آب 2001… شهر القمع وتطويق الحريات: ماذا جرى في 9 آب؟

الكاتب: نبيل يوسف | المصدر: نداء الوطن
10 آب 2026

لم تكتف السلطات الأمنية بما جرى في 6 و 7 آب، فعلى أثر ما حصل دعت نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس إلى الاعتصام احتجاجًا في قصر العدل في بيروت، ودعا “التيار الوطني الحرّ” إلى اعتصام أمام قصر العدل، وفيما عشرات السياسيين والمحامين يعتصمون في قصر العدل، قامت السلطات الأمنية بافلات عناصرها التي ترتدي ملابس مدنية لقمع المعتصمين أمام قصر العدل بطريقة وحشية.

أثارت الصور التي نشرت وأظهرت التعديات الفاضحة من قبِل عناصر الأجهزة الأمنية الذين كانوا ينهالون ضربًا على المعتصمين قرب بوابة قصر العدل، موجة انتقادات واسعة محليًا وعالميًّا.

حاولت السلطة استيعاب ما حصل، فأعلنت أن أخطاء حصلت من الجميع، وكلفت قيادة الجيش الشرطة العسكرية إجراء التحقيقات اللازمة لتحديد من تجاوزوا المهمة الموكلة إليهم تمهيدًا لاتخاذ الاجراءات التأديبية في حقهم، لكن لم ينشر أي تحقيق أو حكم صدر بحق أي عنصر أمني، وبررت السلطة ذلك بوجوب المحافظة على هيبة رجال الأمن.

ظلت هذه التجاوزات تتفاعل، ولعل أهم ما نشر عما جرى يومها ما أوردته مجلة “الوطن العربي” في مقالها الرئيسي في العدد الصادر في 17 آب 2001 تحت عنوان: “الوطن العربي تكشف: ضباط سوريون يقودون أجهزة أمنية لبنانية حساسة”، وفي التحقيق أن خمسة آلاف سوري يتجولون في لبنان بملابس الجيش اللبناني، وقد منع الأمن العام اللبناني دخول المجلة، لكن المقال وصل إلى الجميع عبر الإنترنت والفاكس والتصوير، وفي 28 آب استدعى قاضي التحقيق المسؤولين عن المجلة لاستجوابهم على نشرهم أخبار كاذبة وتحقيرًا بالجيش اللبناني والجيش السوري ومسًّا بسمعتهما.

حاول الرئيس رفيق الحريري احتواء الأزمة والتعجيل بالتحقيقات مع الموقوفين، فيما قرر مجلس الأمن المركزي الذي انعقد برئاسة الوزير الياس المرّ حظر أي نشاط لتنظيمي “القوات اللبنانية” و”التيّار الوطني الحرّ” على اعتبار أن التنظيم الأول محظور والثاني غير مرخص.

في 11 آب، أعلن مدعي عام التمييز عدنان عضوم إطلاق سراح 53 موقوفًا والإبقاء على من كانوا يشاركون في الاعتصام أمام قصر العدل، حكم عليهم لاحقًا بالسجن مددًا تتراوح بين أسبوع وشهر ونصف بتهمة توزيع منشورات تضر بسمعة الجيش السوري وتشهّر برئيس الجمهورية، كان من بينهم أدونيس عكرة، أنطوان الخوري حرب، مارون ناصيف، طوني أوريان، زياد أسود، نعيم عون وأنطوان نصرالله، الذين حكم عليهم بالسجن لمدة شهر ونصف، وخلافًا للقانون تابعت السلطة محاولة تغطية ما حصل فعرضت وسائل الاعلام تسجيلاً لما قيل إنه اعترافات أولية أدلى بها الدكتور توفيق الهندي حول اتصالات قام بها في باريس مع الإسرائيليين وبعض قياديي “القوات اللبنانية”.

لم يبرأ هذا التسجيل تصرفات السلطات الأمنية، فجميع من شاهدوا الشريط جزموا أن ما جرى مع الدكتور توفيق الهندي كان فيلمًا سيء الاخراج.

