لماذا انقلب قاسم فجأة من العداء إلى طلب الحوار مع السلطة اللبنانية والقيادة السورية؟

قرار بهذا الحجم لا يستطيع الحزب أن يتّخذه بمعزل عن إيران، وعلى ما يبدو بات الحزب تركة ثقيلة عليها ولا يخدمها في المفاوضات لذا تعمل على إعادة تموضعه سياسياً وبطريقة مختلفة تراعي مصالحها أولاً وليس مصالحه بحسب ما يعتقد
فاجأ الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الجميع بتقلباته السياسية قبل أيام، فسار من الخط الممانع إلى الخط الهادئ من دون سابق إنذار، فحيّر بصورة خاصة البيئة الحاضنة للحزب خلال خطابه الأخير، موجّهاً الغزل إلى السلطة اللبنانية بعد النعوت والاتهامات “بالعمالة وبجلبها العار للبنان من خلال المفاوضات التي تقوم بها مع إسرائيل، والتي لم تجلب للبنان إلّا العار والذل والخيبة والتنازلات المتتالية، وبأنها كانت عوناً لإسرائيل بدلاً من أن تكون عوناً للبنان”، مع اعتبار قاسم “أنّ الرئيس جوزاف عون أصبح طرفاً وهذا لا ينسجم مع دوره، كما دعا السلطة اللبنانية إلى إيقاف التنازلات المجانية”، وفي نهاية المطاف “بيضّها” قاسم بالدعوة إلى الانفتاح تجاه السلطة اللبنانية، لترميم الوضع الداخلي وتوزيع شهادات بالسيادة من خلال خطاب متناقض من كل الاتجاهات.
قاسم يتنقل بين الخصوم لترميم ما انكسر!
إلى ذلك واصل قاسم ترميم العلاقات فانتقل من قصر بعبدا إلى قصر الشعب والجارة السورية، المتمثلة بمَن كان يسميه أبو محمد الجولاني والداعشي، والذي تحوّل فجأة عبر قاسم إلى “الرئيس السوري أحمد الشرع”، مع دعوة للحوار. الأمر الذي جعل هذا الانقلاب يستدعي أسئلة عديدة حول الهدف من هذا الغزل لدمشق والحنين للعلاقة الثنائية مع سوريا الجديدة، فتمنى بعدما شنّ حربه عليها دفاعاً عن النظام الأسدي القاتل بأن تبقى موحّدة، معتبراً انّ سوريا المستقرة هي سند للبنان ولبنان المستقر هو سند لسوريا.
بعد هذا الكلام المنمّق اعلن قاسم استعداد الحزب لعقد لقاء علني مع الرئيس الشرع في وقت مناسب للطرفين، مع الإشارة إلى أنّ الأخير سبق أن أبدى استعداده للحوار مع الحزب الأصفر إذا كان ذلك يخدم مصالح سوريا ولبنان.
ماذا وراء هذا الحنين والخطاب المتناقض؟
لا شك في أنّ إعلان قاسم لجهوزية الحزب للحوار مع السلطة المتمثلة أولاً برئيس الجمهورية، يؤكد على مدى تراجع الصوت العالي والتهديدات و”العنتريات” الهابطة، وببدء قبول الواقع بأنّ الحصار يطوّق الحزب من كل الجهات، وبأنه يعيش الواقع الأليم والمأزوم بعد تغيّر موازين القوى الإقليمية والميدانية، وعندها أدرك الحزب أنّ استمرار القطيعة والصدام مع المتغيرات في المنطقة لم يعد ينفع، في ظل تراجع قدراته واحتياجه لوقف الحرب، بالتزامن مع الحديث الأميركي المتكرّر عن تكليف الشرع الدخول إلى لبنان للتعامل مع سلاح حزب الله على الحدود الشرقية، وبعد سقوط كل محاولات تهريب السلاح وتوابعه عبر الحدود السورية، ومن ثم رغبة الحزب في تخفيف الضغوط عبر البحث عن قواسم تحمي استقرار لبنان وسوريا، مع السعي لمنع تحوّل التوتر الحدودي الأمني إلى صدام مفتوح.
في سياق متصل أتت دعوة قاسم للحوار في إطار محاولة الحزب إعادة ترتيب أوراقه السياسية، من خلال الضغط على الحكومة اللبنانية لوقف مسار المفاوضات مع إسرائيل، والرد على مساعي حصر السلاح بيد الدولة، من خلال فرض معادلة الحوار مع الحزب، كبديل لتفرّد السلطة بالقرار الأمني والعسكري.
