمام خيار واضح. فإمّا دولة تسعى إلى تثبيت الاستقرار وفتح أبواب المستقبل، وإمّا استمرار الرهان على المواجهة الدائمة وما تحمله من مخاطر مدمّرة. والتاريخ يعلّمنا أن الأمم التي تختار السلام تبني أوطانها، أمّا الأمم التي تستسلم لمنطق الحروب المفتوحة فتظل أسيرة الأزمات مهما رفعت من شعارات الانتصار.








