أغنية الشيطان

الكاتب: سناء الجاك | المصدر: نداء الوطن
8 آب 2026

من “فضائل حروب الإسناد” إلى “رذائل اتفاق الإطار” مسيرة عَلَّقَت اللبنانيين على خطوط التوتر العالي، وأعادت إليهم ذلك الشعور المُرّ بفظائع ما يفرمل تقدمهم الطبيعي نحو مستقبل بإمكانهم الحلم به أو تبيان تفاصيله والبناء عليها.

فمن عايش الحروب المتعاقبة على رقعة هذا البلد، سواء تلك التي دارت بين متاريس المحاور الداخلية، أو التي شنّها العدو الإسرائيلي، يفهم مرارة هذا الشعور ويستعيده في هذه الأيام، حتى لو كان بعيدًا عن قرى جبل عامل التي تموت، في حين يستمر من باع أهلها أوهامًا بوعد بالانتصار والقدرة على إلقاء العدو في البحر.

وليس صحيحًا ولا صحيًا الانقسام العمودي الذي يعيشه اللبنانيون بمختلف الانتماءات الدينية والطائفية والثقافية والاجتماعية والطبقية. كذلك ليس صحيحًا ولا صحيًا اكتفاء كل فريق من أصحاب هذه الانتماءات بالغرق في قناعات مقفلة، لا علاقة لها بالآخر المختلف، كأنّ البعض ينتظر نجاح إسرائيل في القضاء على “حزب الله” ليستعيد أمانه، في حين ينتظر من يقف على الضفة المقابلة أن يتمكن “الحزب” من التغلب على الدولة وبيع مصير البلد إلى إيران لتتولى تدجين الولايات المتحدة، وإرغامها على إرغام إسرائيل على الانسحاب من لبنان، فيستعيد أمجاده وعزته وازدراءه للعملاء الخونة، حتى لو خسر بيته وأهله.

ويبقى مصير المفاوضات أسير معادلة مستحيلة في المدى المنظور. من جهة، تربط إسرائيل انسحابها من الأراضي اللبنانية التي احتلتها بنزع سلاح “الحزب”، وقطع مصادر تمويله، وتفكيك جميع البنى التحتية العسكرية المرتبطة به أو الداعمة له، مبررة عدوانها بصفته وسيلة مشروعة لتحمي نفسها ومواطنيها، وإصرارها على وضع الجيش في مواجهة مع “الحزب”، في حين ترفع سقف شروطها التعجيزية في جولات التفاوض.

ومن جهة ثانية، يرفض “الحزب” بحث مصير السلاح ويطالب بالانسحاب الكامل لإسرائيل، وعودة الأهالي إلى قراهم وتسليم الأسرى وإعادة الإعمار. ويعتبر أمينه العام نعيم قاسم أن “مسار المفاوضات المباشرة لم يجلب للبنان سوى العار والذل والخيبة والتنازلات المجانية”، ويقدم حزبه وكأنه “القوة التفاوضية الوحيدة التي تحكم الأرض والميدان، والتي تملك أن تقدّم ما لا تملكه الدولة”. ويتجاهل حقيقة أنه في أضعف حالاته الميدانية، بعدما فتح معركة لا قدرة لديه على تسجيل أي انتصار فيها، لتسيطر إسرائيل على الميدان، وتقضي على آخر بيت في كل قرية احتلتها أو هي تحت نيرانها، وعلى آخر شجرة زيتون في حقول باتت محروقة، وتصر على البقاء في شريطها الحدودي المتمدد حيثما ارتأت واستطاعت.

هي أغنية الشيطان تفتك بمنابت أعصاب من لا يستطيع إلا البقاء خارج المعادلة المستحيلة، في حين يفضل من يعتنق هذه المعادلة بقاء الحرب والاحتلال مقابل ألا يخسر محوره، لذا يواصل كل من “الحزب” وإسرائيل تبادل الخدمات غير المجانية، ليدفع اللبنانيون الثمن من حياتهم وأمانهم واقتصادهم ومستقبل أولادهم.