خلفية الانفتاح على القيادة السورية
وعلى خط الانفتاح على قيادة الشرع، فالحزب الأصفر يهدف إلى تطبيع وضبط العلاقات بعد مرحلة طويلة من التصدّع، لذا اختار فك العزلة بعد خسارته لطرق الإمداد السابقة عقب التغييرات السياسية في سوريا، والضغط الأميركي المستمر لضبط الحدود ومراقبة أي نشاط عسكري أو لوجستي، لذا يعمل حزب الله اليوم على ضمانة ألا تكون الجبهة السورية معادية له، على الرغم من الصعوبة القصوى في الحصول على تلك الضمانة بعد كل الذي قام به الحزب خلال الحرب السورية، لكن تبقى محاولته للبحث عن مظلة إقليمية مشتركة تواجه الضغوط الإسرائيلية بحسب ما يرى. مع الإشارة إلى أنّ قاسم يدرك تماماً أنّ دمشق أصبحت لاعباً أساسياً في أمن الحدود الشرقية، لذا لا يستطيع اليوم تجاهلها او الاستمرار في عدائها، بل يسعى للحصول على ضمان عدم تحولها إلى منصّة ضغط عسكري على حزبه.
هل أتت مبادرة قاسم بعد ضوء أخضر إيراني؟
تبدو نسبة هذا الاحتمال مرتفعة جداً، لأنّ قراراً بهذا الحجم لا يستطيع حزب الله أن يتخذه بمعزل عن إيران التي تحتاج إلى تخفيف عدد الجبهات، بالتزامن مع كثرة المحادثات والمفاوضات والاتصالات الأميركية – الإيرانية في هذه المرحلة الصعبة والظروف الخطرة، إذ من المنطقي جداً أن تسعى إيران إلى خفض الملفات والقضايا المستعصية التي تطوقها من كل حدب وصوب، وعلى ما يبدو بات الحزب تركة ثقيلة عليها ولا يخدمها في المفاوضات، لذا تعمل على إعادة تموضعه سياسياً وبطريقة مختلفة تراعي مصالحها أولاً وليس مصالحه بحسب ما يعتقد، إذ استوعبت بعد وقت طويل بأنّ الحوار مع السلطة اللبنانية حول مصير السلاح قد مرّ عليه الزمن، والمظلّة اليوم تبقى لسقف الدولة وسيادتها وحرّية قرارها، والحوار الجدّي والفعلي ينطلق من وجود سلطة شرعية واحدة وجيش واحد لا غير.
لماذا انقلب قاسم فجأة من العداء إلى طلب الحوار مع السلطة اللبنانية والقيادة السورية؟

قرار بهذا الحجم لا يستطيع الحزب أن يتّخذه بمعزل عن إيران، وعلى ما يبدو بات الحزب تركة ثقيلة عليها ولا يخدمها في المفاوضات لذا تعمل على إعادة تموضعه سياسياً وبطريقة مختلفة تراعي مصالحها أولاً وليس مصالحه بحسب ما يعتقد
فاجأ الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الجميع بتقلباته السياسية قبل أيام، فسار من الخط الممانع إلى الخط الهادئ من دون سابق إنذار، فحيّر بصورة خاصة البيئة الحاضنة للحزب خلال خطابه الأخير، موجّهاً الغزل إلى السلطة اللبنانية بعد النعوت والاتهامات “بالعمالة وبجلبها العار للبنان من خلال المفاوضات التي تقوم بها مع إسرائيل، والتي لم تجلب للبنان إلّا العار والذل والخيبة والتنازلات المتتالية، وبأنها كانت عوناً لإسرائيل بدلاً من أن تكون عوناً للبنان”، مع اعتبار قاسم “أنّ الرئيس جوزاف عون أصبح طرفاً وهذا لا ينسجم مع دوره، كما دعا السلطة اللبنانية إلى إيقاف التنازلات المجانية”، وفي نهاية المطاف “بيضّها” قاسم بالدعوة إلى الانفتاح تجاه السلطة اللبنانية، لترميم الوضع الداخلي وتوزيع شهادات بالسيادة من خلال خطاب متناقض من كل الاتجاهات.
قاسم يتنقل بين الخصوم لترميم ما انكسر!
إلى ذلك واصل قاسم ترميم العلاقات فانتقل من قصر بعبدا إلى قصر الشعب والجارة السورية، المتمثلة بمَن كان يسميه أبو محمد الجولاني والداعشي، والذي تحوّل فجأة عبر قاسم إلى “الرئيس السوري أحمد الشرع”، مع دعوة للحوار. الأمر الذي جعل هذا الانقلاب يستدعي أسئلة عديدة حول الهدف من هذا الغزل لدمشق والحنين للعلاقة الثنائية مع سوريا الجديدة، فتمنى بعدما شنّ حربه عليها دفاعاً عن النظام الأسدي القاتل بأن تبقى موحّدة، معتبراً انّ سوريا المستقرة هي سند للبنان ولبنان المستقر هو سند لسوريا.
