قصة الاستنفار السوري وحصر السلاح: هل يزور عون دمشق؟

أكثر من رسالة، أو نصيحة أو إشارة تلقّاها رئيس الجمهورية جوزاف عون بالانفتاح أكثر على سوريا وزيارتها للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع. سمع عون ذلك من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وسمعها سابقاً من السعودية. لا بدّ لمثل هذه الزيارة أن تحصل لإزالة أي التباس في العلاقة، ولتبديد كل ما يُحكى في الكواليس أو غير الكواليس عن استعداد سوريا للتدخل عسكرياً في لبنان، كما أنّه لا بدَّ للدولة اللبنانية أن تكثف خطواتها لبناء علاقة صحية مع دمشق من دولة إلى دولة، بدلاً من إبقاء العلاقة في إطار تبادل الرسائل بشكل غير مباشر، وبدلاً من استمرار فتح الباب أمام التأويلات، كما أن أي علاقة مع سوريا على قاعدة مؤسساتية تبدد كل المخاوف لدى مختلف المكونات، وتغلق الباب أمام أي احتمال لنسج علاقات خارج إطار الدولة، مع أن كل المسؤولين السوريين يؤكدون عدم العودة إلى التجارب الماضية.
اتفاق مكة ومصلحة لبنان
الاتفاق السعودي التركي الباكستاني، واحتمال انضمام سوريا وقطر إليه، يفترض به أن يدفع لبنان أكثر للتقارب مع هذه الدول ومع دمشق بالتحديد، لأنه لا يمكن للبنان أن يستفيد من كل المشاريع الاقتصادية والاستثمارية وملفات الطاقة والغاز والممرات من دون تحسين وتطوير العلاقة مع سوريا. كما يمكن للبنان الاستفادة من الواقع الذي يتشكّل على مستوى المنطقة، ومن شأنه أن يفرض توازنات جديدة لحماية نفسه من إسرائيل ومطامعها. هنا لا يمكن إغفال إبداء سوريا الاستعداد للتنسيق مع لبنان في ملف التفاوض مع إسرائيل، لا سيما أن تل أبيب تريد لأي اتفاق مع لبنان أن يسهم في تشكيل عناصر ضغط على سوريا كما على تركيا في البحر الأبيض المتوسط.
أكثر من مرة نفت سوريا السعي للتدخل عسكرياً في لبنان ضد أي طرف. ولكن أكثر من مرة وردت عبارات تتعلق بالسعي لمساعدة لبنان في أي ملف يريده، سواء التفاوض مع إسرائيل أم مسار حصر السلاح بيد الدولة، ولذلك تفسيرات عديدة، قد تبدأ بالتعاون المشترك لضبط الحدود، ومنع التهريب، وزيادة التنسيق الأمني والعسكري. ولكن في المقابل هناك من يأخذ التفسيرات إلى مديات بعيدة جداً، فيضعها في سياق التمهيد السوري للتدخل ضد حزب الله عسكرياً، وأن سوريا تبحث عن أثمان على المستوى الخارجي لقاء هذا التدخل، فيما هناك من يفسر ذلك بطريقة مختلفة، مستنداً إلى الرسائل التي أطلقها الشرع تجاه الحزب، وصولاً إلى الموقف الذي عبر عنه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لدى زيارته بيروت، عن الانفتاح على التواصل مع حزب الله، إذا كان ذلك يصبُّ في مصلحة البلدين، وليس انتهاءً بكلمة أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم الذي أبدى الاستعداد للقاء علني مع دمشق، وما بينهما ما يشير إلى حصول تواصل بين الجانبين على أكثر من مستوى عبر وسطاء أو عبر قنوات أمنية.
مخاوف دمشق وملف السلاح خارج الدلولة
كل ذلك يأتي على وقع متغيرات هائلة تشهدها المنطقة، وفي ظل حرب قائمة يمكنها أن تتجدد في أي لحظة، بينما تسعى سوريا إلى تحييد نفسها عنها، لكنها في المقابل أيضاً تستشعر خطراً من احتمال لجوء إيران أو بعض حلفائها إلى تنفيذ عمليات ضدها، وذلك ما يدفع دمشق إلى البحث عن حلول ومعالجات لملف السلاح خارج سيطرة الدولة، سواء في لبنان أم في العراق. هذا الموقف جرى التعبير عنه بوضوح خلال المؤتمر الصحافي المشترك بين وزيري خارجية تركيا وسوريا قبل يومين، وبحسب المعلومات فإنه بالنسبة إلى دمشق فإن عنوان حصر السلاح بيد الدولة هو العنوان الأساسي والفعلي والذي لا يمكن التراجع عنه.