الضربة الموجعة الأكثر إيلامًا للنظام الديمقراطي اللبناني كانت التراجع عن قانون أصول المحاكمات الجزائية فما قصة هذا القانون؟

كان مجلس النواب صوّت على قانون جديد وعصري لأصول المحاكمات الجزائية بعد دراسة استمرت أعوامًا، شارك فيها عشرات الاختصاصيين، لكن رئيس الجمهورية إميل لحّود رده إلى مجلس النواب، فما كان من بعض النواب المؤيدين لرئيس الجمهورية إلا أن تقدموا بمشروع قانون لتعديل بعض مواد في القانون الذي كانوا صوتوا عليه بما يتناسب مع رد رئيس الجمهورية.

عقدت جلسة تعديل القانون في 13 آب 2001 واعتبرت من أعنف وأشد جلسات مجلس النواب صخبًا وانقسامًا بين النواب المعارضين الذين رفضوا أي مس بالقانون الجديد، وشنوا هجومًا واسعًا على الأجهزة الأمنية ومحاولة عسكرة الوطن وتحويله إلى ثكنة عسكرية، واعتبرت مداخلات الوزيرين: مروان حماده، وغازي العريضي، والنواب: بطرس حرب، نائلة معوض، نسيب لحود، بيار الجميل، فارس سعيد، مصباح الأحدب، أحمد فتفت، أنطوان غانم، باسم السبع، أكرم شهيب وصلاح حنين الأقسى والأعنف في هجوم المعارضة على التعديلات المقترحة.

في النهاية صوّت النواب على التعديلات التي اقترحها رئيس الجمهورية التي تعطي الأجهزة الأمنية والنيابات العامة مزيدًا من الصلاحيات، خاصة إطالة أمد التوقيفات من دون محاكمة.

في تبريره لتصويت كتلته مع التعديلات خلافًا لموقفها السابق، اعتبر الرئيس رفيق الحريري أنه يؤيد التعديلات المقترحة من لحود حرصًا على الوضع السياسي في البلد، واعتبر أن الأمر لا علاقة له بالتشريع إنما له علاقة بالسياسة “ونحن سنمشي في التعديل ليس عن اقتناع وانما لأن الوضع السياسي يحتم ويفرض ذلك”. أما رئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط الذي صوت ضد التعديلات، فقال إن رئيس الحكومة “جاء على مضض الآخرين وإذا صارت لهم فرصة سيطيرونه”، وخاطب الرئيس رفيق الحريري قائلا: “أنصح بألا تسلم الحكم إلى قرطة العسكر، فأنا أعرفهم أكثر منك، نحن نريد مساعدة لحود، ولكن إذا كان المطلوب مخالفة الدستور والطائف في هذا الاقتراح فنحن ضده”.

على أثر إعادة إقرار تعديل أصول المحاكمات الجزائية خفت حدة الخطاب السياسي، وحاول إميل لحود التهدئة واستيعاب نتائج العاصفة الأمنية – السياسية ومفاعيلها، فعقد لقاء ضمه مع نبيه بري ورفيق الحريري وزار الصرح البطريركي في الديمان.

ليلة زيارة الرئيس لحود إلى الديمان وخلافًا للأعراف تم فتح أبواب السجون ليلا لاطلاق سراح 75 موقوفًا لقاء كفالات مالية لم تتجاوز المئة ألف ليرة، لكن معظم الموقوفين رفضوا دفع الكفالة والخروج من السجن مشددين على براءتهم، فما كان من السلطة إلا أن أوعزت لبعض حلفائها بالتبرع بدفع الكفالات عن الرافضين دفعها وإطلاق سراحهم، وقبل منتصف الليل كان معظم الموقوفين وصلوا إلى منازلهم. فيما تم إحالة رئيس مصلحة الطلاب في “القوات اللبنانية” سلمان سماحه، والمحامي إيلي كيروز إلى المحكمة العسكرية بتهمة اخفاء معلومات تتعلق بتعامل البعض مع اسرائيل.

كما التقى الرئيس لحود النائب وليد جنبلاط، الذي كان زار دمشق واجتمع بالرئيس السوري بشار الأسد، واستقبل الرئيس لحود وفدًا من لقاء قرنة شهوان بهدف فتح حوار مع اللقاء.

ردًّا على زيارة لحود إلى الديمان والحوار مع لقاء قرنة شهوان، اعتبر العماد ميشال عون أن ما يبديه البطريرك صفير ولقاء قرنة شهوان من ليونة واعتدال تجاه رئيس الجمهورية خطأ كبير، إذ أنهما أهدرا الحالة الشعبية وأعادا الاعتبار إلى “الحاكم”، وانبرى للرد عليه نجل الرئيس لحود النائب إميل إميل لحود والوزيران الياس المرّ وجان لوي قرداحي.

أما المعارضة، فتابعت رفع الصوت وعقدت في 16 آب في فندق الكارلتون في بيروت مؤتمرًا تحت شعار: المؤتمر الوطني للدفاع عن الحريات والديمقراطية، شارك فيه عدد كبير من النواب والشخصيات السياسية وممثلي أحزاب ونقابات وهيئات ثقافية.

حضر المؤتمر: الرئيس أمين الجميل، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، لقاء قرنة شهوان، نواب اللقاء الديمقراطي، المنبر الديمقراطي، حزب الوطنيين الأحرار، التيار الوطني الحرّ، القوات اللبنانية، حزب الكتلة الوطنية، الحزب الشيوعي اللبناني، حركة التجدد الديمقراطي، الحركة الاصلاحية الكتائبية، عدد من النواب المستقلين، وكان لافتًا مشاركة أربعة نواب من كتلة قرار بيروت التي يترأسها الرئيس رفيق الحريري هم النواب: غنوة جلول، عاطف مجدلاني، غطاس خوري، وليد عيدو.

تحدث في اللقاء النواب: وليد جنبلاط، نائلة معوض، بطرس حرب، نسيب لحود، باسم السبع، أنطوان غانم، مصباح الأحدب، نقيب الصحافة محمد البعلبكي، رئيس تحرير صحيفة السفير طلال سلمان، غابي المرّ صاحب محطة “أم تي في”، حبيب صادق رئيس المنبر الديمقراطي، فاروق دحروج أمين عام الشيوعي، وأجمعت الكلمات والبيان الختامي على المطالبة بالافراج عن جميع المعتقلين، ومناشدة القضاة أن يدافعوا عن استقلال القضاء، ومجلس الوزراء مجتمعًا بتحمل مسؤولياته الدستورية عبر إشرافه على الأجهزة الأمنية واخضاعها بالفعل لسلطته السياسية المستندة إلى أحكام الدستور، واستنكار تعديل المجلس النيابي قانون أصول المحاكمات الجزائية بعد أقل من عشرة أيام على إقراره ونشره بغالبية موصوفة، ما شكل استهتارًا بقيمة التمثيل الشعبي وإساءة كبيرة إلى دور الهيئة التشريعية.

وشكلت مواقف وتعليقات بعض الصحافيين مصدر ازعاج كبير للسلطة اللبنانية، ومن خلفها السلطة السورية، واعتبرت افتتاحيات غسان تويني التي يكتبها صباح كل اثنين في صحيفة “النهار” الأكثر قساوة في نقد تصرفات السلطة اللبنانية ومن خلفها السورية المتحكمة بكل شيء في لبنان، وهاجم بعنف التدخل والسطوة الأمنية – السياسية السورية على الحكم والإدارة في لبنان، وفند التحكم السوري في اقتصاد لبنان، مركزًا على الاتفاقات الموقعة بين سوريا والعراق التي تفتح أبواب واسعة لسوريا اقتصاديًا وتجاريًا، فيما تمنع لبنان من توقيع مثل هذه الاتفاقات ما يؤثر سلبًا على الوضع الاقتصادي اللبناني الذي أصبح في وضع مذرٍ جدًا.

استوجبت افتتاحيات غسان تويني ردودًا من بعض حلفاء سوريا، اقتصرت على الشتم والاتهامات دون الغوص في ما كتب وذكر.

ما هي إلا أيام مرّت على أحداث آب المشؤومة، وانفراج الأيام الأخيرة من الشهر، حتى وجد مجلس المطارنة الموارنة في 5 أيلول نفسه مضطرًا من جديد إلى إصدار بيان – نداء بدا تثبيتًا لمضمون النداء الأول.

لم تتمكن السلطات الأمنية من اعتقال كل الناشطين

كان لا بد أن يبقى البعض خارج المعتقل لتأمين التواصل، فاختفى فادي شاماتي وصعود بو شبل عن الأعين ورغم البحث غير المسبوق عنهما والسؤال المتواصل للموقوفين عن مكانهما لم تتمكن الأجهزة الأمنية من الوصول إليهما.

كان وجود الشاماتي وبو شبل خارج المعتقل عاملا مهمًّا في تحريك الاحتجاجات والتواصل مع وسائل الاعلام، وأواخر شهر آب بعد أن هدأت الحال وأطلق سراح معظم الموقوفين سلما نفسيهما.

كانت تهمتهما بداية التواصل مع منسّق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان، أوديد زاراي، بالتنسيق مع الدكتور توفيق الهندي، وبعد تحقيقات مطوّلة تمّ الادعاء عليهما بتهمة الانتماء إلى حزب منحلّ، ومرافقة البطريرك صفير في جولته في الجبل، والتحضير لقداس الشهداء في إيليج. وبعد 20 يومًا، أُخلي سبيلهما لقاء كفالة مليوني ليرة لكلّ منهما، لم تكن مؤمّنة معهما، فتمّ جمعها من الأقارب والرفاق. وأواخر تشرين الأول، أُطلق سراح نادر نادر، وفي 29 تشرين الثاني، أُطلق سراح سلمان سماحه وإيلي كيروز.

في 30 تشرين الثاني توفي أنطوان يونس والد الشاعر حبيب يونس ورغم الاتصالات لم يسمح لابنه بالمشاركة في دفن والده.

مع نهاية العام 2001، لم يبقَ في المعتقل سوى الدكتور توفيق الهندي وحبيب يونس، المحكوم عليهما بالسجن 15 شهرًا، وأنطوان باسيل، المحكوم عليه بالسجن 30 شهرًا. وفي شباط 2004، وفيما كان لبنان يخطو خطواته الأولى باتجاه الاستقلال الثاني، أُسدل الستار على ما جرى في 7 و9 آب 2001، مع إطلاق سراح آخر الموقوفين، الصحافي أنطوان باسيل، بعد أسابيع وأشهر وسنوات قاسية عاشتها عائلات جميع الموقوفين.

آب 2001… شهر القمع وتطويق الحريات: ماذا جرى في 9 آب؟

الكاتب: نبيل يوسف | المصدر: نداء الوطن
10 آب 2026

لم تكتف السلطات الأمنية بما جرى في 6 و 7 آب، فعلى أثر ما حصل دعت نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس إلى الاعتصام احتجاجًا في قصر العدل في بيروت، ودعا “التيار الوطني الحرّ” إلى اعتصام أمام قصر العدل، وفيما عشرات السياسيين والمحامين يعتصمون في قصر العدل، قامت السلطات الأمنية بافلات عناصرها التي ترتدي ملابس مدنية لقمع المعتصمين أمام قصر العدل بطريقة وحشية.

أثارت الصور التي نشرت وأظهرت التعديات الفاضحة من قبِل عناصر الأجهزة الأمنية الذين كانوا ينهالون ضربًا على المعتصمين قرب بوابة قصر العدل، موجة انتقادات واسعة محليًا وعالميًّا.

حاولت السلطة استيعاب ما حصل، فأعلنت أن أخطاء حصلت من الجميع، وكلفت قيادة الجيش الشرطة العسكرية إجراء التحقيقات اللازمة لتحديد من تجاوزوا المهمة الموكلة إليهم تمهيدًا لاتخاذ الاجراءات التأديبية في حقهم، لكن لم ينشر أي تحقيق أو حكم صدر بحق أي عنصر أمني، وبررت السلطة ذلك بوجوب المحافظة على هيبة رجال الأمن.

ظلت هذه التجاوزات تتفاعل، ولعل أهم ما نشر عما جرى يومها ما أوردته مجلة “الوطن العربي” في مقالها الرئيسي في العدد الصادر في 17 آب 2001 تحت عنوان: “الوطن العربي تكشف: ضباط سوريون يقودون أجهزة أمنية لبنانية حساسة”، وفي التحقيق أن خمسة آلاف سوري يتجولون في لبنان بملابس الجيش اللبناني، وقد منع الأمن العام اللبناني دخول المجلة، لكن المقال وصل إلى الجميع عبر الإنترنت والفاكس والتصوير، وفي 28 آب استدعى قاضي التحقيق المسؤولين عن المجلة لاستجوابهم على نشرهم أخبار كاذبة وتحقيرًا بالجيش اللبناني والجيش السوري ومسًّا بسمعتهما.

حاول الرئيس رفيق الحريري احتواء الأزمة والتعجيل بالتحقيقات مع الموقوفين، فيما قرر مجلس الأمن المركزي الذي انعقد برئاسة الوزير الياس المرّ حظر أي نشاط لتنظيمي “القوات اللبنانية” و”التيّار الوطني الحرّ” على اعتبار أن التنظيم الأول محظور والثاني غير مرخص.

في 11 آب، أعلن مدعي عام التمييز عدنان عضوم إطلاق سراح 53 موقوفًا والإبقاء على من كانوا يشاركون في الاعتصام أمام قصر العدل، حكم عليهم لاحقًا بالسجن مددًا تتراوح بين أسبوع وشهر ونصف بتهمة توزيع منشورات تضر بسمعة الجيش السوري وتشهّر برئيس الجمهورية، كان من بينهم أدونيس عكرة، أنطوان الخوري حرب، مارون ناصيف، طوني أوريان، زياد أسود، نعيم عون وأنطوان نصرالله، الذين حكم عليهم بالسجن لمدة شهر ونصف، وخلافًا للقانون تابعت السلطة محاولة تغطية ما حصل فعرضت وسائل الاعلام تسجيلاً لما قيل إنه اعترافات أولية أدلى بها الدكتور توفيق الهندي حول اتصالات قام بها في باريس مع الإسرائيليين وبعض قياديي “القوات اللبنانية”.

لم يبرأ هذا التسجيل تصرفات السلطات الأمنية، فجميع من شاهدوا الشريط جزموا أن ما جرى مع الدكتور توفيق الهندي كان فيلمًا سيء الاخراج.

الضربة الموجعة الأكثر إيلامًا للنظام الديمقراطي اللبناني كانت التراجع عن قانون أصول المحاكمات الجزائية فما قصة هذا القانون؟

كان مجلس النواب صوّت على قانون جديد وعصري لأصول المحاكمات الجزائية بعد دراسة استمرت أعوامًا، شارك فيها عشرات الاختصاصيين، لكن رئيس الجمهورية إميل لحّود رده إلى مجلس النواب، فما كان من بعض النواب المؤيدين لرئيس الجمهورية إلا أن تقدموا بمشروع قانون لتعديل بعض مواد في القانون الذي كانوا صوتوا عليه بما يتناسب مع رد رئيس الجمهورية.

عقدت جلسة تعديل القانون في 13 آب 2001 واعتبرت من أعنف وأشد جلسات مجلس النواب صخبًا وانقسامًا بين النواب المعارضين الذين رفضوا أي مس بالقانون الجديد، وشنوا هجومًا واسعًا على الأجهزة الأمنية ومحاولة عسكرة الوطن وتحويله إلى ثكنة عسكرية، واعتبرت مداخلات الوزيرين: مروان حماده، وغازي العريضي، والنواب: بطرس حرب، نائلة معوض، نسيب لحود، بيار الجميل، فارس سعيد، مصباح الأحدب، أحمد فتفت، أنطوان غانم، باسم السبع، أكرم شهيب وصلاح حنين الأقسى والأعنف في هجوم المعارضة على التعديلات المقترحة.

في النهاية صوّت النواب على التعديلات التي اقترحها رئيس الجمهورية التي تعطي الأجهزة الأمنية والنيابات العامة مزيدًا من الصلاحيات، خاصة إطالة أمد التوقيفات من دون محاكمة.

في تبريره لتصويت كتلته مع التعديلات خلافًا لموقفها السابق، اعتبر الرئيس رفيق الحريري أنه يؤيد التعديلات المقترحة من لحود حرصًا على الوضع السياسي في البلد، واعتبر أن الأمر لا علاقة له بالتشريع إنما له علاقة بالسياسة “ونحن سنمشي في التعديل ليس عن اقتناع وانما لأن الوضع السياسي يحتم ويفرض ذلك”. أما رئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط الذي صوت ضد التعديلات، فقال إن رئيس الحكومة “جاء على مضض الآخرين وإذا صارت لهم فرصة سيطيرونه”، وخاطب الرئيس رفيق الحريري قائلا: “أنصح بألا تسلم الحكم إلى قرطة العسكر، فأنا أعرفهم أكثر منك، نحن نريد مساعدة لحود، ولكن إذا كان المطلوب مخالفة الدستور والطائف في هذا الاقتراح فنحن ضده”.

على أثر إعادة إقرار تعديل أصول المحاكمات الجزائية خفت حدة الخطاب السياسي، وحاول إميل لحود التهدئة واستيعاب نتائج العاصفة الأمنية – السياسية ومفاعيلها، فعقد لقاء ضمه مع نبيه بري ورفيق الحريري وزار الصرح البطريركي في الديمان.

ليلة زيارة الرئيس لحود إلى الديمان وخلافًا للأعراف تم فتح أبواب السجون ليلا لاطلاق سراح 75 موقوفًا لقاء كفالات مالية لم تتجاوز المئة ألف ليرة، لكن معظم الموقوفين رفضوا دفع الكفالة والخروج من السجن مشددين على براءتهم، فما كان من السلطة إلا أن أوعزت لبعض حلفائها بالتبرع بدفع الكفالات عن الرافضين دفعها وإطلاق سراحهم، وقبل منتصف الليل كان معظم الموقوفين وصلوا إلى منازلهم. فيما تم إحالة رئيس مصلحة الطلاب في “القوات اللبنانية” سلمان سماحه، والمحامي إيلي كيروز إلى المحكمة العسكرية بتهمة اخفاء معلومات تتعلق بتعامل البعض مع اسرائيل.

كما التقى الرئيس لحود النائب وليد جنبلاط، الذي كان زار دمشق واجتمع بالرئيس السوري بشار الأسد، واستقبل الرئيس لحود وفدًا من لقاء قرنة شهوان بهدف فتح حوار مع اللقاء.

ردًّا على زيارة لحود إلى الديمان والحوار مع لقاء قرنة شهوان، اعتبر العماد ميشال عون أن ما يبديه البطريرك صفير ولقاء قرنة شهوان من ليونة واعتدال تجاه رئيس الجمهورية خطأ كبير، إذ أنهما أهدرا الحالة الشعبية وأعادا الاعتبار إلى “الحاكم”، وانبرى للرد عليه نجل الرئيس لحود النائب إميل إميل لحود والوزيران الياس المرّ وجان لوي قرداحي.

أما المعارضة، فتابعت رفع الصوت وعقدت في 16 آب في فندق الكارلتون في بيروت مؤتمرًا تحت شعار: المؤتمر الوطني للدفاع عن الحريات والديمقراطية، شارك فيه عدد كبير من النواب والشخصيات السياسية وممثلي أحزاب ونقابات وهيئات ثقافية.

حضر المؤتمر: الرئيس أمين الجميل، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، لقاء قرنة شهوان، نواب اللقاء الديمقراطي، المنبر الديمقراطي، حزب الوطنيين الأحرار، التيار الوطني الحرّ، القوات اللبنانية، حزب الكتلة الوطنية، الحزب الشيوعي اللبناني، حركة التجدد الديمقراطي، الحركة الاصلاحية الكتائبية، عدد من النواب المستقلين، وكان لافتًا مشاركة أربعة نواب من كتلة قرار بيروت التي يترأسها الرئيس رفيق الحريري هم النواب: غنوة جلول، عاطف مجدلاني، غطاس خوري، وليد عيدو.

تحدث في اللقاء النواب: وليد جنبلاط، نائلة معوض، بطرس حرب، نسيب لحود، باسم السبع، أنطوان غانم، مصباح الأحدب، نقيب الصحافة محمد البعلبكي، رئيس تحرير صحيفة السفير طلال سلمان، غابي المرّ صاحب محطة “أم تي في”، حبيب صادق رئيس المنبر الديمقراطي، فاروق دحروج أمين عام الشيوعي، وأجمعت الكلمات والبيان الختامي على المطالبة بالافراج عن جميع المعتقلين، ومناشدة القضاة أن يدافعوا عن استقلال القضاء، ومجلس الوزراء مجتمعًا بتحمل مسؤولياته الدستورية عبر إشرافه على الأجهزة الأمنية واخضاعها بالفعل لسلطته السياسية المستندة إلى أحكام الدستور، واستنكار تعديل المجلس النيابي قانون أصول المحاكمات الجزائية بعد أقل من عشرة أيام على إقراره ونشره بغالبية موصوفة، ما شكل استهتارًا بقيمة التمثيل الشعبي وإساءة كبيرة إلى دور الهيئة التشريعية.