بعد هذا الكلام المنمّق اعلن قاسم استعداد الحزب لعقد لقاء علني مع الرئيس الشرع في وقت مناسب للطرفين، مع الإشارة إلى أنّ الأخير سبق أن أبدى استعداده للحوار مع الحزب الأصفر إذا كان ذلك يخدم مصالح سوريا ولبنان.
ماذا وراء هذا الحنين والخطاب المتناقض؟
لا شك في أنّ إعلان قاسم لجهوزية الحزب للحوار مع السلطة المتمثلة أولاً برئيس الجمهورية، يؤكد على مدى تراجع الصوت العالي والتهديدات و”العنتريات” الهابطة، وببدء قبول الواقع بأنّ الحصار يطوّق الحزب من كل الجهات، وبأنه يعيش الواقع الأليم والمأزوم بعد تغيّر موازين القوى الإقليمية والميدانية، وعندها أدرك الحزب أنّ استمرار القطيعة والصدام مع المتغيرات في المنطقة لم يعد ينفع، في ظل تراجع قدراته واحتياجه لوقف الحرب، بالتزامن مع الحديث الأميركي المتكرّر عن تكليف الشرع الدخول إلى لبنان للتعامل مع سلاح حزب الله على الحدود الشرقية، وبعد سقوط كل محاولات تهريب السلاح وتوابعه عبر الحدود السورية، ومن ثم رغبة الحزب في تخفيف الضغوط عبر البحث عن قواسم تحمي استقرار لبنان وسوريا، مع السعي لمنع تحوّل التوتر الحدودي الأمني إلى صدام مفتوح.
في سياق متصل أتت دعوة قاسم للحوار في إطار محاولة الحزب إعادة ترتيب أوراقه السياسية، من خلال الضغط على الحكومة اللبنانية لوقف مسار المفاوضات مع إسرائيل، والرد على مساعي حصر السلاح بيد الدولة، من خلال فرض معادلة الحوار مع الحزب، كبديل لتفرّد السلطة بالقرار الأمني والعسكري.
خلفية الانفتاح على القيادة السورية
وعلى خط الانفتاح على قيادة الشرع، فالحزب الأصفر يهدف إلى تطبيع وضبط العلاقات بعد مرحلة طويلة من التصدّع، لذا اختار فك العزلة بعد خسارته لطرق الإمداد السابقة عقب التغييرات السياسية في سوريا، والضغط الأميركي المستمر لضبط الحدود ومراقبة أي نشاط عسكري أو لوجستي، لذا يعمل حزب الله اليوم على ضمانة ألا تكون الجبهة السورية معادية له، على الرغم من الصعوبة القصوى في الحصول على تلك الضمانة بعد كل الذي قام به الحزب خلال الحرب السورية، لكن تبقى محاولته للبحث عن مظلة إقليمية مشتركة تواجه الضغوط الإسرائيلية بحسب ما يرى. مع الإشارة إلى أنّ قاسم يدرك تماماً أنّ دمشق أصبحت لاعباً أساسياً في أمن الحدود الشرقية، لذا لا يستطيع اليوم تجاهلها او الاستمرار في عدائها، بل يسعى للحصول على ضمان عدم تحولها إلى منصّة ضغط عسكري على حزبه.
هل أتت مبادرة قاسم بعد ضوء أخضر إيراني؟
تبدو نسبة هذا الاحتمال مرتفعة جداً، لأنّ قراراً بهذا الحجم لا يستطيع حزب الله أن يتخذه بمعزل عن إيران التي تحتاج إلى تخفيف عدد الجبهات، بالتزامن مع كثرة المحادثات والمفاوضات والاتصالات الأميركية – الإيرانية في هذه المرحلة الصعبة والظروف الخطرة، إذ من المنطقي جداً أن تسعى إيران إلى خفض الملفات والقضايا المستعصية التي تطوقها من كل حدب وصوب، وعلى ما يبدو بات الحزب تركة ثقيلة عليها ولا يخدمها في المفاوضات، لذا تعمل على إعادة تموضعه سياسياً وبطريقة مختلفة تراعي مصالحها أولاً وليس مصالحه بحسب ما يعتقد، إذ استوعبت بعد وقت طويل بأنّ الحوار مع السلطة اللبنانية حول مصير السلاح قد مرّ عليه الزمن، والمظلّة اليوم تبقى لسقف الدولة وسيادتها وحرّية قرارها، والحوار الجدّي والفعلي ينطلق من وجود سلطة شرعية واحدة وجيش واحد لا غير.