أغنية الشيطان

الكاتب: سناء الجاك | المصدر: نداء الوطن
8 آب 2026

من “فضائل حروب الإسناد” إلى “رذائل اتفاق الإطار” مسيرة عَلَّقَت اللبنانيين على خطوط التوتر العالي، وأعادت إليهم ذلك الشعور المُرّ بفظائع ما يفرمل تقدمهم الطبيعي نحو مستقبل بإمكانهم الحلم به أو تبيان تفاصيله والبناء عليها.

فمن عايش الحروب المتعاقبة على رقعة هذا البلد، سواء تلك التي دارت بين متاريس المحاور الداخلية، أو التي شنّها العدو الإسرائيلي، يفهم مرارة هذا الشعور ويستعيده في هذه الأيام، حتى لو كان بعيدًا عن قرى جبل عامل التي تموت، في حين يستمر من باع أهلها أوهامًا بوعد بالانتصار والقدرة على إلقاء العدو في البحر.

وليس صحيحًا ولا صحيًا الانقسام العمودي الذي يعيشه اللبنانيون بمختلف الانتماءات الدينية والطائفية والثقافية والاجتماعية والطبقية. كذلك ليس صحيحًا ولا صحيًا اكتفاء كل فريق من أصحاب هذه الانتماءات بالغرق في قناعات مقفلة، لا علاقة لها بالآخر المختلف، كأنّ البعض ينتظر نجاح إسرائيل في القضاء على “حزب الله” ليستعيد أمانه، في حين ينتظر من يقف على الضفة المقابلة أن يتمكن “الحزب” من التغلب على الدولة وبيع مصير البلد إلى إيران لتتولى تدجين الولايات المتحدة، وإرغامها على إرغام إسرائيل على الانسحاب من لبنان، فيستعيد أمجاده وعزته وازدراءه للعملاء الخونة، حتى لو خسر بيته وأهله.

ويبقى مصير المفاوضات أسير معادلة مستحيلة في المدى المنظور. من جهة، تربط إسرائيل انسحابها من الأراضي اللبنانية التي احتلتها بنزع سلاح “الحزب”، وقطع مصادر تمويله، وتفكيك جميع البنى التحتية العسكرية المرتبطة به أو الداعمة له، مبررة عدوانها بصفته وسيلة مشروعة لتحمي نفسها ومواطنيها، وإصرارها على وضع الجيش في مواجهة مع “الحزب”، في حين ترفع سقف شروطها التعجيزية في جولات التفاوض.

ومن جهة ثانية، يرفض “الحزب” بحث مصير السلاح ويطالب بالانسحاب الكامل لإسرائيل، وعودة الأهالي إلى قراهم وتسليم الأسرى وإعادة الإعمار. ويعتبر أمينه العام نعيم قاسم أن “مسار المفاوضات المباشرة لم يجلب للبنان سوى العار والذل والخيبة والتنازلات المجانية”، ويقدم حزبه وكأنه “القوة التفاوضية الوحيدة التي تحكم الأرض والميدان، والتي تملك أن تقدّم ما لا تملكه الدولة”. ويتجاهل حقيقة أنه في أضعف حالاته الميدانية، بعدما فتح معركة لا قدرة لديه على تسجيل أي انتصار فيها، لتسيطر إسرائيل على الميدان، وتقضي على آخر بيت في كل قرية احتلتها أو هي تحت نيرانها، وعلى آخر شجرة زيتون في حقول باتت محروقة، وتصر على البقاء في شريطها الحدودي المتمدد حيثما ارتأت واستطاعت.

هي أغنية الشيطان تفتك بمنابت أعصاب من لا يستطيع إلا البقاء خارج المعادلة المستحيلة، في حين يفضل من يعتنق هذه المعادلة بقاء الحرب والاحتلال مقابل ألا يخسر محوره، لذا يواصل كل من “الحزب” وإسرائيل تبادل الخدمات غير المجانية، ليدفع اللبنانيون الثمن من حياتهم وأمانهم واقتصادهم ومستقبل أولادهم.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار