لا حلول جزئية… الشرق الأوسط يحتاج تسوية شاملة أو لا تسوية

تتكرر في أروقة العواصم المعنية بملفات المنطقة محاولات معالجة كل أزمة على حدة، وكأن ما يجري في إيران مثلا منفصل عما يجري في لبنان، وما يجري في اليمن بعيد عن استقرار الخليج، وما يعتمل في العراق بمعزل عن كل ما سبق. غير أن المتابع الدقيق لخيوط هذه الملفات يدرك أن شبكة تشابك المصالح والقوى الفاعلة فيها متطابقة إلى حد بعيد، وما يجري من احداث متفرقة حيناً ومجتمعة احياناً يشكل دليلا واضحا للترابط بين ما يجري من حين إلى آخر ؛ وبالتالي فأن أي محاولة لتفكيك أزمة واحدة بمعزل عن أخواتها محكوم عليها بالفشل أو، في أفضل الأحوال، بتسوية هشة قابلة للانفجار في أي لحظة. ذلك ان المنطقة اليوم أشبه بجسم واحد تتوزع أعراض المرض فيه على أكثر من عضو، ولا علاج ناجعاً من دون معالجة الجسم كله. وعبثاً يحاول الساعون إلى حلول مبتورة لان محاولاتهم لن تحقق المبتغى لاعتبارات عدة لعل ابرزها الاتي :
اولا – إيران: لا حرب حاسمة ولا انهيار للنظام
على الرغم من التصعيد الذي شهدته الأشهر الماضية، لا تظهر في سلوك الإدارة الأميركية أي مؤشرات جدية على نية خوض حرب حاسمة تستهدف إسقاط النظام في طهران. فالضربات التي وُجهت والعقوبات التي فُرضت لم تُترجم إلى مسار عسكري شامل يفضي إلى تغيير جذري في بنية الجمهورية الإسلامية، ولم تُهزم إيران عسكرياً بالمعنى الذي يفرض عليها الاستسلام أو الانهيار الداخلي. هذا الواقع، رغم قسوته الظاهرية، يحمل في طياته منطقاً سياسياً واضحاً: من غير الوارد أن تُدار أزمة بهذا الحجم إلى ما لا نهاية من دون أفق تفاوضي. وبالتالي فإن الوصول إلى اتفاق سياسي مع طهران بات أقرب إلى الحتمية منه إلى الاحتمال، ليس لأن واشنطن تريد ذلك بالضرورة، بل لأن البديل – حرب مفتوحة بلا سقف – لا يبدو خياراً تريده أي من الإدارات المتعاقبة، ولا تحتمله موازين القوى الإقليمية والدولية الراهنة. من هنا رجّح الرئيس الاميركي دونالد ترامب الحل التفاوضي على المواجهة العسكرية وإن كان يتناقض مع المواقف التي يدلي بها ، فما يقوله صباحا يقول عكسه مساء ، وهكذا دواليك إلى أن انتهى به الأمر إلى الدخول في مفاوضات تقول آخر المعطيات انها قد تفضي إلى اتفاق برعاية باكستانية وقطرية بدأت خطوطها العريضة تبرز جلية إلى حد أن ثمة من يقول في واشنطن وطهران ان إعلان الاتفاق بات قاب قوسين او ادنى .
ثانياً- لبنان: لا حرب تنتهي من دون تفاهم مع “حزب الله”
اما في لبنان، فلا تلوح في الأفق نهاية قريبة للحالة الأمنية المتوترة، خصوصاً بعدما تعثر تنفيذ الاتفاق الإطار الذي كان يُفترض أن يشكل مدخلاً لتهدئة مستدامة. والحقيقة التي لا مفر من الاعتراف بها أن أي تسوية سياسية داخلية لا يمكن أن تُفرض بمعزل عن “حزب الله” والقيادة الإيرانية التي تمثل الحاضنة الاستراتيجية له. اما الرهان على عزل الحزب أو تجاوزه في أي تسوية فهو رهان خاسر أثبتت التجربة عقمه مراراً. لذلك فان المطلوب واقعياً هو تفاهم إقليمي – دولي يصل إلى صيغة مقبولة من طهران وبيروت معاً، بما يتيح لاحقاً إقناع الأطراف اللبنانية الداخلية، على اختلاف مشاربها، بقبول تسوية سياسية شاملة تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والسلاح، وبين لبنان ومحيطه. والذين تابعوا عن قرب مداولات جولة المفاوضات في روما التي انتهت قبل يومين ، ادركوا ان الاجواء التفاؤلية التي حرص الجانب اللبناني على تعميمها لا تنطبق مع الواقع ؛ ذلك أن النقاط الاساسية في اتفاق الاطار ظلت بعيدة المنال ، فالاتفاق على تثبيت وقف النار وتوقف الاعتداءات الاسرائيلية وجرف المنازل وتفجيرها ظل مطلباً لبنانياً لم يجد صدى لدى إسرائيل ، وكذلك الاتفاق على مناطق نموذجية ( او تجريبية لا فرق) رفضت إسرائيل التجاوب معه واعادت فرض شروطها وأبرزها المشاركة في التدقيق في اماكن انتشار الجيش اللبناني لمعرفة مدى التزام الدولة اللبنانية بنزع السلاح ومنع رجال المقاومة من التنقل او الاقامة في البلدات . وبقي التحفظ الاميركي ومعه الاسرائيلي على هويات الدول التي عرضت المشاركة في التدقيق ، حائلا دون تحقيق هذا الشرط الأساسي لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي . ويرى المراقبون ان اجتماعات روما الأخيرة لم تحقق اي تقدم ميداني وهذا ما شكل خيبة امل كبرى لدى الجانب اللبناني الذي كان يأمل ان تحمل اجتماعات روما تقدماً ملحوظاً لانها اتت مباشرة بعد ” قمة الوعود” التي جمعت الرئيس اللبناني مع الرئيس ترامب والتي كان الرهان كبيراً عليها ؛ فلم تطابق حسابات البيدر اللبناني على حسابات الحقل الاميركي الذي لا يزال يعطي الاولوية للملف الايراني .
ثالثاً – اليمن: خطر متجدد يهدد استقرار السعودية
اما الملف الساخن الاخر الذي عاد إلى البروز فهو المتعلق بالحرب في اليمن، التي بدت لفترة وكأنها تتجه نحو التهدئة، لكنها تشهد اليوم تجدداً بطيئاً لكنه مقلق، تنعكس تداعياته مباشرة على الأمن السعودي خصوصاً ، فطالما بقي الانتقال من الحالة الراهنة – القائمة على هدنة هشة ومناطق نفوذ متصارعة – إلى توافق وطني يمني جامع معلقاً، سيبقى الخطر قائماً على طول الحدود الجنوبية للمملكة وفي عمق البحر الأحمر. والتطورات العسكرية المتسارعة التي سُجلت في الايام الماضية تؤكد أن ملف المواجهات مع الحوثيين لا زال مفتوحاً وإن بدأ في وقت من الاوقات انه خبا قليلا ، لكنه عاد إلى الظهور وبقوة . ويرى المتابعون في هذا المجال ان الحل هنا أيضاً لا يمكن أن يكون جزئياً اذ لا يكفي احتواء جبهة قتال هنا أو هناك، بل لا بد من مسار سياسي يمني – يمني برعاية إقليمية يفضي إلى تسوية تعيد بناء الدولة وتحيّد السلاح من المعادلة الداخلية. ومن يتابع ما يصدر عن القادة الحوثيين يؤشر إلى أن التصعيد هو الخيار الأفعل ما لم تتحقق التسوية المطلوبة وبسرعة .
رابعاً- العراق: بوادر مواجهة بين السلطة والفصائل
اما في العراق، فتتصاعد المؤشرات على احتمال مواجهة بين السلطة برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي والفصائل الشيعية المسلحة التي ما زالت ترفض تسليم سلاحها إلى الدولة. هذه المعادلة تعيد إنتاج المشهد اللبناني بصيغة مختلفة: سلطة شرعية منتخبة تحاول بسط هيبتها، في مواجهة قوى موازية ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران. وأي محاولة لحل هذا الملف بمعزل عن التفاهم الإيراني – الأميركي الأشمل، أو بمعزل عن مسار التسوية اللبنانية المماثل، ستبقى قاصرة عن معالجة جذر المشكلة، لأن الفصائل في البلدين تستمد قوتها ومنطقها من المصدر الاستراتيجي نفسه.
وتشير المعطيات الأحدث إلى أنّ ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق دخل مرحلة حاسمة، لكنه لا يزال بعيداً عن الحسم النهائي. والصورة يمكن تلخيصها بثلاثة اتجاهات متوازية:
١- تصعيد حكومي غير مسبوق ، فالحكومة العراقية وضعت مهلة واضحة تنتهي في 30 أيلول المقبل لإنهاء السلاح خارج الدولة ؛ وهناك إجماع سياسي نسبي (ضمن “ائتلاف إدارة الدولة”) على أن أي نشاط مسلح بعد هذه المهلة سيُعامل وفق القوانين، حتى قانون مكافحة الإرهاب. والملف يحظى بدعم وضغط خارجي، خصوصاً من الولايات المتحدة التي تطالب بجدول زمني لتفكيك الفصائل. وهذا التطور مهم لأنه للمرة الأولى يُترجم الشعار التقليدي (“حصر السلاح”) إلى سقف زمني وإجراءات تنفيذية.
٢- انقسام واضح داخل الفصائل الشيعية ، فالمشهد الشيعي لم يعد موحداً: هناك فصائل أبدت مرونة أو انخراطاً وبعض القوى مثل “عصائب أهل الحق ” “وكتائب الإمام علي” أعلنت خطوات لفك الارتباط أو الاستعداد للتسليم. اما تيار مقتدى الصدر فقد اتخذ خطوة لدمج “سرايا السلام” ضمن الدولة. في المقابل ثمة فصائل رافضة بشدة مثل: كتائب حزب الله و حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وأنصار الله الأوفياء ، وهذه الفصائل ترفض تسليم السلاح وتعتبره “سلاح مقاومة”. وبعض قياداتها لوّح بالمواجهة، مع تأكيد عدم الرغبة الحالية في الصدام.
وفي مقابل التنسيق العراقي–ألاميركي ألامني حول كيفية التعامل مع الفصائل الأكثر تشدداً، هناك من يرى أن إيران ما زالت تميل إلى رفض نزع السلاح لدى الفصائل القريبة منها، ما يعقّد الحل.
والواضح ان الملف مرتبط أيضاً باحتمال تفاهم أميركي–إيراني أوسع قد ينعكس مباشرة على سلوك الفصائل المختلفة . وفي انتظار اي تطور حاسم ، فإن الوضع الحالي هو مرحلة انتقالية لا حسم فيها ، ذلك ان العراق دخل فعلاً مرحلة “اختبار القوة السياسية” بين الدولة والفصائل.لكن حلّ الملف جذرياً قبل نهاية 2026 غير مرجّح ما لم يحصل أحد أمرين: تفاهم أميركي–إيراني يفرض تسوية على الجميع ، أو قرار داخلي حاسم مدعوم بقوة أمنية (وهو خيار عالي المخاطر) وبالتالي: هناك تقدم في الشكل والإجراءات، لكن التسوية الفعلية ما زالت مؤجلة، والسيناريو الأقرب هو حل تدريجي جزئي، لا حسم سريع شامل.
خامساً -الخليج: استهداف مزدوج من إيران والحوثيين
الواضح ان دول الخليج العربي تعيش بدورها في مرمى خطر مزدوج: التهديد الإيراني المباشر من جهة، والتهديد الحوثي المتصل بالملف اليمني من جهة أخرى. وهذا الواقع يؤكد مجدداً أن أزمات المنطقة متصلة الأوصال؛ فاستقرار الخليج مرهون بمصير التفاوض الإيراني – الأميركي بقدر ما هو مرهون بمآل الحرب اليمنية.
في الخلاصة ، يتّضح مما تقدم أن دول المنطقة، من إيران إلى لبنان مروراً باليمن والعراق ووصولاً إلى الخليج، تواجه أزمات متشابكة الجذور، ولا يمكن معالجتها بمعزل بعضها عن بعض. لكن الحل الشامل يستدعي توافقاً رباعياً أو خماسياً يجمع الولايات المتحدة وإيران وتركيا وباكستان ومصر، باعتبارها القوى القادرة على التأثير في مختلف الملفات المتقاطعة. ولافت في هذا السياق أن التطورات الأخيرة في السعودية أظهرت موقفاً مختلفاً عن القاسم المشترك الذي يجمع بقية هذه الدول، ما يجعل الرياض حالة خاصة تستحق مقاربة منفصلة ضمن أي تسوية إقليمية مرتقبة.
أما على الصعيد اللبناني تحديداً، فلا مناص من الحوار، ثم الحوار، ثم الحوار مجدداً. فمن دون حوار وطني جامع يعيد بناء الثقة بين مكونات الوطن، ويؤسس لصيغة سياسية متوازنة، لن يكون هناك أي أمل بمستقبل مستقر. فالحلول الجزئية، مهما بدت مغرية على المدى القصير، لن تكون سوى تسكين مؤقت لأزمة أعمق، والمنطقة، بعد عقود من التجارب الفاشلة، لم تعد تحتمل ترف تكرار الأخطاء ذاتها !
لا حلول جزئية… الشرق الأوسط يحتاج تسوية شاملة أو لا تسوية

تتكرر في أروقة العواصم المعنية بملفات المنطقة محاولات معالجة كل أزمة على حدة، وكأن ما يجري في إيران مثلا منفصل عما يجري في لبنان، وما يجري في اليمن بعيد عن استقرار الخليج، وما يعتمل في العراق بمعزل عن كل ما سبق. غير أن المتابع الدقيق لخيوط هذه الملفات يدرك أن شبكة تشابك المصالح والقوى الفاعلة فيها متطابقة إلى حد بعيد، وما يجري من احداث متفرقة حيناً ومجتمعة احياناً يشكل دليلا واضحا للترابط بين ما يجري من حين إلى آخر ؛ وبالتالي فأن أي محاولة لتفكيك أزمة واحدة بمعزل عن أخواتها محكوم عليها بالفشل أو، في أفضل الأحوال، بتسوية هشة قابلة للانفجار في أي لحظة. ذلك ان المنطقة اليوم أشبه بجسم واحد تتوزع أعراض المرض فيه على أكثر من عضو، ولا علاج ناجعاً من دون معالجة الجسم كله. وعبثاً يحاول الساعون إلى حلول مبتورة لان محاولاتهم لن تحقق المبتغى لاعتبارات عدة لعل ابرزها الاتي :
اولا – إيران: لا حرب حاسمة ولا انهيار للنظام
على الرغم من التصعيد الذي شهدته الأشهر الماضية، لا تظهر في سلوك الإدارة الأميركية أي مؤشرات جدية على نية خوض حرب حاسمة تستهدف إسقاط النظام في طهران. فالضربات التي وُجهت والعقوبات التي فُرضت لم تُترجم إلى مسار عسكري شامل يفضي إلى تغيير جذري في بنية الجمهورية الإسلامية، ولم تُهزم إيران عسكرياً بالمعنى الذي يفرض عليها الاستسلام أو الانهيار الداخلي. هذا الواقع، رغم قسوته الظاهرية، يحمل في طياته منطقاً سياسياً واضحاً: من غير الوارد أن تُدار أزمة بهذا الحجم إلى ما لا نهاية من دون أفق تفاوضي. وبالتالي فإن الوصول إلى اتفاق سياسي مع طهران بات أقرب إلى الحتمية منه إلى الاحتمال، ليس لأن واشنطن تريد ذلك بالضرورة، بل لأن البديل – حرب مفتوحة بلا سقف – لا يبدو خياراً تريده أي من الإدارات المتعاقبة، ولا تحتمله موازين القوى الإقليمية والدولية الراهنة. من هنا رجّح الرئيس الاميركي دونالد ترامب الحل التفاوضي على المواجهة العسكرية وإن كان يتناقض مع المواقف التي يدلي بها ، فما يقوله صباحا يقول عكسه مساء ، وهكذا دواليك إلى أن انتهى به الأمر إلى الدخول في مفاوضات تقول آخر المعطيات انها قد تفضي إلى اتفاق برعاية باكستانية وقطرية بدأت خطوطها العريضة تبرز جلية إلى حد أن ثمة من يقول في واشنطن وطهران ان إعلان الاتفاق بات قاب قوسين او ادنى .
ثانياً- لبنان: لا حرب تنتهي من دون تفاهم مع “حزب الله”
اما في لبنان، فلا تلوح في الأفق نهاية قريبة للحالة الأمنية المتوترة، خصوصاً بعدما تعثر تنفيذ الاتفاق الإطار الذي كان يُفترض أن يشكل مدخلاً لتهدئة مستدامة. والحقيقة التي لا مفر من الاعتراف بها أن أي تسوية سياسية داخلية لا يمكن أن تُفرض بمعزل عن “حزب الله” والقيادة الإيرانية التي تمثل الحاضنة الاستراتيجية له. اما الرهان على عزل الحزب أو تجاوزه في أي تسوية فهو رهان خاسر أثبتت التجربة عقمه مراراً. لذلك فان المطلوب واقعياً هو تفاهم إقليمي – دولي يصل إلى صيغة مقبولة من طهران وبيروت معاً، بما يتيح لاحقاً إقناع الأطراف اللبنانية الداخلية، على اختلاف مشاربها، بقبول تسوية سياسية شاملة تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والسلاح، وبين لبنان ومحيطه. والذين تابعوا عن قرب مداولات جولة المفاوضات في روما التي انتهت قبل يومين ، ادركوا ان الاجواء التفاؤلية التي حرص الجانب اللبناني على تعميمها لا تنطبق مع الواقع ؛ ذلك أن النقاط الاساسية في اتفاق الاطار ظلت بعيدة المنال ، فالاتفاق على تثبيت وقف النار وتوقف الاعتداءات الاسرائيلية وجرف المنازل وتفجيرها ظل مطلباً لبنانياً لم يجد صدى لدى إسرائيل ، وكذلك الاتفاق على مناطق نموذجية ( او تجريبية لا فرق) رفضت إسرائيل التجاوب معه واعادت فرض شروطها وأبرزها المشاركة في التدقيق في اماكن انتشار الجيش اللبناني لمعرفة مدى التزام الدولة اللبنانية بنزع السلاح ومنع رجال المقاومة من التنقل او الاقامة في البلدات . وبقي التحفظ الاميركي ومعه الاسرائيلي على هويات الدول التي عرضت المشاركة في التدقيق ، حائلا دون تحقيق هذا الشرط الأساسي لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي . ويرى المراقبون ان اجتماعات روما الأخيرة لم تحقق اي تقدم ميداني وهذا ما شكل خيبة امل كبرى لدى الجانب اللبناني الذي كان يأمل ان تحمل اجتماعات روما تقدماً ملحوظاً لانها اتت مباشرة بعد ” قمة الوعود” التي جمعت الرئيس اللبناني مع الرئيس ترامب والتي كان الرهان كبيراً عليها ؛ فلم تطابق حسابات البيدر اللبناني على حسابات الحقل الاميركي الذي لا يزال يعطي الاولوية للملف الايراني .