وشكلت مواقف وتعليقات بعض الصحافيين مصدر ازعاج كبير للسلطة اللبنانية، ومن خلفها السلطة السورية، واعتبرت افتتاحيات غسان تويني التي يكتبها صباح كل اثنين في صحيفة “النهار” الأكثر قساوة في نقد تصرفات السلطة اللبنانية ومن خلفها السورية المتحكمة بكل شيء في لبنان، وهاجم بعنف التدخل والسطوة الأمنية – السياسية السورية على الحكم والإدارة في لبنان، وفند التحكم السوري في اقتصاد لبنان، مركزًا على الاتفاقات الموقعة بين سوريا والعراق التي تفتح أبواب واسعة لسوريا اقتصاديًا وتجاريًا، فيما تمنع لبنان من توقيع مثل هذه الاتفاقات ما يؤثر سلبًا على الوضع الاقتصادي اللبناني الذي أصبح في وضع مذرٍ جدًا.

استوجبت افتتاحيات غسان تويني ردودًا من بعض حلفاء سوريا، اقتصرت على الشتم والاتهامات دون الغوص في ما كتب وذكر.

ما هي إلا أيام مرّت على أحداث آب المشؤومة، وانفراج الأيام الأخيرة من الشهر، حتى وجد مجلس المطارنة الموارنة في 5 أيلول نفسه مضطرًا من جديد إلى إصدار بيان – نداء بدا تثبيتًا لمضمون النداء الأول.

لم تتمكن السلطات الأمنية من اعتقال كل الناشطين

كان لا بد أن يبقى البعض خارج المعتقل لتأمين التواصل، فاختفى فادي شاماتي وصعود بو شبل عن الأعين ورغم البحث غير المسبوق عنهما والسؤال المتواصل للموقوفين عن مكانهما لم تتمكن الأجهزة الأمنية من الوصول إليهما.

كان وجود الشاماتي وبو شبل خارج المعتقل عاملا مهمًّا في تحريك الاحتجاجات والتواصل مع وسائل الاعلام، وأواخر شهر آب بعد أن هدأت الحال وأطلق سراح معظم الموقوفين سلما نفسيهما.

كانت تهمتهما بداية التواصل مع منسّق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان، أوديد زاراي، بالتنسيق مع الدكتور توفيق الهندي، وبعد تحقيقات مطوّلة تمّ الادعاء عليهما بتهمة الانتماء إلى حزب منحلّ، ومرافقة البطريرك صفير في جولته في الجبل، والتحضير لقداس الشهداء في إيليج. وبعد 20 يومًا، أُخلي سبيلهما لقاء كفالة مليوني ليرة لكلّ منهما، لم تكن مؤمّنة معهما، فتمّ جمعها من الأقارب والرفاق. وأواخر تشرين الأول، أُطلق سراح نادر نادر، وفي 29 تشرين الثاني، أُطلق سراح سلمان سماحه وإيلي كيروز.

في 30 تشرين الثاني توفي أنطوان يونس والد الشاعر حبيب يونس ورغم الاتصالات لم يسمح لابنه بالمشاركة في دفن والده.

مع نهاية العام 2001، لم يبقَ في المعتقل سوى الدكتور توفيق الهندي وحبيب يونس، المحكوم عليهما بالسجن 15 شهرًا، وأنطوان باسيل، المحكوم عليه بالسجن 30 شهرًا. وفي شباط 2004، وفيما كان لبنان يخطو خطواته الأولى باتجاه الاستقلال الثاني، أُسدل الستار على ما جرى في 7 و9 آب 2001، مع إطلاق سراح آخر الموقوفين، الصحافي أنطوان باسيل، بعد أسابيع وأشهر وسنوات قاسية عاشتها عائلات جميع الموقوفين.

مزيد من الأخبار