هذا ما تسعى دمشق إلى تطبيقه على أراضيها أيضاً، من خلال الإجراءات التي اتخذت خلال الأسبوع الفائت. يومها تسرّبت أخبار عن حالة استنفار شاملة ينفذها الجيش السوري إضافة إلى زيادة تعزيزاته العسكرية على الحدود مع لبنان والعراق. حصل تفاعل كبير مع هذه الأخبار، فيما سَرت شائعات بأن المسألة تتعلق بالاستعداد السوري للدخول إلى لبنان ضد حزب الله، في مقابل الاستعداد للتصدي لأي ردة فعل من قبل الفصائل العراقية. لكنَّ الحقيقة كانت في مكان آخر.
خفايا الاستنفار السوري
فيوم الاستنفار، كان الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي بمظلوم عبدي للبحث في استكمال ملف حلّ تنظيم “قسد”. وهو ما يقابله استمرار الشرع في حلّ بعض الفصائل العسكرية لا سيما الفرقة 62 ودمجها ضمن فرق وزارة الدفاع. بالتزامن مع اجتماع عبدي والشرع، كان هناك اجتماع في وزارة الدفاع السورية مع محمد الجاسم المعروف باسم “أبو عمشة” وذلك بهدف إنجاز ترتيبات نقله من قيادة فرقته ووضع الفرقة تحت إمرة وزارة الدفاع والجيش السوري الذي يعاد تشكيله وتوحيده عبر إنشاء عدد من الفيالق. وكان إلى جانب أبو عمشة مسؤولون عسكريون آخرون منهم من رفض الموافقة على حل فصيله العسكري ولم يقبل المنصب الذي عرض عليه في وزارة الدفاع، فكان الاستنفار تحسباً لحصول أي توترات أو ردات فعل عسكرية تفضي إلى صدام عسكري.
كان لتركيا دور بارز في مساعدة الشرع على توحيد الفصائل ضمن فيالق الجيش، وهو مسار أصبح واضحاً أنه يحظى بتوافق على مستوى المنطقة ومع الولايات المتحدة الأميركية، التي ترفع شعار إنهاء “حالات التسلح” خارج نطاق الدول. في مقابل تشديد عربي وإقليمي على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومنع بروز أي مشروع من مشاريع التقسيم لا في سوريا ولا في غيرها، وهو ما سيسعى إلى تثبيته “اتفاق مكة”. ذلك يمكنه أن يفرض على سوريا تحديات جديدة لكنه مسار مفتوح من سوريا إلى لبنان والعراق.
التكامل بين دول المنطقة
عملياً، فإن كل دول المنطقة تتحضر للتعاطي مع نتائج الحرب على إيران ومع احتمال اندلاعها أو احتمالات حصول اتفاق إيراني أميركي. مختلف دول المنطقة تسعى إلى حماية نفسها من أي ارتداد إيراني عليها، ومن أي حرب أو مطامع إسرائيلية جديدة. ذلك ما تسعى هذه الدول إلى معالجته من خلال تحسين علاقاتها مع بعضها البعض أولاً، ومن خلال تقوية مفهوم الدولة على حساب أي قوة خارجة عنها. لكن من دون إضعاف قدرات هذه الدول. وهذه إحدى الأفكار المطروحة بالنسبة إلى لبنان، أي أن يستفيد من قوة حزب الله وقدراته من خلال حصرها ودمجها بيد الدولة وعدم ترك أي مجال أمام اسرائيل لمواصلة الحرب والتدمير والتهجير.
من هنا أيضاً، تبرز مجدداً فكرة الشرع حول كيفية التكامل بين دول المنطقة، وخصوصاً تطوير العلاقات بين سوريا ولبنان والتنسيق في مجالات مختلفة من بينها التفاوض مع إسرائيل، علماً أن دمشق تنظر بسلبية إلى اتفاق الإطار وتداعياته، إضافة إلى طرح سوري لمعالجة ملف سلاح الحزب، على قاعدة حصره بيد الدولة وذلك من خلال ضمانات سياسية وعسكرية وأمنية واضحة، وهذا يمكن له أن يكون مساراً حوارياً مفتوحاً لفترة من الزمن بانتظار الوصول إلى صيغة ملائمة، وذلك لتفادي أي صدامات أو حروب جديدة، وفي محاولة للتكامل بين دول المنطقة لمنع إسرائيل من استمرارها في التغول لتحقيق مشروعها التوسعي.