ثالثاً – اليمن: خطر متجدد يهدد استقرار السعودية
اما الملف الساخن الاخر الذي عاد إلى البروز فهو المتعلق بالحرب في اليمن، التي بدت لفترة وكأنها تتجه نحو التهدئة، لكنها تشهد اليوم تجدداً بطيئاً لكنه مقلق، تنعكس تداعياته مباشرة على الأمن السعودي خصوصاً ، فطالما بقي الانتقال من الحالة الراهنة – القائمة على هدنة هشة ومناطق نفوذ متصارعة – إلى توافق وطني يمني جامع معلقاً، سيبقى الخطر قائماً على طول الحدود الجنوبية للمملكة وفي عمق البحر الأحمر. والتطورات العسكرية المتسارعة التي سُجلت في الايام الماضية تؤكد أن ملف المواجهات مع الحوثيين لا زال مفتوحاً وإن بدأ في وقت من الاوقات انه خبا قليلا ، لكنه عاد إلى الظهور وبقوة . ويرى المتابعون في هذا المجال ان الحل هنا أيضاً لا يمكن أن يكون جزئياً اذ لا يكفي احتواء جبهة قتال هنا أو هناك، بل لا بد من مسار سياسي يمني – يمني برعاية إقليمية يفضي إلى تسوية تعيد بناء الدولة وتحيّد السلاح من المعادلة الداخلية. ومن يتابع ما يصدر عن القادة الحوثيين يؤشر إلى أن التصعيد هو الخيار الأفعل ما لم تتحقق التسوية المطلوبة وبسرعة .
رابعاً- العراق: بوادر مواجهة بين السلطة والفصائل
اما في العراق، فتتصاعد المؤشرات على احتمال مواجهة بين السلطة برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي والفصائل الشيعية المسلحة التي ما زالت ترفض تسليم سلاحها إلى الدولة. هذه المعادلة تعيد إنتاج المشهد اللبناني بصيغة مختلفة: سلطة شرعية منتخبة تحاول بسط هيبتها، في مواجهة قوى موازية ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران. وأي محاولة لحل هذا الملف بمعزل عن التفاهم الإيراني – الأميركي الأشمل، أو بمعزل عن مسار التسوية اللبنانية المماثل، ستبقى قاصرة عن معالجة جذر المشكلة، لأن الفصائل في البلدين تستمد قوتها ومنطقها من المصدر الاستراتيجي نفسه.
وتشير المعطيات الأحدث إلى أنّ ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق دخل مرحلة حاسمة، لكنه لا يزال بعيداً عن الحسم النهائي. والصورة يمكن تلخيصها بثلاثة اتجاهات متوازية:
١- تصعيد حكومي غير مسبوق ، فالحكومة العراقية وضعت مهلة واضحة تنتهي في 30 أيلول المقبل لإنهاء السلاح خارج الدولة ؛ وهناك إجماع سياسي نسبي (ضمن “ائتلاف إدارة الدولة”) على أن أي نشاط مسلح بعد هذه المهلة سيُعامل وفق القوانين، حتى قانون مكافحة الإرهاب. والملف يحظى بدعم وضغط خارجي، خصوصاً من الولايات المتحدة التي تطالب بجدول زمني لتفكيك الفصائل. وهذا التطور مهم لأنه للمرة الأولى يُترجم الشعار التقليدي (“حصر السلاح”) إلى سقف زمني وإجراءات تنفيذية.