قصة الاستنفار السوري وحصر السلاح: هل يزور عون دمشق؟

أكثر من رسالة، أو نصيحة أو إشارة تلقّاها رئيس الجمهورية جوزاف عون بالانفتاح أكثر على سوريا وزيارتها للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع. سمع عون ذلك من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وسمعها سابقاً من السعودية. لا بدّ لمثل هذه الزيارة أن تحصل لإزالة أي التباس في العلاقة، ولتبديد كل ما يُحكى في الكواليس أو غير الكواليس عن استعداد سوريا للتدخل عسكرياً في لبنان، كما أنّه لا بدَّ للدولة اللبنانية أن تكثف خطواتها لبناء علاقة صحية مع دمشق من دولة إلى دولة، بدلاً من إبقاء العلاقة في إطار تبادل الرسائل بشكل غير مباشر، وبدلاً من استمرار فتح الباب أمام التأويلات، كما أن أي علاقة مع سوريا على قاعدة مؤسساتية تبدد كل المخاوف لدى مختلف المكونات، وتغلق الباب أمام أي احتمال لنسج علاقات خارج إطار الدولة، مع أن كل المسؤولين السوريين يؤكدون عدم العودة إلى التجارب الماضية.
اتفاق مكة ومصلحة لبنان
الاتفاق السعودي التركي الباكستاني، واحتمال انضمام سوريا وقطر إليه، يفترض به أن يدفع لبنان أكثر للتقارب مع هذه الدول ومع دمشق بالتحديد، لأنه لا يمكن للبنان أن يستفيد من كل المشاريع الاقتصادية والاستثمارية وملفات الطاقة والغاز والممرات من دون تحسين وتطوير العلاقة مع سوريا. كما يمكن للبنان الاستفادة من الواقع الذي يتشكّل على مستوى المنطقة، ومن شأنه أن يفرض توازنات جديدة لحماية نفسه من إسرائيل ومطامعها. هنا لا يمكن إغفال إبداء سوريا الاستعداد للتنسيق مع لبنان في ملف التفاوض مع إسرائيل، لا سيما أن تل أبيب تريد لأي اتفاق مع لبنان أن يسهم في تشكيل عناصر ضغط على سوريا كما على تركيا في البحر الأبيض المتوسط.
أكثر من مرة نفت سوريا السعي للتدخل عسكرياً في لبنان ضد أي طرف. ولكن أكثر من مرة وردت عبارات تتعلق بالسعي لمساعدة لبنان في أي ملف يريده، سواء التفاوض مع إسرائيل أم مسار حصر السلاح بيد الدولة، ولذلك تفسيرات عديدة، قد تبدأ بالتعاون المشترك لضبط الحدود، ومنع التهريب، وزيادة التنسيق الأمني والعسكري. ولكن في المقابل هناك من يأخذ التفسيرات إلى مديات بعيدة جداً، فيضعها في سياق التمهيد السوري للتدخل ضد حزب الله عسكرياً، وأن سوريا تبحث عن أثمان على المستوى الخارجي لقاء هذا التدخل، فيما هناك من يفسر ذلك بطريقة مختلفة، مستنداً إلى الرسائل التي أطلقها الشرع تجاه الحزب، وصولاً إلى الموقف الذي عبر عنه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لدى زيارته بيروت، عن الانفتاح على التواصل مع حزب الله، إذا كان ذلك يصبُّ في مصلحة البلدين، وليس انتهاءً بكلمة أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم الذي أبدى الاستعداد للقاء علني مع دمشق، وما بينهما ما يشير إلى حصول تواصل بين الجانبين على أكثر من مستوى عبر وسطاء أو عبر قنوات أمنية.
مخاوف دمشق وملف السلاح خارج الدلولة
كل ذلك يأتي على وقع متغيرات هائلة تشهدها المنطقة، وفي ظل حرب قائمة يمكنها أن تتجدد في أي لحظة، بينما تسعى سوريا إلى تحييد نفسها عنها، لكنها في المقابل أيضاً تستشعر خطراً من احتمال لجوء إيران أو بعض حلفائها إلى تنفيذ عمليات ضدها، وذلك ما يدفع دمشق إلى البحث عن حلول ومعالجات لملف السلاح خارج سيطرة الدولة، سواء في لبنان أم في العراق. هذا الموقف جرى التعبير عنه بوضوح خلال المؤتمر الصحافي المشترك بين وزيري خارجية تركيا وسوريا قبل يومين، وبحسب المعلومات فإنه بالنسبة إلى دمشق فإن عنوان حصر السلاح بيد الدولة هو العنوان الأساسي والفعلي والذي لا يمكن التراجع عنه.