٢- انقسام واضح داخل الفصائل الشيعية ، فالمشهد الشيعي لم يعد موحداً: هناك فصائل أبدت مرونة أو انخراطاً وبعض القوى مثل “عصائب أهل الحق ” “وكتائب الإمام علي” أعلنت خطوات لفك الارتباط أو الاستعداد للتسليم. اما تيار مقتدى الصدر فقد اتخذ خطوة لدمج “سرايا السلام” ضمن الدولة. في المقابل ثمة فصائل رافضة بشدة مثل: كتائب حزب الله و حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وأنصار الله الأوفياء ، وهذه الفصائل ترفض تسليم السلاح وتعتبره “سلاح مقاومة”. وبعض قياداتها لوّح بالمواجهة، مع تأكيد عدم الرغبة الحالية في الصدام.
وفي مقابل التنسيق العراقي–ألاميركي ألامني حول كيفية التعامل مع الفصائل الأكثر تشدداً، هناك من يرى أن إيران ما زالت تميل إلى رفض نزع السلاح لدى الفصائل القريبة منها، ما يعقّد الحل.
والواضح ان الملف مرتبط أيضاً باحتمال تفاهم أميركي–إيراني أوسع قد ينعكس مباشرة على سلوك الفصائل المختلفة . وفي انتظار اي تطور حاسم ، فإن الوضع الحالي هو مرحلة انتقالية لا حسم فيها ، ذلك ان العراق دخل فعلاً مرحلة “اختبار القوة السياسية” بين الدولة والفصائل.لكن حلّ الملف جذرياً قبل نهاية 2026 غير مرجّح ما لم يحصل أحد أمرين: تفاهم أميركي–إيراني يفرض تسوية على الجميع ، أو قرار داخلي حاسم مدعوم بقوة أمنية (وهو خيار عالي المخاطر) وبالتالي: هناك تقدم في الشكل والإجراءات، لكن التسوية الفعلية ما زالت مؤجلة، والسيناريو الأقرب هو حل تدريجي جزئي، لا حسم سريع شامل.
خامساً -الخليج: استهداف مزدوج من إيران والحوثيين
الواضح ان دول الخليج العربي تعيش بدورها في مرمى خطر مزدوج: التهديد الإيراني المباشر من جهة، والتهديد الحوثي المتصل بالملف اليمني من جهة أخرى. وهذا الواقع يؤكد مجدداً أن أزمات المنطقة متصلة الأوصال؛ فاستقرار الخليج مرهون بمصير التفاوض الإيراني – الأميركي بقدر ما هو مرهون بمآل الحرب اليمنية.
في الخلاصة ، يتّضح مما تقدم أن دول المنطقة، من إيران إلى لبنان مروراً باليمن والعراق ووصولاً إلى الخليج، تواجه أزمات متشابكة الجذور، ولا يمكن معالجتها بمعزل بعضها عن بعض. لكن الحل الشامل يستدعي توافقاً رباعياً أو خماسياً يجمع الولايات المتحدة وإيران وتركيا وباكستان ومصر، باعتبارها القوى القادرة على التأثير في مختلف الملفات المتقاطعة. ولافت في هذا السياق أن التطورات الأخيرة في السعودية أظهرت موقفاً مختلفاً عن القاسم المشترك الذي يجمع بقية هذه الدول، ما يجعل الرياض حالة خاصة تستحق مقاربة منفصلة ضمن أي تسوية إقليمية مرتقبة.
أما على الصعيد اللبناني تحديداً، فلا مناص من الحوار، ثم الحوار، ثم الحوار مجدداً. فمن دون حوار وطني جامع يعيد بناء الثقة بين مكونات الوطن، ويؤسس لصيغة سياسية متوازنة، لن يكون هناك أي أمل بمستقبل مستقر. فالحلول الجزئية، مهما بدت مغرية على المدى القصير، لن تكون سوى تسكين مؤقت لأزمة أعمق، والمنطقة، بعد عقود من التجارب الفاشلة، لم تعد تحتمل ترف تكرار الأخطاء ذاتها !