هذا ما تسعى دمشق إلى تطبيقه على أراضيها أيضاً، من خلال الإجراءات التي اتخذت خلال الأسبوع الفائت. يومها تسرّبت أخبار عن حالة استنفار شاملة ينفذها الجيش السوري إضافة إلى زيادة تعزيزاته العسكرية على الحدود مع لبنان والعراق. حصل تفاعل كبير مع هذه الأخبار، فيما سَرت شائعات بأن المسألة تتعلق بالاستعداد السوري للدخول إلى لبنان ضد حزب الله، في مقابل الاستعداد للتصدي لأي ردة فعل من قبل الفصائل العراقية. لكنَّ الحقيقة كانت في مكان آخر.
خفايا الاستنفار السوري
فيوم الاستنفار، كان الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي بمظلوم عبدي للبحث في استكمال ملف حلّ تنظيم “قسد”. وهو ما يقابله استمرار الشرع في حلّ بعض الفصائل العسكرية لا سيما الفرقة 62 ودمجها ضمن فرق وزارة الدفاع. بالتزامن مع اجتماع عبدي والشرع، كان هناك اجتماع في وزارة الدفاع السورية مع محمد الجاسم المعروف باسم “أبو عمشة” وذلك بهدف إنجاز ترتيبات نقله من قيادة فرقته ووضع الفرقة تحت إمرة وزارة الدفاع والجيش السوري الذي يعاد تشكيله وتوحيده عبر إنشاء عدد من الفيالق. وكان إلى جانب أبو عمشة مسؤولون عسكريون آخرون منهم من رفض الموافقة على حل فصيله العسكري ولم يقبل المنصب الذي عرض عليه في وزارة الدفاع، فكان الاستنفار تحسباً لحصول أي توترات أو ردات فعل عسكرية تفضي إلى صدام عسكري.
كان لتركيا دور بارز في مساعدة الشرع على توحيد الفصائل ضمن فيالق الجيش، وهو مسار أصبح واضحاً أنه يحظى بتوافق على مستوى المنطقة ومع الولايات المتحدة الأميركية، التي ترفع شعار إنهاء “حالات التسلح” خارج نطاق الدول. في مقابل تشديد عربي وإقليمي على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومنع بروز أي مشروع من مشاريع التقسيم لا في سوريا ولا في غيرها، وهو ما سيسعى إلى تثبيته “اتفاق مكة”. ذلك يمكنه أن يفرض على سوريا تحديات جديدة لكنه مسار مفتوح من سوريا إلى لبنان والعراق.
التكامل بين دول المنطقة
عملياً، فإن كل دول المنطقة تتحضر للتعاطي مع نتائج الحرب على إيران ومع احتمال اندلاعها أو احتمالات حصول اتفاق إيراني أميركي. مختلف دول المنطقة تسعى إلى حماية نفسها من أي ارتداد إيراني عليها، ومن أي حرب أو مطامع إسرائيلية جديدة. ذلك ما تسعى هذه الدول إلى معالجته من خلال تحسين علاقاتها مع بعضها البعض أولاً، ومن خلال تقوية مفهوم الدولة على حساب أي قوة خارجة عنها. لكن من دون إضعاف قدرات هذه الدول. وهذه إحدى الأفكار المطروحة بالنسبة إلى لبنان، أي أن يستفيد من قوة حزب الله وقدراته من خلال حصرها ودمجها بيد الدولة وعدم ترك أي مجال أمام اسرائيل لمواصلة الحرب والتدمير والتهجير.
من هنا أيضاً، تبرز مجدداً فكرة الشرع حول كيفية التكامل بين دول المنطقة، وخصوصاً تطوير العلاقات بين سوريا ولبنان والتنسيق في مجالات مختلفة من بينها التفاوض مع إسرائيل، علماً أن دمشق تنظر بسلبية إلى اتفاق الإطار وتداعياته، إضافة إلى طرح سوري لمعالجة ملف سلاح الحزب، على قاعدة حصره بيد الدولة وذلك من خلال ضمانات سياسية وعسكرية وأمنية واضحة، وهذا يمكن له أن يكون مساراً حوارياً مفتوحاً لفترة من الزمن بانتظار الوصول إلى صيغة ملائمة، وذلك لتفادي أي صدامات أو حروب جديدة، وفي محاولة للتكامل بين دول المنطقة لمنع إسرائيل من استمرارها في التغول لتحقيق مشروعها التوسعي.








